ملخص

تستند الرؤية الفلسفية الشيعية للسلطة والسياسة إلى الدمج بين السيادة الإلهية والعقل العملي الإنساني، لتأسيس سلطة عقلانية وأخلاقية ترفض منطق القهر والغلبة، ومن هنا تصدى العلامة محمد حسين الطباطبائي وتلميذه الشهيد مرتضى مطهري لإعادة صياغة مفاهيم السيادة والعدالة ونقلها لساحة الاشتباك الاجتماعي، وبناءً عليه قدم العلامة الطباطبائي “نظرية الاعتباريات” التي تبين أن العقل العملي يبتكر مفاهيم كالقانون والسيادة لتنظيم المجتمع، غير أن هذا الاعتبار البشري يحتاج للسيادة الإلهية لضمان تفعيل مبدأ العدالة وتحييد تأثير الأهواء الشخصية، وعلى هذه الأرضية انتقد العلامة الطباطبائي الاعتماد المطلق على رأي الأكثرية في تحديد ما هو “الحق” و”الشرعي”.

تأسيساً على هذه الأرضية وجه الشهيد مرتضى مطهري نقدا لمنظومة الأنسنة الغربية والديمقراطية الليبرالية التي تفصل القيم عن الميتافيزيقا وتؤدي إلى النسبية الأخلاقية وشرعنة الاستبداد والاستعمار، ومن ثم طرح نموذج “الحرية المسؤولة” مميزا بين حرية الفكر وحرية العقيدة، حيث يرفض إعطاء الشرعية لعقائد خرافية تكبل العقل الإنساني، وتؤصّل إلى ضرورة الارتكاز على الفلسفة الشيعية التي تنطلق من قاعدة “الحسن والقبح العقليين” لإثبات أن العدالة أصل تكويني، وتستند إلى مبدأ “الأمر بين الأمرين” لضمان حرية الإنسان ومسؤوليته دون جبر أو تفويض، ليصلا في المحصلة إلى تقديم مشروع متكامل لسلطة خُلُقية تعتبر السيادة الإلهية الضامن الأكبر للكرامة الإنسانية، وتجعل من العقل المهتدي بالوحي أداة فاعلة لتحقيق العدل الاجتماعي الشامل.

مقدمة

تستند الرؤية الفلسفية الشيعية للسلطة والسياسة إلى دمج فلسفي وتشريعي بين “السيادة الإلهية” من جهة، و”العقل العملي الإنساني” من جهة أخرى: هذا الدمج أثمر رفضاً للنظريات السياسية الفقهية التاريخية التي بررت السلطة والحكم بناءً على “القهر” أو “الغلبة” أو “الشوكة” العسكرية؛ فالسلطة في هذا المنظور ليست امتيازاً ذاتياً، ولا تفويضاً استبدادياً، بل هي مسؤولية خُلُقية محكومة بـ”العدل الإلهي” الذي يتجلى تكوينياً في توازن نظام الوجود[2]، وتشريعياً في القوانين المنظمة للاجتماع البشري، واجتماعياً في إقامة القسط والمساواة بين الناس.

وتشكّل مفاهيم “السيادة” و”العدالة” حجر الزاوية في بنية الفلسفة السياسية والاجتماعية، وقد اكتسبت هذه المفاهيم في الفكر الإسلامي، وتحديداً في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، أبعاداً ميتافيزيقية وأخلاقية تتجاوز الفهم الوضعي والعلماني المجرد؛ حيث لم تكن العدالة في هذا النسق الفلسفي مجرد ترتيب قانوني لتوزيع الثروات أو السلطة، بل هي امتداد لصفات الخالق وتجلٍّ للكمال الوجودي في عالم الإمكان[3]، كما أنها تمثل الغاية القصوى من حركة التاريخ البشري.

وفي العصر الحديث، تصدى كبار فلاسفة الشيعة، وعلى رأسهم العلامة السید محمد حسين الطباطبائي وتلميذه الشهيد الشيخ مرتضى مطهري، لمهمة إعادة صياغة هذه المفاهيم، ونقلها من بطون الكتب الكلامية والفلسفية الكلاسيكية المجردة، إلى ساحة الاشتباك الاجتماعي والسياسي، ليساهما بذلك في إيجاد أرضية لنهضة فكرية شاملة.

تكمن الإشكالية المركزية التي عالجها هذان المفكران في كيفية التوفيق بين “السيادة الإلهية” المطلقة من جهة، وبين فاعلية “العقل الإنساني” وحريته من جهة أخرى، وحل معضلة تأسيس سلطة عقلائية وأخلاقية ترفض منطق القهر والغلبة الذي ساد في فترات طويلة من التاريخ السياسي؛ فالمشروع الفكري للعلامتين الطباطبائي والمطهري ارتكازاً على نظرية الاعتباريات، وصولاً إلى التنظير للضرورة الشرعية للثورة على الواقع الفاسد وتأسيس دولة تقوم على القانون الإلهي والكرامة الإنسانية، أسس من خلال المزاوجة بين إطلاق الحاكمية الإلهية ومسؤولية العقل العملي الإنساني لبناء مجتمع حي يقاوم الاستبداد العالمي (في البُعد المادي) والتسافل المعنوي (في البُعد الروحي).

أولاً: السيادة الإلهية والعقل الإنساني في نظر العلامة الطباطبائي

تتأسس الرؤية الفلسفية للعلامة الطباطبائي لمفهومي السيادة والعقل على تفكيك بنية الإنسان وإعادة تعريف موقعه في الكون، وتقديم مقاربة معرفية مختلفة عما هو سائد لتفسير نشأة المجتمع والدولة؛ حيث تتجاوز هذه المقاربة نظريات العقد الاجتماعي الغربية التي تفترض حالة الطبيعة كحالة صراع وحشي بحت! لتبني، بدلاً من ذلك، فهماً يرتكز على الفطرة الإلهية المودعة في الإنسان[4]؛ ففي كتابه “رسالة الولاية” لم يكتفِ العلامة الطباطبائي بالتأسيس الاجتماعي والقانوني لمفهوم “السيادة الإلهية” بل نظّر إلى أن السلطة السياسية في الإسلام (سواء في عصر الحضور للأئمة، أو في عصر الغيبة للفقهاء) تستمد شرعيتها ومبرر وجودها من مدى اقترابها وتمثيلها لهذه “الولاية الإلهية”[5]؛ فالسيادة الحقيقية والحصرية لله وحده، ومن يتقلد أمر الناس ويسعى لسياستهم، يجب أن يكون متصلاً بهذه الإرادة الإلهية عبر صِفتيّ العدالة المطلقة والفقاهة العميقة في دين الله، لكي يتمكن من إيصال المجتمع إلى غاياته التكوينية والتشريعية[6].

1. نظرية الاعتباريات وتأسيس السلطة السياسية

لفهم كيف يقارب السيد الطباطبائي مفهوم السيادة، لا بد من استعراض نظريته الفلسفية المعروفة بـ “نظرية الاعتباريات”؛ ففي هذه النظرية، يُقسّم السيد الطباطبائي المدركات الإنسانية إلى قسمين رئيسيين: “الحقائق” و”الاعتباريات”: حيث الحقائق هي الأمور الواقعية التي تمتلك وجوداً موضوعياً مستقلاً عن إدراك الإنسان، كالجواهر والأعراض والقوانين الفيزيائية، أما الاعتباريات، فهي مفاهيمٌ ومعانٍ يبتكرها العقل العملي الإنساني ويسبغ عليها صفة الوجود لتلبية حاجاته الحياتية والاجتماعية وتوجيه سلوكه العملي[7].

ويرى السيد الطباطبائي أن الإنسان مدني واجتماعي بالطبع، ولكنه قبل ذلك يمتلك نزعة ذاتية فطرية لاستخدام كل ما يحيط به، بما في ذلك بني جنسه، لتحقيق غاياته ومصالحه، وهو ما يطلق عليه مبدأ “الاستخدام”، وبما أن هذه النزعة الاستخدامية المتبادلة بين الأفراد ستؤدي حتماً إلى الصراع والتنازع وتدمير النوع البشري[8]، يتدخل العقل العملي الإنساني، بدافع من الفطرة ذاتها، ليخلق “اعتبارات” ضرورية لتنظيم الاجتماع الإنساني، مثل “الملكية”، “الحق”، “العدالة”، “القانون”، و”السيادة”، وها هنا تصبح السيادة، في بعدها البشري التنظيمي، أمر اعتباري يخلقه العقل العملي كآلية لا بد منها لتنظيم الاجتماع الإنساني، وتجنب الفوضى، وتوزيع الأدوار.

ومع ذلك، يؤكد السيد الطباطبائي أن هذا الاعتبار البشري غير كافٍ وحده لضمان العدالة والاستقرار المطلق، لأن العقل العملي البشري قد يقع فريسة للتأثر بالأهواء، والنزعات الفردية، ويرتدّ عليه قصور الإدراك المحيط بكل العواقب، وها هنا تتدخل “السيادة الإلهية” كحقيقة ميتافيزيقية عليا وضرورة تكوينية، حيث أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ هو المالك الحقيقي للوجود[9]، وحاكميته التكوينية والتشريعية هي المرجعية المطلقة التي لا يعتريها النقص أو الهوى، وحيث العقل الإنساني، في الفلسفة الشيعية، لا يشرّع القوانين الكلية في فراغ عدمي، بل يكتشف القوانين الإلهية المنسجمة مع الفطرة ومن ثم يعتبرها مُلزمة، ويقوم بتطبيقها وتفصيلها بما يتناسب مع الزمان والمكان، بحيث يكون السيادة السياسية المشروعة هي تلك التي تتقاطع فيها الاعتباريات البشرية العقلانية القائمة على العدل مع الإرادة التشريعية الإلهية المطلقة[10].

2. المرابطة الاجتماعية وإشكالية رأي الأكثرية

قدم العلامة الطباطبائي نقداً فلسفياً لمفهوم السيادة الذي يتأسس حصرياً على الإرادة العددية أو “رأي الأكثرية” بمعزل عن الحق والعدل الميتافيزيقي؛ ففي تفسير “الميزان في تفسير القرآن”، وتحت عنوان “كلام في المرابطة في المجتمع الإسلامي”، يشير العلامة الطباطبائي إلى أن المجتمع المدني الحديث يجعل شعاره ومحور شرعيته “اتِّباع ما يراه ويريده الأكثر”، بغض النظر عن القيمة الأخلاقية أو الحقيقية لذلك الخيار، وفي المقابل، يرى أن شعار الاجتماع الإسلامي هو “اتباع الحق في النظر والعمل”[11].

