مقدّمة

لا يخفى على أيّ باحثٍ ما للحديث من أهمّيّة في حياة المسلمين، سواء كان هذا الحديث نبويّاً أو ولويّاً.

ولئن عانى الحديث النبويّ الشريف من سياسات بعض الخلفاء والسلاطين، الذين منعوا التحديث وتدوين الحديث طيلة القرن الهجريّ الأوّل، إلاّ أنّ جذوة إشراقه بقيت متأجِّجة في صدور عامّة المسلمين حتّى في ذلك القرن.

فلم يأبَهْ أكثرُهم لذلك الحظر، وحدّثوا بما سمعوه عن رسول الله(ص)، ودوّن كثيرٌ منهم محفوظاتِه من الحديث النبويّ الشريف، وتناقلتها الأجيال بعدُ، جيلاً بعد جيل.

ولئن ضاع ـ‌ عند أتباع الخلفاء ـ جزءٌ غيرُ يسيرٍ من الحديث النبويّ الشريف فإنّ أهل البيت(عم) حفظوا للمسلمين عموماً، ولشيعتهم خاصّةً، كلّ ذلك التراث النبويّ، الذي اجتمع عندهم في ما توارثوه من مدوَّنات أمير المؤمنين عليّ(ع)، وهكذا نقلوا عنه(ص) الكثير من الأحاديث.

ومرّت العصور، وتوالت الأيّام، وإذا بالمسلمين جميعاً يُقِرّون ويعترفون بالحاجة الماسّة إلى حديث رسول الله(ص)، وهكذا أولَوْه جُلّ اهتمامهم بعد كتاب الله عزّ وجلّ.

ومن مظاهر اهتمامهم به تدوينُهم له على نطاق واسعٍ في أصولٍ، وكتبٍ، ومجاميعَ، تضمّ عشراتِ الآلاف من الأحاديث.

ومن تلك المجاميع الحديثيّة الكبرى عند الشيعة في القرن الحادي عشر كتاب «تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة»، للشيخ الجليل محمّد بن الحسن الحُرّ المشغريّ الجبعيّ العامليّ.

وقد نال هذا الكتاب من الشهرةِ بين العلماء، والمرجعيّةِ في البحوث الفقهيّة، ما لم ينَلْه غيرُه من الكتب الحديثيّة الأخرى.

ولمّا لم يُشمِّر أحدٌ من العلماء ـ رغم شهرةِ الكتاب، واعتمادِه كمرجعٍ أساسٍ لمعظم البحوث الفقهيّة في الحوزات العلميّة ـ للتأليف في بيان منهج الشيخ الحُرّ فيه، بشكلٍ مستقلٍّ، ومفصَّلٍ، ووافٍ، فقد تجشّمنا عناء هذه المَهمّة، بما يتيح للباحثين، ولا سيّما الطلبة في الحوزات العلميّة، أن يتعرّفوا على طريقة الشيخ الحُرّ في تأليف كتابه، بحيث يصير بإمكانهم أن يرجعوا إليه متى شاؤوا ـ ولا بُدّ لهم من الرجوع إليه ـ آمنين من الوقوع في الاشتباه والوهم.

والسؤال الأساس هنا: هل اتّبع الشيخ الحُرّ في هذا الكتاب منهجاً واضحاً وثابتاً للوصول إلى أهدافه وغاياته من تأليف الكتاب؟

والجوابُ المفتَرَضُ لمثل هذا التساؤل: لا بُدّ للشيخ الحُرّ أن يكون قد اتّبع منهجاً واضحاً وثابتاً في هذا الكتاب، بحيث يخرج كتابه «وسائل الشيعة» مرتَّباً، ومختَصَراً، وجامعاً لأهمّ الأحاديث الدالّة على الأحكام الشرعيّة، والتي هي مورد بحث الفقهاء والعلماء، وإلاّ فإنّ هذا العمل الموسوعيّ الضخم سيفقد الكثيرَ من قيمته العلميّة.

وللوصول إلى الجواب الشافي عن ذاك التساؤل كان لا بُدّ من قراءةٍ متأنِّيةٍ لكامل أجزاء كتاب «وسائل الشيعة»،‌ واستكشاف المنهج الذي اتّبعه الشيخ الحُرّ في كتابه.   

ونعني بالمنهج الطرق والأساليب والخطوات التي اتّبعها الشيخ الحُرّ في كتابه «وسائل الشيعة» للوصول إلى غاياته وأهدافه، سواءً كانت أهدافاً أصليّةً، كذكر الأحاديث الدالّة على حكم شرعيّ، وترتيبها وَفْق ترتيب بعض الكتب الفقهيّة آنذاك، أو كانت غاياتٍ مستجِدّةً وطارئةً، كما في مسألة الاختصار قدر الإمكان.

1ـ تقسيم الكتاب وترتيبه

قسّم الشيخ الحُرّ كتابه إلى خمسة أقسام، وَفْق الترتيب التالي:

1ـ‌ مقدّمةٌ صغيرةٌ بيّن فيها هدفه من تأليف الكتاب، وداعيه إلى ذلك، وبعضاً من منهجه فيه.

2ـ‌ فهرستٌ إجماليٌّ للأقسام الرئيسيّة (الكتب) والفرعيّة (الأبواب) للكتاب.

3ـ الأحاديث في أقسام رئيسيّة (الكتب) وأقسام فرعيّة (الأبواب).

4ـ خاتمةٌ طويلةٌ تحوي اثنتي عَشْرة فائدةً رجاليّةً مهمّةً.

5ـ نهايةٌ قصيرةٌ بيَّن فيها بعض منهجيّته، وبعض النكات المهمّة لمَنْ يريد مراجعة «الوسائل».

إذاً فقد قسّم الشيخ الحُرّ الكتابَ إلى أقسام رئيسيّة، وهي الكتب؛ وأقسام فرعيّة، وهي الأبواب.

