أحدث المقالات

أبعاد مقولة الوحدة الإسلامية

هناك عدّة أبعاد لمقولة (الوحدة الإسلامية)، ومنها:

1ـ الوحدة السياسية مع حفظ الحرّيات الإقليمية والمذهبية: وهو أن تكون وحدة المسلمين ورقةً سياسيّة يضغط بها المسلمون ـ على اختلاف مذاهبهم ـ على أعدائهم. وهو الأكثر ملاءمة للإسلام وروح العصر، لأنه لا يقوم على القهر والغلبة، بل يعطي الحرية المذهبية للمسلمين، ويركز على وحدتهم في حفظ مصالحهم العليا كشؤون الدفاع، والتنمية، والحفاظ على الثقافة الإسلامية. وهذه الوحدة التي دعا إليها أئمة أهل البيت(عم) بعد أن خسرت الأمة وحدتها الطبيعية بوفاة النبيّ(ص) ودخلت تحت وحدة الإجبار على مذهب الخليفة.

2ـ الوحدة الاجتماعية: حينما يعيش المسلمون من الشيعة والسُّنّة في بلدٍ واحد من أجل الحفاظ على سلامة بلدانهم، وللحفاظ على الأمن والاستقرار، ويتعاونوا على الحفاظ على مصالحهم وعلى شؤون حياتهم اليوميّة، وأن تكون الحريّة للجميع في عقديتهم.

وهذان البعدان لا يوجد عاقل يرفضهما أو يُشْكل عليهما، فهما من القضايا الواضحة والبديهيّة التي لا تحتاج إلى كثير مِن الكلام.

3ـ الوحدة العقائدية: وأهمّ مشاريعها:

أـ الوحدة بالإجبار على مذهب الخليفة وطاعته: وهي تعني سيطرة خليفة أو حاكم على الأمة وفرض مذهبه وأفكاره عليها بالقوة، ومصادرة حريات المعارضين الثقافية والمذهبية والسياسية. وهي التي طبقتها حكومة السقيفة بعد النبي(ص) وكذلك بنو أميّة وبنو العباس، ثم طبقتها الدول المنشقة عنهم كدولة الأدارسة في المغرب، ودولة الأمويين في الأندلس، ثم الدول الوارثة لهم كدولة المماليك في مصر، وأخيراً دولة الخلافة العثمانية.وهي الوحدة التي تتبناها كل الحركات التي تدعو إلى إعادة أمجاد الإسلام والخلافة.ونستثني دولة أمير المؤمنين علي(ع) لأنه الحاكم الوحيد الذي قام حكمه على البيعة بالاختيار، ولم يجبر أحداً على بيعته أو القتال معه، وأعاد إلى المسلمين حريتهم في التعبير والعمل معه أو ضده.

ونحن بصفتنا أتباع مدرسة أهل البيت(عم)، لا نستطيع أن نعتبر دول الخلافة دولاً شرعية، ولا إسلامية بالمعنى الحقوقي، لأن الحكم فيها قام على الغلبة والقهر، وليس على دستور ونظام حكم محدد الأجهزة والآليات، ولأنها صادرت الحريات الشرعية لجميع أفراد الأمة، إن لم يكن لجميعها وهو ما سبب انهيار الدول التي قامت في تاريخنا الإسلامي، رغم أنها كانت تملك أفضل الظروف، وأقوى عوامل الثبات والاستمرار، فقد كانت النتيجة الطبيعية للنظام القرشي الذي ولدته السقيفة وقمعت لأجله الأنصار وأهل البيت عليهم السلام، أن يتسلط بنو أمية، وأن يسببوا في الأمة ردة فعل فيتسلط بنو العباس، ثم تتسلط عسكر المماليك والأتراك والخلافة العثمانية.

ب ـ الوحدة التلفيقية بين المذاهب: وتقوم على أنه بالإمكان توحيد المسلمين مذهبياً بالاتفاق على المشتركات في العقائد والفقه، وحل المسائل الخلافية بحلول وسط. ويكثر هذا التصور في المثقفين على الطريقة الغربية، الذين لا يعني لهم الدين شيئاً كثيراً، فضلاً عن الفروقات بين مذاهبه! كما يوجد في مناطق تعايش السنة والشيعة، فيقولون: أنا مسلم وكفى، نريد إسلاماً بلا مذاهب. وآخر مَنْ دعا الى هذه الفكرة الدكتور صالح الورداني([1]) الذي دعا إلى: “مذهب ثالث يمثل الإسلام الصحيح، وليس المذهبين”([2]).

وفي هذه المقالة ستتناول نقد نظرية (إسلام بلا مذاهب) وفقا لأسس ومباني مدرسة أهل البيت(عم)، وذلك من خلال مجموعة من المحاور:

المحور الأوّل: أساس نظرية (إسلام بلا مذاهب)

إنه التأثّر بالفِكْر والأهداف الماسونيّة، وهي منظمة أخوية عالمية يتشارك أفرادها عقائد وأفكار واحدة فيما يخص الأخلاق والميتافيزيقيا وتفسير الكون والحياة والإيمان بالخالق، وتتصف هذه المنظمة بالسرية والغموض الشديدين خاصةً في شعائرها وتسعى للسيطرة على العالم والتحكم فيه وتوحيدهم ضمن أفكارها وأهدافها. وترفعُ شعارات: الحريّة والإخاء والمساواة بين الناس([3]).

وجاءت الماسونية إلى بلاد المسلمين بشكل رسمي مع مجيء الاستعمار في القرن التاسع عشر، والقرن العشرين. وقد تسابق العلماء والمُفكّرون والمُثقّفون في البلاد الإسلامية ليكونوا أعضاء في المحفل الماسوني، وما كانوا يخافون من ذلك، ولا تُثار الشكوك حولهم، ومن المتأثِّرين بهذه المنظمة وأهدافها جمال الدين الأفغاني([4]) حيث أدرك الأفغاني دور التنظيم وأهميته في حركة التغيير، وكانت الحركة الماسونية حينئذٍ ذات سمعة حسنة، فهي ترفع شعار الثورة الفرنسية “حرية، إخاء، مساواة” وتواصل النضال الذي بدأته منذ العصور الوسطى ضدّ الكهنوت وتسعى لفصل السلطة السياسية عن السلطة الدينية، كما كانت تضم صفوة المجتمع، بصرف النظر عن الجنس والدين مما جعلها أملاً جديداً في عالم تمزقه العصبيات والمذاهب والتعصب للأديان. ولعل ذلك ما جعله يتّخذها شكلاً من أشكال التنظيم، ولكنه اكتشف الخيوط التي تربط قيادات المحفل بالاستعمار، فقد دعاهم لتطبيق شعارات المحفل فقالوا: إن الماسونية لا دخل لها بالسياسة، فقاد الأفغاني التمرد ضد المحفل الغربي، وأحدث انشقاقاً في المحفل الماسوني بمصر. وخرج الأفغاني بخيرة عناصر المحفل وأسس بهم محفلاً ماسونياً شرقياً ارتبط بعلاقات مع المحفل الفرنسي، نظراً لمناوأة الفرنسيين لأطماع الإنجليز بمصر، وبلغ عدد أعضائه 300، وقسمه إلى شعب للدراسة والتشريع والتخطيط لمختلف أوجه الإصلاح في المجتمع.