ويستند العلامة الطباطبائي إلى تفسير القرآن بالقرآن ليؤكد أن الطبيعة الإنسانية المنفلتة من الضوابط الأخلاقية قد تتبع الأهواء، بل أن هذه النزعة تتضاعف في حال سيطرة “العقل الجمعي”، على سبيل المثال يفسر السيد الطباطبائي قوله ـ تعالى ـ : ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [المؤمنون: 71] بقوله أن الأكثرية ليست معياراً للحق الميتافيزيقي أو الأخلاقي، بل الحق هو ما يطابق الواقع التكويني والتشريع الإلهي الهادف إلى كمال الإنسانية[12]، ومع ذلك، لا يلغي السيد الطباطبائي دور الإرادة الشعبية، بل يرى أن العقل الإنساني الجمعي مدعو للوصول إلى هذا الحق عبر مفهوم “المرابطة”.

المرابطة في فهم العلامة الطباطبائي لا تقتصر على المعنى العسكري المتمثل في حماية الحدود الجغرافية، بل تتسع لتشمل التكاتف والتماسك الاجتماعي، الفكري، والأخلاقي لحماية هوية الأمة وتكاملها الروحي والمادي من التفكك والاختراق، أي أن المجتمع المسلم مطالب بأن يرابط على ثغور العقيدة والأخلاق كما يرابط على ثغور الأرض، وأن السيادة الحقيقية تتجلى في قدرة المجتمع على إنتاج مؤسسات تضمن بقاءه متماسكاً في وجه التحديات الداخلية والخارجية[13]، وهنا يؤكد العلامة الطباطبائي أن الدين ليس مفهوماً لاهوتياً منفصلاً عن بنية الجسد الاجتماعي أو الدولة والسياسة، بل هو الرؤية الكونية التي تتصرف في جميع شؤون المجتمع الإنساني وأفراده لتحقيق السعادة الحقيقية العقلية، وأن هذه السعادة لا تعني الرهبنة، بل تتمثل في الاعتدال وتوظيف القوى المادية كـ “مقدمة” لمعرفة الله من طريق العبودية الخالصة التي تحرر الإنسان من الاستعباد لغيره[14].

هذا الإدراك يقود إلى حقيقة أن السيادة الحقيقية للدولة والمجتمع لا تتجلى في احتكار أدوات الإكراه المادي أو رفع شعارات النصوص النظرية، بل تتجلى في قدرة المجتمع على إنتاج “مؤسسات” وبُنى اجتماعية تضمن بقاءه متماسكاً في وجه التحديات، حيث تُعد المؤسسات والعمل التطوعي والجهد الدعوي والفكري أجزاء لا تتجزأ من بنية المرابطة؛ فالعمل التطوعي المؤسساتي (كشكل من أشكال التنظيم الاجتماعي) هو أكثر تقدماً وأوسع تأثيراً في المجتمع من مجرد العمل الفردي المفرّق! وهنا، المرابطة تتطلب إيجاد مؤسسات قادرة على كبح الميول البشرية السلبية والسيطرة على أهواء الإنسان وأنانيته من جشع وعدوانية وظلم وتهالك نحو السلطة والزعامة، وجمع الثروات بطرق منافية للأخلاق (وهي ذات الآفات التي تبررها وتشرعنها آليات الديمقراطية العددية التنافسية).

3. العلاقة الوثيقة بين العقل والوحي

وإذا كان العقل الجمعي عاجزاً عن بلوغ الحق بمفرده، وإذا كانت الديمقراطية العددية مجرد صدى للأهواء، حينئذٍ يبرز سؤال “من أين يستمد المجتمع قانونه الحاكم؟”، هنا يؤسس العلامة الطباطبائي لرؤيته حول “القيادة الإسلامية”، متصدياً لمحاولات علمنة الدين التي برزت مؤخراً، فيبدأ بنقد جذري لمحاولة تجريد النبوة من بعدها الميتافيزيقي عبر تقديمها كظاهرة سوسيولوجية أو سياسية بحتة، ومن ثم يرفض فرضية أن النبوة هي مجرد “نبوغ خاص اجتماعي” استتبعته استقامة الفطرة وسلامة العقل، وأن هذا النبي (النابغة) فكر في حال الاجتماع المختل، فكان الوحي هو مجرد أفكار مترشحة من قواه الفكرية لصلاح الاجتماع، وأن الروح الأمين (جبرائيل) هو مجرد تعبير رمزي عن روحه الطاهرة، والملائكة هي قوى الخير الطبيعية، ومن ثم يصف العلامة الطباطبائي هذا التأويل بأنه فرْضٌ فاسد، يجعل النبوة أقرب إلى “لعبة سياسية” منها إلى رسالة إلهية، ثم قدّم حُجة عقلية لإثبات ضرورة الاتصال الميتافيزيقي فيقول: إن العقل العملي البشري الذي يميز بين خير الأفعال وشرها بالمصلحة والمفسدة، هو أمر مشترك بين جميع أفراد الإنسان، ولكن هذا العقل بعينه هو “الداعي إلى الاختلاف” وتضارب المصالح (وهذا هو أصل نشأة الصراعات التي تفشل الديمقراطيات في حلها جوهرياً وتكتفي بإدارتها عددياً)، ولأن العقل البشري هو أصل الاختلاف، فلا يمكنه من حيث هو كذلك أن يرفع هذا الاختلاف منفرداً، وهنا يحتاج الاجتماع البشري إلى متمم. هذا المتمم ليس مجرد توافق اجتماعي جديد، بل هو “نوع خاص من الملَكات” يختص به بعض الآحاد (الأنبياء)، التي تفتح لهم باباً إلى عالم وراء هذا العالم، ويعطيهم عجائب من المعارف وراء ما يناله العقل والفكر[15]. هذا “الملكات” هي التي تهدي الفطرة إلى سعادة الإنسان الحقيقية في معاشه ومعاده. وبما أن الأنبياء معصومون عن الخطأ في أخذ الوحي وتبليغه، وعن المعصية التي تخالف العبودية ، فإن الشريعة التي يأتُون بها تمثل “الحق الموضوعي” الذي يجب أن تنتظم حوله حياة المجتمع، بدلاً من الدوران في حلقة مفرغة من التجارب والتشريعات الوضعية المتبدلة التي تفرضها أهواء الأغلبية.

ففي الرؤية الطباطبائية والمطهرية، لا توجد قطيعة إبستمولوجية بين العقل الإنساني والوحي الإلهي، بل هما وجهان لحقيقة واحدة تهدف إلى هداية الإنسان؛ فالعقل، كما عبرت عنه الروايات[16]، يمثل “الحجة الباطنة” التي أودعها الله في كيان الإنسان، والوحي يمثل “الحجة الظاهرة” المتمثلة في الأنبياء والرسل، وهذا يأتي، تأسيساً على ما يراه فلاسفة مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، أن الوظيفة الأساسية للوحي ليست إجبار العقل على تقبُّل ما يناقضه، بل تتمثل في وظيفة التذكير و”إثارة دفائن العقول”[17]، كما عبر عنه المروي عن الإمام علي بن أبي طالب في نهج البلاغة، ومن ثم تستند هذه الرؤية إلى مفهوم “الفطرة”، الذي هو مفهوم محوري في الفلسفة الشيعية يعبِّر عن ركيزة وجودية وبنية أصيلة في الكائن البشري تميل بطبعها نحو الحق والعدل والكمال[18]، أي أن العقل البشري، إذا ما تجرد عن الحجب المادية والأهواء الغرائزية، قادر على إدراك الكليات الأخلاقية والوجودية، وهنا يأتي الوحي ليستخرج هذا الكنز الدفين في الفطرة، وليقدم التفاصيل التشريعية التي قد يعجز العقل البشري المحدود عن إدراك عواقبها الدقيقة، ومن ثم، فإن السيادة الإلهية لا تلغي استقلالية العقل الإنساني ولا تصادره، بل تحرره من قيود الجهل والأهواء والاستبداد المادي، ليتمكن من ممارسة دوره في “الاستخلاف” الإلهي في الأرض، حيث الإنسان المستخلَف هو ذلك الكائن الذي يستخدم عقله العملي لترجمة السيادة الإلهية إلى سيادة العدالة في الواقع التاريخي والاجتماعي[19].

4. إشكال وجواب

قد يُطرح اعتراض فلسفي وتاريخي على الرؤية التي يطرحها فلاسفة الشيعة، أنه: إذا كان النظام الإسلامي المؤسس على “الحق” هو النظام الأمثل، فلماذا نشهد هيمنة للأنظمة الديمقراطية الليبرالية الوضعية وانحساراً للمشروع الإسلامي في بعض المحطات؟ يجيب العلامة الطباطبائي من منظور فلسفة التاريخ، مبيناً أن مسيرة الأمم والرسالات تخضع لـ “سنن تاريخية واجتماعية” لا تحابي أحداً، فمجرد عدم انطباق سنة من السنن (كالدين الإسلامي) على الوضع الإنساني الحاضر، لا يكشف عن بطلانه أو فساده في ذاته، فالسنن الإنسانية والدينية، عندما تظهر، غالباً ما تتشكل في بيئة مناقضة وطاردة لها، وهي تنتفض وتنازع السنن السابقة المستمرة والمتعرفة، وربما تُضطهد وتنهزم في أول نهضتها، ثم تعود ثانية وثالثة حتى تغلب وتتمكن، وربما تبيد وتنقرض إذا لم تساعدها العوامل والظروف، وهذا الصراع وتنازع البقاء يشهد به التاريخ في جميع السنن الدينية والدنيوية، حتى في مثل الديمقراطية والاشتراكية التي عانت في نشأتها قبل أن تسيطر، والإسلام كسائر السنن من جهة النظر الطبيعي والاجتماعي ليس مستثنى من هذه الكلية؛ فهو يخضع لتنازع العوامل والظروف، وهذا يعزز من مركزية مفهوم “المرابطة”؛ فالمرابطة ليست حالة سكونية أو يوتوبيا خيالية، بل هي “المقاومة الفاعلة” داخل مجرى التاريخ لتوفير العوامل والظروف المؤسساتية التي تسمح لـ “سنة الحق” بالتمكن والغلبة، بالتالي، فإن إخفاق المجتمعات الإسلامية المعاصرة لا يعود إلى قصور في “الحق”، بل يعود إلى التخلي عن “المرابطة” وفشلهم في إنتاج القيم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تشكل بنية الحضارة الإسلامية الجديدة القادرة على مواجهة الأنظمة اللادينية التي تخون شعوبها لصالح هيمنتها الخاصة[20].

ثانياً: الشهيد مطهري وفكرة المجتمع العادل: من الفلسفة إلى الثورة

وجه الشيخ الشهيد مرتضى مطهري نقداً فلسفيّاً لمنظومة “الأنسنة” الغربية من خلال طرح نموذج “الحرية المسؤولة”، حيث الحرية ليست غاية في ذاتها للانفلات الغرائزي أو العبث، بل هي شرط ضروري لنمو الاستعدادات البشرية نحو الكمال، مع ضرورة إزالة الموانع التي تكبل إرادة الإنسان وتمنعه من الترقين ومن ثم أبرز التناقض الأساسي في “الأنسنة” الليبرالية من خلال اختزالها المتعمد للكائن البشري في أبعاده المادية والغرائزية، والنظر إليه كـ “وحدة إنتاجية” (نظرة اليسار) أو مستهلك (النظرة الليبرالية) ضمن ماكينة الاقتصاد الرأسمالي المعوْلَم، ومن ثم أدى التركيز على الفردانية إلى فصل الفرد عن غايته الوجودية وعن مسؤوليته الأخلاقية تجاه المجتمع والنظام الكوني[21].

