على المستوى التاريخي لا يعرف أحد متى انتبه الإنسان لأهمية الأحلام في نوعه، وكونها رسائل تكشف إما عما يختلج بداخله من رغبات واحتياجات جدية وعقلية، مادية ومعنوية، أو رسائل غيبية ذات محتوى أو مضمور تحذيري من شيء سيفعله أو سيقع له أو تبشره بخير سيحصل له أو تكشف له عن عالم لا يعرفه.
ولكن الأكيد أن الإنسان اكتشف مبكراً عالم الأحلام وبدأ يبحث عن تفسير ما يراه في نومه.
وفي تاريخ الأنبياء نجد أن عدداً من الأنبياء كان وحيهم عن طريق الرؤيا الصادقة. وأشار القرآن الكريم إلى ذلك في قصة نبي الله إبراهيم (ع) مع ابنه. إذا قال تعالى [فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين * فلما أسلما وتله للجبين * وناديناه أن يا إبراهيم * قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين]
وقصة رؤيا يوسف وكيف أن أباه حذره ونهاه من قصها على أخوته فيكروا له، لأنه علم بصدقها وقد تحققت فعلاً بعد ذلك بسنين. وكذلك قدرة النبي يوسف على تعبير الرؤيا وقدر وصف السجينان يوسف (ع) بأنه من المحسنين [ودخل معه السجن فتيان قال احداهما إني اراني اعصر خمراً وقال الأخر إني أحمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين]..
ورؤيا رسول الإسلام (ص) وثقها القرآن الكريم إذا قال تعالى [الفتح 27]..
ورؤيته كذلك للقردة ينزون على منبره فاستيقظ محزوناً فنزل عليه القرآن مصدقاً لما رآه قالت تعالى [الإسراء 60] وقد فسرت رؤية القردة بنبي أمية الذين اغتصبوا الخلافة وأسسوا الملك العضوض.
وعلى ضوء ما ذكر أعلاه نستطيع القول: أن الرؤيا في المنظور الإسلامي حقيقية ولها علاقة بعالم الروح وعلاقة الإنسان بالعالم الآخر وأن الرؤية الصادقة يراها المؤمن هي كما جاء عن الأمام الصادق [الرؤيا الصادقة جزء من سبعين جزء من النبوة].
وروي عن رسول الله (ص) قوله [لا يبقى بعدي من النبوة إلا المبشرات قالوا: يا رسول الله وما المبشرات قال: الرؤيا الصالحة يراها الرجل لنفسه أو ترى له]..
وتنقل كتب الحديث أن الصحابي عبادة بن الصامت سأل رسول الله (ص) عن قوله تعالى [الذين آمنوا وكانوا يتقون، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة] (يونس 63ـ 64) فقال رسول الله (ص): لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد غيرك هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له]..
فالإسلام يربط عالم الرؤيا بعالم الغيب وتأثيره على عالم الشهود..
أما النظريات العلمية فهي لا تؤمن بالرؤيا كحقيقة لها علاقة بعالم الروح والغيب وإنما فسرت وفق هذه النظريات بمكبوتات أو عوارض نفسية ذات أسباب عضوية تمر عبر الدماغ استجابة لما يتعرض له الجسد داخلياً أو بتأثير خارجي فيترجم الدماغ ذلك على شكل هو وأحداث ووقائع لا حقيقية لها..
ويقول الخبير العربي [لوك وتنهوف] في معجم الأحلام [إننا نحلم بالقيام بالأمور التي لا يسعنا لأسباب مختلفة القيام بها في ساعات يقظتنا، لذل فنحن إنما نحاول أن نحقق في نومنا رغبات لا يمكن تحقيقها نهاراً]..
والسؤال الذي لا يمكن أن يثيره هذه القول هو: إذا كانت الأحلام هي فقط هذا القسم الذي يكشف عن مخاوفنا ورغباتنا المكبوتة، فأين نضع الأقسام الأخرى من الأحلام أو الرؤيا التي تتحدث عن المستقبل، بماذا نفسر رؤية الأموات والتحاور معهم، بماذا نفسر الرؤية يراها الإنسان لغيره، لأخيه، لصديقه أسئلة كثيرة لا جواب لها دون اعتبار لعالمي الروح والغيب.