وقد اجتذبَ جمال الدين الأفغاني كثيراً من الناس، خصوصاً في مِصر البلد الذي يكثر فيه الأديان وتتعدّد فيه المذاهب ـ وهو يتناسب مع الذوق الصوفي الذي كان عليه فقد أثر على تلميذه محمّد عبده([5]) الذي أثّر على تلميذه رشيد رضا([6])، وانتقل هذا التفكير من الدعوة إلى وحدة الأديان، إلى: (وحدة المذاهب)([7]). صحيح أنّ رشيد رضا تبنّى المنهج السلفي مُماشاةً مع الفكر الوهّابي، ولكن ما كان يطرحه في مؤسّسته مؤسّسة المنار كان ينسجم إلى حدّ بعيد جدّاً مع فكرة وحدة المذاهب والتي تلقّفها بعض الشيعة، وبدأوا يردّدون كلمة رشيد رضا: “أنّنا نتعاون فيما اتّفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا عليه”([8]).

المحور الثاني: أدلّة القائلين بالوحدة العقائدية

قول النبيّ(ص): (اختلافُ أمّتي رحمة)([9]). وهذا الدليل باطلٌ فإن هذا تحريفٌ واضح لبديهةٍ واضحة وهي: إذا كان اختلاف الأمّة رحمة فهل أنّ اجتماع الأمّة نقمة؟!، وهو ما أشارت إليه مجموعة من الروايات:

1ـ صحيحة([10]) يعقوب بن شعيب قال: قلت لأبي عبد الله(ع): إذا حدث على الإمام حدثٌ كيف يصنع الناس؟ قال: أين قول الله (عزَّ وجلَّ): (فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)([11])؟! قال: هم في عذرٍ ما داموا في الطلب، وهؤلاء الذين ينتظرونهم في عذرٍ، حتّى يرجع إليهم أصحابهم([12]).

فقد سأل يعقوب بن شعيب عمّا يجب على الناس عند موت الإمام فأجاب(ع) بأنه يجب عليهم النفر على سبيل الكفاية ليعلموا الإمام بعده ويخبروا به قومهم إذا رجعوا إليهم، ولو تعذّر كانوا في سعة إلى حين زواله، ويجب عليهم حينئذ الإقرار إجمالاً بأن للإمام الماضي نائباً يقوم بالأمر بعده وإنْ لم يعلموا اسمه وشخصه، ولو ماتوا حينئذٍ خرج موتهم عن موتة الجاهلية بدلالة قوله(ص): (مَنْ مات وهو لا يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)([13]).

2ـ موثّقة([14]) عبد المؤمن الأنصاري، قال: قلت لأبي عبد الله(ع): إن قوماً يروون أن رسول الله(ص) قال: (اختلاف أمتي رحمة)، فقال: (صدقوا)، فقلت: إنْ كان اختلافهم رحمة فاجتماعهم عذابٌ؟!، قال: (ليس حيث تذهب وذهبوا، وإنما أراد قول الله عزَّ وجلَّ: (فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)([15])، فأمرهم أن ينفروا إلى رسول الله(ص)، ويختلفوا إليه فيتعلموا، ثم يرجعوا إلى قومهم فيعلموهم. إنما أراد اختلافهم من البلدان، لا اختلافاً في دين الله. إنما الدين واحد، إنما الدين واحد([16]).

فالآية في أصلها في البحث عن معرفة الإمام، والاختلاف هو مجيء الشيعة كي تعرف إمام زمانها، سواء كان المُراد مِن المعرفة هنا أن تعرف الشخص والاسم بعد رحيل الإمام السابق، أو أنّ المراد أن تعرف الإمام حقّ معرفته، وهذا هو التفقّه في الدين. فالتفقّه في الدين ليس في معرفة أحكام الحيض والنفاس ـ مع أهمّية هذه الامور ـ بل التفقّه في الدين يكون في معرفة الإمام(ع). وهو ما أكّدت عليه مجموعة من الروايات نشير إلى بعضها:

1ـ صحيحة([17]) عن زرارة قال: قال أبو عبد الله(ع): اعرف إمامك؛ فإنك إذا عرفت لم يضرّك تقدم هذا الأمر أو تأخر.

2ـ صحيحة([18]) إسماعيل بن محمد الخزاعي قال: سأل أبو بصير أبا عبد الله(ع)، وأنا أسمع، فقال: تراني أدرك القائم(ع)؟ فقال: يا أبا بصير، ألست تعرف إمامك؟ فقال: إي والله وأنت هو ـ وتناول يده ـ فقال: والله ما تبالي يا أبا بصير أن لا تكون محتبياً بسيفك في ظلّ رواق القائم (صلوات الله عليه).

3ـ صحيحة([19]) عمر بن أبان قال: سمعتُ أبا عبد الله(ع) يقول: اعرف العلامة، فإذا عرفته لم يضرّك تقدّم هذا الأمر أو تأخر، إن الله (عزَّ وجلَّ) يقول: (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ)([20]). فمَنْ عرف إمامه كان كمَنْ كان في فسطاط المنتظر(ع)([21]).

تشير الروايات المتقدّمة إلى مجموعة أمور:

أـ وجوب معرفة الأمة بالإمام والتصديق به وهو إمام كلّ عصر.

ب ـ أن معرفة الأمة بالإمام تكون على وجه يمتاز عن غيره كافية وإنْ لم ير شخصه ولم يدرك ملازمته؛ لأن ذلك ممّا لا يجب باتفاق الأمة.

ج ـ أن مَنْ آمن به في غيبته ومات قبل ظهوره يكون مساوياً للمجاهد في الدرجة.

د ـ إذا كانت الأمّة جاهلةً بمعرفة إمام زمانها فيجبُ وجوباً عينيّاً وتعينيّاً على كُلّ مَنْ كان قادراً أن يُحصِّل معرفة الإمام أن يسعى في معرفة إمام زمانه وبعد ذلك يجب عليه أن يُبلِّغ هذه المعرفة إلى عامّة الشيعة.

4ـ عن عبد الأعلى قال: قلتُ لأبي عبد الله(ع): إنْ بلغنا وفاة الإمام كيف نصنع؟ قال: عليكم النفير، قلت: النفير جميعاً، قال: إن الله يقول: (فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا)([22])، قلتُ: نفرنا فمات بعضهم في الطريق، قال: فقال إن الله تعالى يقول: (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ)([23]).

5ـ قوله(ع) في تفسير قوله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ) يعني إذا بلغهم وفاة الإمام يجب أن يخرج من كلّ بلاد فرقة من الناس، ولا يخرجوا كلّهم كافّة، ولم يفرض الله أن يخرج الناس كلهم فيعرفوا خبر الإمام، ولكن يخرج طائفة ويؤدّوا ذلك إلى قومهم (لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)؛ كي يعرفوا اليقين([24]).

فالنفيرُ إذن والهجرةُ إلى الله ورسوله هي الهجرة لمعرفة الإمام. وحديث: (اختلافُ أمّتي رحمة) مداره مدار الإمام، واليقين في مدرسة أهل البيت(عم) هو الإمام المعصوم، ولا علاقة له بهذه المضامين والمعاني.

المحور الثالث: هل يُمكن أن تتوحَّد المذاهب؟

لا يمكن أن نتصوّر المذاهب موجودةً في نفس الوقت في وحدةٍ واحدة مُتكاملة؛ وذلك لعدة أسباب:

الأوّل: إن هذا يعني إسقاط المذاهب لحدودها ـ وحدود المذهب هي: (عقيدته وأحكامه وأخلاقه وأعرافه وطقوسه) ـ لتتحوّل إلى مذهب واحد، وهنا لا يبقى معنى لفكرة وحدة المذاهب؛ لأنّنا حين نقول: (مذاهب) فهذا يعني أنّ كلّ مذهب له حدوده، قال تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَقْرَبُوهَا)([25]) فالقرآن يتوعّد مَنْ يتعدى على الأحكام المذكورة في الآية فلا يأتوها أو فرائض الله فلا يقربوها بالمخالفة([26])، ووحدة المذاهب تعني أنّ نفتح هذه الحدود، وأن نتنازل عنها، وأن نسمح للآخرين أن يتنازلوا عنها، وعندئذٍ لن يبقى مذهب لا عندنا ولا عند غيرنا. فحين تسقط الحدود، وحين تغيب الموانع والحواجز فيما بين الفِرَق والمذاهب في الجانب العَقائدي والفتوائي والسلوكي، وحين تذوب هذه المميِّزات التي تُميّز كُلّ فرقة مِن هذه الفِرَق، لا يبقى حينها مذهبٌ إلاّ هذا المذهب الهجين!