وهنا يرى الشهيد مطهري في تحليله المقارن أن الإنسانوية الغربية تَعتبِر أن المنشأ الأساسي للكرامة الذاتية والحق المطلق في الحرية هو مجرد “الوجود البشري” بما يحمله من رغبات مادية وتطلعات نفعية! في حين يرى الإسلام أن منشأ الكرامة والحرية ليس مجرد الوجود البيولوجي، بل هو “العقل الإنساني” ونفخة الروح الإلهية التي أودعت في الإنسان القدرة على التعالي الأخلاقي، والتكامل المعنوي، والارتقاء الروحي[22].

1. مصادر المعرفة بين الاختزال الليبرالي والشمولية الإسلامية

في سياق نقده للإبستمولوجيا الغربية، يقف الشهيد مطهري على الفجوة المعرفية بين النظرتين: ففي حين يعتمد المنهج الليبرالي في تأسيسه للأنسنة حصرياً على العقلانية الأداتية والتجربة الحسية كمنقذ وحيد وأداة حصرية لفهم الكون وإدارته، متجاهلاً ومقصياً مصادر المعرفة الميتافيزيقية الكبرى، إلا أن هذا الاختزال المعرفي يتناقض جذرياً مع الطرح الإسلامي الذي يقر بتعدد مصادر المعرفة؛ فإلى جانب العقل والتجربة، يعتمد الإسلام على الوحي والشهود والنقل السليم كأدوات يقينية للوصول إلى الحقيقة، واقتصار الغرب على العقلانية الأداتية خلق إنساناً ذا بعد واحد، قد يمتلك بلا شك أدوات السيطرة التكنولوجية على الطبيعة، لكنه يفتقد تماماً إلى البوصلة الأخلاقية والروحية التي توجه هذه السيطرة نحو الخير العام وتمنعها من الانزلاق نحو التدمير والعدمية[23].

وقد وجه الشهيد مطهري نقداً تحليلياً للأسس التي أرساها فلاسفة غربيون مثل توماس هوبز، وجون لوك، وباروخ سبينوزا، وآيزيا برلين، ممن أسسوا لمفهوم “الحرية” بناءً على مركزية الإنسان الطبيعي المقطوع عن السماء: فبينما يرى هؤلاء أن الحرية حق طبيعي نابع من رغبة الإنسان في حفظ بقائه وتعظيم منفعته لتجنب صراع الكل ضد الكل، يؤصل الشهيد مطهري، مستنداً إلى الفكر الشيعي والعقلائية الإسلامية، للحرية كحق طبيعي مبني على الاستدلال العقلي الذي يربط حرية الإنسان بتكليفه الإلهي واستعداده الفطري للكمال، محاولاً تقديم طرح ينقذ الإنسانية من النتيجة الحتمية لهذه “الأنسنة” المادية من عبثية وضياع وفقدانٍ للمعنى: فعندما يتم استبعاد الهدف الميتافيزيقي وإنكار المعاد، تصبح الخلقة برمتها مجرد أمر عبثي لا غاية له سوى التكاثر والاستهلاك الأقصى لملذات الدنيا العاجلة، وهذا ما يفسر العجز العميق والأزمة الوجودية التي يعانيها الإنسان الغربي المعاصر في التأمل الباطني والاتصال بروحه، وهو عجز أشار إليه فلاسفة حتى من غير المسلمين مثل المهاتما غاندي، ثم استحضره وأكده الشهيد مطهري مع تنظير وتأصيل له كدليل قاطع على الخواء الروحي للحضارة المادية الغربية[24].

وتعتبر مسألة الأخلاق والتشريع القيَمي الميدان الأبرز والأكثر خطورة الذي تتجلى فيه الفوارق العميقة بين الرؤية الكونية الغربية والرؤية الإسلامية كما يبلورها الشهيد مطهري: فإذا كانت الأنسنة الغربية أفرزت توجهاً حتمياً ومتسارعاً نحو “النسبية الأخلاقية”، وهي النظرية الفلسفية التي تنفي وجود أي حقائق أخلاقية موضوعية، أو مطلقة، أو ثابتة، وتعتبر أن القيم والأخلاق ليست سوى إفرازات ثقافية، اجتماعية، أو تعاقدات نفعية بحتة تتغير بتغير الزمان والمكان وإرادة الأغلبية المجتمعية، وفي المقابل فنّد الشهيد مطهري هذه النسبية بطرحه نظرية “إطلاق الأخلاق” استناداً أيضاً إلى مبدأ “الحسن والقبح العقليين”: من حيث أن هذا المبدأ يقرر أن القيم الأخلاقية، كالعدل والصدق والرحمة، تمتلك واقعية موضوعية وحسناً ذاتياً يدركه العقل البشري السليم المستند إلى الفطرة، ولا تخضع بأي حال من الأحوال لمزاجيات المجتمعات، أو تقلبات المصالح السياسية والاقتصادية[25]، وهنا يميز الشهيد مطهري بين القيم الأخلاقية الجوهرية (بالذات) التي لا تقبل التبديل، وتلك العرضية (بالغير) التي قد تتكيف مع الظروف دون المساس بالجوهر، فالمفهوم الأول (الغربي/النسبي) للأخلاق، الذي يدّعي وجود واقع خُلقي واحد ومشترك بين جميع البشر مع اعتبار أن “النسبية” تكمن فقط في الأحكام الأخلاقية الناتجة عن اختلاف وجهات النظر، يواجه معضلة التناقض المنطقي التالية: كيف يمكن لأحكام أخلاقية متناقضة تماماً أن تصف بنجاح واقعاً واحداً ومشتركاً؟ أما المفهوم الثاني للنسبية، والذي يذهب إلى أبعد من ذلك بافتراض أن الواقع الخُلقي نفسه نسبي، وأن لكل مجتمع أو فئة اجتماعية واقعها الخلقي الخاص الذي تختلقه، فإنه يصطدم بمشكلات كبرى لا حل لها في الفلسفة الغربية: لعل أبرز هذه المشكلات هي “مشكلة المجتمع العسكري” أو السلطوي الموحد؛ فإذا كانت الأخلاق نسبية ومحددة حصراً بما يتفق عليه المجتمع أو تمليه إرادة القوة فيه، فلن يكون هناك أي مسوغ فلسفي أو أخلاقي موضوعي لإدانة مجتمع يشرعن الظلم، أو الإبادة الجماعية، أو الاستعباد، طالما أن ذلك يحظى بإجماع أفراده وتوافقهم الداخلي، وهذا التناقض الداخلي يكشف تهافت أسس المرجعية الإنسانية ويجعل من القوة الغاشمة المعيار الوحيد للحق[26].

2. الوجدان الفطري في مواجهة الأنا العلوية الفرويدية

في سياق النقد النفسي والاجتماعي للفكر الغربي، يرفض الشهيد مطهري[27] كذلك التفسير الفرويدي للأخلاق الذي يربط السلوك الأخلاقي بـ “الأنا العلوية”[28]؛ ففي التحليل النفسي الغربي، تُعتبر الأخلاق مجرد نتاج للكبت الاجتماعي والتربية القسرية والخوف من العقاب أو العزلة المجتمعية[29]. في المقابل، يؤسس مطهري نظريته على أن الأخلاق تنبع من “الوجدان” الفطري العميق المرتبط بالكمال الإنساني، وهو صوت داخلي يستشعر القيم العليا وليس مجرد آلية دفاعية ناجمة عن قهر المجتمع للفرد، ثم ييّن الشهيد مطهري النتيجة المجتمعية الكارثية للفلسفة الليبرالية، ففي ظل غياب الرادع الميتافيزيقي والمطلق الأخلاقي، يصبح السلوك البشري غير نابع من التعبد بالدين أو احترام القيم الإنسانية الخالدة لذاتها، بل من “خوف الفرد من التزاحم مع مصالح الآخرين” أو خشية ردة فعل الأكثرية الحاكمة أو القانون الوضعي. وهذا يعني أن الإنسان الغربي المنسلخ عن الله، إذا ما توفرت له السلطة والحاكمية، وأمِن من العقاب أو من معارضة الأكثرية، فإنه سيعتدي حتماً على حقوق الآخرين ويسحق المستضعفين؛ لأن المعيار الداخلي الرادع (التقوى والوجدان) قد تم هدمه لصالح نفعية براغماتية محضة لا تعترف إلا بموازين القوى.

3. أزمة الديمقراطية الليبرالية: إرادة الأكثرية كآلية لشرعنة الانحطاط

من أهم مخرجات الأنسنة والنسبية الأخلاقية في المجال السياسي والحقوقي هو تبني نموذج الديمقراطية الليبرالية في نسختها العلمانية، التي تجعل من “إرادة الأكثرية” وحجم الأصوات في صناديق الاقتراع المعيار الأوحد للحق والصواب والتشريع، وهو ما أطلق عليه جان جاك روسو[30] ـ Jean ـ Jacques Rousseau مفهوم ‘الإرادة العامة’ حيث اعتبر أن “القوانين يجب أن تكون تعبيراً حصرياً عن إرادة الأغلبية وأن هذه الإرادة هي التي تحدد الصالح العام والحق السياسي بمعزل عن أي مرجعية غيبية أو أخلاقية مسبقة”[31]! وهنا يطرح الشهيد مطهري نقد تفكيكي حول مدى نزاهة وحيادية الأكثرية: فهل هذه الأكثرية فعلاً معصومة عن الانقياد وراء الأهواء؟ وهل هي مجردة من المصالح الضيقة؟ وفي البلدان النامية أو الناشئة في الديمقراطية، أليست هذه الأكثرية قابلة للتوجيه والخداع حسب رغبة رأس الحكم، أو نفوذ رأس المال، أو سطوة الإعلام الموجه؟ وفي نفي سياق هذا النقد قدّم المفكّر ألكسيس دو توكفيل[32] ـ Alexis de Tocqueville تقييما لنتائج ما يسمى “المسار الديمقراطي” موثقاً ومحذراً مما أسماه ‘طغيان الأغلبية’ حيث تتحول إرادة الأكثرية العددية في صناديق الاقتراع إلى قوة قاهرة تفرض معاييرها على المجتمع وتعتبر ذاتها المعيار المطلق للصواب والتشريع[33]!