وقد رتّبها على ترتيب ما أورده المحقِّق الحلّيّ في كتابه «شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام».

ومن المُلاحَظ في تلك الأبواب عدّة أمور:

1ـ‌ إنّ بعضَها لا علاقة له بالأحكام الشرعيّة.

2ـ إنّ بعضَها لا علاقة له بالكتاب المدرَج فيه.

3ـ‌ إنّ بعضَها قد ذُكر في غير محلّه المناسب له، مع ذكر باب آخر بنفس العنوان تقريباً في المحلّ المناسب، وهذا ما يعني حصول تكرار لبعض الأبواب.

4ـ إنّ بعضَها قد ذُكر في غير محلّه من الترتيب عند الشيخ الصدوق والشيخ الطوسيّ.

5ـ إنّ بعضَها زائدٌ عمّا في الكتب الفقهيّة.

وأمّا في ترتيب الأحاديث في الأبواب فإنّ الشيخ الحُرّ يبدأ بنقل ما جاء في الكتب الأربعة، ثمّ ينقل ما جاء في غيرها من الكتب.

ويراعي في ترتيب تلك الأحاديث قوّة الأسانيد.

ومن الملاحَظ في أحاديث بعض الأبواب أنّ بعضها لا علاقة له من قريبٍ أو بعيدٍ بعنوان الباب، وقد يكون ذكرُ تلك الأحاديث من باب التمهيد للتعليق على ما جاء في بعض أحاديث الباب من معنىً غريبٍ ومستهجَنٍ.

ويُلاحَظ أيضاً أنّ الشيخ الحُرّ يذكر بعضَ الأحاديث تحت عنوان معيَّن، وهي في المصدر تحت عنوان آخر.

2ـ عناوين الأبواب

وضع الشيخ الحُرّ لكلّ بابٍ عنواناً خاصّاً به وَفْق ما يفهمه من أحاديث الباب، فكانت هذه العناوين بمثابة الفتوى للشيخ الحُرّ.

ومن الملاحَظ في تلك العناوين أنّ بعضها قد صيغ بشكل واضح وصريح في الدلالة على الحكم الشرعيّ المستفاد من الأحاديث؛

وبعضَها الآخر صيغ بشكل مبهَم، أي بما لا يدلّ على حكم معيَّن.

وهذا الإبهامُ للعنوان قد حصل منه في ثلاث حالات:

الحالة الأولى: عند عدم وضوح أحاديث الباب في حكم معيَّن.

الحالة الثانية: عند وضوح أحاديث الباب في حكمٍ معيَّنٍ.

الحالة الثالثة: عند وضوح أحاديث الباب في حكمٍ معيَّنٍ، وتعليقِه على بعض تلك الأحاديث بما يدلّ على حكمه في تلك المسألة.

ويُلاحَظ أيضاً أنّه مارس اختصاراً شديداً في العنوان، ما قد يؤدّي في بعض المواضع إلى تعقيد العبارة، ورُبَما إلى خفاء مراده، ورُبَما أدّى هذا الاختصار لإهمال ذكر بعض مداليل الأحاديث.

وقد نُقل عن أحد العلماء اعتقادُه بأنّ الشيخ الحُرّ قد أخذ عبارات عناوين أبواب كتابه ممّا جاء في كتاب «شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام» للمحقِّق الحلّيّ.

والمراد أنّ الشيخ الحُرّ قد أخذ عبارات تلك العناوين من مسائل وفتاوى المحقِّق الحلّيّ.

ولكنْ بعد التتبُّع والمقارنة يمكننا القول بأنّ ما ذُكر صحيحٌ في الجملة، لكنّه ليس صحيحاً على إطلاقه؛ لتعرّض الشيخ الحُرّ لمسائل لم يتعرّض لها المحقِّق؛ ولكون ما ذكره الشيخ الحُرّ في العناوين أوضح بكثير ممّا ذكره المحقِّق؛ ولمخالفة الشيخ الحُرّ للمحقِّق في بعض الفتاوى.

ويُلاحَظ أيضاً أنّ عناوين بعض الأبواب جاءت موافقةً تماماً لما ذُكر في بعض الكتب، كالكافي، والاستبصار، والمختصر النافع.

وقد توافقت عناوين الأبواب في «الوسائل» مع ما ذكره الشيخ الحُرّ من العناوين في «فهرست الوسائل» عموماً، مع الاختلاف اليسير في بعضها.

ويُلاحَظ أيضاً أنّ بعض العناوين جاء مخالفاً لمدلول أحاديث الباب، وقد أشار إلى المتعيِّن على مَنْ لم يظهر له وجه هذا الاختلاف وهو العمل بالحديث دون العنوان.

وممّا ذكره من أسباب هذا الاختلاف بين عنوان الباب ومدلول أحاديثه ملاحظةُ أحاديث أُخَر في أبواب أخرى.

وهو يشير إلى هذه الأحاديث عموماً بقوله: «تقدّم ما يدلّ على ذلك»، أو «يأتي ما يدلّ على ذلك».

ولكنّه تارةً يكتفي بالإشارة إلى أنّه تقدّم أو يأتي ما يدلّ على ما جاء في العنوان؛ وأخرى يحدِّد موضع تلك الأحاديث.

وهذا التحديد تارةً يكون مجمَلاً؛ وأخرى يكون مفصَّلاً ودقيقاً.

3ـ الاختصار ومظاهره العامّة

مارس الشيخ الحُرّ في كتابه «وسائل الشيعة» أكبر قدر ممكن من التلخيص والاختصار، وقد اعتمد في سبيل ذلك جملةً من الأساليب الخاصّة، ومن هذه الأساليب:

1ـ تأخير ذكر الكتبِ التي ينقل عنها، وطرقِه إليها، إلى آخر الكتاب.

2ـ تأخير ذكر أسانيد الشيخ الصدوق والشيخ الطوسيّ إلى آخر الكتاب.