الثاني: كيف نستطيع أن نتصوّر مجاميع المسلمين ـ بحَسَب الواقع الموجود الآن ـ بلا مذاهب، وكُلّ مجموعة تدّعي أنّ الحقّ معها، وهي تختلف مع المجموعات الأخرى، وبهذا تتشكّل حدود كُلّ مجموعة ـ بغضّ النظر أكانتْ على حقٍّ أم كانت على باطلٍ، سواء كانت عالمةً أنّها على الباطل أم في حالة شُبْهة أو جهلٍ مُركّب ـ!. فهناك فرقةٌ واحدة على الحقّ، ندّعيها نحنُ ويدّعيها غيرنا، فكيف يتسنّى لها أن تتنازل عن حدودها؟! وهو ما أشارت اليه مجموعةٌ من الروايات نشير إلى بعضها:

1ـ صحيحة([27]) أبي حمزة، عن أبي جعفر(ع): قال: بُني الاسلام على خمس: على الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية، ولم ينادَ بشيءٍ كما نودي بالولاية.

الرواية تشير إلى أن الإسلام هنا جميع ما جاء به النبي(ص) من الدين الحقّ المشار إليه في قوله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلاَمُ)([28])، وقوله: (اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِيناً)([29])، وقوله: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ)([30]). والأمور الخمسة المذكورة أعظم أركانه وأكمل أجزائه المعتبرة في قوامه والولاية أعظم الخمسة، ولم ينادَ بشيءٍ منها مثل ما نودي بالولاية؛ لأن النداء بها وقع في مجمع عظيم في غدير خم بخلاف غير الولاية فإنه لم يقع النداء بها في مجمع مثل مجمعها.

فاذا كان الإسلام هو هذا فكيف يمكن أن نضيف إليه أو نحذف منه، كما تذهب إليه نظرية إسلام بلا مذاهب؟!

2ـ صحيحة([31]) عجلان أبي صالح قال: قلتُ لأبي عبد الله(ع): أوقفني على حدود الايمان، فقال: شهادة أن لا إلة إلا الله وأن محمداً رسول الله والإقرار بما جاء به من عند الله وصلاة الخمس وأداء الزكاة وصوم شهر رمضان وحجّ البيت وولاية وليّنا وعداوة عدوّنا والدخول مع الصادقين.

تشير الرواية إلى أن الإيمان هو الفرد الكامل من الإسلام، وأهمّ عنصر فيه ولاية أهل البيت(عم). وهي ـ بالفتح والكسر ـ النصرة، أو الحكومة العامة، والدخول مع الصادقين فيما دخلوا من الأحكام وغيرها ومتابعتهم فيها وإنْ لم يعلم وجه الحكمة؛ إذ صدقهم وعصمتهم يقتضى وجود الحكمة في نفس الأمر ووجوب التسليم بها.

ونظرية (إسلام بلا مذاهب) إذا طُبِّقَتْ ستكون بمثابة الخروج من الإيمان؛ لأننا سنخالف الولاية لأهل البيت(عم) ولن نتبع الصادقين.

3ـ صحيحة([32]) فضيل بن يسار، عن أبي جعفر(ع) قال: بُني الإسلام على خمس: على الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية، ولم ينادَ بشيءٍ كما نودي بالولاية، فأخذ الناس بأربع وتركوا هذه ـ يعني الولاية ـ.

تشير الرواية إلى أن ترك الولاية هدمٌ لركن من أركان الإسلام. ونظرية (إسلام بلا مذاهب) من لوازمها ترك ولاية أهل البيت(عم)؛ لأنها غير متفق عليها، وهذا ما لا يجوز.

4ـ صحيحة([33]) زرارة، عن أبي جعفر(ع) قال: بُني الاسلام على خمسة أشياء: على الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية، قال زرارة: فقلت: وأيّ شيءٍ من ذلك أفضل؟ فقال: الولاية أفضل؛ لأنها مفتاحهن والوالي هو الدليل عليهنّ… ثمّ قال: ذروة الامر وسنامه ومفتاحه وباب الأشياء ورضا الرحمن الطاعة للإمام بعد معرفته، إن الله (عزَّ وجلَّ) يقول: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً)([34])، أما لو أن رجلاً قام ليله وصام نهاره وتصدق بجميع ماله وحج جميع دهره ولم يعرف ولاية ولي الله فيواليه ويكون جميع أعماله بدلالته إليه ما كان له على الله (عزَّ وجلَّ) حقّ في ثوابه، ولا كان من أهل الايمان، ثم قال: (أولئك المحسن منهم يدخله الله الجنّة بفضل رحمته).

فقد عيَّن(ع) أن الولاية أفضل من المذكورات؛ لأنها مفتاح بها تنفتح أبواب معرفة تلك المذكورات وحقائقها وشرائطها وآدابها وموانعها ومصالحها ومفسدها، والوالي وهو الحاكم الأمين المنصوب من قبل الله تعالى، وهو الدليل عليهنّ لا غيره؛ وذلك لأنهن أمور متلقاة منه تعالى إلى النبي(ص) فلا بُدَّ أن تسمع منه ويتمسك في معرفتها بمَنْ يقوم مقامه بأمره لا بالآراء التي من شأنها أن تزيد وتنقص وتخترع وتبتدع، وحينئذٍ كيف يكون شيء أفضل من الولاية التي بها قوامها وتحقّقها على الوجه المطلوب لله تعالى، ومنه يظهر أن الوالي أفضل من غيره وإلاّ لزم أن يكون الأمير مأموراً وهذا خلف. وطاعة الإمام تكون بانقياد الإنسان في كل ما أمر ونهى، وهي من أرفع الطاعات مرتبة وأسناها منزلة؛ وذلك لأسباب:

أـ أنها توصل إلى المطلوب من حيث إنها سبب للوصول إلى جميع الخيرات الدنيوية والأخروية.

ب ـ أن بها يتحقّق الدخول في الدين ومعرفة قوانينه كالباب.

ج ـ أنها توجب المغفرة والرحمة والدرجات العالية ورضا الرحمن.

ثم أشار إلى أن مَنْ يطِع الرسول هو المؤمن العارف بحقّ الإمام، والمقصود أن المحسن هو من أطاعه بعد معرفته في أقواله وأعماله.، وحينئذٍ كيف يمكن لنا أن نترك ما جاؤوا به، أو نقوم بدمجها مع غيرها لتأسيس مذهب جديد؟!