إلا أن الطامة الكبرى في أن الديمقراطية الليبرالية، بانسلاخها المتعمد عن القيم الأخلاقية الموضوعية (الدين والميتافيزيقا)، تتحول إلى أداة إجرائية عمياء بلا غاية سامية: فإذا رغبت الأغلبية في الانحطاط الأخلاقي، أو قررت عبر مؤسساتها التشريعية تشريع ما يخالف الفطرة الإنسانية السليمة، فإن النظام الديمقراطي الليبرالي لا يملك أي كابح فلسفي أو قانوني لمنع ذلك، بل يعتبره “حقاً ديمقراطياً” نابعاً من السيادة الشعبية[34]! وهذا يعني أن الديمقراطية المنفصلة عن القيم الموضوعية تفقد بوصلتها الإنسانية، وتتحول من أداة لتحرير الإنسان من الاستبداد إلى أداة لاستعباد الإنسان لغرائزه الدنيا. وهنا يرى الشهيد مطهري هذا المسار، في جوهره، تخلٍ طوعي عن “قيود التكليف” الديني والأخلاقي الذي يرتقي بالإنسان ويميزه عن العجماوات[35]، عليه، فإن مدرسة النزعة الإنسانية التي تروج لأصالة الإنسان، تعتبر أن معيار الحسن والقبح هو ما يقتضيه سلوك الإنسان واحتياجاته الاستهلاكية والغرائزية فقط، دون أي التفات لكرامة الروح. وبهذا المعنى، يصبح القانون خادماً للدوافع الحيوانية بدلاً من أن يكون مقوماً لها، وتصبح الدولة حامية للرذيلة باسم الحريات الفردية، مما يمهد الطريق لانهيار حضاري حتمي شبيه بانهيار الإمبراطوريات القديمة التي غارقت في الترف والانحطاط[36].

4. الاستعمار وتشييء الإنسان كحتمية فلسفية

على الصعيد الجيوسياسي، لم تتوقف نتائج هذه الفلسفة عند الحدود الداخلية للمجتمعات الغربية، بل امتدت لتؤسس لظاهرة “الاستعمار” المظلمة التي فتكت بدول الجنوب العالمي، وهنا يؤكد الشهيد مطهري أن استعمار الغرب للعالمين الإسلامي والنامي ليس مجرد حادثة عارضة، أو انحرافاً عابراً في تاريخه، بل هو نتيجة حتمية تنبع من “رؤيته الفلسفية والنظرة القيمية المادية إلى العالم والإنسان”؛ فالحضارة التي تؤمن بالمنفعة البراغماتية والنسبية الأخلاقية، وتستبعد الروادع الغيبية ويقين الحساب الأخروي، لن تتورع أبداً عن نهب ثروات الشعوب، واستعبادها، وإبادتها متى ما امتلكت القوة الصناعية، التنظيمية، والعسكرية[37].

إن الثروة والرفاه الغربي الحالي هو في حقيقته “نتيجة نهب المصادر الصناعية والزراعية الأولية التي تم الحصول عليها من العالم الثالث” عبر آلة الاستكبار[38]، كما ترافق الاستعمار الغربي للبلاد الإسلامية مع حرب نفسية، ثقافية، وإعلامية شرسة، استخدمت فيها أساليب شيطانية لترويج الفساد والفحشاء كأدوات للسيطرة وإدامة التخلف، وهنا يفكك مطهري شعارات “النزعة الأنثوية” (Feminism)، مبيناً أن الهدف الحقيقي لم يكن يوماً الدفاع عن حقوق المرأة المظلومة، بل كان “الاستفادة الأداتية” من المرأة وتحويلها إلى سلعة رخيصة لإشباع الميول والأهواء النفسانية للشباب[39]، حيث أدرك المستعمر أن الجيل الشاب هو الجيل القادر على التفكير الجاد بالحرية الحقيقية والاستقلال الاجتماعي والسياسي، وهو الجيل الذي يشكل خطراً وجودياً على مصالحه. لذا، عمل بشكل ممنهج على إغراق هذا الجيل في الأهواء والعلاقات الجنسية اللامشروعة لدفعه نحو أزمة هوياتية كبرى، وإلهائه عن احتياجاته الأساسية وقضايا أمته المصيرية[40].

ويبرز الاختلاف الجوهري بين مخرجات المدرستين بوضوح عند دراسة ومقارنة أنماط الحياة: فنمط الحياة العلماني الغربي الذي تكرسه هذه الأنسنة يركز على الطموح المادي، الفردية، والاستهلاك، متجرداً من الأبعاد الروحية. في حين أن نمط الحياة الإسلامي في المجتمعات المتدينة يعتمد على رؤية كونية أيديولوجية شاملة تتناقض جوهرياً مع العلمانية، وتؤسس لطالب يسعى للتميز العلمي مقترناً بالتزكية الروحية والمسؤولية الاجتماعية. هذا “التشييء” للإنسان في الغرب، سواء كان طالباً أو امرأة، يعكس الماهية الشيطانية لحضارة تختبئ خلف شعارات الشرف والديمقراطية لتمرير سياسات الهيمنة، علاوة على ذلك، ولترسيخ هيمنته الثقافية وزرع عقدة النقص الدائمة، لجأ الاستعمار الغربي إلى تزييف التاريخ وحياكة الأكاذيب والافتراءات ـ مثل اختلاق فرية قيام المسلمين والعرب بإحراق المكتبات التاريخية الكبرى في مصر وإيران ـ لتصوير الإسلام كدين همجي يعادي العلم ويقوم على السيف والدم. وقد كان الشهيد مطهري شديد الوعي لهذه الحرب النفسية، وسعى جاهداً لكشف زيفها، معتبراً أن المسيحيين الغربيين أطلقوا هذه الأكاذيب بدافع الحقد التاريخي المتراكم منذ الحروب الصليبية، رغم معرفتهم التامة بعظمة الحضارة الإسلامية وريادتها العلمية، وقد واجه مطهري قمعاً من قبل السلطات الأمنية آنذاك (السافاك) التي منعته من تفنيد هذه الأكاذيب في حسينية الإرشاد، مما يؤكد تماهي الاستبداد المحلي مع الأجندة الاستعمارية في محاربة الوعي[41].

5. نظرية “الحرية المسؤولة”: التأسيس الفلسفي لإزالة الموانع

في مواجهة الحرية الليبرالية المنفلتة والمجردة من المعنى، يقدم الشهيد مرتضى مطهري أطروحته الفلسفية المتماسكة والبديلة حول “الحرية المسؤولة”، وهنا لم يكتفي الشهيد مطهري بالرفض، بل أسس بنياناً معرفياً يرتكز على مسلَّمة أساسية: أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ خلق الإنسان كائناً مزدوج الطبيعة، مخيّراً، يمتلك قوة واعية مدركة قادرة على التمييز، ومزوداً باستعدادات فطرية متساوية قابلة للنمو في حقل الخير أو حقل الشر على حد سواء[42]، وهنا تتقاطع رؤية الشهيد مطهري مع التراث الفكري الإسلامي الواسع، كما عبر عنه مفكرون كَسيّد قطب، في التأكيد على أن هذه الموهبة الربانية (الإرادة، المشيئة، والعقل) هي مناط التكليف والمحاسبة الإلهية؛ فلو كان الإنسان مسيراً لا وعي له ولا إرادة، أو آلة بيولوجية تتحكم بها الحتمية المادية فقط، لما كان لخطاب السماء وتكليفه أي مناسبة، ولما كان لمحاسبته أي عدل أو حكمة[43]! والحرية إذن، هي قرينة المسؤولية؛ حرية تقابلها تبِعة، وقُدرة يقابلها تكليف[44].

أ ـ التفريق الفلسفي بين حرية الفكر وحرية العقيدة

من أدق وأعمق المساهمات الفكرية للشهيد مطهري في نقد المفهوم الغربي لحقوق الإنسان، تفريقه الحاسم والقاطع بين “حرية الفكر” و”حرية العقيدة”[45]: حيث يرى الغرب أن هاتين الحريتين متطابقتان، بينما يرى مطهري اختلافاً جوهرياً؛ فالفكر هو “قوة عقلية” ديناميكية مستندة إلى التعقل، المنطق، والاستنتاج، وهو مسار يجب تنميته وحمايته، وإزالة كافة العوائق من طريقه، والإسلام يدعو بقوة لحرية الفكر ويرفض التقليد الأعمى حتى في أصول الدين، ويشترط على المسلم الوصول إلى اليقين العقلي الذاتي في العقائد الأساسية[46]. أما “العقيدة”، فقد تكون في كثير من الأحيان نتاجاً للارتباط والانعقاد القلبي المبني على الهوى، أو الخرافة، أو التعصب الأعمى، أو مجرد نتاج بيئة ومحيط غير صحي توارثه الفرد دون تمحيص، وهنا يتساءل الشهيد مطهري سؤالاً جوهرياً واستنكارياً: هل يجب أن يكون الإنسان حراً في أن يعبد حجراً، أو وثناً، أو بقراً، أو فئراً، أو أعضاءً تناسلية بدعوى “حرية العقيدة” واحترام الآخر؟! ومن ثم يجيب بالرفض القاطع، مبيّناً المغالطة الكبرى والتناقض الفادح في الفكر الليبرالي الغربي والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي يمنح الإنسان الحق المطلق في اختيار أي شيء كعقيدة ويعتبر كل ما يقدسه محترماً[47]!

يؤكد الشهيد مطهري أن هذه العقائد الخرافية هي في حقيقتها “أغلال وقيود” تكبّل عقل الإنسان، وتعطل فكره، وتمنعه من تنمية قابلياته الحقيقية، كما أن احترام الديمقراطية الغربية لهذه الخرافات هو في جوهره “احترام للعبودية الفكرية” وليس للحرية[48]، فهل من مستلزمات احترام كرامة الإنسان أن نتركه غارقاً في انحطاطه المعرفي، أم أن نتدخل (ولو قسْراً) لتوجيهه نحو الرقي؟ للإجابة حول هذه المسألة يضرب الشهيد مطهري مثلاً قرآنياً وتاريخياً بالغ الدلالة: فعندما حطم نبي الله إبراهيم الأوثان بيده، وفعل موسى الشيء ذاته بعجل السامري، وحطّم الإمام علي، واقفاً على كتفيّ النبي (صلى الله عليه وآله)، أصنام الوثنية على الكعبة، لم يكن ذلك لقمع الحرية الفردية، بل “لإعادة الناس إلى عقولهم” وتحريرهم من استلاب الخرافة التي عطلت تفكيرهم[49].

ولتوضيح هذه الفكرة للمنظور الغربي والعلماني المعاصر، يشير الشهيد مطهري إلى أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ذاته يفرض مبدأ “التعليم الإلزامي” في المرحلة الابتدائية على جميع الأطفال! ولم يعتبر أحد من فلاسفة الليبرالية أن إجبار الأطفال على التعلم هو قيد على حريتهم أو اعتداء على حقوقهم، بل يرى الجميع صوابية هذا القرار لأنه يحررهم من قيد الجهل المظلم. بالمنطق ذاته، يتدخل الإسلام لمحاربة الخرافة وإزالة موانع الفكر كنوع من التحرير المعرفي والروحي لضمان مسار سليم للبشرية، وبذلك أثبت أن الإسلام يضمن حرية العقيدة القائمة على أساس التفكير، ولكنه لا يمنح الشرعية لعقيدة قائمة على الجهل[50].