وبالتالي فإن الإيمان الديني هو مفتاح الجواب على هذه الأسئلة وغيرها. والتفسير الإسلامي الذي تقدمه الأحاديث الشريفة عن حصول الرؤيا وطبيعة حركة الروح وامتدادها أثناء النوم هو الآتي:
فقد سأل الإمام علي (ع) عن حقيقة الرؤيا فقال: [إن المؤمن إذا نام خرجت من روحه حركة ممدودة إلى السماء، فكل ما تراه في الأرض فهو أضغاث أحلام، فقال السائل: أو تصعد روح المؤمن إلى السماء فأجاب عليه السلام لا، لو خرجت كلها حتى لا يبقى منها شيء إذا لمات، فسئل كيف تخرج؟ فقال (ع): أما ترى الشمس في السماء في موضعها، وضوؤها وشعاعها في الأرض، فكذلك الروح أصلها في البدن وحركتها ممدودة].
فالرؤيا سواء كانت صادقة أو كاذبة إنما تحصل عن امتداد الروح في الآفاق الغيبية وهناك قد تلتقي بالأرواح وبالشياطين وتختلط بهما، وقد تقتل اللوح المحفوظ فتقرأ المستقبل وقد يزودها ملك الرؤيا ببعض الرؤيا وببعض ما هو مقدر لها في علم الله تعالى، وبعد رجوعها إلى الجسد يترجم ذلك بأدوات المخيلة فتحصل الرؤيا بأقسامها الصادقة والكاذبة، الواضحة والمرمزة.
وسواء اقتربت هذه التفسيرات من الصحة والواقع أو ابتعدت عنه فإن الإشكال يمكن في صعوبة فهم طبيعة الروح وحركتها وامتدادها وعلاقتها بالجسم أثناء النوم..
وعلماء التعبير دائماً يؤكدون بأن الرؤيا يراها الانسان بالروح ويفهمها بالعقل ويمكن أن نلخص الرؤية الإسلامية حول الرؤيا في النقاط التالية:
1ـ الرؤيا من طرف الوحي، فقد كانت نبوة عدد نمن الأنبياء عن طريق الرؤيا الصادقة.
2ـ إنها وسيلة فلقها الله سبحانه وتعالى للإنسان تمكنه من الانفتاح على عالم الغيب، حيث تتجاوز الروح وسائلها المادية المحدود فتمتد أثناء النوم وتتمكن من الذهاب بعيداً في الآفاق المادية والروحية.
3ـ مدخل للإيمان بالغيب والعالم الآخر وقد شبهت الأحاديث النوم بالموت والنشور بالاستيقاظ، وأثناء النوم قد يرى الانسان العوالم غير المادية التي تحدثت عنها الرسالات السماوية.
4ـ إنها استمرار للعلاقة بين عالمي الغيب والشهادة.
5ـ وسيلة إخبار وإرشاد وتنبيه لما عليه الإنسان أو ما اقترفه من خير أو شر أو ما سيقدم عليه، وإخبار بحوادث المستقبل، كما وقع لملك مصر الذي رأى سبع بقرات عجاف يأكلون سبعا سمان فأوّلها النبي يوسف (ع) بسنوات تحط مقبلة واقتراح عليهم خطة تجنبهم المجاعة.