3ـ اعتماد طريقة خاصّة في نقل الحديث من المصدر.‌

فالشيخ الحُرّ في نقله للحديث يبتدئ بذكر اسم المؤلِّف أوّلاً، يتلوه اسم الكتاب، ثمّ السند، فالمتن.

ويستثني من ذلك الكتب الأربعة، فإنّه لا يذكر اسم الكتاب، بل يكتفي بذكر اسم المؤلِّف.

وأمّا الأحاديث التالية، التي هي من نفس المصدر، فيمارس فيها مبدأ العطف بين الأحاديث، وسيأتي الحديث عنه مفصَّلاً.

وهذا الأسلوب في النقل من المصدر جعل الشيخ الحُرّ لا يشير ـ في نقله عن الشيخ الطوسيّ ـ إلى كون المصدر «التهذيب» أو «الاستبصار».

وقد أشار إلى عدم ضرورة ذلك، حيث قال: «ولا فرق بينهما، بل «الاستبصار» قطعةٌ من «التهذيب»».

غير أنّ المدقِّق في أحاديث «الوسائل» المنقولة عن الشيخ الطوسيّ يجد أنّ بعضَها موجودٌ في «الاستبصار فيما اختلف من الأخبار»، وغيرُ موجودٍ في «تهذيب الأحكام».

وعليه كان من الأهمّيّة بمكانٍ أن يحدِّد المصدر الذي ينقل منه ذلك الحديث.

وقد ترك الشيخ الحُرّ تشخيص المصدر الذي ينقل عنه من حيث رقم الصفحة، ورقم الباب، ورقم الحديث.

كما ترك التعيين الدقيق للمصدر الذي ينقل منه،‌ كما في حالات وجود نسختَيْن من كتاب: صغرى؛ وكبرى، فإنّه لا يحدِّد من أيّهما ينقل الحديث.

4ـ ترك الكثير من الأحاديث في بعض الأبواب.

5ـ إغفال ذكر بعض المصادر الأخرى للحديث.

وهنا يحقّ لنا أن نفترض مبنى قد اعتمده الشيخ الحُرّ في ذكر مصادر الحديث الأخرى أو تركِها، والقدرُ المتيقّن منه: ذكرُها بتمامها عند الحاجة الماسّة إليها؛ وتركُها، أو تركُ بعضها، عند عدم الحاجة الماسّة إليها.

إلاّ أن الباحث يرى أنّه قد تركها، في بعض الأحيان، مع الحاجّة الماسّة إليها.

وقد أشارت مؤسَّسة آل البيت(عم) لإحياء التراث إلى المصادر الأخرى لبعض الأحاديث، والتي قد ذكرها في أماكن أخرى من «الوسائل»، كما أشارت إلى المصادر الأخرى التي لم يذكرها في «الوسائل».

وقد يذكر الشيخ الحُرّ المصادر الأخرى لبعض الأحاديث في آخر الباب التي يُدرجها فيه، ويكون ذلك على سبيل الإجمال، لا التفصيل.

كما قد يذكر بعض مصادر الحديث بشكلٍ متأخِّرٍ، أي بعد حديثَيْن أو ثلاثة، ورُبَما أكثر من ذلك.

ويستغني الشيخ الحُرّ عن ذكر أحاديث تقدّمت أو ستأتي، مشيراً إلى ذلك، بشكلٍ عامٍّ، بقوله: «وقد تقدّم ما يدلّ عليه»، أو «ويأتي ما يدلّ عليه».

غير أنّه تارةً يكتفي بالإشارة إلى أنّه تقدّم أو يأتي ما يدلّ على ما جاء في العنوان؛ وأخرى يحدِّد موضع تلك الأحاديث، وهذا التحديد تارةً يكون مجمَلاً؛ وأخرى يكون مفصَّلاً ودقيقاً.

ولا يخفى أنّه في الموارد التي لا يحدِّد فيها موضع ذكر تلك الأحاديث يتكلَّف الباحث جهداً كبيراً للوصول إلى تلك الأحاديث، التي قد يكون بأمسّ الحاجة إليها، كما لو كانت الروايات الدالّة على حكمٍ معيَّنٍ في الباب ضعيفةً سنداً فيحتاجُ إلى تلك الأحاديث للاستدلال على الحكم.

وإذا أراد الشيخ الحُرّ أن ينقل حديثاً موجوداً في أكثر من كتاب لمؤلِّفٍ واحدٍ نقله عنهما معاً في حديثٍ واحدٍ، ممّا قد يضطرّه لحذف بعض الكلمات من الحديث؛ توفيقاً بين المصدرَيْن.

4ـ التعليقات

أكثر الشيخ الحُرّ في «وسائل الشيعة» من التعليقات المتنوّعة والقيّمة على الأحاديث، وهي على أنواع:

1ـ ذكرُ بعض تأويلات الرواة، والتعليق عليها أحياناً.

2ـ الإشارةُ إلى اختلاف العلماء في رواية بعض كلمات الحديث.

3ـ ذكرُ بعضٍ من آراء العلماء في فهم الحديث وتفسيره.

وقد يكون ذكرُ بعض تعاليق العلماء لتأكيد كلامٍ له!.

4ـ ذكرُ بعض كلمات وإشكالات العلماء، والتعليق عليها.

وقد يكون التعليقُ من باب بيان فائدةٍ، لا من باب المناقشة للعلماء.

5ـ بيانُ عدد المرّات التي روى فيها بعضُ العلماء الحديث.

6ـ تبريرُ حذف بعض العلماء لقطعةٍ من الحديث.

7ـ تفسيرُ بعض الكـلمات والعبارات في متن الحديث.

وقد يكون تفسيرُ الكلمات الغريبة عبر ذكر ما في كتب اللغة وغيرها.

8ـ بيانُ المعنى الصحيح المستفاد من الرواية.

9ـ الجمعُ بين أحاديث الباب التي ظاهرُها التعارض.