ب ـ الحرية الاجتماعية والحرية المعنوية (الروحية)

في تشريحه لمفهوم الحرية، يصنف الشهيد مطهري الحرية إلى بُعدين متكاملين لا ينفصلان: الحرية الاجتماعية (الخارجية) والحرية المعنوية (الداخلية)[51]، وهنا تتفق الرؤية الإسلامية مع بعض المدارس الليبرالية في ضرورة توفير الحرية الاجتماعية، والتي تعني غياب الموانع المجتمعية والاستبداد السياسي الذي يحول دون نمو الإنسان؛ وقد حارب الأنبياء على مر التاريخ كافة أشكال الاستعباد والطغيان الاجتماعي لتأمين هذا المناخ، من منطلق أن مهمة الإسلام هي جعل “كلمة الله هي العليا”، وهذا يتطلب إزالة السلطات الأرضية الطاغية التي “تحجب نور الله” وتقف كحواجز مانعة بين الناس وبين الهداية، لكي تُترك الشعوب حرة في اختيارها بعيداً عن إكراه المستبدين، تطبيقاً لمبدأ “لا إكراه في الدين”[52].

لكن النقد الأساسي يوجه للغرب في إهماله التام، بل وتدميره، لـ “الحرية المعنوية”؛ فالحرية المعنوية تعني تحرير الإنسان من أسر جهله، وتحرره من سيطرة نفسه الأمارة بالسوء، وغرائزه المنفلتة، وأنانيته المدمرة، وفي الإسلام، لا تتحقق الحرية المطلقة والنهائية إلا من خلال الالتزام بالقوانين والتكاليف الإلهية التي تروض الغريزة وتُعلي من شأن الروح، بينما ترى الليبرالية أن الحرية هي التحلل من هذه التكاليف، وبناءً على هذا التحليل، يرفض الشهيد مطهري رفضاً قاطعاً أن تكون الحرية “غاية في ذاتها” يُسعى إليها من أجل الانفلات وإشباع الغرائز، بل أن الحرية في الفلسفة الإسلامية هي “كمال وسيلي”؛ أي أنها أداة، ومسار، ووسيلة ضرورية تمكن الإنسان من الوصول إلى الكمالات الإنسانية والأخلاقية السامية، وحينما تتحول الحرية إلى ذريعة أو أداة للجشع الرأسمالي غير الأخلاقي، أو عندما تستخدم لنفي التطور الإنساني وتتعارض مع مصالح الفرد نفسه، ومصالح المجتمع، وحدود العقل، فإنها تفقد كل مشروعيتها[53].

إن الغاية القصوى من ممارسة “الحرية المسؤولة”، وإزالة الموانع المعرفية (كطمس الحقائق التاريخية والخرافات) والموانع الاجتماعية (كالاستبداد والاستعمار)، هي فتح الباب أمام الارتقاء نحو مقام “الإنسان الكامل”، وهنا يستند الشهيد مطهري في تنظيره لهذا المفهوم إلى أسس مدرسة الحكمة المتعالية والتراث العرفاني الإسلامي، حيث يطرح رؤية أنطولوجية شاملة تتجاوز النظريات المادية الغربية، كنظرية داروين في “بقاء الأصلح”، والتي تحصر الكمال في القوة الجسدية، والتكيُّف البيولوجي، والتغلُّب المادي وسحق الضعفاء. على العكس من ذلك، الكمال في الإسلام لا يقاس بالقوة العضلية أو الثروة، بل إن التمايز يجب أن يكون على أساس الإيمان والخلق، وقوة التضحية والخدمة اللا مشروطة للبشرية[54].

والقيم الإنسانية الكبرى كالعدالة، الحرية، الأمن، والثروة، لا تعمل في الفكر الإسلامي كقيم مستقلة متوازية يطغى بعضها على بعض أو تتصارع فيما بينها كما هو الحال في النظم الليبرالية الرأسمالية التي تضحي بالعدالة الاجتماعية لصالح حرية السوق، بل هي مكونات عضوية مترابطة تتناغم وتتفاعل لتشكل بيئة مجتمعية صحية تضمن تكامل الإنسان وسعادته الدنيوية والأخروية، والإنسان الكامل في هذا السياق هو “خليفة الله” في أرضه، حامل أمانته، والمكلف بمهمة سياسية واجتماعية تتمثل في إيصال الموجودات كافة إلى كمالاتها وغاياتها انطلاقاً من أسس “العدل الإلهي”، وهذا العدل يقتضي بناء مجتمع متراص يقوم على أسس التعاون والشركة الإنسانية، ويرفض رفضاً قاطعاً كل أشكال الاستلاب الرأسمالي الذي يشيّء الإنسان، أو القهر السلطوي الذي يسلبه حريته واختياره[55].

ولضمان صيانة هذه السعادة المجتمعية من الانحرافات، وفي سياق رده على الفوضى الحقوقية الغربية التي تفرط في حقوق المجتمع باسم التسامح الزائف مع المجرمين، يحاجج الشهيد مطهري على أرضية فلسفية وعقلانية مبدأ “العقوبة” والردع: فيطرح فرضيات العقوبة مشدداً على أهمية “التناسب بين الجناية والعقوبة”؛ فالعقوبة إذا كانت أشد من المعصية والجرم فهي ظلم واضح للمذنب، وإذا كانت أخف من المعصية أو تم تركها، فهو جور صريح على حق المظلوم وهضم لحقه ويتنافى مع حكم العقل بالعدل. العدل إذن، ليس تسامحاً منفلتاً يغري بالجريمة كما يروج له الغرب في بعض تشريعاته المخففة للجرائم الأخلاقية، بل هو وضع الأمور في نصابها لحماية “التكامل الاجتماعي/الوجودي” الذي يؤتمن عليه الإنسان بما هو خليفة لله[56].

6. هندسة المجتمع العادل والتوحيد الاجتماعي

ينطلق الشهيد مطهري في تصوره لهندسة المجتمع العادل من مبدأ “التوحيد”، وهنا يبرز التوحيد في فكر العلامتيْن مطهري والطباطبائي لا كاعتقاد قلبي فردي أو إقرار نظري بوحدانية الخالق، بل هو “رؤية كونية شاملة” تستلزم بالضرورة توحيداً اجتماعياً يرفض الشرك بجميع صوره المبطنة، بما في ذلك “الشرك الاجتماعي” المتمثل في الاستغلال، والهيمنة الطبقية، والتمييز العرقي، والتسلُّط السياسي الفردي[57]، وعندئذٍ يصبح المجتمع العادل هو المجتمع الذي تتجسد فيه معالم:

1ـ إلغاء التمييز والاستغلال: حيث لا تُحتكر الامتيازات السياسية والاقتصادية بيد فئة “مستكبرة” تسخّر قوى الفئات “المستضعفة” وتصادر إرادتها وحقوقها في النمو[58].

2ـ ضمان الكرامة الإنسانية: وهي الكرامة الذاتية المستمدة من نفخة الروح الإلهية، والتي لا تُسلب من الإنسان أياً كان لونه أو عرقه أو دينه، حتى المخالفين في العقيدة إذا لم يكونوا من المعاندين للحق[59].

3ـ العدالة الشاملة: وهي العدالة التي تعني تنمية جميع قابليات الإنسان ومؤهلاته بشكل متوازن ومتوازٍ (الروحية، الجسدية، الفردية، والاجتماعية) دون إفراط في تلبية غريزة على حساب أخرى، ودون تفريط في حقوق الفرد لصالح الجماعة أو العكس[60].

ثالثاً: العلاقة بين الإمامة والسيادة العادلة

في الفلسفة السياسية الشيعية، لا يتم التعامل مع مفاهيم الحكم والسيادة وإدارة الدولة كمسائل فقهية فرعية أو اجتهادات إدارية بحتة قابلة للتسويات البراغماتية، لأنها في البنية المعرفية للمذهب ترتبط ارتباطاً عضوياً وتلازمياً بمبحث “الإمامة”، التي تُعد أصلاً من أصول الدين، واستمراراً لمهام النبوة في حفظ الشريعة وقيادة الأمة (الظاهرية والباطنية) وإقامة القسط والميزان[61].

1. الإمامة كضامن بنيوي للعدل ورفض الجور

السيادة في المنظور الإسلامي الشيعي ليست امتيازاً دنيوياً للتسلط وتكريس النفوذ العائلي أو الطبقي، بل هي عبء وتكليف شرعي وأخلاقي ثقيل لرد الظلم وإقامة القسط وحراسة الدين ومصالح الناس. ينص الفكر الشيعي على أن الحاكم (الإمام المعصوم، أو الفقيه العادل الجامع للشرائط في عصر الغيبة) هو النائب عن الإرادة الإلهية في تطبيق العدل، ولا سيادة ذاتية لبشر على بشر إلا بإذن الله وضمن أطر الشريعة، واستناداً إلى هذه المرتكزات، تُوجه الفلسفة الشيعية المعاصرة نقداً جذرياً للسلطة التي لا ترتكز على العدل الإلهي وتعتمد على الغلبة والوراثة والسلطنة، في هذا السياق يعتبر العلامة الطباطبائي أن الحكم إن فُصل عن العدل والقيم التوحيدية، استحال إلى جاهلية جديدة ووجاهة فارغة وسلطان قاهر يستعبد الناس[62]؛ فبالإضافة إلى ما سبق من تعريف ماهية السلطة وحقيقة ماهيتها، يستند العلامة أيضاً في طرحه هذا إلى حقيقة أن الإنسان الحر بفطرته لا يُمكن أن يكون مستعبداً لأخيه الإنسان، وأن كل سيادة بشرية على بشر هي سيادة باطلة وباغية ما لم تكن مأذونة من الله ومقيدة بشروط إلهية لا تقبل المساومة[63].

لذا، يطرح الفكر السياسي الشيعي المعاصر، متكئاً على التأسيسات الفلسفية للعلامة الطباطبائي والشهيد مطهري مقولة “ولاية الفقيه” كصيغة حديثة وضرورة عقلائية لإدارة المجتمع وحراسة الدين في عصر غيبة الإمام المعصوم وشرط الفقاهة هنا أبعد ما يكون عن الثيوقراطية الكهنوتية، بل هي سيادة مقيدة التزاماً بـ “العدالة”، “الاجتهاد”، و”العقلانية”، فالحاكم أو الفقيه يفقد شرعيته التأسيسية تلقائياً إذا انحرف عن جادة العدل، أو ارتكب معصية، أو سار في طريق الاستبداد والقهر، مما يسقط عدالته التي هي شرط ولايته على الناس[64].

