مقدّمة

يُعدّ “دعاء العهد” من أشهر الأدعية المتداولة في الوسط الإمامي الاثني عشري، ويُنسب إلى الإمام السادس جعفر الصادق، ويُقرأ غالباً في سياق التعبير عن الولاء للإمام المهدي المنتظر وتجديد البيعة له. وقد أورد الشيخ عباس القمي هذا الدعاء في كتاب مفاتيح الجنان ضمن أعمال الصباح المرتبطة بالإمام الغائب.

غير أن الشهرة التعبدية لأي نص لا تعني بالضرورة صحته الحديثية أو سلامته العقدية والتاريخية، ولذلك فإن الدراسة العلمية تقتضي إخضاع هذا الدعاء لمعايير النقد السندي والمتني والتاريخي واللغوي، بعيداً عن القداسة المسبقة أو الرفض الانفعالي.

أولاً: مصدر دعاء العهد وسنده

يرجع المصدر الأساس للدعاء إلى كتاب بحار الأنوار للعلامة محمد باقر المجلسي، الذي نقله بدوره عن كتاب المزار الكبير لمحمد بن جعفر المشهدي.

والإشكال الرئيس هنا أن الدعاء لا يرد في الكتب الحديثية الإمامية الأربعة الأساسية، وهي:

ـ الكافي

ـ من لا يحضره الفقيه

ـ التهذيب

ـ الاستبصار

وهذا الغياب يثير تساؤلاً مهماً حول مدى تداول الدعاء في القرون الإمامية الأولى.

إشكالات السند

السند الذي نُقل به الدعاء يعاني من عدة مشكلات:

  1. الإرسال والانقطاع

كثير من طرق الدعاء تنتهي بصيغة “روي عن الإمام الصادق”، دون سلسلة متصلة دقيقة للرواة، ما يجعل الحديث من قبيل المراسيل، وهي ضعيفة بحسب علم الرجال عند الإمامية أنفسهم.

  1. وجود رواة غير موثقين

بعض الرواة الواردين في طرق الدعاء إما مجهولو الحال أو لم يرد فيهم توثيق معتبر في كتب الرجال مثل:

ـ محمد بن جعفر المشهدي

ـ بعض الوسائط غير المعروفة في النقل

وقد انتقد عدد من الباحثين المعاصرين التوسع في قبول أدعية الزيارات والمناجيات دون تحقيق رجالي صارم.

  1. تأخر التدوين

الدعاء لم يظهر بشكل واضح إلا في مصادر متأخرة نسبياً، خاصة في العصر الصفوي، ما يفتح باب احتمال التراكم الأدبي والعقائدي التدريجي حول فكرة الإمام الغائب.

ثانياً: النقد المتني والعقدي

  1. النزعة الغيبية المكثفة

يحمل الدعاء تصوراً غيبياً واسعاً للإمام المهدي، إذ يصوّره كقوة كونية مركزية تتعلق بها النجاة والخلاص، ويتجاوز أحياناً حدود الدور البشري الإصلاحي إلى ما يشبه الحضور الماورائي المطلق.

وهذا يثير إشكالاً عقدياً حول مدى انسجام هذه التصورات مع مبدأ التوحيد الخالص، خاصة عندما تتحول العلاقة بالإمام إلى علاقة خلاصية شبه ميتافيزيقية.

  1. إشكالية الرجعة

من أكثر المقاطع إثارة للجدل قول الدعاء: “فأخرجني من قبري مؤتزراً كفني…”

وهو نص يرتبط بعقيدة “الرجعة” عند الإمامية، أي عودة بعض الأموات إلى الحياة قبل يوم القيامة لنصرة المهدي.

غير أن عقيدة الرجعة نفسها محل خلاف كبير داخل الفكر الإسلامي، بل إن كثيراً من علماء المسلمين ـ سنةً وبعض الشيعة المعتدلين ـ اعتبروها عقيدة غير مؤسسة قرآنياً بشكل صريح.

كما أن تصوير المؤمن وهو يخرج من قبره لنصرة الإمام يفتح الباب أمام قراءة أسطورية للتاريخ الديني أكثر من كونه تصوراً عقلانياً.

ثالثاً: البعد السياسي والنفسي للدعاء

يمكن قراءة دعاء العهد ضمن السياق التاريخي الشيعي بوصفه نصاً نشأ في بيئة الشعور بالمظلومية السياسية وفقدان السلطة بعد أحداث كبرى مثل:

ـ معركة كربلاء

ـ انهيار مشاريع آل البيت السياسية

ـ صعود الدول الأموية ثم العباسية

في هذا السياق أصبح “الإمام الغائب” رمزاً للخلاص المؤجل، وتحولت الأدعية المرتبطة به إلى وسيلة للحفاظ على الهوية الجمعية والأمل النفسي.

ومن منظور علم الاجتماع الديني، فإن فكرة “المنقذ الغائب” ليست حكراً على التشيع، بل تظهر في أديان وثقافات عديدة، مثل:

ـ فكرة المسيح العائد في المسيحية

ـ الماشيح في اليهودية

ـ المخلّص المنتظر في بعض الديانات الشرقية

وهذا يدفع بعض الباحثين إلى اعتبار دعاء العهد جزءاً من البنية الميثولوجية لفكرة “الخلاص المؤجل”.

رابعاً: الإشكال اللغوي والأسلوبي

يرى بعض الدارسين أن لغة الدعاء تحمل سمات أدبية متأخرة نسبياً مقارنة باللغة المنسوبة إلى القرن الثاني الهجري، ومنها:

ـ التراكيب البلاغية الطويلة

ـ التوسع الإنشائي

ـ النزعة العاطفية المكثفة

ـ الأسلوب الدعائي التعبوي

وهذا لا يعني بالضرورة أن النص موضوع بالكامل، لكنه يفتح احتمال تعرضه لإضافات وصياغات لاحقة عبر القرون.

خامساً: بين القيمة الروحية والنقد العلمي

رغم الإشكالات الحديثية والعقدية، لا يمكن إنكار أن دعاء العهد يمتلك أثراً وجدانياً وروحياً لدى ملايين الشيعة، إذ يمنحهم:

ـ شعوراً بالأمل

ـ الارتباط الرمزي بالعدالة

ـ الإحساس بالانتماء العقائدي

ـ البعد الأخلاقي المرتبط بنصرة المظلوم

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول النص التعبدي إلى حقيقة تاريخية وعقدية قطعية غير قابلة للنقد أو المراجعة.

فالدراسة العلمية الحديثة تميز بين:

ـ القيمة الروحية للنص

ـ وصحته التاريخية والحديثية

إذ ليس كل نصٍّ مؤثر وجدانياً يكون ثابتاً سندياً.

خاتمة

إن “دعاء العهد” يمثل نموذجاً مهماً لفهم تطور التدين الشيعي الإمامي، خصوصاً في علاقته بفكرة الإمام الغائب والخلاص الموعود. ومن خلال النقد السندي والمتني والتاريخي، يتبين أن الدعاء يواجه عدة إشكالات، أبرزها:

ـ ضعف الأسانيد

ـ غياب التوثيق المبكر

ـ الطابع الغيبي والأسطوري

ـ الارتباط التاريخي بالظروف السياسية والنفسية للتشيع

ومع ذلك، يبقى النص جزءاً من التراث الروحي والثقافي لشريحة واسعة من المسلمين الشيعة، وهو ما يستدعي التعامل معه بعين نقدية علمية، دون شيطنة أو تقديس مطلق.

Facebook
Twitter
Telegram
Print
Email