5ـ صحيحة([35]) عيسى بن السري أبي اليسع قال: قلتُ لأبي عبد الله(ع): أخبرني بدعائم الإسلام التي لا يسع أحداً التقصير عن معرفة شيءٍ منها، الذي مَنْ قصر عن معرفة شيءٍ منها فسد دينه ولم يقبل الله منه عمله ومَنْ عرفها عمل بها صلح له دينه وقبل منه عمله ولم يضِقْ به ممّا هو فيه لجهل شيءٍ من الأمور جهله؟ فقال: شهادة أن لا إله إلا الله والإيمان بأن محمداً رسول الله(ص) والإقرار بما جاء به من عند الله وحقّ في الأموال الزكاة، والولاية التي أمر الله عزَّ وجلَّ بها: ولاية آل محمد(ص)، قال: فقلت له: هل في الولاية دون شيءٍ فضل يعرف لمَنْ أخذ به؟ قال: نعم، قال الله (عزَّ وجلَّ): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)([36])، وقال رسول الله(ص): (مَنْ مات ولا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية)، وكان رسول الله(ص) وكان عليّاً(ع) وقال الآخرون: كان معاوية، ثمّ كان الحسن(ع) ثم كان الحسين(ع) وقال الآخرون: يزيد بن معاوية وحسين بن عليّ، ولا سواء، ولا سواء. قال: ثمّ سكت، ثم قال: أزيدك؟، فقال له حكم الأعور: نعم، جُعلتُ فداك، قال: ثم كان عليّ بن الحسين ثمّ كان محمد بن علي أبا جعفر وكانت الشيعة قبل أن يكون أبو جعفر وهم لا يعرفون مناسك حجّهم وحلالهم وحرامهم حتى كان أبو جعفر ففتح لهم وبيَّن لهم مناسك حجهم وحلالهم وحرامهم حتّى صار الناس يحتاجون إليهم من بعد ما كانوا يحتاجون إلى الناس، وهكذا يكون الأمر. والأرض لا تكون إلاّ بإمامٍ. ومَنْ مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية. وأحوج ما تكون إلى ما أنت عليه إذ بلغَتْ نفسك هذه ـ وأهوى بيده إلى حلقه ـ انقطعَتْ عنك الدنيا تقول: لقد كنتُ على أمرٍ حَسَن.

في الرواية مجموعة من الأمور ينبغي الإشارة إليها:

أـ إن الروايات التي ذكرت الدعائم عدداً وكمّاً مختلفة ولكن هذا الاختلاف لا يضرّ؛ إذ ليس فيما اشتمل على الأقلّ تصريحٌ في نفي ما عداه.

ب ـ استدلّ(ع) على فضل الولاية من الكتاب أو السنة، وصرح بأن مَنْ لم يتمسّك بها: (مات ميتة جاهلية)، أي الميتة على صفة الكفر والبعد عن الحق ورحمته.

ج ـ صرح بأنه لا بُدَّ في كل عصر من إمام مفترض الطاعة، وكان هذا متفقاً عليه بين. فالإمام في عصر النبي هو النبيّ وبعده عليّ(ع)، ثم الحسن ثم الحسين ثم عليّ بن الحسين وهكذا واحد بعد واحد إلى المهديّ النتظر(عج) إلى قيام الساعة. وذهبت الفرقة المخالفة إلى أن الإمام معاوية ثم يزيد بن معاوية، ثم سلاطين الجَوْر إلى قيام الساعة. فأشار(ع) إلى الفريقين وإلى عدم المساواة بينهما وبين إماميهما بقوله: ولا سواء ولا سواء، أي لا مساواة بين الفريقين. ولا مساواة بين الإمامين؛ لأن الفرقة الأولى هم الفرقة الناجية وإمامهم معصوم مفترض الطاعة من قبله تعالى، والفرقة الثانية هم الهالكة وامامهم غاصب ضالّ مضلّ، ويحتمل أن يكون المراد بالأوّل أنه لا مساواة بين مَنْ قال بإمامة عليّ(ع) وبين مَنْ قال بإمامة الحسن والحسين(عما) وبين مَنْ قال بإمامة يزيد بن معاوية، أو لا مساواة بين الحسن والحسين(عما) وبين يزيد بن معاوية.

د ـ أشار(ع) إلى أن أشد الاحتياج إلى الاعتقاد بالولاية حين بلوغ روحك إلى حلقومك، فإن هذا ينفعك في هذه الساعة نفعاً بيِّناً لحضوره لديك حتى تعرفه وعنايته بشأنك واستنقاذه لك من إبليس وجنوده وبشارته إياك بالدرجات العالية والمقامات الرفيعة فستبشر وتقول حينئذٍ إظهاراً للفرح والسرور: لقد كنت على أمر حسن، وهو الإقرار بالولاية ومتابعة وليّ الأمر. وفيه بشارة عظيمة ودلالة واضحة على أن المؤمن في جميع أزمنة عمره محتاج إلى الإمام؛ لأنه نور قلبه وسبب هدايته، ولا سيَّما وقت الاحتضار، فإن احتجاجه إليه حينئذٍ أشدّ وأقوى.

وعليه فلا يوجد أيّ مجال للتنازل عن أي من الأحكام أو العقائد التي جاءت بها مدرسة أهل البيت(عم) من أجل تحقيق نظرية (إسلام بلا مذاهب)؛ لأنه سيكون طريقاً للخذلان في الدنيا والعذاب في الاخرة وإن الميتة ستكون ميتة جاهلية.

6ـ صحيحة([37]) عن أبي بصير قال: سمعتُه يسأل أبا عبد الله(ع)، فقال له: جعلتُ فداك، أخبرني عن الدين الذي افترض الله (عزَّ وجلَّ) على العباد، ما لا يسعهم جهله ولا يقبل منهم غيره، ما هو؟ فقال: أعِدْ عليَّ، فأعاد عليه، فقال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله(ص) وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحجّ البيت مَنْ استطاع إليه سبيلاً وصوم شهر رمضان، ثمّ سكت قليلاً، ثم قال: والولاية ـ مرّتين ـ، ثم قال: هذا الذي فرض الله على العباد ولا يسأل الربّ العباد يوم القيامة فيقول: ألا زدتني على ما افترضت عليك؟ ولكن مَنْ زاد زاده الله، إن رسول الله(ص) سنّ سنناً حسنة جميلة ينبغي للناس الأخذ بها.

إن هذه الفروض التي ذكرها الإمام(ع) مؤكّدة عينية، وما عداها إما مندوب أو واجب كفائي والله يسأل عباده يوم القيامة عن تلك الفروض، لا عن هذا، لكن من زاد زاده الله تعالى في الأجر، إن رسول الله سنّ سنناً حسنة جميلة من الآداب والاخلاق والأعمال والعقودات والإيقاعات والمواعظ والنصائح وغيرها ينبغي للناس الأخذ بها بعد تلك الفرائض؛ ليزداد بذلك أجرهم ومنزلتهم، ولو لم يأخذوا بها وقع النقص في مرتبتهم ولم يقع الفساد في دينهم.

فكيف يسعنا التخلّي عن هذه الواجبات أو تغييرها لتحقيق (إسلام بلا مذاهب)؟!

7ـ صحيحة([38]) إسماعيل الجعفي قال: دخل رجلٌ على أبي جعفر(ع) ومعه صحيفةٌ فقال له أبو جعفر(ع): هذه صحيفة مخاصم يسأل عن الدين الذي يقبل فيه العمل، فقال: رحمك الله، هذا الذي أريد، فقال أبو جعفر(ع): شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً(ص) عبده ورسوله، وتقرّ بما جاء من عند الله والولاية لنا أهل البيت والبراءة من عدوّنا والتسليم لأمرنا والوَرَع والتواضع وانتظار قائمنا فإن لنا دولةً إذا شاء الله جاء بها.

التسليم لأمرهم(عم) أي الرضا قلباً بما يصدر عنهم قولاً وفعلاً، من اختيارهم المهادنة أو القتال أو الظهور أو الغيبة وسائر ما يصدر عنهم مما تعجز العقول عن إدراكه، والأفهام عن استنباط علّته، كما قال تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِي مَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)([39]).

وبتمسّكنا بنظرية (إسلام بلا مذاهب) سنكون غير مسلمين لأمرهم، وهو ما يخرجنا عن حدود الايمان.