10ـ نفيُ أو إثبات بعض المرجِّحات للأحاديث.

11ـ بيانُ وجه الحديث المخالف للمرتَكَز الفقهيّ الشرعيّ.

12ـ بيانُ وجه ما ذُكر في عنوان الباب.

13ـ بيانُ مضامين وعدد أحاديث بعض الكتب.

14ـ بيانُ الدقّة الشديدة في النقل من المصدر.

15ـ بيانُ الإمام المنقول عنه الرواية.

16ـ نقلُ بعض القصص والمرويّات والمنامات.

وقد يشير لوجود مثل هذه القصص والحكايات دون نقلها.

17ـ تعاليقُ في دراية الحديث، ‌وهي على أنواع:

أ ـ في أوصاف الحديث.

ب ـ في جواز نقل معنى الكلام الذي يسمعه الراوي من الإمام%.

ج ـ في بيان النقص في سند الحديث.

د ـ في مناقشة بعض العلماء في توصيفهم للحديث.

18ـ تعاليقُ في رجال الحديث، وهي على أنواع أيضاً:

أ ـ في توثيق بعض الرجال.

ب ـ في بيان حال بعض الرواة.

ج ـ في بيان طبقات الرواة.

د ـ في بيان بعض المشترَكات.

هـ ـ في بيان المُراد من بعض التعابير المجمَلة.

و ـ في بيان اسم بعض الرواة المذكورين بالكُنية.

ز ـ في الإشارة لبيان بعض الأحاديث إحدى عِدَد الشيخ الكلينيّ.

19ـ تعاليقُ فقهيّة.

20ـ تعاليقُ أصوليّة.

21ـ تعاليقُ عقيدِيّة،‌ وهي على نوعَيْن:

أ ـ بيان دلالة بعض الأحاديث على مسائل عقيدِيّة.

ب ـ توجيه ما يوهِم خلاف العقيدة الحقّة.

22ـ تعاليقُ في بيان الاستعمال الخاصّ لبعض الألفاظ من قبل الرواة.

23ـ تعاليقُ لغويّة، وهي على نوعَيْن:

أ ـ تعاليق نحويّة.

ب ـ تعاليق بلاغيّة.

24ـ تعاليقُ شعريّة.

25ـ الإشارةُ لوقت الشروع والفراغ من التأليف، أو النقل إلى المسوَّدة.

26ـ ذكرُ أسماء بعض الكتب غير المعتَمَدة، كتبريرٍ لعدم النقل منها.

27ـ الإشارةُ لموافقة بعض عناوين الأبواب لما ورد في «الكافي» وغيره.

28ـ تبريرُ ذكر بعض الأحاديث غير ذات الدلالة على عنوان الباب.

29ـ تبريرُ ترك بعض الأحاديث ذات الدلالة على عنوان الباب.

30ـ بيانُ سبب تخصيص بابَيْن أو أكثر لموضوعٍ واحدٍ.

31ـ الإشارةُ لمخالفة ترتيب بعض الأبواب عند الصدوق والطوسيّ.

5ـ خصائص سند الأحاديث

امتاز كتاب «وسائل الشيعة» عن بعض الكتب والمجاميع الحديثيّة بعدّة أمور، ومنها:

1ـ ذكر أسناد الأحاديث.

2ـ ذكر الطرق السنديّة الأخرى للحديث في ذيله، ونعني بها مصادر الحديث وأسناده الأخرى.

3ـ اختصار الأسناد.

ولأجل هذا الاختصار اعتمد الشيخ الحُرّ جملةً من الطرق، ومنها:

أ ـ حذف بعض العبارات من أسناد الشيخ الصدوق وغيره من المحدِّثين، ككلمة «حدّثني» ونحوها،‌ وقد استبدلها بلفظة «عن».

ب ـ حذف الألقاب، والكُنى، ونحوها.

ج ـ استبدال بعض كلمات السند بضميرٍ دالٍّ عليها، ومن ذلك:‌

ـ استبدال قول الشيخ الكلينيّ: «عدّة من أصحابنا» بلفظ «عنهم» أحياناً.

ـ استبدال بعض أسماء الرواة الصريحة في المصدر بضميرٍ راجعٍ إليها.

د ـ الجمع بين الأسناد:

فقد نُسب إلى الشيخ الحُرّ أنّه ـ ولاختصار كتابه «الوسائل» ـ جمع بين الأسانيد.

ويعنون بذلك أنّه إذا رأى حديثَيْن، متّفقَيْن في المتن، ومختلفَيْن في بعض السند، عمد إلى الجمع بينهما في حديثٍ واحدٍ، فذكر المختلِف من سندَيْهما، عاطفاً أحدهما على الآخر، ثمّ ذكر القسم المشترَك بين السندَيْن، ثمّ ذكر متن الحديث.

ولكنّ الحقّ أنّه يتبع المصدر الذي ينقل الحديث منه؛ فإنْ كان المصدر قد جمع بين الأسناد جمع بينها، وبعبارةٍ أدقّ: نقلها كما هي من المصدر، ولم يُفكِّك بينها؛ وإنْ كان المصدر لم يجمع بين الأسناد، مع إمكان الجمع بينها، تبعه ولم يجمع بينها.

وقد التزم بما جاء في تلك المصادر تماماً، رغم كون الجمع في بعض الموارد موهِماً جدّاً، ويحتاج إلى توضيح.

هـ ـ الاكتفاء بذكر بعض السند:

فقد حذف الشيخ الحُرّ آخر كثيرٍ من الأسناد بدون أيّ إشارة لذلك، فإذا أراد أن ينقل الحديث من مصدر آخر غير المصدر الأوّل اكتفى بذكر السند إلى حيث يشترك مع سنده في المصدر الأوّل.

وقد يحذف آخر السند مع الإشارة إلى أنّه ترك ذكر باقي السند، بقوله في آخر كلامه: «مثله».