2. نحو فلسفة شيعية للسلطة الخُلُقية والعقلانية

إن الحصيلة النهائية للقراءة المتأنية في الفكر الفلسفي والاجتماعي للعلامة الطباطبائي والشهيد مرتضى مطهري تفضي إلى استنتاجٍ أن طرحهما لمشروع متكامل لسلطة خُلُقية وعقلانية، يشكل النقيض الفلسفي والعملي التام لنظريات السلطة الميكيافيلية، وتلك القائمة تاريخياً في الفقه السياسي التقليدي على مبدأ “القهر والغلبة”[65]، وهو ما عانت من مدارس أخرى في الفقه السياسي الإسلامي في حقبات تاريخية طويلة من التنظير التبريري، الذي أعطى الشرعية للحاكم المتغلب بسيفه وقوته القاهرة، وذلك تحت ذريعة “درء الفتنة” والحفاظ على بيضة الإسلام الظاهرية حتى لو كان الحاكم ظالماً وجائراً، وهذا المنطق الذي شرعن الاستبداد الأموي والعباسي وما تلاهما، يتم تفكيكه ونسفه جذرياً في الفلسفة الشيعية الحديثة؛ حيث ينطلق هذا البرادايم الفكري من حقيقة أن السلطة لا تستمد شرعيتها من العنف، أو احتكار القوة المادية، بل تستمدها حصراً من تطابقها مع العقل العملي والعدل الفطري، والقانون الإلهي الهادف لخدمة الإنسانية[66]، وإذا كان القهر والتخويف هو أداة الطواغيت لإخضاع الأجساد ومصادرة الإرادات، فإن السلطة العقلانية التوحيدية تسعى، على العكس من ذلك، لتحرير العقول والتطبيع مع الفطرة السليمة وتنمية الإرادات الحرة المستقلة، ليكون خضوع الإنسان لله وحده كفعل اختياري واعٍ، فأي سلطة تتجاوز مبدأ العدل وتقوم على الغلبة والاستقواء تعتبر في المنظور الشيعي “حكومة طاغوت” يجب مقاومتها ورفضها، ولا تكتسب أي شرعية دينية أو أخلاقية مهما طال أمد سيطرتها المادية[67].

3. بين الحرية والمسؤولية في بناء السيادة

لتأسيس هذه السلطة العقلانية، استند فلاسفة الشيعة إلى التراث الكلامي لأهل البيت (عليهم السلام)، وخصوصاً مبدأ “الأمر بين الأمرين”، لتقديم النموذج النظري للفعل البشري سياسياً واجتماعياً وصياغة العلاقة بين الحاكمية الإلهية والاستخلاف البشري[68]؛ فالسلطة في هذا المنظور ليست “تفويضاً مطلقاً” يبيح للحاكم البشري (أو حتى الأغلبية الشعبية) التشريع بهواهم بمعزل عن القيم الثابتة (كما تفعل الليبرالية المطلقة)، وليست في المقابل “جبراً إلهياً” يلغي إرادة الأمة ومسؤوليتها ويسوغ الخضوع الأعمى للحكام بدعوى أن ذلك قدر محتوم من الله (كما روجت بعض الفرق الجبرية لتبرير ولاية حكام الجور)[69]؛ فالسيادة في الفلسفة الشيعية المعاصرة هي عملية تفاعلية وتشاركية في إطار الاستخلاف: الله سبحانه يشرّع القيم الكلية للعدل والفضيلة ويرسم الحدود العليا (السيادة التشريعية)، بينما يمارس الإنسان (الأمة والفقهاء وقادة المجتمع) حريته المسؤولة، واجتهاده العقلي (على مستوى العقل العملي)، لتطبيق هذه القيم وصياغة القوانين التفصيلية في الزمان والمكان عبر مؤسسات الدولة الحديثة[70]، وهنا، يعاد تعريف “التكليف الإلهي” في إدارة المجتمع وسيلة لاستعباد الإنسان أو تهميشه (كما فعلت الكنيسة الأوروبية في عصور الظلام) إلى كونالامتثال لهذا التكليف “تشريف” و”تمرين وجودي” لتنمية ملكاته المكلَّف الارتقائية نحو الكمال الدنيوي والأخروي (معاً) وصناعة مصيره بيده[71].

4. العدالة كمبدأ ميتافيزيقي وخُلُقي في الفكر الشيعي

لا يمكن فهم الفلسفة السياسية الشيعية المعاصرة، ولا النظريات التي صاغها العلّامتين الطباطبائي ومطهري حول السلطة والمجتمع، دون بسط الكلام في الجذور الكلامية والميتافيزيقية لمفهوم العدالة؛ ففي مدرسة أهل البيت (المعروفة كلامياً بـ “العدلية”)، لا تُعتبر العدالة مجرد تنظيم قانوني للعلاقات الاجتماعية أو فضيلة وعظية مستحسنة، بل هي “أصل من أصول الدين”، وقاعدة ميتافيزيقية كبرى حاكمة على الوجود بأسره، من الذرة إلى المجرة، ومن حركة الأفلاك إلى التشريعات السياسية[72].

رابعاً: الحسن والقبح العقليان: التأسيس المعرفي للعدالة والسلطة

تعتمد الفلسفة الشيعية في مقاربتها لموضوع العدالة على القاعدة الكلامية والفلسفية المعروفة بـ “الحُسن والقُبح العقليين”، حيث تفترض هذه القاعدة أن الأفعال تحمل في ذاتها وصفاً واقعياً وحقيقياً يجعلها حسنة أو قبيحة، وأن العقل الإنساني يمتلك القدرة الذاتية والمستقلة على إدراك حُسن العدل وقبح الظلم، وإدراك حُسن الصدق وقبح الكذب، وذلك بمعزل عن النصوص الشرعية والأوامر الإلهية المسبقة، والعقل هنا ليس مشرِّعاً من العدم، بل هو “كاشف” لحقائق كامنة في طبيعة الأفعال[73].

يقف هذا الطرح في مواجهة تاريخية مع المدرسة الأشعرية التي تبنت “الحُسن والقُبح الشرعييْن”، حيث تنص النظرة الأشعرية على أن الأفعال لا تحمل صفات ذاتية من حُسن أو قبح، بل إن الشارع (الله) هو الذي يضفي عليها هذه الصفة؛ فما يأمر به الله يصبح حسناً بمجرد الأمر، وما ينهى عنه يصبح قبيحاً بمجرد النهي، وبناءً على هذا التصور، اعتبر الأشاعرة أن الله هو المالك المطلق، وتصرف المالك في ملكه لا يمكن أن يُعد ظلماً، حتى لو افترضنا أنه عاقب المحسنين وأثاب المسيئين[74].

بالنسبة لمفكري الشيعة يؤدي هذا الرأي الأشعري إلى تدمير البنية التحتية للمنظومات الأخلاقية والدينية وحتى السياسية؛ فإذا كان العقل عاجزاً عن إدراك الحُسن والقبح، وإذا كان الله قادراً على فعل القبيح (بالمعنى العقلي)، فإنه ينهدم أساس النبوّات، ويصبح من الجائز عقلاً أن يُكذب الله في وعوده، مما ينفي جدوى الهداية والتربية البشرية والالتزام بالشريعة، ومن هنا يؤكد فلاسفة الشيعة أن إدراك الحسن والقبح هو إدراك للكليات المشتركة والبديهيات العملية، وأن العقل يكتشف هذه القيم ولا يبتكرها، وبما أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ هو الكمال المطلق والغِنى المطلق، فإن العقل يحكم بالضرورة والبداهة باستحالة صدور القبيح (الظلم) منه؛ فالظلم ينشأ إما عن جهل بقبح الفعل، أو عن عجز، أو عن حاجة وافتقار، أو عن عبث ولهو، والله ـ جل جلاله ـ منزّه تنزيهاً مطلقاً عن كل هذه النواقص، في عين أن تنزيه ـ تعالى ـ عن الظلم ليس تقييداً لقدرته، بل هو إثبات لكماله؛ فالممتنع هنا هو “الامتناع الوقوعي” وليس الامتناع الذاتي؛ أي أن الله قادر على الفعل ولكنه لا يفعله لاستحالة صدور النقص من الكمال التام[75].

تستمد نظرية الأمر بين الأمرين شرعيتها الأولى من الفهم العميق والجمع الدقيق بين طائفتين من الآيات القرآنية التي تبدو في ظاهرها، وبحسب النظرة السطحية، متعارضة: الطائفة الأولى تؤكد على مشيئة الله المطلقة وهيمتنه على الكون، مثل قوله ـ تعالى ـ : ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ …﴾ [الإنسان: 30] وقوله ـ تعالى ـ : ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ …﴾ [يونس: 100]. والطائفة الثانية تؤكد بنفس القوة على حرية الاختيار الإنساني ومسؤولية الفرد، مثل قوله ـ تعالى ـ : ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: 21] وقوله ـ تعالى ـ : ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان: 3]، وقوله ـ تعالى ـ : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7 ـ 8].

من خلال الجمع بين هذه الآيات، أسقط الأئمة (عليهم السلام) مقولة الجبر استناداً إلى القاعدة العقلية القاضية بـ “استحالة الظلم على الله”: فقد ورد عن الإمامين الباقريْن (عليهما السلام): “إن الله أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب ثم يعذبهم عليها، والله أعز من أن يريد أمراً فلا يكون”[76]، وهذا النص يفكك الإشكالية الفلسفية من خلال بيان أن القدرة التي يُعملها الإنسان في إيجاد الفعل هي قدرة مفاضة من الله في كل لحظة، ولا تنفصل عنه. أي أن الله هو “الفاعل المُقْدِر” (الذي منح القدرة والوجود)، والإنسان هو “الفاعل المباشر المختار” الذي يوجه هذه القدرة نحو الفعل أو الترك[77].

1. الأبعاد العرفانية والروحية: البداء والدعاء في الفكر الشيعي

امتد هذا التأصيل الميتافيزيقي ليغطي البعد العرفاني والروحي، وهو ما جلّته بوضوح الأطاريح الفلسفية والعرفانية المتأثرة بالحكمة المتعالية ومنهج العرفاء، فمذهب الأمر بين الأمرين هو الموقف الأكثر اتّساقاً مع العقل السليم والشهود العرفاني (معاً)، وهنا يتجلى هذا الفهم بشكل عملي فيما يعرف بعقيدة “البداء” لدى أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام): “البداء” الذي يعني، لغةً، الظهور، يعني في البعد اللاهوتي والإنساني أن الله قد يُغير ما بدا للناس أنه مقدّر حتمي بناءً على مستجدات وسلوكيات إنسانية طارئة يمكن أن تحدث تدخل في معادلة القدر (مثل الإلحاح في الدعاء، صلة الرحم، الصدقة، أو التضحية بالنفس)[78]؛ فالدعاء، في المنظور العرفاني، لا يتناقض أبداً مع مفهوم القضاء والقدر الإلهي؛ وذلك بالتمييز الدقيق بين نوعين من القضاء: الأول هو “المحتوم” (أو اللوح المحفوظ) وهو حتمي ومبرم وموجود في العالم الإلهي المعرفي المطلق. أما الثاني فهو “القضاء الفعلي” (أو لوح المحو والإثبات) وعالم الأفعال الإلهية المتجلية في عالم الإمكان، وفي هذا القضاء الفعلي، يقع فعل العبد، ومن ضمنه الدعاء وغيرة في نطاق يسمح للإنسان (بإذن الله) بأن يتدخل لتغيير مصيره ودفع البلاء، مما يؤكد أقصى درجات المسؤولية، والفاعلية البشرية، وحيوية العلاقة بين الخالق والمخلوق[79].