8ـ صحيحة([40]) عمرو بن حريث قال: دخلتُ على أبي عبد الله(ع)، وهو في منزل أخيه عبد الله بن محمد، فقلتُ له: جعلت فداك ما حوَّلك إلى هذا المنزل؟ قال: طلب النزهة، فقلتُ: جُعلتُ فداك، ألا أقصّ عليك ديني؟ فقال: بلى، قلتُ: أدين الله بشهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث مَنْ في القبور وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم شهر رمضان وحجّ البيت والولاية لعليّ أمير المؤمنين بعد رسول الله(ص) والولاية للحسن والحسين والولاية لعليّ بن الحسين والولاية لمحمد بن عليّ ولك من بعده (صلوات الله عليهم أجمعين) وأنكم أئمتي عليه أحيا وعليه أموت وأدين الله به، فقال: يا عمرو، هذا والله دين الله ودين آبائي الذي أدين الله به في السرّ والعلانية، فاتَّقِ الله وكفّ لسانك إلاّ من خير ولا تقُلْ: إني هديت نفسي، بل الله هداك فأدِّ شكر ما أنعم الله (عزَّ وجلَّ) به عليك، ولا تكن ممَّنْ إذا أقبل طعن في عينه وإذا أدبر طعن في قفاه، ولا تحمل الناس على كاهلك، فإنك أوشك إنْ حملت الناس على كاهلك أن يصدعوا شعب كاهلك ([41]).

فإذا كان هذا هو دين الله فهل يجوز أن ننقص فيه أو نزيد من أجل تطبيق نظرية (إسلام بلا مذاهب)؟!

الثالث: إن هذه النظرية تختلف مع أصلٍ ثابتٍ في الدين وهو أصل البراءة، وهو ما أكَّدت عليه مجموعة كبيرة الروايات، نشير إلى بعضها:

1ـ صحيحة([42]) أبي حمزة قال: قال لي أبو جعفر(ع): إنما يعبد الله مَنْ يعرف الله، فأما مَنْ لا يعرف الله فإنما يعبده هكذا ضلالاً، قلت: جعلت فداك، فما معرفة الله؟ قال: تصديق الله (عزَّ وجلَّ) وتصديق رسوله(ص) وموالاة عليّ(ع) والائتمام به وبأئمة الهدى(عم) والبراءة إلى الله (عزَّ وجلَّ) من عدوهم، هكذا يعرف الله (عزَّ وجلَّ)([43]).

فمَنْ يعرف الله (عزَّ وجلَّ) مَنْ يعرفه على وجهٍ يليق به. ووجه الحصر ظاهرٌ لأنَّ مَنْ لم يعرفه أصلاً كالملاحدة لا يعبده ولا يتصوَّر عبادته، ومَنْ عرفه لا على وجهٍ يليق به كالمجسّمة والمشبّهة والمصوِّرة ومنكر الولاية فهو ضالٌّ يعبد إلهاً غير مستحقّ للعبادة ويضع اسم الله تعالى والعبادة في غير موضعهما كما أشار إليه بقوله: (فأمّا مَنْ لا يعرف الله فإنّما يعبده هكذا ضلالاً). والموالاة للأئمة(عم) عطف على التصديق أي تصديق بولايتهم والاقتداء به في عقائدهم وأعمالهم وأقوالهم. وفيه دلالة على أنَّ العمل معتبر في تحقّق المعرفة لأنَّ مَنْ لم يمتثل بأوامره ولم ينزجر عن نواهيه فهو ليس من أهل العلم والمعرفة، كما قال تعالى (إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)([44]).

2ـ عن أبي الجارود قال: قلتُ لأبي جعفر(ع): يا بن رسول الله، هل تعرف مودّتي لكم وانقطاعي إليكم وموالاتي إياكم؟ قال: فقال: نعم، قال: فقلت: فإني أسألك مسألةً تجيبني فيها فإني مكفوف البصر قليل المشي ولا أستطيع زيارتكم كلّ حينٍ، قال: هات حاجتك، قلتُ: أخبرني بدينك الذي تدين الله (عزَّ وجلَّ) به أنت وأهل بيتك؛ لأدين الله (عزَّ وجلَّ) به، قال: إن كنت أقصرت الخطبة فقد أعظمت المسألة، والله لأعطينك ديني ودين آبائي الذي ندين الله (عزَّ وجلَّ) به، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله(ص) والإقرار بما جاء به من عند الله والولاية لوليّنا والبراءة من عدوّنا والتسليم لأمرنا وانتظار قائمنا والاجتهاد والورع([45]).

وهذه البراءة لن تتحقّق إلاّ بالتالي:

أوّلاً: التمسّك بمنهج الكتاب والعترة، ووجوب الرجوع في القضاء والفتوى إلى رواة الحديث من الشيعة، فيما رووه عن الأئمة(عم) من أحكام الشريعة والذي جاء الأمر به متواتراً في كتب الفريقين. أما من طريق العامّة فعن زيد بن أرقم قال: قام رسول الله(ص) يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خمّاً بين مكّة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال: أما بعد، ألا أيها الناس فإنما أنا بشرٌ يوشك أن يأتي رسول ربّي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أوّلهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحثّ على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي…، الخبر([46]). فالبراءة لن تتحقَّق إلاّ بالكتاب والعترة.

وأما من طريق الخاصة فالروايات متواترةٌ، نشير إلى بعضها:

1ـ صحيحة([47]) عمر بن حنظلة قال: سألتُ أبا عبد الله(ع) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعةٌ في دَيْنٍ أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة، أيحلّ ذلك؟ قال: مَنْ تحاكم إليهم في حقٍّ أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنما يأخذ سحتاً، وإن كان حقّاً ثابتاً له؛ لأنه أخذه بحكم الطاغوت، وما أمر الله أن يكفر به، قال الله تعالى: (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ)([48]) قلتُ: فكيف يصنعان؟ قال: ينظران مَنْ كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حَكَماً؛ فإني قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما استخفّ بحكم الله، وعليه ردّ، والرادّ علينا الرادّ على الله، وهو على حدّ الشرك بالله…، الخبر)([49]).

2ـ صحيحة([50]) أحمد بن إسحاق، عن أبي الحسن(ع) قال: سألتُه وقلت: مَنْ أعامل؟ (وعمَّنْ) آخذ؟ وقول مَنْ أقبل؟ فقال: العمري ثقتي فما أدّى إليك عني فعنّي يؤدّي، وما قال لك عنّي فعنّي يقول، فاسمَعْ له وأطِعْ؛ فإنه الثقة المأمون، قال: وسألتُ أبا محمد(ع) عن مثل ذلك، فقال: العمري وابنه ثقتان فما أدّيا إليك عني فعنّي يؤديان، وما قالا لك فعنّي يقولان، فاسمَعْ لهما وأطعهما، فإنهما الثقتان المأمونان…، الخبر.

3ـ صحيحة([51]) أبي خديجة قال: بعثني أبو عبد الله(ع) إلى أصحابنا فقال: قل لهم: إيّاكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تدارى في شيء من الأخذ والعطاء، أن تحاكموا إلى أحدٍ من هؤلاء الفساق، اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا؛ فإني قد جعلته عليكم قاضياً، وإياكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر([52]).