وقد يحذف أوّل السند، مشيراً لذلك بقوله: «بإسناده».

و ـ حذف أسناد بعض الأحاديث:

ويدخل فيه تأخير ذكر أسناد الشيخ الصدوق والشيخ الطوسيّ إلى آخر الكتاب، وقد تقدّم الحديث عنه.

وقد عمد الشيخ الحُرّ أيضاً ـ وللاختصار ـ إلى حذف أسناد بعض الأحاديث، كما في سند وصيّة رسول الله(ص) لأبي ذرّ،‌ المنقولة عن «أمالي الطوسيّ»، حيث قال: «وفي «المجالس والأخبار» بإسناده الآتي عن أبي ذرّ، عن رسول الله(ص) في وصيّته له…».

وكما في سند رسالة أبي عبد الله(ع) لأصحابه، المنقولة من «روضة الكافي»، حيث قال: «وقد روى [أي الشيخ الكلينيّ] رسالة طويلة لأبي عبد الله(ع) ـ في أوّل كتاب الروضة من «الكافي» ـ وقد حذفتُ سندها في مواضع اختصاراً».

وقال في بعض تلك المواضع: «وبإسناده [أي إسناد الشيخ الكلينيّ] الآتي عن أبي عبد الله(ع) في رسالة طويلة له إلى أصحابه أمرهم بالنظر فيها وتعاهدها والعمل بها،…».

ونلفت النظر هنا إلى أنّ الشيخ الحُرّ يشير إلى حذف السند بقوله: «بإسناده»، ويشير إلى وجود السند في الخاتمة بقوله: «الآتي»، ولكنّه لا يحدّد موضعه بدقّة، الأمر الذي يجعل الباحث في حيرة، فلا يدري هل أنّ هذا السند سيُذكر في أحد الأحاديث اللاحقة، أو أنّه سيُذكر في الخاتمة؟

ويزيد من هذه الحيرة ما فعله من استخدام مثل التعبير المذكور للإشارة إلى أنّ السند سيُذكر في أحد الأحاديث اللاحقة، لا في الخاتمة.

وعليه فما أحسن ما فعله في بعض الموارد من التحديد العامّ لموضع ذكر السند، حيث قال: «بالأسانيد الآتية في آخر الكتاب،…».

وخلاصة القول: إنّ الشيخ الحُرّ قد يترك ذكر بعض الأسناد اعتماداً على ذكرها في أبواب أو أحاديث أو مواضع أخرى من «الوسائل».

وهو في ذلك قد يترك الإشارة إلى تقدُّم الأسناد أو تأخُّرها؛ وقد يشير إلى ذلك على نحو العموم(الآتي)؛ وقد يحدّد موضع ذكر تلك الأسناد على نحو العموم (في الزيارات) أو الخصوص (في إسباغ الوضوء).

وقد يحذف الشيخ الحُرّ سند بعض الأحاديث دون أيّ إشارةٍ لهذا الحذف، فيذكر الحديث في صورة الحديث المرسَل الذي لا سند له، بينما هو في المصدر حديثٌ مسنَدٌ.

ز ـ عدم ذكر أسناد أخرى للحديث في ذيله:

وقد لا يشير إلى وجود تلك الأسناد؛ وقد يشير إلى وجودها، دون أن ينقلها لطولها.

ح ـ الإشارة لبعض الأسناد المتقدِّمة دون ذكرها تفصيلاً.

ففي بعض الأحاديث يقول: «وبالإسناد الثاني عن…»،‌ ويريد بذلك ما ذُكر من الأسناد في أحاديث متقدِّمة على هذا الحديث مباشرةً.

ط ـ حذف أو اختصار أسماء بعض الأئمّة(عم).

ي ـ حذف مشخِّصات بعض الرواة المذكورة في المصدر من السند.

وهذا ما قد يجعل من بعض العناوين في السند عنواناً مشترَكاً بين الثقة وغيره، أو يوهِم من لا خبرة له في علم الرجال بأنّ هذا الراوي من الطبقة الفلانيّة، والحال أنّه ليس كذلك، بل إنّ راوياً آخر، مشترِكاً معه في الاسم، هو من تلك الطبقة.

ونلفت النظر هنا إلى أنّ الشيخ الحُرّ بحذفه لهذه المشخِّصات يكون قد مارس التعليق الوصفيّ في سند بعض الأحاديث.

ك ـ إنشاء سند للرواية من خلال مضمونها.

فالشيخ الحُرّ يعمد في بعض الأحاديث الطويلة إلى نقل فقرة واحدة منها فقط، ولكي يكون المنقول واضحاً يُضطرّ إلى إضافة بعض الرواة إلى سند الحديث، وذلك اعتماداً على ما جاء في مضمون ذلك الحديث الطويل.

ل ـ تغيير بعض الأسناد عن حالها في المصدر.

يعمد الشيخ الحُرّ ـ وبسبب تقديم وتأخير بعض الأحاديث عمّا هي عليه في المصدر ـ إلى تعليق أسناد بعض الأحاديث على أسناد الأحاديث التي قبلها، مع كونها غير معلَّقة في المصدر.

ولكنّ هذا ما يجعله يرفع تعليق بعض الأسناد، ويذكر جميع الرواة فيها، مع أنّها معلَّقةٌ في المصدر.

م ـ العطف بين الأحاديث: ولطول الكلام في هذه النقطة نتعرّض لها تفصيلاً:

6ـ مبدأ العطف بين الأحاديث

في نقله للحديث من مصدره ابتدأ الشيخ الحُرّ بذكر اسم المؤلِّف أوّلاً، يتلوه اسم الكتاب، ثمّ السند، فالمتن.

واستثنى من ذلك الكتب الأربعة، حيث ابتدأ باسم المؤلِّف، ولم يذكر اسم الكتاب.

