مفهوم العقل بين الفلسفة والدين، قراءة نقدية مقارنة

18 يونيو 2014
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
16٬007 زيارة

مفهوم العقل بين الفلسفة والدين، قراءة نقدية مقارنة

ترجمة: مشتاق الحلو

مدخل البحث  ـــــــ

إلى أيّ حدّ تتسع دائرة العقل في المعارف الدينية؟ وهل يتمكّن العقل البشري من تحليل القضايا الدينية؟ وهل بإمكان علم المنطق، الذي يعدّ سلاح العقل، الدفاع العقلاني عن جميع القضايا الدينية، الإنشائية منها والإخبارية، وجعلها ذات معنى، حسب تعبير فلسفة bالتحليل اللغويv؟ كي لا يحدث تضادّ بينها وبين العقل، ويتعايش المتديّنون والفلاسفة بسلام، ويزاوجوا بين العقل والدين.

ليس الكلام عن العقل والدين وعلاقتهما حديثاً؛ فمنذ اليوم الأول اعتقد العرفاء، خلافاً للمتكلمين، أنّ جوهر الدين بعيد تمامَ البعد عن العقل، والعقل لا ينفع في دائرة الدين؛ فالدين والوحي من جنس العشق.

لكن أدّت الثورة العلمية إلى تناول هذا الموضوع بتفصيل من قبل الكلام وفلسفة الدين، لتجرّ الموافقين والمخالفين للمواجهة الكاملة؛ فحين بزغت الفلسفة المسيحية، كان العقل اليوناني الذي أخذ صولةً في الحضارة الغربية بعد طاليس([1])، قد فقد بريقه وأخذ بالأفول، لكن تلألأ نجمه مرّة أخرى، واستمرّ الصراع بين الفلاسفة وعلماء الأديان، ومن ثمّ بين العقلانيين والمحدّثين، ليؤدّي إلى تعطيل مدارس أثينا قبل ظهور الإسلام، وقد لجأ بعض الفلاسفة إلى جهاز أنوشروان([2])، وانفصلت دائرة اللاهوتيين ورجال الدين عن الناسوتيين ورجال العلم بشكل كامل وتام.

أتت جهود فيلون([3]) قبال هذه الخطوط المتعارضة لتبيّن الفلسفة اليهودية، كما بذل آباء الكنيسة، وأتباع المدرسة الأفلاطونية، والأفلاطونية المحدَثَة جهداً واسعاً لتقديم تفسير عقلاني عن الدين، فكانت جهودهم خطوةً نحو الجمع بين العقل والدين.

وقد سعى فيلون ـ وهو يهودي الديانة ويعدّ من ألمع وجوه الفلسفة الإسكندرانية ـ للجمع بين حقيقة اليهودية والحكمة اليونانية؛ وقد حلّ كثيراً من التعارضات بين الفلسفة والديانة اليهودية بالتفاسير الرمزية والتشبيهية للكتاب المقدّس؛ فكان يعتقد بأنّ الحقيقة موجودة بتمامها في التوراة؛ لكن الأفلاطونيين توصّلوا للحقيقة أيضاً. وتكفّل فيلون بالجمع بين الوحي والفلسفة الأفلاطونية، معتقداً إمكان هذا الأمر شريطة التعرّف على كيفية تأويل نصوص التوراة وفقاً للفلسفة، أمّا الكائن الذي كان يتكلّم عنه أفلاطون، فهو الربّ عينه الذي بشّر به موسى من قبل، وهو الذي فوق الجوهر والفكر، وخارج الزمان والمكان([4]).

إذن، كان الصراع بين العقل والدين قائماً مدى تاريخ الأديان التوحيدية، فقبل الثورة الصناعية في أوروبا، تناولت الفلسفةُ القضايا الدينية ودافعت عن الدين بصورة مطلقة، لكن بعد النهضة العلمية وظهور المدارس الفلسفية الحديثة وفلسفات العلوم، برز الصراع بين العلم والدين، وازداد الاتّكال على العقل التجريبي، وضاقت الأرض بالدين والفلسفة بمعناها المتداول في القرون الوسطى، وأصبح صوت العقل فوق صوت الوحي، وسعى المتديّنون والمتكلّمون لحفظ سلطة الكنيسة والإيمان بشتى الطرق، لكن لم تكن جهودهم مجدية، فسيف العلم كان يقتلع كلّ مانع يعترضه، وفي فترة وجيزة انهار النظام الفكري الأرسطي، وتزعزعت عقائد الكنيسة المتحجّرة، وأعلن دعاة العلم موت الدين، وقالوا: إنّ العلم سوف يحلّ محلّه.

أرضيّات الدراسة  ـــــــ

تقع المعارف الدينية على نوعين: خبرية وإنشائية.

أمّا المعارف الإنشائية، فلا تتعارض والعقل الفلسفي والعلمي، أو لنقل: قلّما نلاحظ وجود هكذا تعارض، بينما يبرز التعارض بوضوح بين القضايا الخبرية الدينية والقضايا الخبرية العلمية والفلسفية، فكما تثبت القضايا العلمية والفلسفية نفسها بالآليات العقلية والفلسفية، كذلك تدعو القضايا الخبرية الدينية للتعقل، إذاً ليست المعارف الدينية ضدّ العقل، ولا غير عقلانية، بل تقبل التعقل وتعترف به.

نسعى في هذا المقال للإجابة على السؤال التالي: هل المراد بالعقل في القاموس الديني والآيات والروايات هو ما أريد في الفلسفة والعلم؟ أي هل هو bمشترك معنويv كما يعبّر عنه المناطقة؟ ولو كان كذلك، هل يمكن الدفاع العقلاني عن الدين وإثبات المدّعيات الدينية بالطرق المنطقية؟ بعبارة أخرى، هل لغة الدين ولغة الفلسفة واحدة، ويتبع كلاهما هدفاً واحداً؟ وهل يتفقان في تفسير العالم والإنسان من ناحية الحكمة النظرية؟ وهل يشيران إلى منهج واحد في الحكمة العملية لكمال الإنسان؟

في الحقيقة، لم يكن هناك فارق أساسي بين الفلسفة والدين، غير أنّ الفلسفة لا تعترف بدليلٍ سوى العقل والمنطق، فمنهجها عقليّ محض، ولا تقبل أيّ حقيقة إلا بعد عرضها على العقل وقبوله لها؛ لكنّ الدين يستقي من الوحي والعقل كليهما، كما يعدّ كلام الأنبياء وتجاربهم حجةً([5]).