2. العدالة كإفاضة وجودية على الإنسان الحر

على المستوى الميتافيزيقي الأنطولوجي، يوسع الشهيد مطهري، في كتابه “العدل الإلهي” مفهوم العدالة لتتجاوز المعنى الحقوقي، معرفاً إياها بأنها “إعطاء كل ذي حق حقه” و”إفاضة الوجود على كل ممكن حسب قابليته واستعداده”، والعدل الإلهي، في هذا السياق، هو إفاضة وجودية لا تبخل على أي كائن بما يستحقه من كمال وجودي يتناسب مع درجته الوجودية وقابليته ورتبته في سلسلة الوجود الكونية، وانطلاقاً من هذه الأرضية، ومن خلال نظرية “الأمر بين الأمرين”، زاوَج الشهيد مطهري بين مفهوم العدالة وبين إمكانية (وضرورة؟) محاسبة السلطة السياسية أو الفرد مع إيمان بحرية الإرادة الإنسانية؛ فعلى أساس نظرية “الأمر بين الأمرين” عالجت الفلسفة الشيعية إشكالية العلاقة بين سلطة الله وحرية الإنسان، رافضةً كلاً من “الجبر” المطلق (الذي قال به الأشاعرة حفاظاً على التوحيد الأفعالي، مما يجعل معاقبة العاصي والمظلوم ظلماً وعبثاً)، و”التفويض” المطلق (الذي قال به المعتزلة، والذي يعزل الله عن سلطانه ويجعل الإنسان خالقاً مستقلاً لأفعاله)، فنظرية الأمر بين الأمرين تؤكد أن الإنسان “فاعل حر مختار” بإرادته ومسؤول عن أفعاله السياسية والاجتماعية، ولكن هذه الإرادة والقدرة هي في طول إرادة الله وسلطانه، ومستمدة منه في كل لحظة، والتكليف الإلهي في هذا الإطار ليس قهراً للإرادة، بل هو “تشريف وتمرين وجودي” لصناعة الذات من خلال “الابتلاء” والتجربة[80].

وبهذا التأسيس الفلسفي، يعيد فلاسفة الشيعة تقديم العدالة من كونها مجرد إرشاد وعظي أو أُمنية، لتصبح “قيمة معيارية” ضابطة للوجود وللاجتماع البشري؛ فإذا كان النظام الكوني قائماً على العدل التكويني وحرية الإرادة، فإن النظام الاجتماعي والسياسي يجب حتماً أن يُبنى على العدل التشريعي العقلائي الذي يحاسب الحاكم والمحكوم على حد سواء.

3. الهداية الإيصالية ونفي القهر والإجبار

يفسر العلامة الطباطبائي في تفسيره “الميزان” حقيقة الإمامة انطلاقاً من إعادة تعريف لمعنى “الهداية”: فهو يرى أن النبي أو الإمام المكلف ليس مجرد ناقلٍ للأحكام التشريعية الظاهرية إلى الناس (أو ما يُعرف بـ”إراءة الطريق”)، بل يمتلك فوق ذلك “ولاية باطنية” وروحية تُعنى بـ”الإيصال إلى المطلوب”[81]: فالإمام يملك الارتباط الملكوتي الذي يؤهله لتلقي الفيوضات الإلهية وتمريرها لتوجيه البشرية تكوينياً وتشريعياً، ليكون الإمام هو الرابط الوثيق بين الناس وربهم، ومع هذه الحالة من السمو الروحي والولاية التكوينية، يتم الإيصال الباطني أو القيادة الاجتماعية بلا إكراه أو جبر أو اضطرار؛ فالإمامة تتطلب استجابة حرة، واعية، وإرادية من الإنسان المعرض للهداية (بإرادته واختياره)[82]، وهذا الطرح العقائدي ينسحب مباشرة على الفلسفة السياسية؛ فالسلطة الشرعية في الإسلام (المتمثلة في الإمامة أو من ينوب عنها) تقود المجتمع بالدلالة، والتبليغ، والإيصال الإقناعي، والتأثير المعنوي العميق، لا بكسر الإرادات، أو قمع المعارضين، وتجريد الناس من حرياتهم الفطرية[83].

الخاتمة

إن المشروع الفكري الذي مهّد له العلامة الطباطبائي وطوّره ودفع به نحو الميدان تلميذه الشهيد مرتضى مطهري، مثّل نقلة نوعية في تاريخ الفلسفة الإسلامية المعاصرة من خلال إخراج الفلسفة من تأملاتها التجريدية البحتة وتحويلها إلى أداة فاعلة لتحرير المجتمع وبناء الوعي وتأسيس رؤية سياسية عملية قادرة على إدارة الدولة؛ فمن من خلال دمج “نظرية الاعتباريات” مع مبدأ “الحسن والقبح العقليين” الموضوعيين، وربط “التوحيد” العقدي بضرورة “العدالة الاجتماعية” الشاملة، قدما للعالم الإسلامي (والإنساني) فلسفةَ سلطةٍ خُلُقيةٍ وعقلائيةٍ ترفض الاستبداد الداخلي والهيمنة الثقافية والاستعمارية الخارجية، ومن ثم، وفي هذا النسق الفلسفي، تُصبح السيادة الإلهية هي الضامن الأكبر للكرامة الإنسانية، ويصبح العقل البشري المهتدي بالوحي هو الأداة الفاعلة والمخوَّلة والمخوِّلة لاستخلاف الإنسان في الأرض، لتتجسد العدالة في النهاية، لا كأُمنية يوتوبية مستحيلة أو شعار سياسي مرحلي، بل كضرورة ميتافيزيقية وتكليف اجتماعي وتاريخي مستمر حتى قيام دولة العدل الإلهي.

لائحة المصادر والمراجع

  1. القرآن الكريم.
  2. أمين، أحمد. فجر الإسلام. الطبعة العاشرة، دار الكتاب العربي، 1969 م.
  3. غولدتسيهر، إجناتس. العقيدة والشريعة في الإسلام. ترجمة محمد يوسف موسى وآخرون، الطبعة الثانية، دار الكتب الحديثة، 1946 م.
  4. دو توكفيل، ألكسيس. الديمقراطية في أمريكا. ترجمة أمين إلياس، الطبعة الأولى، معهد الإنماء العربي، 1989 م.
  5. روسو، جان جاك. العقد الاجتماعي. ترجمة عادل زعيتر، الطبعة الأولى، مؤسسة الأبحاث العربية، 1995 م.
  6. رودني، والتر. كيف أفقرت أوروبا إفريقيا. ترجمة أسماء صقر، الطبعة الأولى، دار كلمات، 2008 م.
  7. الشريف الرضي، محمد بن الحسين (جمع وترتيب). نهج البلاغة. تحقيق صبحي الصالح، الطبعة الأولى، دار الكتاب اللبناني، 1967 م.
  8. الطباطبائي، محمد حسين. أصول الفلسفة والمذهب الواقعي. تعليق مرتضى مطهري، ترجمة عمار أبو رغيف، الطبعة الأولى، دار التعارف للمطبوعات، 1981 م.
  9. الطباطبائي، محمد حسين. الشيعة في الإسلام. الطبعة الأولى، دار التعارف للمطبوعات، 1979 م.
  10. الطباطبائي، محمد حسين. الميزان في تفسير القرآن. الطبعة الخامسة، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1983 م.
  11. الطباطبائي، محمد حسين. رسالة الولاية. ترجمة صادق حسن زاده، الطبعة الأولى، دار المرتضى، 2005 م.
  12. عمارة، محمد. المعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانية. الطبعة الثانية، دار الشروق، 1988 م.
  13. غاليانو، إيدواردو. الشرايين المفتوحة لأمريكا اللاتينية. ترجمة أحمد حسان، دار التنوير، 1998 م.
  14. فرويد، سيغموند. الأنا والهو. ترجمة محمد عثمان نجاتي، الطبعة الرابعة، دار الشروق، 1982 م.
  15. فرويد، سيغموند. قلق في الحضارة. ترجمة جورج طرابيشي، الطبعة الثانية، دار الطليعة، 1982 م.
  16. فيشر، هربرت. تاريخ أوروبا في العصر الحديث. ترجمة أحمد نجيب هاشم ووديع الضبع، الطبعة السادسة، دار المعارف، 1993 م.
  17. الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي. تحقيق علي أكبر الغفاري ومحمد الآخوندي، الطبعة الرابعة، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ.
  18. مطهري، مرتضى. الأخلاق الجنسية في الإسلام والعالم الغربي. الطبعة الأولى، دار التعارف للمطبوعات، 1990 م.
  19. مطهري، مرتضى. الإسلام ومتطلبات العصر. الطبعة الأولى، دار التعارف للمطبوعات، 1990 م.
  20. مطهري، مرتضى. الإمامة والقيادة. الطبعة الأولى، دار التعارف للمطبوعات، 1990 م.
  21. مطهري، مرتضى. الإمداد الغيبي في حياة البشر. الطبعة الأولى، دار التعارف للمطبوعات، 1990 م.
  22. مطهري، مرتضى. الإنسان في القرآن. الطبعة الأولى، دار التعارف للمطبوعات، 1990 م.
  23. مطهري، مرتضى. الإنسان الكامل. الطبعة الأولى، دار التعارف للمطبوعات، 1990 م.
  24. مطهري، مرتضى. الإنسان ومصيره. الطبعة الأولى، دار التعارف للمطبوعات، 1990 م.
  25. مطهري، مرتضى. الإنسان والإيمان. الطبعة الأولى، دار التعارف للمطبوعات، 1990 م.
  26. مطهري، مرتضى. الخدمات المتقابلة بين الإسلام وإيران. الطبعة الأولى، دار التعارف للمطبوعات، 1990 م.
  27. مطهري، مرتضى. الدوافع نحو المادية. الطبعة الأولى، دار التعارف للمطبوعات، 1982 م.
  28. مطهري، مرتضى. الرؤية الكونية التوحيدية. الطبعة الأولى، دار التعارف للمطبوعات، 1990 م.
  29. مطهري، مرتضى. العدل الإلهي. ترجمة محمد عبد المنعم الخاقاني، الطبعة الأولى، دار التعارف للمطبوعات، 1980 م.
  30. مطهري، مرتضى. الفطرة. الطبعة الأولى، دار التعارف للمطبوعات، 1990 م.
  31. مطهري، مرتضى. المجتمع والتاريخ. ترجمة محمد عبد المنعم الخاقاني، الطبعة الأولى، دار التعارف للمطبوعات، 1990 م.
  32. مطهري، مرتضى. الملحمة الحسينية. الطبعة الأولى، دار التعارف للمطبوعات، 1990 م.
  33. مطهري، مرتضى. حول الثورة الإسلامية. الطبعة الأولى، دار التعارف للمطبوعات، 1980 م.
  34. مطهري، مرتضى. فلسفة الأخلاق. الطبعة الأولى، دار التعارف للمطبوعات، 1990 م.
  35. مطهري، مرتضى. فلسفة التاريخ. الطبعة الأولى، دار التعارف للمطبوعات، 1990 م.
  36. مطهري، مرتضى. نظام حقوق المرأة في الإسلام. الطبعة الأولى، دار التعارف للمطبوعات، 1990 م.
  37. هيكل، جيسون. الصدع: دليل موجز لعدم المساواة العالمية وحلولها. ترجمة أحمد عبد الحميد، مؤسسة هنداوي، 2021 م.
  38. وات، وليام مونتغمري. نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام. ترجمة حسين أحمد أمين، الطبعة الأولى، دار المعارف، 1982 م
  39. والرشتاين، إيمانويل. النظام العالمي الحديث. ترجمة باهر محمد وعماد عواد، المركز القومي للترجمة، 2013 م.
  40. ويليامز، إيريك. الرأسمالية والعبودية. ترجمة جمال الخياط، دار التنوير، 2011 م.