وعلى ضوء هذه الرؤية الإسلامية لظاهرة الرؤيا، فقد اهتم علماء الأمة بهذه المسألة. وألفوا الكتب حول جوانبها المختلفة. فقد ألف الحسن بن الحسين الخلال كتاب طبقات المعبرين وذكر فيه أسماء (7500) معبر. ومن الأوائل ممن كتب في هذا العلم محمد بن سيرين صاحب التفسير المنسوب إليه وقد ذكر النابلي صاحب كتاب دار السلام مجموعة من الكتب في تعبير الرؤيا كانت موجودة ومتداولة في عهده (أي القرن العاشر والحادي عشر الهجريين) ومنها استقى مادة كتابه (تعطير الأنام في تعبير المنام) ومن هذه الكتب: كتاب القادري لنصر بن أبي يعقوب إبراهيم الدينوري، وكتاب (الحكم والغايات في تعبير المنامات) لابن الدقاق المرئ، وكتاب (المنتخب) للشيخ أبي الحسين بن إبراهيم الخليلي، وكتاب (الإشارة في علم العبارة) للشيخ أبي عبد الله محمد بن عمر التعبير) لشهاب الدين أبي العباس أحمد المقدسي الحنبلي و(الإشارات في علم العبارات للعلامة بن شاهين الظاهري. المصنفات المذكورة أعلاه، تنتمي إلى مدرية الخلفاء، أما المصنفات التي ألفت في المدرسة الإمامية فمنها: (بلغة الشيعة الكرام في تعبير رؤيا المنام) الميرزا محسن أل عصفور وكتاب (دار الإسلام فيما يتعلق بالرؤيا والمنام) المحدث حسين النوري الطبرسي، والشيخ محمد باقر المجلسي الذي خصص الجزء 61 من موسوعته بحار الأنوار للحديث عن الرؤيا، والشيخ محمد تقي التستري صاحب كتاب (آيات بينات في حقيقة بعض المنامات). وغيرها من المصنفات والمؤلفات.
وبعد هذه الجولة السريعة في التعريف بمكتبة الأحلام لدى المسلمين، نود في الختام التأكيد على النقاط التالية:
1ـ لا تترتب آثار شرعية على أحلام الإنسان. فالذي يحلم بزواج أو طلاق أو بيع أو شراء وكل المعاملات الأخرى، لا تترتب آثار هذه المعاملات في الواقع الخارجي.
2ـ ثمة ضرورة معرفية في فضائنا الاجتماعي، لتعزيز الفكر السنني، الذي يعتبر أن جميع ظواهر الوجود هي وليدة عالم الأسباب والمسببات.. ومن المؤكد أن تراجع الفكر السنني في فضائنا الاجتماعي، هو أحد المسؤولين الأساسيين في انتشار ظاهرة الخرافة والانشغال بالأحلام.
3ـ من الناحية السوسيولوجية المجتمعات المقهورة، والتي تشعر بالاضطهاد والظلم، ولا تمتلك قدرة فعلية على مواجهة هذا الاضطهاد، فإنها تعمل كوسيلة دفاعية إلى توسيع مقدسها..
وبعد انتهاء الظروف الضاغطة، يبقى ما أدخل في المقدس مقدساً..
لذلك ثمة حاجة معرفية ومجتمعية لتحديد المقدس، نعني بالمقدس المطلق أو العبادي أو ما يتصل بالشأن الديني المحض ودونه ليس مقدساً. فالتشريع الإسلامي له مظهران، مظهر التشريعات الموجهة إلى الأفراد، إلى المكلفين، والتشريعات الموجهة إلى الأمة. والدولة هنا كائن مخلوق للأمة، في مقابل الفكرة الهيغلية التي تعتبر الدولة تجريداً عالياً أو تجريداً مقدساً للأمة والمجتمع.
والمقدس في هذا السياق هو حفظ النظام.. وحفظ النظام له صيغتان: صيغة حفظ النظام بالتوافق مع المجتمع، والصيغة الأخرى صيغة حفظ النظام بقمع المجتمع والتسلط عليه..
والواقع السياسي للمسلمين اليوم، يؤكد أن دول المسلمين اختارت صيغة حفظ النظام عن طريق القمع والاستبداد.
ومشروعات الإصلاح في الأمة تعمل على بناء حفظ النظام بالتراضي والانسجام بين المجتمع والدولة، وإنهاء الفصام النكد بين ذاتها وبين دولتها.. وعليه فإن مقدسات المسلمين محدودة، ولا يجوز توسعه هذه المقدسات. ودونها تبقى اجتهادات بشرية نحترمها ونقدرها، ولكننا لا ننحبس فيها..
وبالتالي فإن الأحلام بكل مستوياتها، ليست مقدساً ولا بُدَّ من التحرر من ذهنية توسيع المقدس.