فأي قضية، سواء كان دَيْناً أو ميراثاً أو عيناً أو نكاحاً أو قصاصاً أو حدّاً أو غيرها، يتحاكم فيها إلى غير الامام أو مَنْ يأمرنا بالرجوع إليه يكون تحاكماً إلى الطاغوت، أي إلى الشيطان، وما يأخذه من مال يكون سُحْتاً، وإذا كان كذلك فلا يجوز أخذ شيء بحكم هؤلاء الطغاة وإعانة هؤلاء العصاة ولا يجوز التصرُّف فيه؛ لأنّه أخذه بحكم الطاغوت وقد أمر الله أن يتبرّأ منه. بل يفترض به الرجوع إلى أهل ملّتنا ومذهبنا ممَّنْ عرف أحكامهم كلّها أو بعضها ممّا يحتاج إليه في الحكومة من مأخذها، وهو الكتاب والسنّة، معرفةً بالفعل أو بالقوّة القريبة منه، وهذا هو المعبَّر عنه بالفقيه الجامع لشرائط الفتوى والحكومة بين الناس، فإذا حكم بحكمهم ولم يقبله منه فإنّما استخفّ بحكم الله؛ لأنّ حكمهم حكم الله ومَنْ لم يقبل حكم الله لم يقبل حكم مَنْ نصبوه للحكومة، فعليهم ردَّ حيث لم يقبل حكم مَنْ نصبوه للحكومة. والرادّ عليهم كالرادّ على الله×؛ لأنّهم ألسنة الحقّ وسفراؤه بين عباده، والمستخفّ بحكم الله والرادّ عليه على أعلى مراتب الضلالة وأدنى مراتب الإسلام، بحيث لو وقع التجاوز عنه دخلا في مرتبة الشرك بالله.

ثانياً: استخراج المنهجية التي يريد أهل البيت(عم) أن نتّبعها في البحث العقائدي، والفقهي، والفكري، وفي سائر التفاصيل الأخرى، لا أن نذهب إلى المذاهب الاخرى فنأتي بمنهجيّتهم ونكون مذهبا جديداً.

ثالثاً: الإلمام بشكلٍ واسع بسيرة أهل البيت(عم) بأن نعرف تفاصيل سيرتهم، اذ من دون هذه المعرفة لن نستطيع أن نفهم حديثهم، حتّى لو استلَلْنا القواعد والأصول.

رابعاً: التطبيق العملي لفهم العقائد واستنباط الفتاوى والأحكام.

 ومن دون هذه الخطوات لن تتحقَّق البراءة التي أمرنا الله تعالى ورسوله والأئمة(عم) بها.

ومن جميع ما تقدَّم يتّضح أننا لا نملكُ مُصطلحاً في مدرسة أهل البيت(عم) يُقال له: “الوحدة العقائدية” مع المذاهب الإسلامية الأخرى.

الرابع: إن (إسلام بلا مذاهب) مشروعٌ نظري غير قابل للحياة، فليس له ضابطة تعيِّن المشتركات، ولا مَنْ سيختارون المذهب الملفَّق من المذاهب. ولو فرضنا أنه تحقَّق في صيغةٍ من الصيغ، وصار للمذهب (المنتخب) قوانين حكمية وحكومية، فسيكون سبباً لخلافات جديدة بين الناس.

قد يُقال: إن العلمانيين يستدلّون على ضرورة القوانين العلمانية بأن المسلمين مختلفون على المذهب الذي يجب تطبيقه، فالأفضل أن تكون القوانين مدنيةً حتّى لا نقع في مشكلة الصراع المذهبي.

والجواب من خلال أمور:

أوّلاً: إن الحلّ الإسلامي للقوانين لا ينحصر بفرض مذهب بالغلبة والقهر، أو مذهب تلفيقيّ، بل يكون بإعطاء الحرّية المذهبية للمسلمين.

ثانياً: إن النظام العلماني نفسه ليس إلاّ شكلاً غربياً لنظام القهر والغلبة، فهو لا يحلّ مشكلة الدستور والقوانين، بل يلجأ إلى الحكم العسكري لخوفه من الانتخابات الحرّة.

ثالثاً: إن النظام العلماني ليس حلاًّ لمشكلة المذهبية، بل هو إحداثُ قولٍ ثالث ومذهبٌ إضافي تعارضه أكثرية المسلمين من مختلف المذاهب.

المحور الرابع: الدعوة الى إخفاء المذهب من أجل الحفاظ على الوحدة

البعض يفكر بأنه كصاحب مشروعٍ نهضوي للأمّة لا بُدَّ أن يحرص على وحدتها من خلال غضّ النظر عن المذهب، ومن هنا يكون خطابه إسلامياً، لا مذهبياً، ومن هنا يكون العمل للإسلام. ولهذا السبب كانت نظرتهم إلى البحث العلمي المذهبي سلبيّة؛ لأنه في تصورهم إشغالٌ للأمة ببعضها، وناتج عن عدم الوعي، أو عن تحريك أعداء الإسلام، وأنَّ واجبنا الابتعاد عنها، ونُصْح أصحابها، وأحياناً مقاومتها والدعوة الى شطب الفعاليات والبحوث العلمية لبيان مدرسة أهل البيت(عم) والدفاع عنها، وكأنّ مقاومة أعداء الأمة والعمل لإقامة حياتها على أساس الاسلام يستلزم سكوتنا عن الطعن في مذهب أهل البيت(عم)، ويتنافى مع الدفاع عنه وبيان جواهره للأمّة الاسلامية والعالم.

ويستدلّون على ذلك بأن أئمتنا(عم) أئمة لكلّ الأمة، فعلينا أن نقدّمهم بصفتهم قادة عملوا لإغناء المسار الإسلامي وتصحيحه. لكنّه تصور خاطئ للأسباب التالية:

أـ إن مخاطبة الأمة بالإسلام بدون مذهب أو بإخفائه قد يصحّ من شخص يحتاج إلى إخفاء مذهبه كما كان يفعله أصحاب الأئمة(عم)، وهو ما يعرف بالتقية، لأن إظهار مذهبه يضرّ بهدفه. أما الحركة التي تنطلق في أوساط أتباع مدرسة أهل البيت(عم) فلا يمكنها أن تواصل مخاطبتها للأمّة بدون مذهب؛ لأن مذهبها معروف من سلوك أفرادها، وسوف ينظر أتباع المذاهب الأخرى بريبةٍ إلى أسلوبهم في إخفاء مذهبهم، ويطلبون منهم تحديد موقفهم من المذاهب.

ب ـ إن من أقوى عوامل نجاح الوحدة بين المسلمين، صدق الداعي إلى الوحدة في طرحه وممارسته، فالذي يدعو إلى الوحدة سيكون أقدر على تحقيق هدفه إذا أظهر مذهبه الذي يعتقد به، فيقول: أنا أتبع مدرسة أهل البيت(عم)، ومع ذلك أدعو وأعمل لوحدة المسلمين وتآخيهم، للنهوض بواقعهم إلى واقع أفضل. فهذا الصدق في الشخصية أدْعَى إلى ثقة الموافق والمخالف، بينما إخفاء المذهب أو تعويمه يعني وجود ظلال مبهمة تؤثِّر سلبياً على الثقة، وقد يخطر في بال الذين يدعوهم إلى الوحدة والتعاون أن هذا لو كان مخلصاً لمذهبه لأظهره، وحيث لم يظهره ولم يكن صادقاً مع مذهبه فكيف يكون صادقاً في دعوته لوحدة المسلمين؟!

ج ـ إن القول بأن أئمتنا(عم) أئمةٌ لكلّ المسلمين لا يجيز لنا بحالٍ أن ننسب إلى هؤلاء المعصومين الطاهرين المطهَّرين(عم) أنهم أقرّوا مسار الأمّة المنحرف، أو نحمِّلهم شيئاً من أوزار أنظمتها وجرائم طغاتها في صراعهم على السلطة وأنهار الدماء التي أجروها من ملايين المسلمين المخالفين لهم؛ إذ كيف يجوز لنا أن نحمِّل المعصومين الأطهار(عم)، الذين دفعوا حياتهم ثمناً لمعارضة حكام الجَوْر، شيئاً من أوزار الانحرافات الخطيرة عن الإسلام، التي سبّبت أسوأ الكوارث في الأمة، حتى أدّت إلى انهيار كيانها بالكامل وتسلّط أعدائها على شؤونها ومقدّراتها؟!

