هل الروايات الواردة في كتبنا الشيعية التي يحثّ فيها المعصوم على البكاء والصراخ والجزع مستفيضة؟ وما هو موقفنا تجاه هذه النصوص اليوم؟

أولاً: هل روايات البكاء والصراخ والجزع على الحسين مستفيضة؟

ينبغي التفريق بين البكاء والجزع والصراخ؛ لأنها ليست في الروايات بدرجة واحدة.

  1. روايات البكاء والحزن وإنشاد المراثي

نعم، الروايات التي تحثّ على البكاء على الإمام الحسين، وإظهار الحزن عليه، وإنشاد الشعر في مصيبته، وإبكاء الآخرين كثيرة ومتضافرة في التراث الإمامي. وقد أفرد ابن قولويه في كامل الزيارات أبواباً مستقلة لثواب البكاء، ولمن أنشد في الحسين فأبكى غيره، وروى فيها عدداً من الأخبار عن الإمام السجاد والصادق وغيرهما. ومن ذلك: «إن البكاء والجزع مكروه للعبد في كل ما جزع، ما خلا البكاء على الحسين بن علي، فإنه فيه مأجور».

وفي خبر أبي هارون المكفوف أن الإمام الصادق طلب منه أن ينشد المرثية بأسلوب الرثاء، فبكى الإمام، وسمع النساء يبكين من وراء الستر، ثم ذكر ثواب من أنشد في الحسين فأبكى الناس. كما ورد عن الإمام الرضا في حديث ابن شبيب: «إن كنت باكياً لشيء فابك للحسين».

ولهذا يصح القول بأن أصل استحباب البكاء والحزن وإحياء المصيبة مستفيض أو متضافر معنىً في التراث الإمامي، وإن لم يكن كل خبر منفرد صحيح السند بالضرورة.

  1. روايات الجزع

وردت روايات صريحة تستثني الجزع على الحسين من الجزع المكروه، وأبرزها: «كل الجزع والبكاء مكروه، ما خلا الجزع والبكاء لقتل الحسين»

كما وردت رواية مسمع بن عبد الملك، وفيها أنه أخبر الإمام الصادق بأنه يتذكر ما جرى على الحسين ويحزن حتى يظهر أثر ذلك عليه، فترحّم الإمام على دموعه وعدّه من أهل الجزع والحزن لأهل البيت.

لكن روايات الجزع الصريح أقل عدداً من روايات مطلق البكاء والحزن. لذلك فالأدق أن نقول: أصل الجزع على الحسين له عدة نصوص واضحة، أما مساواته من حيث الكثرة بروايات البكاء وإبكاء الآخرين فليست دقيقة.

كما أن كلمة الجزع لا تعني تلقائياً كل صورة جسدية يمكن تخيلها، وإنما تدل أولاً على شدة التأثر وعدم إخفاء الحزن. وقد فسّرت بعض روايات الكافي الجزع الشديد في سائر المصائب بأنه قد يشتمل على الصياح وضرب الوجه والصدر ونتف الشعر، وذمّته بوصفه منافياً للصبر. وهذا يوجب الجمع بين النصوص العامة الناهية عن الجزع والنصوص الخاصة بمصيبة الحسين، لا إلغاء الأولى إلغاءً مطلقاً.

  1. روايات الصراخ

أما الصراخ بوصفه فعلاً مأموراً به استقلالاً، فلا تظهر فيه كثرة تضاهي روايات البكاء.

ورد في دعاء الإمام الصادق لزوار الحسين: «وارحم تلك الأعين التي جرت دموعها رحمة لنا، وارحم تلك القلوب التي جزعت واحترقت لنا، وارحم تلك الصرخة التي كانت لنا».

لكن هذا النص دعاء بالرحمة لمن صدرت منه الصرخة تعبيراً عن الولاء والألم، وليس أمراً عاماً لكل إنسان بأن يصرخ، ولا تحديداً لمقدار الصوت أو طريقته. كما أن بعض الأخبار تصف صياح النساء أو بكاءهن عند سماع المراثي، لكنها أخبار تصف حالة وقعت، ولا يلزم من كل وصف تشريعُ فعلٍ عام دائم.

وعليه فالحكم الأدق هو:

البكاء والحزن وإحياء الذكرى مستفيض معنىً؛ والجزع وارد بنصوص متعددة وواضحة لكنه أضيق دائرة؛ أما الصراخ بمعناه الحرفي فليس من الدقة وصف الروايات الآمرة به بأنها مستفيضة.

 

ثانياً: كيف يتعامل الشيعي الإمامي العاقل مع هذه النصوص اليوم؟

من داخل الرؤية الإمامية، لا يكون الحل برفض الروايات لمجرد أن بعض صورها لا تنسجم مع ذوق الإنسان المعاصر، كما لا يكون الحل بقبول كل ما نُسب إلى الإمام على ظاهره، ثم توسيعه إلى أقصى صورة ممكنة.

  1. العصمة للإمام لا لجميع الرواة والفهوم

الإمام عند الإمامي معصوم، وكلامه حجة، لكن الحجة هي كلامه الذي ثبت صدوره عنه وفُهم على وجهه الصحيح. أما الكتاب الحديثي فليس معصوماً، والراوي قد يتوهم، والسند قد يضعف، واللفظ قد يُنقل بالمعنى، والقارئ قد يسيء فهم السياق.