هل المعارف الدينية لا عقلانية بالمعنى الفلسفي، ودائرتها منفصلة تماماً عن دائرة العلم والفلسفة، فرسالة الأنبياء غير رسالة الفلاسفة؟ وهل يخاطب الأنبياء قلوب الناس وعواطفهم، فيما يخاطب الفلاسفة عقولهم وأفكارهم؟ هل جاء أحدهم لوصف عالم الوجود وتفسيره، فيما أتى الآخر لهداية الإنسان؟

يعبّر جلال الدين الرومي عن ذلك بقوله:

ـ وإن كان البحث العقلي من الدرّ والمرجان، لكن بحث الروح شيء آخر، وله مقام آخر، فلنبيذ الروح نكهة أخرى([6]).

ـ فالمشتغل بالفلسفة أسيرٌ للمعقولات، بينما العارف المخلص فارس قمم العقل([7]).

ـ وقد أتى النبيّ لتغيير الروح، فيما الحكيم لتفسير العالم؛ فكان خطاب أحدهم مع عقل العقل، والآخر مع العقل.

ـ إنّ العقل يسوّد جميع الدفاتر، بينما لعقل العقل أفق مليء بالأقمار([8]).

إذن، تكمن جذور الوئام وعدمه بين الدين والفلسفة في هذا السؤال: هل يحتوي الدين قضايا إخبارية وإنشائية، كما للفلسفة حكمة نظرية وعملية؟ وهل يتألّف كلاهما من بناء واحد؟ وهل هدف الفلسفة الدفاع العقلاني عن الدين؟ أم أنّ للحكمة والشريعة لغتين وخطابين مختلفين، ولا معنى في الواقع لقضايا الدين الإخبارية، إنما تعود للإنشائيات، وبياناتها الإخبارية في حقيقة أمرها ناظرة لأهداف محددة؟

للإجابة على هذا السؤال، يجب ـ أولاً ـ تحديد الإجابة عن الأسئلة التالية: هل العقل القرآني مرادفٌ للعقل الفلسفي؟ وهل يمكننا الدفاع العقلاني عن القضايا الدينية وإثبات حقيقة الدين بطريقة فلسفية استدلالية؟

نعلم أنّ أحد طرق معرفة مفاهيم الألفاظ القرآنية هو التبادر والفهم العرفي، وقد نزلت الآيات على أساس الأدب اللغوي والفهم السائد حينذاك، وأتت بلسان القوم الذين نزلت عليهم، وقد تكرّر لفظ العقل واشتقاقاته أكثر من خمسين مرةً في القرآن، كما أمر الله الناس بالتعقل، ومطالعة آياته بواسطة العقل.

فللتأكّد من أنّ العقل المذكور في النصوص الدينية مغاير للعقل الفلسفي، ولا يمكننا ضمّ المقدمات وإيجاد أشكال مختلفة من القياس بالبراهين الفلسفية للتوصل إلى الحقائق الدينية، علينا مطالعة العقل في الفكر الفلسفي بشكل موجز.

العقل في الفلسفة، البُنية والماهية  ـــــــ

عدّ الحكماء العقلَ من المقولات الجوهرية، وقالوا في تعريفه: جوهر مجرّد عن مادته وصفاته، وبعيد عن الوجود الطبيعي والظواهر المحسوسة، وعمله الإدراك والتعقل، وللعقل مراتب، ذكرت الكتب الفلسفية أربعاً منها:

1 ـ العقل الهيولاني: وهو الجوهر الذي بلغ درجة الكمال في الشؤون والكمالات الحيوانية، والقوى الحيوانية فعليّة فيه، لكنّه لم يصبح فعلياً بالنسبة للكمالات الإنسانية والإدراك العقلاني، وإن كان مستعداً لتقبّل الصور العلمية؛ فمتى ما توفّر له التعليم اللازم، تقبّل الصور العلمية فوراً.

2 ـ العقل بالملكة: النفس في هذه المرتبة، جوهرٌ أعلى وأقوى من جوهر العقل الهيولاني، فقد أصبحت بعض القوى الإدراكية فعليةً بشكل تدريجي في هذه المرحلة، وخرجت عن المرتبة الهيولانية، بمعنى أنّ النفس أصبحت تدرك القضايا الكلية البديهية بنحو عقلاني، كما أنّ النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان، وكلّ حادث يحتاج إلى علّة محدثة. لكن في هذه المرحلة مازال العقل يفتقد القدرة على ترتيب القياس والبرهان المنطقي لاستنباط المطالب العقلية من المقدّمات الأولية.

3 ـ العقل الفعلي: تكون النفس في هذه المرحلة قادرةً على التفكّر والاستنتاج، وتتمكّن من استخراج المجهولات العلمية من المقدمات البديهية الواضحة بضمّها إلى بعضها وتأليف البرهان والاستدلال المنطقي الدقيق، ويمكن إطلاق صفة العالم الحقيقي على صاحب هذه المرتبة، وإن كانت القوّة العقلية في هذه المرحلة فعليةً محضة، لكن مازال الخطأ والغفلة واردين في حقها.

4 ـ العقل المستفاد: تتنزّه النفس في هذه المرحلة عن الغبار الذي يغطّي عالم الفكر ويسبب الغفلة أحياناً، وتبلغ في التركيز على جوهرها العقلي والاستغراق في إدراك المعقولات المحضة درجةً من القوّة، تشاهد فيها معقولاتها أمامها، ولا يمكن لقوّةٍ ما جذبها إلى عالم الحس والتغلّب على مدركاتها العقلية، وهذه غاية مراتب الكمال العقلي والفعلية الإنسانية([9]).

لاشكّ في أنّ للتعريف والتقسيم المذكور للعقل خلفية يونانية واسكندرانية، حيث دخل الثقافة الإسلامية لاحقاً، كما يعبّر عن ذلك الشيخ المطهري: bولم يقبل بعض الحكماء كالبيروني([10]) في مناقشاته لابن سينا([11]) هذه الأقوال عن العقل، ورفضها، فكما كان يعتقد أرسطو بالوجود بالملكة والفعل في الطبيعة، قرّر نفس التقسيم للعقل أيضاً، وهو رأي قبال رأيين آخرين، أحدهما لأفلاطون الذي ادّعى وجود عالم المُثُل وحضور النفس قبل البدن في ذلك العالم، والآخر يقول: إنّ التعقل ليس إلا انفعال الجسم أو النفس، وكلّ ما يحدث حين التعقل هو تداعي صورة في عقلنا أو نفسنا، لا غيرv.

