تخضع القواعد الرجالية في مدرسة السيد الخوئي (في علم الحديث) لآلية مراجعة وفحص ترتب عليها ما يُصطلح عليه بـ “العدول العلمي”. ومن منظور تفكيكي محايد، يُقدّم هذا العدول دليلاً مادياً على أن الفتوى هي نتاج قراءة اجتهادية بشرية محكومة بقناعات نظرية متغيرة، وليست نصاً دينياً مطلقاً أو كشفاً معصوماً. فالأحكام الشرعية تتبع في ضيقها وسعتها معايير سندية يُعيد المجتهد ضبطها عبر الزمن، مما يعكس نسبيّة الفهم البشري في التعاطي مع النص التاريخي.

وقد أحدثت هذه المراجعات تبدلاً كلياً في القيمة الحجية لآلاف الأحاديث بعد تراجعه عن ثلاث قواعد توثيق إجمالية كبرى:

ـ كامل الزيارات: تراجع عن توثيق جميع رواته وقصره على المشايخ المباشرين، مسقطاً حجية مئات الرواة بلمحة نظر.

ـ تفسير القمي: توقف عن توثيق رواته إجمالاً نتيجة الشبهات التاريخية حول اختلاط نسخته ودخول نصوص غريبة فيها.

ـ بني فضال: أسقط قاعدة قبول مراسيلهم (“خذوا ما رووا”) بعد تضعيفه لسند الرواية التي تُشرّع هذا الاستثناء.

وتطبيقاً لنسبيّة الآليات البشرية، تفترق الفتوى في جملة من المواضع الابتلائية الحرجة نتيجة هذا العدول، ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر التالي:

1ـ نجاسة الكافر غير الكتابي: كان يفتي بنجاسته العينية الذاتية وسريانها بالرطوبة لتصحيح الروايات المانعة عبر أسانيد “كامل الزيارات” و”تفسير القمي”، لكن بعد العدول سقطت تلك الروايات للضعف وظهر مقتضى الدليل على طهارته، وإن استمر في الفتوى بالنجاسة في رسالته مراعاةً للإجماع.

2ـ اشتراط إذن الزوج لخروج المرأة: كان يفتي بالحرمة المطلقة لخروج الزوجة لـ “أي سبب كان” إلا بإذن صريح بناءً على عمومات الطاعة عبر الكشي وبني فضال، ثم تحوّل بعد العدول وهبوط الروايات للضعف إلى حصر حقه في “المنع إذا كان الخروج منافياً لحقه الفعلي في الاستمتاع” وأفتى بجواز خروجها لشؤونها الخاصة.

3ـ الصلاة في أجزاء ما لا يُؤكل لحمه (كشعر القطة): كان يحكم ببطلان الصلاة بشكل صارم إذا علقت بثوب المصلي ولو شعرة واحدة بناءً على إطلاقات روائية قديمة، بينما أفتى بعد العدول وإسقاط المطلقات بمقصلة السند بصحة الصلاة مع وجود شعرات يسيرة، حاصراً النهي في “اللباس الكامل المتخذ من جلودها”.

4ـ التظليل للمحرم ليلاً (في الحج والعمرة): كان يفتي بحرمته (بالسيارات المسقوفة) ليلاً ونهاراً وإيجاب الكفارة لنصوص ناهية صَحّت بطرق بني فضال وكامل الزيارات، ثم عَدَل بعد سقوط الأسانيد وحَصَر النهي بالتظليل من “الشمس” (نهاراً فقط)، فأفتى بجواز ركوبها ليلاً دون إثم أو كفارة.

5ـ نجاسة الكحول والعطور الطبية والصناعية: كان يفتي بنجاسة الكحول (السبيرتو) بناءً على عمومات مسكرية المائع في طرق كامل الزيارات وتفسير القمي، وبعد تضعيف تلك الأسانيد حَصَر النجاسة بالخمر المعد للشرب فقط، وأفتى بطهارة الكحول الصناعية والطبية دخولاً تحت “قاعدة الطهارة” الأصلية.

6ـ مسّ كتابة القرآن الكريم بغير وضوء: كان يحكم بالحرمة الشرعية المطلقة وترتب الإثم لنصوص ناهية صَحَّت طرقها قديماً عبر المباني العامة، أما بعد العدول فتبيّن له قصور النصوص المتبقية عن إثبات الحرمة الذاتية، ورغم استمراره في الفتوى بالتحريم عملياً تبعاً للتسالم، إلا أن مستنده السندي المباشر قد انهار.

Facebook
Twitter
Telegram
Print
Email