الهوامش

([1]) من مواليد محافظة القاهرة عام 1952م، عمل في مجال الصحافة والإعلام، وله الكثير من المؤلفات والإصدارات والمقالات المنشورة في مؤسسات مصرية وعربية. عاصر«الورداني» بداية الجماعات والحركات الإسلاموية في مصر، وعلى رأسها ما يسمى «تنظيم الجهاد الإسلامي المصري»، في أوائل السبعينيات، ومن خلاله تعرف على قادة الجماعات الإسلاموية، مثل عمر عبدالرحمن (الأب الروحي للجماعة الإسلامية)، والقيادي ومؤسس تنظيم الجهاد وزعيم تنظيم القاعدة الحالي أيمن الظواهري، والقيادي بالجماعة الإسلامية عبود الزمر، وغيرهم. أسس «الورداني» ما يسمى «الحركة الإسلامية»، مع القيادي بجماعة الإخوان عصام العريان، ورئيس حزب مصر القوية والقيادي الإخواني المنشق عبدالمنعم أبوالفتوح، وزعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، ومؤسس الدعوة السلفية محمد إسماعيل المقدم، قبل الخلاف معهم والاتجاه إلى التشيع. ومع اعتناق التشيع، اعتقل «الورداني» من قبل السلطات المصرية،عام 1988م، ضمن ما يسمى «التنظيم الشيعي الخميني»، وتم حفظ القضية فيما بعد، وبعد سنوات خرج إلى العاصمة السورية دمشق وعاش فيها حتى عودته بعد أحداث يناير 2011. تبنى فكرة “إسلام بلا مذاهب”، معتبرا أنه لا يعتبر نفسه الآن شيعيا ولا سنيا، ويدعو إلى ما أسماه “خطاب إسلامي جديد” . https://www.almarjie ـ paris.com/2036

([2]) https://www.alarabiya.net/articles/2006/10/31/28702.html

([3]) https://ar.wikipedia.org/wiki/

([4]) السيد جمال الدين الأسد آبادي (1254 ـ 1314هـ) كما اشتهر بجمال الدين الأفغاني في الوسط العربي، يعد داعية إسلامي، بعد أن حمل عقيدة التقريب والإصلاح بين الفرق الإسلامية. كما يعتبر من المثقفين الذين سعوا من أجل توحيد كلمة المسلمين بأجمعهم ـ من دون إعطائه طابعاً قومياً أو مذهبياً ـ فقام بالسفر إلى أرجاء المعمورة والبلاد الإسلامية. تركت أفكاره أثراً بالغاً في نفوس المثقفين وأصحاب الرأي خاصة في ايران ومصر. توفي جمال الدين في شهر شوال سنة 1314هـ عن عمر يناهز 60 في المبنى الملكية في إسطنبول. http://ar.wikishia.net/view/

([5]) محمد عبده (1266هـ ـ 1323هـ / 1849م ـ 1905م) مفكر وعالم دين وفقيه وقاضي وكاتب ومجدد إسلامي مصري، يعد أحد دعاة النهضة والإصلاح في العالم العربي والإسلامي ورموز التجديد في الفقه الإسلامي، ساهم بعد التقائه بأستاذه جمال الدين الأفغاني في إنشاء حركة فكرية تجديدية إسلامية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين تهدف إلى القضاء على الجمود الفكري والحضاري وإعادة إحياء الأمة الإسلامية لتواكب متطلبات العصر. https://ar.wikipedia.org/wiki/

([6]) محمد رشيد بن علي رضا ولد 27 جمادى الأولى 1282هـ/23 سبتمبر 1865 في قرية “القلمون (لبنان)”، وهي قرية تقع على شاطئ البحر المتوسط من جبل لبنان وتبعد عن طرابلس الشام بنحو ثلاثة أميال، وتوفي بمصر في 23 جمادى الأولى 1354هـ/22 أغسطس 1935م. ويعتبر محمد رشيد رضا مفكرًا إسلاميًا من رواد الإصلاح الإسلامي الذين ظهروا مطلع القرن الرابع عشر الهجري. وبالإضافة إلى ذلك، كان صحفيا وكاتبا وأديبا لغويا. هو أحد تلاميذ الشيخ محمد عبده. أسس مجلة المنار على نمط مجلة “العروة الوثقى” التي أسسها الإمام محمد عبده، ويعتبر حسن البنا أكثر من تأثر برشيد رضا. https://ar.wikipedia.org/wiki/

([7]) كتب فارس الأشقر يقول: ” إن الأفغاني فجر العديد من القضايا مثل قضية وحدة الأديان السماوية إذ تقوم هذه الوحدة برأيه على تمام الاتفاق في الأصول واعتبار أن الاختلاف الحاصل حول الأديان السماوية هو اختلاف سياسي بشري لا يستند إلى الحقيقة الدينية التي مصدرها الخالق العظيم، ومن ثم يدعو إلى توحيد أهل الأديان السماوية كما اتحدت في أصولها ومبادئها، فضلاً عن قضية الاجتهاد حيث أنه دعا إلى عدم سد باب الاجتهاد والانحياز إلى العقل والعلم في تأويل النصوص الدينية، إضافة إلى دعوته للجامعة الإسلامية من أجل وحدة المسلمين ضد المستعمر”.https://raseef22.com/article

([8]) السؤال: قرأت لكم في أكثر من كتاب، وسمعتكم في أكثر من محاضرة تدعون إلى القاعدة التي تقول: “نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه”. فمن الذي وضع هذه القاعدة في صيغتها هذه؟ وهل لها دليل من الشرع؟ وكيف نتعاون مع المبتدعين والمنحرفين؟ وكيف نعذر من يخالفنا إذا كان هو مخالفًا للنصوص من الكتاب والسنة؟ أليس مطلوبًا منا أن ننكر عليه ونهجره، بدل أن نسامحه ونعذره؟ أليس القرآن الكريم يقول: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)(النساء:59)؟ فلماذا لا نرد هذا المخالف إلى الكتاب والسنة، وهو المراد بالرد إلى الله والرسول، بدل أن نلتمس له العذر، وأي عذر له في مخالفة النص؟ أصارحكم أن الأمر قد التبس علينا، وغدونا في حاجة إلى توضيح معالمه وإقامة الأدلة عليه، وأنتم لذلك أهل بما أفاء الله عليكم، فلا تضنوا على إخوانكم وأبنائكم بذلك، ولكم منا الشكر، ومن الله الأجر.

جواب فضيلة الشيخ القرضاوي: الذي وضع القاعدة المذكورة: “نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه” في هذا الصيغة هو العلامة السيد رشيد رضا ـ رحمه الله ـ زعيم المدرسة السلفية الحديثة، وصاحب “مجلة المنار” الإسلامية الشهيرة، وصاحب “التفسير” و”الفتاوى” والرسائل والكتب التي كان لها تأثيرها في العالم الإسلامي كله، وقد أطلق عليها: “قاعدة المنار الذهبية”، والمقصود منها: “تعاون أهل القبلة” جميعًا ضد أعداء الإسلام. https://www.al ـ qaradawi.net/node/3794

([9]) علل الشرائع،الشيخ الصدوق، ج1 ص 85، الوفاة : 381هـ، تقديم : السيد محمد صادق بحر العلوم، سنة الطبع : 1385 ـ 1966 م، الناشر : منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها ـ النجف الأشرف. الجامع الصغير، جلال الدين السيوطي، ج1 ص48، الوفاة : 911هـ، الطبعة : الأولى، سنة الطبع : 1401 ـ 1981 م، الناشر : دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ـ بيروت.