وقد هاجم الشيخ المجلسي تعريف الفلاسفة للعقل حيث اعتبروه bجوهراً مجرداًv وقال: bوالقول به، كما ذكروه مستلزم لإنكار كثيرٍ من ضروريات الدين من حدوث العالم وغيرهv([12]).

ولا يسع المقام مناقشة تفاصيل آراء الفلاسفة حول هذا الموضوع، لكن يجدر بنا أن نذكر بأنّ عدداً كبيراً من الحكماء المسلمين، كالخواجة نصير الدين الطوسي([13])، اعتمدوا على الحركة والعقول في الأفلاك تبعاً للمذاهب الفلسفية اليونانية؛ لإثبات النفس والعقول المجرّدة ومراتبها ومراحلها، وفسّروا ماهية العقل على ضوء الهيئة البطليموسية([14]) التي اعتقدت بوجود حركة لكلّ فلك، وشوق وإرادة نفسانية لكلّ حركة، على أساس تكثر الحركات في الأفلاك التي تحتوي عقولاً متكثرة صادرة من العقل الأول([15]).

ولا يسعنا الالتزام بهذه التعاريف والمراتب المذكورة للعقل بعدما تحوّل علم الفلك، وشوهد العالم في عهد غاليلة([16])، وحلّت نظرية مركزية الشمس مكان مركزيّة الأرض، وتبيّن عدم نشوء حركات الأفلاك من عقول مجرّدة في ذاتها.

مفهوم العقل في الكتاب والسنّة، هل في القرآن وجود للاستدلال الفلسفي؟  ـــــــ

تكرّر لفظ العقل ومشتقاته ومرادفاته أكثر من خمسين مرةً في القرآن، وتدعو أكثر من ثلاثمائة آية الإنسان للتفكر والتدبّر والتعقل، لكن لم تتطرّق أيّ من هذه الآيات لبيان حقيقة هذا الدرّ الإلهي.

نعم، نفهم من سياق الآيات، أنّ الله أودع الإنسان قوّةً في باطنه، بإمكانها تمييز الحسن من القبيح، والخطأ عن الصواب إذا ما فعّلت، وكلّ إنسان واقف على هذه الحقيقة بالضرورة وبالعلم الحضوري، وأنّ الله أراد أن تتصل هذه الحقيقة وترتبط بسائر آياته، حتى يتعرّف الإنسان على الحقيقة الأساسية، وهي خالق الكون، فيعبده، وتحيا القيم الثابتة على أساس ذلك، لتكون دليل الإنسان: bالعقل ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنانv.

ونستنتج من الروايات الواردة في العقل، أنّه قوّة إدراك الخير والشرّ، والفصل بينهما، وملكةٌ تجبر الإنسان على الابتعاد عن الشرور والوساوس الشيطانية([17]).

ونتابع هذا اللفظ في الأدب الجاهلي أولاً، ثمّ في الآيات والروايات، ليتّضح جلياً أنّ العقل ليس آلةً للاستدلال الفلسفي، ولا في صدد الكشف العلمي أو الفلسفي، وأنه ليس في القرآن استدلال فلسفيّ أو منطقيّ على وجود الله.

يبدو أنّ لفظ العقل كان يستخدم في الجاهلية بمعنى الشعور العملي وشدّة الارتباط والاتصال، ولفظ bالعقالv الذي يعني الاتصال والربط المحكم، هو جذر كلمة bالعقلv، ولا تبتعد كلمات القرآن، التي أتت على أساس الفهم العرفي وببيان الثقافة والأدب العربي في العصر الجاهلي، عن المعنى المذكور.

يعتبر الدكتور حسين نصر كلمة العقل معادلةً لجذر كلمة (Religion) بمعنى النحلة، أي Religare التي تعني في اللاتينية bالوصلv، أي الاتصال بالحقيقة، وما يربط الإنسان بها([18]).

وقد استعملت كلمة bالعقلv في الشعر الجاهلي أيضاً بهذا المعنى، يقول زهير بن أبي سلمى:

فكلاً أراهم أصبحوا يعقلونهم         عــلالة ألــف بعــد أف مصنــــــــم

تســــاق إلى قــوم لقوم غرامـــــــــة         صـحـيحـات مــــــــــال طــالعــــــات

كما استخدمت كلمة bالعقلv في القرآن بوصفها مصطلحاً أساسيّاً، وأصبح لها معنى دينياً خاصاً، وصارت ملازمةً للإيمان والعاطفة والحب، واستخدم القلب، وهو محل الحب والشوق والارتباط، مرادفاً للعقل، لهذا نرى صاحب قاموس اللغة يقول: القلب: الفؤاد أو أخصّ منه، والعقل: محض كلّ شيء.

وحول الآية الشريفة: >إنّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلب< (ق: 37)، يقول الإمام الصادق %: إنّ له قلب، يعني له عقل([19])، ويقول الفرّاء الكوفي (144 ـ207هـ) صاحب معاني القرآن: ما قلبك معك، ما عقلك معك([20]).

فوارق العقل الفلسفي عن العقل الديني  ـــــــ

لا يعني التعقل في القرآن أن يقوم الإنسان المؤمن بضمّ عدّة مقدّمات والخروج منها بنتيجة، وإثبات أمرٍ ما بالاستدلال المنطقي، وإذا كان خللٌ في المقدمات تصبح النتيجة تابعةً لأخسّها، بل يعني التدبر في الأمور، والتدبر مشتقّ من مادة bدبرv، أي تتبّع أمرٍ للوصول إلى نهايته.

منهج العقل هنا أن يتبع الإنسان قواه المعرفية، وهي فطرية، للتعرّف على صانع العالم، ثمّ يؤمن به، وعلى هذا الأساس، يكون القلب ـ وهو مصدر الحب ـ مرادفاً للعقل، ويختلف هذا كلّ الاختلاف عن العقل الذي يصل إلى النتائج بتسطير المقدمات والاستدلال بها؛ لهذا، يبدو لنا أنّه من غير الممكن الادّعاء بأنّ الدين كالفلسفة, يريد الدفاع عن قضاياه دفاعاً عقلياً فلسفياً؛ لأنّ الدفاع العقلاني الفلسفي ينظر إلى العالم بوصفه مجموعةً واحدة في بادئ الأمر، ثم يقوم بنظرةٍ فلسفية للدفاع عن تعاليمه، أمّا العقل القرآني فينظر لظواهر العالم بصورةٍ جزئية، ويعتبرها bآياتv؛ فعلى سبيل المثال، يشير للمطر بقوله: >وينزّل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها<، ويقول: >إنّ في ذلك لآيات لقوم يعقلون< (الروم: 24)، كما يشير إلى القرى التي دمّرت بغضب الله لما فعل أهلها، ويقول: >ولقد تركنا منها آية بيّنة لقوم يعقلون< (العنكبوت: 34 و35). ويقول في آية أخرى: >ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً إنّ في ذلك لآية لقوم يعقلون< (النحل: 67)، كذلك يقول: >وسخّر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخّرات بأمره إنّ في ذلك لآيات لقوم يعقلون< (النحل: 12).