وعندما يريد الشيخ الحُرّ الانتقال من مصدر إلى آخر يعتمد الطريقة التالية:

أ ـ‌ إذا كان مؤلِّف المصدر الجديد مغايراً لمؤلِّف المصدر السابق فإنّه يبتدئ الحديث الجديد بذكر اسم مؤلِّف المصدر الجديد، يتلوه اسم الكتاب، ثمّ السند، فالمتن، هذا في غير الكتب الأربعة.

وأمّا فيها فإنّه يبتدئ الأحاديث المنقولة منها باسم المؤلِّف فقط.

ب ـ إذا كان مؤلِّف المصدرَيْن واحداً فإنّه يكتفي في بداية الحديث الجديد بذكر اسم الكتاب الذي يريد أن ينقل الحديث منه.

وقد خرج الشيخ الحُرّ عن هذه الكيفيّة بأسلوبَيْن:

الأسلوب الأوّل: بدء حديث منقول من مصدر جديد بقوله: «ورواه فلانٌ»، أو «وروى بعضهم»، أو «ثمّ قال فلانٌ».

الأسلوب الثاني: ترك الإشارة إلى أنّه قد انتقل إلى مصدرٍ جديد.

والآن نقول: أكثر الشيخ الحُرّ، في ذكر أحاديث كتابه «الوسائل»، من الاعتماد على مبدأ العطف فيما بينها.

ونعني بالعطف أن يستغني عن ذكر بعض العبارات الدالّة على مصدر الحديث، معتمداً في بيان ذلك على ما تقدّم من ذكر مصدر الحديث السابق أو الأسبق.

فإذا أراد نقل أحاديث من مصدرٍ آخر ابتدأها بذكر ما يدلّ على المصدر، ثمّ اعتمد مبدأ العطف في بقيّة الأحاديث التي هي من نفس هذا المصدر.

ولكنْ قد يعمد الشيخ الحُرّ في موارد قليلة إلى الإشارة لمصدر الحديث مع كونه من نفس مصدر الحديث السابق عليه.

وقد اعتمد الشيخ الحُرّ في عطف الأحاديث التي ينقلها من نفس المصدر جملةً من الطرق.

وبعضُ هذه الطرق من الوضوح والبساطة بحيث لا مجال فيها للوهم والاشتباه.

ولكنّ بعضَها الآخر يوجب الوهم والاشتباه لدى الباحث.

الطريقة الأولى: عطف الحديث التالي على الحديث السابق بكلمة «وعن فلان» أو «وعنه».

الطريقة الثانية: عطف الحديث التالي على الحديث السابق بكلمة «وبإسناده عن».

الطريقة الثالثة: عطف الحديث التالي على الحديث السابق بكلمة «وعنه».

الطريقة الرابعة: عطف الحديث التالي على الحديث السابق بكلمة «وبالإسناد عن» أو «وبهذا الإسناد».

الطريقة الخامسة: عطف سند آخر للحديث على سنده الأصليّ، وذلك حين يكون كلاهما في مصدر واحد، وهو المصدر الأساسيّ للحديث.

ويُستفاد من هذه الطرق جملةٌ من الأمور:

الأمر الأوّل: إنّ ذكرَ أسنادٍ أخرى للحديث في مصادر أخرى، من خلال التعبير بـ «ورواه فلانٌ…»، وليس من خلال ذكر اسم المؤلِّف مباشرةً، لا يقدح في عطف السند الأصليّ للحديث التالي على السند الأصليّ للحديث السابق، ولا في عطف سند آخر له على سنده الأصليّ.

ولا فرق في ذلك بين ذكرها في ذيل الحديث السابق أو في صدر حديث جديد.

وأمّا ذكرها من خلال ذكر اسم المؤلِّف مباشرةً فإنّه يقدح في العطف، سواءً كان ذلك في ذيل الحديث السابق أو في حديث جديد.

وعليه يكون سند الحديث التالي معطوفاً على آخر سند مبدوء باسم المؤلِّف.

الأمر الثاني: مع كون السند الأصليّ للحديث مركَّباً من سندَيْن فإنّ سند الحديث التالي يُعطف على أحد السندَيْن.

الأمر الثالث: حين ينتقل إلى مصدر جديد بذكر اسم الكتاب فقط فإنّه يعطف الحديث التالي على الحديث السابق، لا على الحديث الأسبق.

وعليه فهو حين يعطف بين الأحاديث، التي هي من مصدر واحد، إنّما يعطف الحديث التالي على الحديث السابق، المنقول من الكتاب الأخير الذي نقل منه الأحاديث المتقدِّمة.

الأمر الرابع: إذا لم يقُلْ في ذيل الحديث السابق «ورواه عن…»، بل ذكر سنداً ثانياً بلا توسُّط «ورواه»، فإنّ سند الحديث التالي يكون معطوفاً على السند الثاني للحديث السابق، لا على سنده الأوّل.

ويعتمد هذه الطريقة، وهي العطف على السند المتأخِّر، حتّى لو كان السندان مذكورَيْن في ذيل الحديث السابق.

وإذا لم يُرِد العطف على السند الثاني المتأخِّر أعاد اسمَ المسنَد إليه في السند الأوّل، فقال: «وعن فلان».

الأمر الخامس: حين يقول في صدر الحديث: ««وبالإسناد عن»، أو «وبهذا الإسناد»، فإنّه يريد ما تقدّم من السند في الحديث السابق.

فإنْ ذَكَر للحديث السابق سندان، في نفس المصدر، فإنّ قوله في صدر الحديث التالي: «وبهذا الإسناد» يرجع إلى السند الثاني للحديث السابق.

الأمر السادس: حين يقول في صدر الحديث التالي:‌ «وعنه» فإنّه لا يريد بالضمير مؤلِّفَ المصدر الذي ينقل الحديث منه، بل يريد الراوي الذي يروي عنه مؤلِّفُ المصدر في الحديث السابق.