لذلك فإن قولنا: «الإمام معصوم» لا يعني أن كل رواية في كتاب شيعي صحيحة، ولا أن كل تفسير شائع للرواية هو مراد الإمام. وظيفة الباحث الإمامي هي التحقيق في السند والمتن واللغة والقرائن والجمع بين النصوص.

  1. الجمع بين النصوص لا اقتطاع أحدها

لدينا نصوص تحث على الصبر والرضا بقضاء الله، وتذم الصياح والجزع في المصائب العادية، ولدينا نصوص تستثني الحزن والجزع على الحسين. الجمع المعقول بينها هو أن مصيبة الحسين لها خصوصية دينية وأخلاقية؛ لأنها ليست فقداً عائلياً خاصاً، بل جريمة وقعت على إمام العدل، وانتهاكاً لحرمة النبي والدين.

فالاستثناء يعني أن إظهار الألم على الحسين ليس اعتراضاً على قضاء الله ولا ضعفاً مذموماً، بل هو ولاء وموقف أخلاقي ورفض للظلم. لكنه لا يعني بالضرورة سقوط جميع القواعد الأخرى، كحرمة الضرر البالغ، وتعطيل الفرائض، وإيذاء الناس، وإهانة الإنسان لنفسه، أو اختلاق القصص لاستدرار الدموع.

  1. مراعاة الزمان والمكان

ورد قسم مهم من هذه الروايات في زمن كان فيه ذكر الحسين وزيارته ورثاؤه فعلاً محفوفاً بالخوف والرقابة السياسية. ففي رواية مسمع يقول إنه كان معروفاً في البصرة، وإن حوله أنصاراً للسلطة وأعداء لأهل البيت، ويخشى أن يُرفع أمره إلى الوالي فيعاقبه ويجعله عبرة للناس. كما يذكر دعاء الإمام الصادق أن أعداء أهل البيت كانوا يعيبون على الزوار خروجهم، فلم يمنعهم ذلك من الزيارة.

في ذلك الظرف، لم يكن البكاء مجرد انفعال نفسي؛ بل كان:

حفظاً لذاكرة جريمة أرادت السلطة طمسها.

إعلاناً للبراءة من القاتلين.

بناءً لهوية الجماعة الموالية.

مقاومةً للصمت والخوف والتطبيع مع الظلم.

ولهذا قد تأتي الروايات بلغة شديدة في الحث على البكاء والجزع؛ لأنها تواجه ظرفاً شديداً من القمع والمحو السياسي.

أما اليوم، فالمقصد ثابت، لكن الصورة العملية تتأثر بالزمان والمكان والنتائج. فإحياء عاشوراء في بيئة آمنة يختلف عن إحيائها تحت سلطة تمنع ذكر الحسين، والمجلس في بيت خاص يختلف عن المستشفى أو مكان العمل أو الطريق العام، والمجتمع الذي يفهم لغة اللطم والعويل يختلف عن مجتمع تصبح فيه هذه الأفعال حاجزاً يمنع الناس من فهم رسالة الحسين.

مراعاة الزمان والمكان لا تعني تعطيل كلام الإمام، بل تعني فهم ما أراده الإمام من الكلام: هل أراد صوتاً مرتفعاً لذاته، أم أراد ألا تتحول المأساة إلى خبر بارد منسي؟ وهل المقصود من الجزع حركة بعينها لا تتغير، أم إبقاء الضمير حياً أمام الظلم؟

  1. التمييز بين المقصد والوسيلة

المقاصد التي تدل عليها الروايات هي: الحزن الصادق، والمواساة، وحفظ الذاكرة، وإظهار الولاء، والبراءة من الظالم، وتحريك الوجدان نحو العدل.

أما الوسائل فهي متعددة: البكاء، المرثية، الشعر، المجلس، المسرح، البحث التاريخي، خدمة الزوار، الصدقة، رعاية المظلومين، ونشر قيم الحسين.

ليست الوسيلة أقدس من المقصد. فإذا أصبحت صورة من صور العزاء مؤذية، أو منفّرة، أو مصحوبة بالكذب والخرافة، أو أظهرت التشيع وكأنه دين صراخ وألم جسدي بلا أخلاق وعدالة، وجب تقويمها؛ لا طعناً في الإمام، بل حمايةً لمقصوده.

الخلاصة الإمامية المتوازنة

يمكن للشيعي الإمامي العاقل أن يقول: أؤمن بأن الإمام حين حثّ على البكاء والجزع أراد إبقاء مصيبة الحسين حيّة في الضمير، وتحويلها إلى موقف من الظلم، وكلامه حجة متى ثبت صدوره وفُهم في سياقه. لكنني لا أساوي بين أصل البكاء وبين كل ممارسة تاريخية أُضيفت إليه، ولا أعدّ الصراخ الشديد أو الإضرار بالنفس غاية دينية مستقلة. أحفظ النص، وأفهم ظرفه، وألتزم مقصده، وأختار في زماني ومكاني الصورة الأصدق والأعقل والأقرب إلى كرامة الحسين ورسالته.

Facebook
Twitter
Telegram
Print
Email