ونستفيد من مجموع هذه الآيات أنّ العقل الإيماني ينظر إلى العالم بوصفه أجزاءً، كلّ منها آيةٌ على وجود الله سبحانه.

لكن، بعدما دخلت كلمة bالعقلv الفلسفةَ الإسلامية، حلّ الاستدلال المنطقي البعيد عن أيّ حبّ وعرفان مكان محتوى العقل، وهو النظر إلى أجزاء العالم والميل إثره لخالقه؛ فبدلاً من النظر إلى ظواهر العالم بوصفها آيةً على وجود الله، أصبح العالم نفسه هدفاً له، بعبارة أخرى: حلّ العقل النظري مكان العقل العملي.

يصف العلامة إقبال اللاهوري([21]) الأمر بقوله: القرآن كتاب عمل لا فكر. والهدف الأساسي للقرآن تنبيه الوعي الإنساني، ليدرك علاقته المتشعّبة الأطراف مع الله والعالم، هذه التعاليم الأساسية للقرآن دفعت بغوته([22]) أن يقول لآكرمان([23]) بعد إلقائه نظرة عامة على الإسلام بصفته منهجاً تربوياً: هذه التعاليم لا تفشل أبداً، ولا شكّ أنّ هدف القرآن من مشاهدة الطبيعة والتفكّر فيها، أن ينبّه وعي الإنسان إلى أمر تعدّ الطبيعة رمزاً له([24]).

إذن، مادام الدفاع العقلاني ـ بمعناه النظري ـ عن الدين غير ممكن، يبقى المنهج العملي أفضل سبيل لتبيين الأسس والمعارف الدينية، أي كما أنّ مغزى العقل القرآني مطابق لمغزى العقل العملي، فمنهج الدفاع عن الدين وإثبات قضاياه أيضاً سيكون مماهياً للمنهج العملي، وهو المنهج البراغماتي([25])؛ أي تأثير المعتقد في العمل، وجواز اختبار صحّة العقيدة من خلال العمل نفسه.

لقد اعتبر ابن سينا، وهو من مشاهير الفلسفة المشائية ومن شارحي الفلسفة الأرسطية، مصدرَ الدين مغايراً للفلسفة بناءً على بعض ما نقل، كما اعتقد أنّ وجهة الدين عملية فيما وجهة الفلسفة نظرية؛ فالحكمة العملية وكمالاتها تنشأ من الشريعة الإلهية، بينما تستفيد الحكمة النظرية من التعاليم الإلهية على سبيل الاطّلاع([26]).

إذن، فمجال اختبار أيّ دين إنما هو تاريخه الذي يكشف النجاح والفشل، وقلّما ينتمي أحدٌ لدينٍ ما بسبب براهين فلسفية أو علمية؛ فلم يطلب أبوذر، ذلك الصحابيّ الصادق، ولا بلال، المؤمن العاشق، ولا سلمان، الباحث عن الحقيقة، برهاناً من الرسول %، بل دفعهم صدق كلام الرسول % وفعاله لقبول الدين الذي جاء به، لقد عبّدت سنن الرسول الحسنة وحياته الفطرية والأخلاقية الطريقَ إلى النور، ولعلّ عجز العقل الفلسفي ونجاح العقل العملي أدّى بالإمام الصادق % إلى القول: bكونوا دعاةً للناس بغير ألسنتكم، ليروا منكم الورع والاجتهاد والصلاة والخير، فإنّ ذلك داعيةv([27]).

وكذلك كانت البراهين التي أقامها الأئمة المعصومون ( في ردّ من خالفهم في الفكر، جدليةً تتعامل مع العواطف، ولم تكن براهين منطقية محكمة؛ فقد يقدح عالم فيزيولوجي في الأمور التي أوردها الإمام الصادق % في حديثه للمفضّل في إثبات الباري، ويعتقد بعدم انسجامها ومعطيات العلم التجريبي الحديث، إنّ علينا هنا أن لا نغفل عن أنّ الإمام الصادق % لم يكن في مقام بيان الأمور العلمية، بل كان يريد تنبيه الجهلة وهدايتهم بالوسائل الثقافية المتوفرة آنذاك؛ إنه لم يقصد ممارسة دفاعٍ عقلانيّ عن الدين بالمعنى الفلسفي والعلمي، فجميع البراهين التي قدّمها العلم والفلسفة لإثبات الباري تخضع لمنطق التغيير والبطلان.

لم يحظ برهان الحركة الأرسطي لإثبات المحرك الأول، والذي دخل الكلام الإسلامي فيما بعد؛ بقبول ابن سينا والفارابي([28])، وكذلك الحال مع برهان حدوث العالم الذي تلقّاه المتكلّمون بالقبول.

يقول ابن سينا: يستدلّ المتكلّمون بحدوث الأجسام والأعراض على وجود الخالق، وبالنظر في أحوال الخليقة على صفاته واحدةً تلو الأخرى، ويستدلّ الحكماء الطبيعيون بوجود الحركة على المحرّك… أمّا الإلهيون فيستدلّون بالنظر في الوجود وأنّه واجب أو ممكن على إثبات واجب الوجود، وذلك لأنّ أولى البراهين في إعطاء اليقين هو الاستدلال بالعلّة على المعلول، أمّا عكسه الذي هو الاستدلال بالمعلول على العلة فربّما لا يعطي اليقين([29]).

لا يعتبر ابن سينا برهان المتكلّمين والفلاسفة المبتني على الحدوث والحركة في الأجسام، موجباً لليقين، بل يعتقد أنّ البرهان الذي يوجب اليقين هو برهان الوجوب والإمكان، الذي سمّي بالبرهان الكوني (Cosmological Argument). كما يعدّ برهان الصدّيقين الذي قُرر بصيغ مختلفة ضمن هذا البرهان، وقد تصدّر هذا البرهان براهين إثبات وجود الله لقرون عدّة؛ فقد وجده توما الأكويني([30]) ناجحاً، فأدخله في الكلام المسيحي، لكنّه فقد بريقه بعد عدّة قرون، فانتقص منه الفيلسوف الكبير صدرالدين الشيرازي([31])، مقترحاً منهجاً آخر([32]).