الأمر السابع: حين يقول في أحد الأحاديث: «محمّد بن الحسن بإسناده عن…»، ثمّ يقول في السند التالي «وبإسناده عن…»، فالضمير في قوله «وبإسناده» راجعٌ إلى الشيخ محمّد بن الحسن الطوسيّ.

الأمر الثامن: حين يقول في أحد الأحاديث: «محمّد بن الحسن بإسناده عن فلان»، ثمّ يقول في السند التالي «وعنه»، فالضمير في قوله «وعنه» راجعٌ إلى «فلان»، الذي يروي الشيخ الطوسيّ الحديث السابق بالإسناد عنه.

ويظهر ممّا تقدّم أنّ طرقَ الشيخ الحُرّ في عطف الأحاديث عُرضةٌ للخطأ، وقد وقع فيه فعلاً.

وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ ما تقدّم ذكرُه في مسألة الانتقال من مصدر إلى آخر خاصّ بما لو اختار الإشارة لهذا الانتقال في صدر حديث جديد.

ولكنّ الشيخ الحُرّ قد يختار ـ وللاختصار أيضاً ـ الإشارة لهذا الانتقال من ذيل الحديث السابق، ثمّ يعطف الحديث التالي على ما ذكره في ذيل الحديث السابق.

بيان ذلك: حين يذكر الشيخ الحُرّ الأسناد الأخرى للحديث في مصادر أخرى يذكرها بهذه الصيغة: «ورواه البرقيّ»، أو «ورواه الكلينيّ»، أو «ورواه الصدوق»، أو «ورواه الشيخ».

غير أنّه إذا كان الحديث التالي من مصدرٍ آخر عبّر أحياناً ـ‌ في ذيل الحديث السابق ـ عن السند المُشير إلى مصدر الحديث التالي بقوله: «أحمد بن محمّد (أو أحمد بن أبي عبد الله) البرقيّ في «المحاسن»، عن…»، أو «محمّد بن يعقوب، عن…»، أو «محمّد بن عليّ بن الحسين بإسناده عن…»، أو «محمّد بن الحسن بإسناده عن…».

ثمّ عندما ينتقل إلى الحديث التالي يذكر سنده معطوفاً على ما ذكره في ذيل الحديث السابق.

وقد اعتمد في ذلك نفس المنهج الذي اعتمده في الإشارة للانتقال في صدر حديث جديد.

ويُضاف لذلك نقطةٌ وهي أنّه حين يشير ـ‌ في ذيل الحديث السابق ـ للانتقال في الحديث التالي إلى مصدر جديد بذكر اسم الكتاب فقط فإنّه يعطف سند الحديث التالي على ما ذكره من سند للحديث السابق في ذلك الكتاب.

وقد أصبح هذا الأمر معروفاً ممّا تقدّم.

ولكن قد تتعدّد الكتب، فكيف السبيل؟

وهنا نقول: إذا كان تعدّد الكتب بشكل طوليّ، أي الواحد بعد الآخر، فالصحيحُ أنّه يعطف سند الحديث التالي على ما ذكره من سند للحديث السابق في الكتاب الأخير.

وأمّا إذا تعدّدت الكتب بشكل عَرْضيّ، أي إلى جانب بعضها، فهُنا يكون عطف سند الحديث التالي على ما ذكره من سند للحديث السابق في جميع تلك الكتب.

وفي ختام الكلام في مسألة الإشارة للانتقال إلى مصدر جديد من ذيل الحديث السابق نقول:

على الباحث في كتاب «الوسائل» أن يعرف منهج الشيخ الحُرّ في الإشارة في ذيل الحديث السابق إلى الانتقال في الحديث التالي إلى مصدر جديد، وإلاّ تورّط في مشاكل كثيرة، من حيث صحّة السّند وعدمها.

ويحتاج اكتشاف هذا المنهج إلى دقّة ملاحظة، وكثرة تتبُّع في «الوسائل».

ومن هُنا وقع بعضُ كبار الفقهاء في الاشتباه والخطأ.

فقد ذهب السيّد السيستانيّ ـ‌ كما نُقل لنا ـ‌ إلى ما ذكرناه.

وفي المقابل ذهب السيّد الخوئيّ ـ كما نُقل لنا ـ إلى أنّ عطف سند الحديث التالي إنّما هو على السند الأصليّ للحديث السابق دائماً.

ولكنّ الصحيحَ ـ بحسب تتبُّعنا ـ أنّ السيّد الخوئيّ تردّد بين ما نُقل عنه وما ذكرناه.

وخلاصة القول: إنّ منهج الشيخ الحُرّ، في الإشارة في ذيل الحديث السابق إلى الانتقال في الحديث التالي إلى مصدر جديد، يُفيد كثيراً في اختصار كتاب «الوسائل»، إلاّ أنّه يُعرّض الباحث، ولو كان من كبار الفقهاء، للوقوع في الاشتباه والخطأ.

7ـ خصائص متن الأحاديث

ومن أبرز هذه الخصائص الاختصار.

وقد اتّبع الشيخ الحُرّ في اختصار متن أحاديث كتابه «الوسائل» جملةً من الأساليب، ومنها:

أ ـ تقطيع متن الحديث:

والمقصود من «تقطيع متن الحديث» أنّ الشيخ الحُرّ يعمد إلى «الحديث الواحد المشتمل على عدّة فقرات، فيفرِّق بين فقراته، ولا يذكرها في باب واحد، بل يذكر كلّ فقرة في بابها المناسب».

وفي كثير من الأحاديث التي قام بتقطيعها يشير الشيخ الحُرّ إلى أنّه قد حذف بعض فقرات الحديث، وذلك في عدّة صور:

الصورة الأولى: إنْ كان المحذوف في أوّل الحديث فيقول بعد ذكر السند وقبل ذكر متن الحديث: «في حديث».

الصورة الثانية: إنْ كان المحذوف في وسط الحديث فيقول في وسط متن الحديث: «ثمّ قال:»، أو «إلى أن قال:».