([10]) مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى (إمامي ثقة) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ (إمامي ثقة) عَنْ صَفْوَانَ (إمامي ثقة) عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ شُعَيْبٍ (إمامي ثقة).

([11]) التوبة: 122.

([12]) الكافي، الشيخ الكليني، ج 1، ص 378، الوفاة : 329هـ، تصحيح وتعليق : علي أكبر الغفاري، الطبعة : الخامسة، سنة الطبع : 1363 ش، المطبعة : حيدري، الناشر : دار الكتب الإسلامية ـ طهران.

([13]) المصدر السابق، ح1 ص371.

([14]) علي بن أحمد (إمامي ثقة)، محمد بن أبي عبد الله الكوفي (إمامي ثقة)، أبي الخير صالح بن أبي حماد (إمامي ثقة)، أحمد بن هلال (فاسد المذهب ثقة)عن محمد بن أبي عمير (إمامي ثقة)، عبد المؤمن الأنصاري (إمامي ثقة).

([15]) التوبة: 122.

([16]) علل الشرائع،الشيخ الصدوق، ج 1 ص 85،الوفاة : 381، تقديم : السيد محمد صادق بحر العلوم، سنة الطبع : 1385 ـ 1966 م، الناشر : منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها ـ النجف الأشرف.

([17]) عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (إمامي ثقة) عَنْ أَبِيهِ (إمامي ثقة) عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى (إمامي ثقة) عَنْ حَرِيزٍ (إمامي ثقة) عَنْ زُرَارَةَ (إمامي ثقة).

([18]) عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (إمامي ثقة) عَنْ صَالِحِ بْنِ السِّنْدِيِّ (إمامي ثقة) عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بَشِيرٍ (إمامي ثقة) عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْخُزَاعِيِّ (إمامي ثقة).

([19]) عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ (إمامي ثقة) عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ (إمامي ثقة) عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ (إمامي ثقة) عَنْ فَضَالَةَ بْنِ أَيُّوبَ (إمامي ثقة) عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبَانٍ (إمامي ثقة).

([20]) الاسراء: 71.

([21]) الكافي، ج1 ص371 ـ 372.

([22]) التوبة: 122.

([23]) الإمامة والتبصرة، علي ابن بابويه القمي، ص : 89، الوفاة : 329هـ، تحقيق : مدرسة الإمام المهدي(ع) ـ قم المقدسة، الطبعة : الأولى، سنة الطبع : 1404 ـ 1363 ش، الناشر : مدرسة الإمام المهدي(ع) ـ قم المقدسة.

([24]) تفسير القمي،علي بن إبراهيم القمي، ج 1 ص 307، الوفاة : نحو 329هـ، تصحيح وتعليق وتقديم : السيد طيب الموسوي الجزائري، الطبعة : الثالثة، سنة الطبع : صفر 1404، الناشر : مؤسسة دار الكتاب للطباعة والنشر ـ قم ـ ايران.

([25]) البقرة: 187.

([26]) تفسير مجمع البيان، الشيخ الطبرسي، ج 2 ص 24، الوفاة : 548، تحقيق وتعليق : لجنة من العلماء والمحققين الأخصائيين، الطبعة : الأولى، سنة الطبع : 1415 ـ 1995 م، الناشر : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت ـ لبنان.

([27]) الحسين بن محمد الأشعري (إمامي ثقة)، عن معلى بن محمد الزيادي (إمامي ثقة)، عن الحسن بن علي الوشاء (إمامي ثقة) قال : حدثنا أبان بن عثمان (إمامي ثقة)، عن فضيل (إمامي ثقة)، عن أبي حمزة (إمامي ثقة).

([28]) ال عمران: 19.

([29]) المائدة: 3.

([30]) ال عمران:85.

([31]) علي بن إبراهيم (إمامي ثقة)، عن محمد بن عيسى (إمامي ثقة)، عن يونس بن عبد الرحمن (إمامي ثقة)، عن عجلان أبي صالح (إمامي ثقة).

([32]) أبو علي الأشعري (إمامي ثقة)، عن الحسن بن علي الكوفي (إمامي ثقة)، عن عباس بن عامر (إمامي ثقة)، عن أبان بن عثمان (إمامي ثقة)، عن فضيل بن يسار (إمامي ثقة).

([33]) علي بن إبراهيم (إمامي ثقة)، عن أبيه (إمامي ثقة)وعبد الله بن الصلت (إمامي ثقة)، عن حماد بن عيسى (إمامي ثقة)، عن حريز بن عبد الله (إمامي ثقة)، عن زرارة (إمامي ثقة).

([34]) النساء: 80.

([35]) محمد بن يحيى (إمامي ثقة)، عن أحمد بن محمد (إمامي ثقة)، عن صفوان بن يحيى (إمامي ثقة)، عن عيسى بن السري أبي اليسع (إمامي ثقة).

([36]) النساء: 59.

([37]) عليُّ بن إبراهيم (إمامي ثقة)، عن صالح بن السندي (إمامي ثقة)، عن جعفر بن بشير (إمامي ثقة)، عن عليِّ بن أبي حمزة (إمامي ثقة)، عن أبي بصير (إمامي ثقة).

([38]) الحسينُ بن محمّد (إمامي ثقة)، عن معلّى بن محمد (إمامي ثقة)، عن الوشاء عن أبان (إمامي ثقة)، عن إسماعيل الجعفي (إمامي ثقة).

([39]) النساء : 65 .

([40]) علي بن إبراهيم، عن أبيه، وأبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار جميعاً عن صفوان، عن عمرو بن حريث.

([41]) الكافي، ج2 ص18 ـ 24.

([42]) الحسين بن محمد (إمامي ثقة)، عن معلى بن محمد (إمامي ثقة)، عن الحسن بن علي الوشاء (إمامي ثقة)، عن محمد ابن الفضيل (إمامي ثقة)، عن أبي حمزة (إمامي ثقة).

([43]) الكافي، ج1 ص180.

([44]) فاطر: 28.

([45]) الکافی، ج2 ص22.

([46]) مسند أحمد، أحمد بن حنبل، ج 4 ص 367، الوفاة : 241هـ، الناشر : دار صادر ـ بيروت ـ لبنان، صحيح مسلم، مسلم النيسابوري، ج 7 ص 123، الوفاة : 261هـ، الناشر : دار الفكر ـ بيروت ـ لبنان.

([47]) محمد بن يحيى (إمامي ثقة)، عن محمد بن الحسين (إمامي ثقة)، عن محمد بن عيسى (إمامي ثقة)، عن صفوان بن يحيى (إمامي ثقة)، عن داود بن الحصين (إمامي ثقة)، عن عمر بن حنظلة (إمامي ثقة).

([48]) النساء: 60.

([49]) الكافي، ج1 ص67.

([50]) محمد بن عبد الله الحميري (إمامي ثقة)، ومحمد بن يحيى (إمامي ثقة)، عن عبد الله بن جعفر الحميري (إمامي ثقة)، عن أحمد بن إسحاق (إمامي ثقة).

([51]) محمد بن علي بن محبوب (إمامي ثقة)، عن أحمد بن محمد (إمامي ثقة)، عن الحسين بن سعيد (إمامي ثقة)، عن أبي الجهم (إمامي ثقة)، عن أبي خديجة (إمامي ثقة).

([52]) وسائل الشيعة ( آل البيت )، الحر العاملي، ج 27 ص 141 ـ 142، تحقيق : مؤسسة آل البيت(ع) لإحياء التراث، الطبعة : الثانية، سنة الطبع : 1414، الناشر : مؤسسة آل البيت(ع) لإحياء التراث بقم المشرفة.

Facebook
Twitter
Telegram
Print
Email

اترك تعليقاً