الدفاع العقلاني عن الدين في الغرب، الإشكاليّات والعوائق  ـــــــ

يقول العلامة إقبال اللاهوري: ظهرت العقلانية في ألمانيا متحدةً مع الدين ومعينةً له، لكنها سرعان ما أدركت أنّ البعد الجزمي والتعبّدي للدين غير قابل للإثبات، فما بقي أمامهم سوى حذف التعبّديات من الكتب المقدّسة، الأمر الذي مهّد الطريق لظهور النفعية في الأخلاق، ومن ثمّ عقلانية السلطة والحكومة, أكملت طريق اللاإيمانية… فكان هذا حال الفكر في ألمانيا زمن ظهور كانط([33])، لقد كشف كانط محدودية العقل البشري بكتابه نقد العقل المحض، محوّلاً تمام أعمال دعاة العقلانية إلى ركام([34]).

لم يستمر طويلاً عصر العقلانية الذي كان يريد عقلنة الظواهر جميعها، وظهرت قباله التيارات الرومانسية والانفعالات الفلسفية.

لقد تزعزعت بهذه الصورة البراهين كافّة التي نبعت من العقول الفلسفية، واعتقد كثير من فلاسفة الدين والمنظرين الدينيين أن ليس بالإمكان الصعود بسلّم العقل إلى الله، بل ذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك، فقال: إنّه لا شيء من القضايا الدينية قابل للدفاع العقلاني([35]).

يقول سورين آبي كيركجارد([36])، الحكيم المتألّه والوجودي (Existentialist) الذي تعدّ بعض نظرياته ملهمة لعلم اللاهوت في القرن العشرين: يمكننا التعامل مع بعض الحقائق بصورة عينية في العلوم والرياضيات، دون أن تكون لنا أحاسيس خاصّة قبالها؛ لكن ليس الهدف الأساسي في الدين معرفة العقائد والتعاليم القطعية، بل المهم هو العيش وفقها.

وينتقد الفلاسفة الذين يبنون قصوراً وهميةً من الفرضيات، ولا يسكنوها، ويقول: الهدف الحقيقي وراء الأفكار الفلسفية أو الدينية هو التزام الإنسان بنمط حياة معين، وإذا لم تساعد هذه الأفكار الإنسان للإجابة على bما يجب أن نفعل؟v، فإنّ ذلك يعدّ خيانة للإنسان… لا يستطيع العقل والمنطق استخدام المنهج نفسه الذي يثبتان به المسائل العلمية، لإدراك الله؛ لأنّ الله ليس شيئاً ليمكن إثبات وجوده أو عدمه، فالربّ الذي يدّعي الناس أنّهم وجدوه بفلسفتهم، ليس إلا صورةً منهم؛ فلا يمكننا العثور على الربّ الحقيقي أكثر مما يظهر نفسه كعامل حيّ في حياتنا([37]).

إذن، حسب ادعاء هذا المتكلّم المتألّه وأب الوجودية، لا ينسجم التدين مع المنطق والقوانين العقلية، فليس الكلام حول المعرفة العقلانية من موضع محدّد، بل الكلام عن العشق والحياة وفقه، لهذا لا يكون لدينا أيّ استدلال، ولو كان لما أجدى، فلا فائدة من المنطق الجافّ في هذا الوادي، ويرى كيركجارد أنه لا يمكننا تجاوز هذه المرحلة على أساس التراث الفلسفي من أفلاطون إلى هيغل([38]): bكما أنّ المنطق الصوري عاجز عن بيان الجمال وتفسيره، وأيّ برهان عاجز عن بيان حقيقة الحبّ، كذلك العقل بمفرده عاجز عن إدراك الإيمانv.

محصّل الكلام أنّ أغلب المدارس الفلسفية في الغرب منذ كانط اهتمّت بمسألة عدم إمكان إقامة دليل منطقي عقلي لإثبات وجود الله أو نفي وجوده؛ فأقرّ الوجوديون غير الملحدين والمدارس العرفانية مثل برغسون([39]) بأنّ عقلنة الأصول الإيمانية أمر صعبٌ للغاية.

وليس هذا الكلام حديثاً أو مستجدّاً، فالعرفاء المسلمون أشاروا له أيضاً، وعلى سبيل المثال، يقول جلال الدين الرومي:

ـ وإنّك لتجد معقولات غير هذه المعقولات، في العشق ذي البهاء والصولة.

ـ وهناك عقول للحق غير عقلك هذا، تقوم بتدبير أسباب السماء.

ـ وعندما تخسر العقل في عشق الصمد، يعطيك عشرة أمثاله إلى سبعمائة مثل.

ـ وتلك النسوة عندما فقدن العقل، عدون على رواق عشق يوسف.

ـ وجمال ذي الجلال أكثر من مائة يوسف، فيا أيها الأقلّ من المرأة، كن فداءً لذاك الجمال([40]).

يقول كانط الذي كان يحلّل المقولات الدينية بالأخلاق: تبيّن التجربة الأخلاقية، الفكرة الحقيقية لله، فاليقين الذي نحصل عليه بوجود الله، عمليّ أكثر مما هو نظري، ويضيف قائلاً: لا يوجد طريق عقلي وفلسفي للوصول إلى واجب الوجود في المدارس الفلسفية كافّة، كما لا يوجد سبيل عقلي لبطلانها.

قد يكون سبب هذا العجز عند علماء المعرفة، زعزعة المنطق الذي كان يدعم جذور الفلسفة، بعد أمد طويل من اليقين والاطمئنان به؛ ولهذا أعلن كانط عام 1836م أنّ المنطق القديم ـ أي القياسي (Deduction) ـ لم يساعد العلماء على كشف أيّ مجهول، ولم يكن له دور في النهضات الفكرية والعلمية، وفتح كانط بكتابة bكلام في المنهج الصحيح لاستخدام العقلv طرقاً جديدة للوصول إلى الحقائق؛ وبهذه التغييرات وضع فرانسيس بيكون([41])(1561 ـ 1626م) المنطق الاستقرائي (Induction) قبال المنطق الأرسطي الذي كان معتمداً من قبل آباء الكنيسة، كما رفع كانط مسؤولية إثبات وجود الله عن عاتق العقل والفلسفة، معلناً أنّ عبء معرفة الميتافيزيقيا فوق طاقة العقل، وقد أحال الأمور الكلاسيكية في ما وراء الطبيعة إلى العقل العملي (Perctical Reason)، فأمور كحرية الإنسان، أو خلود النفس، ووجود الله، من مستلزمات القوانين الأخلاقية، فعلينا مطالعتها في علم الأخلاق.

