لم تكن المشكلة يوماً في أن يجتهد الفقيه، فالاجتهاد في جوهره محاولة بشرية لفهم النص والواقع، وهو فعلٌ يحتمل الصواب والخطأ.
لكن الإشكالية تبدأ في اللحظة التي يقترب فيها الاجتهاد من منطقة العصمة، وحين تتحول القراءة السياسية إلى تكليفٍ إلهي لا يجوز الاقتراب منه.
في العقيدة الشيعية التقليدية، يحتل الإمام المعصوم موقعاً استثنائياً؛ فهو، بحسب الإيمان المذهبي، منصوص عليه من الله، ومعصوم من الخطأ، وتتحرك أفعاله ضمن إرادة إلهية مفترضة.
لذلك، فإن تضحيته أو صلحه أو قتاله يُفهم ضمن هذا الإطار العقائدي الخاص.
أما الفقيه، فمهما بلغ علمه، يبقى إنساناً: يجتهد ويصيب، ويجتهد ويخطئ، وتقديراته السياسية ليست وحياً، بل قراءات بشرية مرتبطة بالزمان والمصلحة والواقع.
القداسة.. من الفقيه إلى الإمام!
من هنا يبرز السؤال الخطير: كيف انتقل بعض الفقه السياسي المعاصر من فكرة “مرجعية الفقيه” إلى ما يشبه “تمثيل المعصوم”؟
حين يُقال إن حفظ النظام السياسي أهم من حياة الناس، وإن بقاء الدولة هو بقاء الإسلام نفسه، فنحن لا نكون أمام اجتهاد فقهي عابر، بل أمام نقلٍ تدريجي لقداسة الإمام إلى السلطة السياسية التي يديرها الفقيه.
وهنا تصبح الدولة عقيدة، ويصبح نقدها مساساً بالدين، ويتحول الخلاف السياسي إلى شبهة خروجٍ على المقدس.
المفارقة أن التاريخ الإسلامي نفسه لا يقول بذلك.
سقطت دول وخلافات وسلاطين، ولم يسقط الإسلام.
انتهت إمبراطوريات كانت تظن نفسها ظل الله على الأرض، وبقي الدين أبعد من حدود السلطة وأعمق من جغرافيا الأنظمة.
الإمام الحسين(ع)،في الوعي الشيعي، لم يكن مشروع سلطة بقدر ما كان صرخةً ضد تحويل الدين إلى أداة حكم مطلق.
لكن الخطر يبدأ حين تتحول كل دولة ترفع شعار الدين إلى صورة عن الإمام الحسين(ع)، وكل معارضة لها إلى صورة عن يزيد.
بين المعصوم والفقيه مسافة اسمها الخطأ البشري.
وحين تُلغى هذه المسافة، لا يعود الفقيه مجتهداً يشرح الدين، بل يصبح ظلاًّ سياسياً للمعصوم، حتى لو لم يُعلَن ذلك صراحة.
وهنا يصبح السؤال واجباً: من يحمي الدين فعلاً؟ الإيمان الحر، أم النظام الذي يخشى السقوط؟