مقدمة
توجد نظريتان أساسيتان لثبوت الشهر، هما نظرية اختلاف الآفاق وهي المشهورة بين الفقهاء والنظرية الأخرى وحدة الأفق وهي موضوع حديثنا في هذا المقال.
نظرية وحدة الأفق لا تشترط رؤية الهلال في بلد المكلف كما سيتضح لاحقاً، بل تكفي الرؤية في البلدان البعيدة الغربية، ويتفرع من هذه النظرية عدة فروع كالاشتراك في الليل والاشتراك في أغلب الليل والاشتراك في اليوم إلى قبل الزوال والاشتراك في بلدان العالم القديم.
الاستدلال الشرعي
في هذا الجانب استبعد الفقهاء الروايات الأولية الدالة على دخالة الرؤية في ثبوت الشهر، واستدلوا بالروايات الخاصة بقضاء الصوم ووقع الاختلاف بينهم فيما يتعلق بالحدود والمساحة المكانيّة للقبول بالشهادة على رؤية الهلال والذي أنتج فروع نظرية وحدة الأفق آنفة الذكر.
يقول السيد الخوئي (قدس سره) وهو مؤسس نظرية الاشتراك في الليل: “والمستفاد من روايات حكم الصوم الأوّليّة، وإن كان هو الأوّل، أعني إناطة الحكم بإمكانيّة الرؤية؛ إلاّ أنّ ما جاء في الروايات الخاصّة من كفاية حصول الرؤية في مصرٍ لتحقّق الشهر في جميع الأمصار التي تشترك مع ذلك المصر في ليل الرؤية دلّنا على عدم لزوم الاشتراك في الآفاق”(1).
الروايات
سوف أكتفي برواية واحدة من الروايات الخاصة بقضاء الصوم لأن موضوعها واحد وهو القضاء.
ورد في المنهاج للسيد الخوئي: … النصوص الدالة على ذلك، ونذكر جملة منها:
1ـ صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد الله(ع) أنه قال فيمن صام تسعة وعشرين قال: “إن كانت له بينة عادلة على أهل مصر أنهم صاموا ثلاثين على رؤيته قضى يوماً”.
فإن هذه الصحيحة بإطلاقها تدلنا ـ بوضوح ـ على أن الشهر إذا كان ثلاثين يوماً في مصر كان كذلك في بقية الأمصار بدون فرق بين كون هذه الأمصار متفقة في آفاقها أو مختلفة إذ لو كان المراد من كلمة مصر فيها المصر المعهود المتفق مع بلد السائل في الأفق لكان على الإمام(ع) أن يبين ذلك، فعدم بيانه مع كونه(ع) في مقام البيان كاشف عن الإطلاق(2).
مناقشة الرواية
حسب اطلاعي القاصر، قراءتي للروايات الخاصة هي قراءة جديدة حيث لم يتطرق لها أحد من قبل. وهي كون هذه الروايات تتحدث عن قضاء الصوم، والقضاء لا يكون إلا بعد فوات يوم من شهر رمضان، وحسب الرواية، الكاشف عن فوات يوم من أول الشهر هو البينة على أهل مصر أنهم صاموا ثلاثين على رؤيته، والبينة غير موجودة وفق مبنى وحدة الأفق.
وللتوضيح، عند تطبيق هذه الرواية على شهر شوال 1447 هجري، فإن شهر شوال لم يكن ثلاثين يوما في أمريكا (وفق مبنى وحدة الأفق) بل تسعة وعشرون يوماً وبالتالي لا يوجد فوات يوم من أول الشهر، وهذا دليل قاطع أن بداية شهر شوال يوم الجمعة وفق نظرية وحدة الأفق غير صحيحة.
وأن بداية شهر شوال يوم السبت هي الصحيحة حيث أن الشهر تسعة وعشرون يوماً ولا توجد بينة على أهل مصر أنه ثلاثون على رؤيته.
ومثال آخر على ذلك شهر محرم الحرام القادم 1448 هجري، تشير الحسابات الفلكية أن بداية الشهر هو يوم الثلاثاء 16 يونيو 2026 وفق مبنى وحدة الأفق، وهذا الإشكال (عدم وجود البينة) ينطبق على جميع الشهور التي تثبت وفق مبنى وحدة الأفق.
والعجيب في الأمر هو الحكم على الشهر في بلد الرؤية أنه ثلاثون يوماً من بداية الشهر!
الخاتمة
الروايات الخاصة بقضاء الصوم غير قابلة للتطبيق على وحدة الأفق، وإنما قابلة على اختلاف الآفاق حيث تلازم رؤية الهلال، ومبنى وحدة الأفق يفتقر إلى الدليل الشرعي.
الهوامش
(*) مهتمٌّ بمباني ثبوت الشهر
(1) من ضمن أجوبة السيد الخوئي في كتاب «رسالة حول مسألة الهلال» للسيد محمد الحسين الطهراني، ص 124.
(2) منهاج الصالحين، السيد الخوئي،ج 1، ص 281.