وحينما نسعى لإثبات وجود الله ببرهان الوجود (Ontological)، أي وجود ذات واجبة واحدة، أو برهان (Cosmological) أي العلة الأولى، أو بالبرهان الطبيعي، نرى أنّ هذه البراهين لا مصاديق لها، فالروح والربّ مفاهيم من أجل التنظيم والتحليل، لا التركيب([42]).

وبغض النظر عمّا يقوله كانط في عجزنا عن ولوج الدين بالعقل النظري، والدفاع العقلاني بالمعنى الفلسفي عن القضايا الدينية؛ إذا ما تأمّلنا النصوص الدينية، يمكننا استنتاج أنّ العقل في الآيات والروايات ليس أداةً للمعرفة العلمية والفلسفية، ولم تكن مهمّة القرآن التعريف بالطرق العلمية والفلسفية لعالم الوجود؛ بل رسالته الهداية إلى خالق الكون، واتخاذ عالم الشهود آيةً للوصول إلى عالم الغيب.

بعبارةٍ أخرى، يمكننا الولوج في ساحة المعرفة الدينية، بالمعرفة القلبية وبأدوات العقل العملي، وإذا لم تتطوّر الجوانب الأخلاقية والعقل العملي، أصبح من الصعب معرفة الله بسائر الطرق، وبتعبير أحد الكتّاب: تتمتّع التجارب الدينية بشكل من الموهوبية، أي أنّها ذاتية وليست بتعلّمية، كان الهمّ الأول لكتّاب الكتب المقدّسة، عبادة الله وطاعته، لا إثبات أدلّة وجوده، فلم يكن أبداً إيمان أهل الكتاب مساوقاً لنتيجة احتجاج فلسفي، بل نادراً ما أوصلت هذه الاحتجاجات أحداً إلى عقائده الدينية([43]).

روي عن رسول الله 2 أنّه قال: bازدد عقلاً تزدد من ربّك قرباًv([44])، وروي عن الإمام علي %: bكلّما ازداد عقل الرجل قوي إيمانهv([45]).

وكما أسلفنا، فالعقل في اللغة الدينية يعني القلب ومركز العواطف، لا المنطق والفلسفة البعيدين عن الحبّ والعاطفة، ويسمّي القرآن الجهلة ومنكري الدين بعميان القلوب، الذين عمى مركز عواطفهم: >أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها وآذان يسمعون بها فإنّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور< (الحج: 46)، إننا نرى في هذه الآية ترادف العقل والقلب.

يقول ابن أبي الحديد في شرح عبارة bليستأدوهم ميثاق فطرتهv (نهج البلاغة، الخطبة الأولى): لمّا كانت المعرفة به تعالى وأدلّة التوحيد والعدل مركوزةً في العقول، أرسل الله سبحانه الأنبياء أو بعضهم ليؤكّدوا ذلك المركوز في العقول، وهذه هي الفطرة المشار إليها بقوله عليه السلام: bكلّ مولود يولد على الفطرةv([46]).

كما صرّح بعض علماء المسلمين بأنّ من غير الممكن إثبات وجود الله بالأدلة والبراهين النظرية، فنرى ـ على سبيل المثال ـ المجلسيَّ يقول في شرح bوكلمة الإخلاص، فإنها الفطرةv، المروية عن الإمام علي %: كتب السيّد ابن طاووس كتاباً وذكر فيه مائةً وعشرين برهاناً على أنّ معرفة الله فطرية، وأضاف: تدلّ التجربة على ذلك أيضاً، فكلّما سعى العلماء أن يصيغوا براهين قطعية، لم يتوصّلوا لأكثر مما فطروا عليه([47]).

ويعتقد السيّد حيدر الآملي أنّ كون فطرة الإنسان توحيديةً، أصل مسلّم به، كما خلقت سائر الموجودات على أساس الفطرة التوحيدية، ويضيف في ما يخصّ الفطرة والعقول والنفس الإنسانية([48])، قائلاً: bوعن مجموع هذا كلّه، أخبر مولانا وسيّدنا جعفر بن محمد الصادق % بقوله في دعائه: وأسألك بتوحيدك الذي فطرت عليه العقول، وأخذت به المواثيق، وأرسلت به الرسل، وأنزلت به الكتبv، من هذا المنطلق يمكننا اعتبار عبادة الله أوّل مسألة عقلية، دون استناد إلى أيّ أصل فلسفي أو الاستعانة به([49]).

أمّا إذا ابتنت مسائل المبدأ والمعاد على أصول فلسفية وطرق عقلية، واعتبر العقل الديني نفس العقل الفلسفي، سنصل إلى نتيجة معاكسة، كما يقول الشاعر الفارسي: في بناء البيت الذي لا مجال للعلم والعقل فيه، لماذا يتدخّل الوهم الضعيف؟!

ولعلّه بسبب هذا التدخّل الطفيلي لم يقلّ عدد الفلاسفة الملحدين عن الفلاسفة الموحّدين في تأريخ الفلسفة، فقد ذهبوا لإثبات الله بعلم bباني الحضيرةv والعقل القياسي وbالرأي الطفيليv.

لكن الطريق الذي سلكه كبار المتديّنين وتوصّلوا إليه بالتجربة، وأوصلوا السالكين به، هو طريق العقل الفطري والبصيرة القلبية والشهود العرفاني.

ـ صر روحاً وعن طريق الروح اعرف الحبيب، كن رفيقاً للشهود لا ابناً للقياس([50]).

ـ الإنسان المسكين لم يعرف نفسه، لهذا أخذ بالصعود والنزول([51]).

ـ وكل هذا، علم بناء الحضيرة، فهو أساس لوجود الإبل والبقر([52]).

العقل الديني, عقلٌ قيمي أخلاقي  ـــــــ

يمكننا مما مضى استنتاج أنّ للعقل في التراث الديني معنى قيميّاً فقط، ولا علاقة له بالمناهج، ولم يأت هذا اللفظ للمعرفة بالمعنى العلمي والفلسفي، ولا يتمكّن العقل ـ بهذا المعنى ـ استيعاب المفاهيم الدينية.

حين يتحدّث المؤمن عن مفهوم الله، يبيّن ميوله وعبوديته ويلحظ الله هادٍ له، أمّا الفيلسوف الذي تصوّر الله بصفة واجب الوجود، أو علّة العلل، أو المحرّك الأول، واستعان لإثباته بالبراهين الفلسفية، فقد أغفل الحبّ والعبودية واستخدم في تفسير الله لغته الخاصّة به.