الصورة الثالثة: إنْ كان المحذوف في آخر الحديث فيقول في آخر متن الحديث: «الحديث»، أو «الحديث مختصر»، أو «ثمّ ذكر الحديث بطوله».

ويُلاحَظ في بعض الأمثلة أنّ المحذوفَ من متن الحديث هو جملةٌ واحدةٌ لا أكثر.

وفي بعض الأحاديث التي قام بتقطيعها لا يشير الشيخ الحُرّ إلى حذف بعض فقرات الحديث بشيء، فيوقعُ الباحثَ في الاشتباه والوهم، حيث يعتقد أنّ ما ذُكر في «الوسائل» هو تمام الحديث، بينما يكون المذكور هو بعض الحديث فقط.

ب ـ اختصار متن الحديث، أو بعضه، بصياغة جديدة لألفاظه:

عمد الشيخ الحُرّ في أكثر من حديث إلى اختصار متن الحديث، أو بعضه، بصياغة جديدة لألفاظه.

ج ـ‌ حذف متون بعض الأحاديث:

في ذكره لمصادر الحديث الأخرى يعمد الشيخ الحُرّ ـ وللاختصار ـ إلى حذف متن الحديث المتَّحِد مع ما في المصدر الأصليّ للحديث.

غير أنّه تارةً يترك الإشارة لحصول هذا الحذف؛ وتارةً أخرى يُشير إلى هذا الحذف بقوله: «مثله»، أو «نحوه».

وقد اختلفت آراء المحقّقين والباحثين في مسألة الفرق بين قوله: «مثله» وقوله: «نحوه».

فقال بعضُ المحقِّقين بوجود اختلاف أكثر بين متن الروايتين عند التعبير الثاني.

وقال بعضٌ آخر بأنّ للشيخ الحُرّ ثلاثة أساليب في ذكر المصادر الأخرى للحديث؛ فتارةً يُعبِّر بقوله: «ورواه فلانٌ…»؛ وأخرى يُعبِّر بقوله: ‌«ورواه فلانٌ…مثله»؛ وثالثةً يُعبِّر بقوله:‌«ورواه فلانٌ…نحوه».

وهذه التعابيرُ الثلاثة لها جهة اشتراك وجهة اختلاف.

أمّا جهة الاشتراك فهي أنّ الرواية واحدةٌ في هذه الموارد الثلاثة، وإلاّ لو كانت روايةً أخرى لذكرها على نحو الاستقلال من دون حاجةٍ للعطف.

وأمّا جهة الاختلاف فإنّ قوله: «رواها» يعني أنّ الرواية بعينها هي الرواية السابقة من دون زيادةٍ ونقيصةٍ.

وأمّا إذا قال: «مثله» فالمراد أنّها ليست عين الرواية السابقة، بل فيها زيادةٌ أو نقيصةٌ.

وأمّا إذا قال: «وروى نحوه» فالمراد أنّها ليست عين الرواية السابقة أيضاً، بل فيها زيادةٌ ونقيصةٌ معاً، وإنْ كان الجميع روايةً واحدةً.

وهذا القول الثاني قريبٌ جدّاً إلى الصواب.

والنتيجةُ أنّ الشيخ الحُرّ حين يحذف ـ من نقله عن مصادر الحديث الأخرى ـ متن الحديث المتَّحِد مع ما في المصدر الأصليّ للحديث، مشيراً إلى هذا الحذف بقوله: «مثله»، أو «نحوه»، فإنّه يريد أنّ هذه الرواية واحدةٌ في هذه المصادر، ويريد أيضاً الإشارة إلى أنّ ما أثبته من متن الحديث، المنقول عن المصدر الأصليّ، مغايرٌ بعض الشيء لمتن الحديث في المصادر الأخرى.

والمتحصِّلُ أنّه في هذه الحال يترك الإشارة إلى موارد الاختلاف في الكتب التي ينقل عنها.

غير أنّه في بعض الأحيان يشير إلى ذلك الاختلاف بين المتنَيْن، مع كونه يسيراً جدّاً.

وقد وقع الشيخ الحُرّ ـ في هذا الأسلوب من الاختصار ـ في الاشتباه والخطأ.

ففي بعض الموارد عبّر عن متن الحديث المحذوف بقوله: «مثله»، إلاّ أنّ مراجعة المصدر أثبتت أنّ المتن الذي يعنيه مغايرٌ تماماً للمتن الذي نقله من المصدر الأصليّ للحديث.

كلمةٌ ختاميّةٌ

في ختام هذا البحث نحمده سبحانه وتعالى على ما وفّقنا إلى بيانه من منهج الشيخ الجليل محمّد بن الحسن الحُرّ العامليّ، في كتابه «وسائل الشيعة».

وقد تبيّن لنا من خلال هذا البحث أنّ الشيخ الحُرّ قد جمع أحاديث كتابه وَفْق منهج محدَّد وضوابط معيَّنة، قاصداً لتنظيمها قدر المستطاع البشريّ الفرديّ، فجاء كتاباً حديثيّاً على درجةٍ كبيرةٍ جدّاً من التنظيم والترتيب.

وإذا كان الشيخ الحُرّ قد خالف منهجه، الذي بيّنّاه في هذا البحث، في قليلٍ من الموارد فذلك أمرٌ طبيعيٌّ جدّاً في عملٍ موسوعيٍّ كالذي قام به.

ومن هنا نقول: لا غرابة في أن ينال هذا الكتاب ما ناله من المكانة والشهرة في أوساط العلماء والطلبة في كافّة الحوزات العلميّة، في يومنا الحاضر.

وما أجملَ ما عبّر به أحد العلماء عن كتاب «وسائل الشيعة»، حيث قال : «إنّ المعجزة، إذا صحّ إطلاقها في مثل زماننا، فمن أحد أفرادها تأليف الحُرّ للوسائل».

Facebook
Twitter
Telegram
Print
Email