 

الهوامش

[1] باحث في الدراسات الإسلامية من مصر، وطالب بالحوزة الدينية في لبنان.

[2] مرتضى مطهري: العدل الإلهي، ص 65.

[3] مرتضى مطهري: المجتمع والتاريخ، ص 45.

[4] محمد حسين الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، ج 2 ص 115. (في تفسير قوله تعالى: “كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين..” [البقرة: 213]).

[5] محمد حسين الطباطبائي: رسالة الولاية، ص 42.

[6] محمد حسين الطباطبائي: أصول الفلسفة والمذهب الواقعي، ج 2 ص 18.

[7] م.ن.، ج 2 ص 180.

[8] محمد حسين الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، ج 2 ص 116. (في تفسير قوله تعالى: “كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين..” [البقرة: 213]).

[9] محمد حسين الطباطبائي: رسالة الولاية، ص 35.

[10] محمد حسين الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، ج 4 ص 132. (في تفسير قوله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا..” [آل عمران: 200]).

[11] م.ن.، ج 4 ص 103.

[12] م.ن.، ج 6، ص 147.

[13] م.ن.، ج 4، ص 94.

[14] م.ن.، ج 4، ص 118.

[15] م.ن.، ج 2، ص.ص. 142 ـ 148.

[16] الكليني: الكافي، ج 1، ص 16، ح 12. (كتاب العقل والجهل).

[17] الشريف الرضي (جمع وترتيب): نهج البلاغة، ج 1، ص 43.

[18] مرتضى مطهري: الفطرة، ص 22.

[19] مرتضى مطهري: المجتمع والتاريخ، ص 35.

[20] الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، ج 4، ص.ص. 108 ـ 118. (في تفسير قوله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا..” [آل عمران: 200]).

[21] مرتضى مطهري: الإنسان والإيمان، ص 34.

[22] مرتضى مطهري: الإنسان في القرآن، ص 25.

[23] مرتضى مطهري: الدوافع نحو المادية، ص 48.

[24] مرتضى مطهري: الإنسان والإيمان، ص 55.

[25] مرتضى مطهري: فلسفة الأخلاق، ص 42.

[26] م.ن.، ص 75.

[27] مرتضى مطهري: الفطرة، ص 72.

[28] سيغموند فرويد: الأنا والهو، ص 34.

[29] سيغموند فرويد: قلق في الحضارة، ص 85.

[30] أديب وفيلسوف، يعد من أهم كتاب عصر التنوير، وساعدت فلسفة روسو في تشكيل الأحداث السياسية، التي أدت إلى قيام الثورة الفرنسية، ومن ثم أثرت أعماله في التعليم والأدب والسياسة، يُعتبر كتابه: العقد الاجتماعي حجر الزاوية في الفكر السياسي والاجتماعي الحديث. (هربت فيشر: تاريخ أوربا في العصر الحديث)

[31] جان جاك روسو: العقد الاجتماعي، ص 42.

[32] مؤرخ ومنظر سياسي فرنسي، اهتم بالسياسة في بعدها التاريخي، تقلّد مسؤولية وزارة الخارجية إبّان الثورة الفرنسية.

[33] ألكسيس دو توكفيل: الديمقراطية في أمريكا، الجزء 1 ص 250.

[34] مرتضى مطهري: الإسلام ومتطلبات العصر، ج 1، ص 112.

[35] مرتضى مطهري: الإنسان في القرآن، ص 38.

[36] مرتضى مطهري: فلسفة التاريخ، الجزء الأول ص 140.

[37] مرتضى مطهري: الإسلام ومتطلبات العصر، ج 1 ص 150.

[38] مرتضى مطهري: حول الثورة الإسلامية، ص 45. وانظر: والتر رودني: كيف أفقرت أوروبا إفريقيا، ص 149. & إدواردو غاليانو: الشرايين المفتوحة لأمريكا اللاتينية، ص 34. & إيمانويل والرشتاين: النظام العالمي الحديث، ج 1 ص 67. & جيسون هيكل: الصدع دليل موجز لعدم المساواة العالمية وحلولها، ص 82. & إيريك ويليامز: الرأسمالية والعبودية، ص 98.

[39] مرتضى مطهري: نظام حقوق المرأة في الإسلام، ص 18.

[40] مرتضى مطهري: الأخلاق الجنسية في الإسلام والعالم الغربي، ص 32.

[41] مرتضى مطهري: الخدمات المتقابلة بين الإسلام وإيران، ص.ص. 12 و 210 – 215.

[42] مرتضى مطهري: العدل الإلهي، ص 120.

[43] مرتضى مطهري: الإمداد الغيبي في حياة البشر، ص 85.

[44] مرتضى مطهري: الإنسان ومصيره، ص 42.

[45] للمزيد: مرتضى مطهري: حول الثورة الإسلامية، ص 92.

[46] مرتضى مطهري: أصول الفلسفة والمذهب الواقعي، ج 2، ص 115.

[47] مرتضى مطهري: حول الثورة الإسلامية، ص 95.

[48] مرتضى مطهري: الإسلام ومتطلبات العصر، ج 1، ص 180.

[49] مرتضى مطهري: الملحمة الحسينية، ج 2، ص 60.

[50] مرتضى مطهري: حول الثورة الإسلامية، ص.ص. 98 ـ 100.

[51] مرتضى مطهري: الإنسان الكامل، ص 35.

[52] مرتضى مطهري: الإسلام ومتطلبات العصر، ج 2، ص 45.

[53] مرتضى مطهري: الإنسان الكامل، ص.ص. 38 ـ 40.

[54] م.ن.، ص.ص. 55 ـ 85.

[55] مرتضى مطهري: الإسلام ومتطلبات العصر، ج 1، ص 142.

[56] مرتضى مطهري: العدل الإلهي، ص.ص. 195 ـ 200.

[57] مرتضى مطهري: الرؤية الكونية التوحيدية، ص 35.

[58] مرتضى مطهري: المجتمع والتاريخ، ص 48.

[59] مرتضى مطهري: الإنسان في القرآن، ص 25.

[60] مرتضى مطهري: العدل الإلهي، ص 82.

[61] مرتضى مطهري: الإمامة والقيادة، ص 24.

[62] محمد حسين الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، ج 4، ص 120. (في تفسير قوله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا..” [آل عمران: 200]).

[63] محمد حسين الطباطبائي: رسالة الولاية، ص 55.

[64] مرتضى مطهري: حول الثورة الإسلامية، ص 85.

[65] للمزيد حول مقارنة ومقاربة العلّامة الطباطبائي حول الأساس التاريخي للتمايز في نظريات الحكم بين المذاهب الإسلامية المختلفة ينظر: محمد حسين الطباطبائي: الشيعة في الإسلام، ص.ص. 62 (وما بعدها).

[66] مرتضى مطهري: الملحمة الحسينية، ج 1، ص 95.

[67] محمد حسين الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، ج 4، ص 134 (في تفسير قوله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا..” [آل عمران: 200]).

[68] مرتضى مطهري: العدل الإلهي، ص 210.

[69] مرتضى مطهري: الإنسان ومصيره، ص 55. وللمزيد عن الترويج لمذهب الجبر كسياسة رسمية لتبرير المجازر وسفك الدماء وشرعنة اغتصاب السلطة مما جعل الجبرية بمثابة الغطاء العقائدي للاستبداد السياسي، انظر: أحمد أمين: فجر الإسلام، ص 279. & محمد عمارة: المعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانية، ص 45. & وليام مونتغمري وات: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، ص 115. إجناتس جولدتسيهر: العقيدة والشريعة في الإسلام، ص 102.

[70] محمد حسين الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، ج 2، ص 150 (في تفسير قوله تعالى: “كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين..” [البقرة: 213]).

[71] مرتضى مطهري: الإنسان في القرآن، ص 40.

[72] مرتضى مطهري: العدل الإلهي، ص 35.

[73] م.ن.، ص 45.

[74] محمد حسين الطباطبائي: أصول الفلسفة والمذهب الواقعي، ج 2، ص 180.

[75] مرتضى مطهري: العدل الإلهي، ص 60.

[76] الكليني: الكافي، ج 1، ص 159، ح 13 (كتاب التوحيد باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين).

[77] مرتضى مطهري: الإنسان ومصيره، ص 88.

[78] مرتضى مطهري: العدل الإلهي، ص 142.

[79] محمد حسين الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، ج 13، ص 74 (في تفسير قوله تعالى: “يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب” [الرعد: 39]). & مرتضى مطهري: الإنسان ومصيره، ص 115.

[80] مرتضى مطهري: العدل الإلهي، ص.ص. 60 ـ 65.

[81] محمد حسين الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن، ج 1، ص 275 (في تفسير قوله تعالى: “وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن..” [البقرة: 124]).

[82] م.ن.، ج 1، ص 276 (في تفسير قوله تعالى: “وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن..” [البقرة: 124]).

[83] محمد حسين الطباطبائي: رسالة الولاية، ص 48.

Facebook
Twitter
Telegram
Print
Email