إذن، يمكننا القول: إنّ معنى الربّ الذي نميل إليه بالعقل الديني، غير معناه الذي يتكلّم عنه العقل الفلسفي، وعلى حدّ تعبير كيركجارد: bالحديث عن الربّ في الفلسفة، بالوجود أو سلب الماهية كسائر موجودات العالم، لكن لا يسعنا الحياة مع هذا الربّv، فلو كرّرنا آلاف المرات لفظ واجب الوجود على ألسنتنا، لم يتولّد أي حبّ أو خشية في قلوبنا، لكنّ الربّ في الدين هو: >إذا ذكر الله وجلت قلوبهم< (الأنفال: 28، والحج: 35) و>ألا بذكر الله تطمئن القلوب< (الرعد: 28).

وقد استخدم الأنبياء لغة عوام الناس، وهي اللغة الفطرية، في مقام المحاججة لإثبات الله والتعريف به، فقال النبي إبراهيم % لمنافسه في مقام التعريف بالله: >الذي خلقني فهو يهدين* والذي هو يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين * والذي يميتني ثمّ يحيين * والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين< (الشعراء: 78 ـ 82).

قصة موسى والراعي في كتاب bالمثنويv للشاعر جلال الدين الرومي من قبيل هذه الآيات؛ ففي هذه القصّة يخاطب الراعي ربّه ببيانه الخاصّ، ويعاشقه بأسلوبه، فاعترضه موسى % لجعل بيانه علميّاً وفلسفيّاً، لكن ردّ الله على موسى كان:

ـ لقد جعلت لكلّ إنسان منهجاً، ووهبت كل امرئ بيانه([53])

ـ فإلى متى هذه الألفاظ والإضمار والمجاز؟ إنّي أريد الحرقة والتعايش مع تلك الحرقة([54]).

ـ العاشق طليقٌ من كلّ الأديان، فدين العشاق وملّتهم خاصّة([55]).

نعلم جيداً أنّ الأمر الذي يتّبعه العقل الإيماني، وبتعبير الرومي bالعقل الملكوتيv، هو الحصول على اليقين، ومن ثمّ السكينة والكمال الإنساني.

لقد ظلّ bالعقل البرهانيv في تأريخ علم المعرفة عاجزاً عن الوصول إلى اليقين وإدراك الحقائق الإيمانية، بل لقد عكّر أحياناً صفو اليقين الإيماني بجداله وتشكيكه الفلسفي، كان الفخر الرازي فيلسوفاً ومتكلّماً مقتدراً، أراد الولوج في وادي اليقين الإيماني بالعقل الفلسفي والكلامي، لكنّه تقلّد الشكوك إلى آخر المطاف، يصف الرومي ذلك بقوله:

ـ ولو كان العقل مبصراً للطريق في هذا المبحث، لكان فخر الدين الرازي عالماً بأسرار الدين.

ـ لكن لمّا كان الأساس أنّه bمن لم يذق، لم يدرv، فإن عقله وأوهامه زادا من حيرته([56]).

أسماء الله بين المنطلق الفلسفي والروحي  ـــــــ

هناك أسماء كثيرة لله سبحانه وتعالى في الفلسفة؛ منها: العلة الأولى، علّة العلل، واجب الوجود و.. لكن لم يستخدم أيّ من الأئمة والعرفاء هذه الأسماء، وقد يكون السرّ في ذلك، عدم وجود أيّ نوع من الانجذاب نحو الله فيها، لذا أكثر الأسماء استعمالاً في النصوص الدينية هو الرّحمن والرّحيم؛ فالانجذاب الذي يحصل بهذين الاسمين، نادراً ما يحصل في أيّ اسم أو صفةٍ أخرى، ومن الطبيعي أن نكشف عن حبّنا وميلنا إلى الله حين نناديه بهذه الأسماء.

يقول المحدّثون والمفسرون: إنّ أسماء الله توقيفية، لا يجوز وضع اسم له؛ إذ >ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون< (الأعراف: 180).

وقد التفت العلامة الطباطبائي، رغم نظرته الفلسفية، إلى عدم إمكان الدخول في الدين من باب المنطق والفلسفة؛ لهذا يقول: bغير أنّهم ـ كما سمعت ـ أخطأوا في استعماله فجعلوا حكم الحدود الحقيقية وأجزائها مطرداً في المفاهيم الاعتبارية، واستعملوا البرهان في القضايا الاعتبارية التي لا مجرى فيها إلا للقياس الجدلي؛ فتراهم يتكلّمون في الموضوعات الكلامية كالحسن والقبح والثواب والعقاب والحبط والفضل في أجناسها وفصولها وحدودها، وأين هي من الحد؟ ويستدلّون في المسائل الأصولية والمسائل الكلامية من فروع الدين بالضرورة والامتناع، وذلك من استخدام الحقائق في الأمور الاعتبارية، ويبرهنون في أمور ترجع إلى الواجب تعالى بأنه يجب عليه كذا ويقبح منه كذا؛ فيحكّمون الاعتبارات على الحقائق، ويعدّونه برهاناً، وليس بحسب الحقيقة إلا من القياس الشعريv([57]).

وقد توصّل كانط أيضاً في كتابه نقد العقل المحض إلى النتيجة نفسها؛ أي أنّ العقل المحض عاجز عن الوصول إلى الحقيقة المحضة، وقرّر ذلك الرومي قبله: العقل ظلّ الحق، والحق كالشمس، ويقول في مكان آخر: الحق كالسلطان، والعقل شرطيّ أمامه؛ فإذا أتى السلطان، فعلى الشرطيّ الابتعاد.

ـ وصل النقل، وصار العقل شريداً، وطلع الصباح، فأضحى شمعه مسكيناً.

ـ إنّ العقل كالشرطي، وعندما يصل السلطان، يقبع الشرطي المسكين في ركنٍ ما.

ـ والعقل هو ظلّ الحق، والحق كالشمس، فأيّ قِبلَ للظلّ أمام الشمس؟([58]).

ـ يا حبيبي! إنّ العقل وروح الروح أنت، سلطان عقل الخلائق وأرواحهم أنت!

ـ العقل الكامل حائر ومتيّم بك، الموجودات كلّها بأمرك.

ـ إنّ العقل الجزئيّ شوّه سمعة العقل، وخيّب آمال رجال الدنيا.

*    *     *

الهوامش



(*)  باحث في الدراسات الفلسفية.



[1] ــــ Thales، طاليس (ح 548ق. م.)، فيلسوف وعالم رياضيات يوناني.

[2] ــــ أنو شروان (531 ـ 579م)، ملك إيراني من السلالة الساسانيّة.

[3] ــــ Philon، فيلون (ح 13 ق. م. ـ 54م)، فيلسوف يوناني يهودي، ولد في الاسكندرية.

[4] ــــ حنّا الفاخوري وخليل الجر، تاريخ الفكر الفلسفي عند العرب: 106، 107.

[5] ــــ المصدر نفسه: 7.

[6] ــــ المثنوي، الكتاب الأول، الأبيات: 1501، 1502 (أو 1511 و1512)؛ وقد استعنت في ترجمة الأبيات بترجمة الدكتور إبراهيم الدسوقي شتا، مثنوي مولانا جلال الدين الرومي، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومي للترجمة، رقم 25، 6ج، 7و1996م.

[7] ــــ الكتاب الثالث، الأبيات: 2527 (أو 2529).

[8] ــــ المصدر نفسه، الأبيات: 2531 (أو 2534).

[9] ــــ الأسفار، ج9؛ نهاية الحكمة: 248؛ رسالة العلامة القزويني في حقيقة العقل؛ البحار 1: 101.

[10] ــــ أبو ريحان البيروني (1048م)، مؤرّخ وعالم في الرياضيات من العلماء المسلمين المشهورين.

[11] ــــ أبو علي حسين ابن سينا (980 ـ 1037م)، فيلسوف وطبيب، ولد في أوزبكستان.

[12] ــــ البحار 1: 101.

[13] ــــ نصير الدين الطوسي (1201 ـ 1274م)، عالم بالفلك والرياضيات والكلام.

[14] ــــ كلوديوس بطليموس (ح90 ـ 160م)، فلكي وعالم في الجغرافيا، يوناني نشأ في الاسكندرية.

[15] ــــ شرح التجريد، الفصل الرابع، بحث العقول المجرّدة.

[16] ــــ Galileo Galilei، غاليلو غاليله (1564 ـ 1642م)، فلكي وفيزيائي إيطالي.

[17] ــــ البحار 1: 101.

[18] ــــ مجلة نامه فرهنك (مجلة كتاب الثقافة)، العدد 12: 78.

[19] ــــ أصول الكافي 1: ح12.

[20] ــــ معاني القرآن 3: 80.

[21] ــــ محمد إقبال اللاهوري (1876 ـ 1938م)، من أشهر الشعراء الفلاسفة والمفكّرين المسلمين في الهند.

[22] ــــ Goethe، غوته (يوهان فون) (1749 ـ 1832م)، أديب وسياسيّ وعالم ألماني.

[23] ــــ Louise Ackermann، لوئيز آكرمان (1813 ـ 1890م)، عالم فرنسي.

[24] ــــ إحياء الفكر الديني، محمد إقبال، ترجمه للفارسية: أحمد آرام: 12، 18.

[25] ــــ Pragmatism، المدرسة العواقبية، العملية، الذرائعية، الأداتية.

[26] ــــ مجلة دانشكده ادبيات دانشكاه طهران (مجلة كلية الآداب بجامعة طهران)، العدد 90: 57، نقلاً عن الرسالة الأولى من تسع رسائل في الحكمة والطبيعيات.

[27] ــــ أصول الكافي 2: 78، ح14.

[28] ــــ أبو نصر محمد الفارابي (950م)، فيلسوف وعالم، لقّب بالمعلّم الثاني، ولد في فاراب وتوفي في دمشق.

[29] ــــ الإشارات 3: 66، 67.

[30] ــــ Thoma D’Aquin,saint، القديس توما الأكويني (ح1224 ـ 1274م)، فيلسوف ولاهوتي إيطالي.

[31] ــــ صدرالدين الشيرازي (1571 ـ 1640م)، متكلّم وفيلسوف شيعي، ولد في شيراز وتوفي في البصرة.

[32] ــــ راجع: الأسفار 6: 14 فما بعد.

[33] ــــ Immanuel Kant، عمانوئيل كانط (1724 ـ 1804م)، فيلسوف وعالم ألماني، ولد في كونغسبرغ.

[34] ــــ إحياء الفكر الديني في الإسلام: 8.

[35] ــــ راجع: خدا در فلسفه (الله في الفلسفة)، ترجمه للفارسية: بهاء الدين خرّمشاهي.

[36] ــــ Soren Aabye Kier Kegaard، سورين آبي كيركجارد (1813 أو 1815 ـ 1855م)، فيلسوف دنماركي.

[37] ــــ راهنماى الهيات بروتستان (دليل اللاهوت البروتستاني)، آلبرت آوي، ترجمه للفارسية: علي أصغر الحلبي: 299.

[38] ــــ Georg Wilhelm Friedrich Hegel، جورج فلهلم فردريش هيغل (1770 ـ 1831م)، فيلسوف ألماني.

[39] ــــ Bergson، هنري برغسون (1859 ـ 1941م)، فيلسوف فرنسي.

[40] ــــ المثنوي، الكتاب الخامس، الأبيات: 3235، 3236، 3238، 3239، 3241 (أو 3233، 3234، 3236، 3237، 3239).

[41] ــــ Bacon، فرنسيس بيكون (1561 ـ 1626م)، فيلسوف بريطاني.

[42] ــــ سير فلسفه در اروبا (حركة الفلسفة في أوروبا)، آلبرت آوي، ترجمه للفارسية: علي أصغر حلبي: 299.

[43] ــــ علم ودين، ايان باربور، ترجمه للفارسية: خرمشاهي: 261.

[44] ــــ الغزالي، إحياء علوم الدين 1: 81.

[45] ــــ غرر الحكم، كلمة العقل.

[46] ــــ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 115.

[47] ــــ مبدأ ومعاد، الشيخ جوادي الآملي: 97.

[48] ــــ المصدر نفسه.

[49] ــــ المصدر نفسه: 135.

[50] ــــ المثنوي، الكتاب الثالث، البيت: 3192.

[51] ــــ المصدر نفسه، البيت: 1000.

[52] ــــ المصدر نفسه، الكتاب الرابع، البيت: 1519.

[53] ــــ المصدر نفسه، الكتاب الثاني، البيت: 1753.

[54] ــــ المصدر نفسه، البيت: 1762.

[55] ــــ المصدر نفسه، البيت: 1870.

[56] ــــ المصدر نفسه، الكتاب الخامس، الأبيات: 4144، 4145.

[57] ــــ العلامة الطباطبائي، الميزان 5: 280.

[58] ــــ المثنوي، الكتاب الرابع، الأبيات: 2110 ـ 2112.