أحدث المقالات

قسّم العلماء المسلمون الدلالات اللغوية إلى: نص يتسم بالصراحة والتعبير الكاشف كشفاً مؤكّداً عن غرض المتكلّم، وظاهر يغلب فيه الظنّ ــ على تفصيل عندهم ــ بأنّه مراد المتكلّم، ومجمل تتردّد معانيه وتحتمل وجوهاً متساوية لا يمكن البتّ لصالح واحد منها، وهو المتشابه في الاصطلاح القرآني عند بعضهم؛ وبهذا أخضعت اللغة في التعامل معها للتقسيم القائم على قوّة الاحتمال الذي تعطيه أو يؤخذ منها، فصار الاحتمال الموجود في الذهن هو المعيار لتقسيم دلالات اللغة.

وعندما أتى العلماء إلى النصّ القرآني، أعملوا فيه هذا التقسيم الثلاثي، وذهبوا إلى أنّ مجملات القرآن ما لم يأت ما يرفعها عن حدّ الإجمال فلا مجال للعمل بها أو البت في شأنها، فيما اتفقوا على أنّ صريح القرآن يمكن العمل به ما دام يعطي يقيناً بالمراد، والمعركة الفكرية التي وقعت بينهم ـ سيما بين الأصوليين والإخباريين ـ تموضعت في أنّ الظهور القرآني هل يمكن الاعتماد عليه أم لا؟ في الوقت الذي اتفق الجميع فيه ـ تقريباً ـ على أنّ ظهور السنّة الشريفة لا مانع من الاعتماد عليه.

هذه هي الصورة النظرية العامة، لكنّ السؤال: هل هناك نسبة مفترضة لحجم المجمل والظاهر والصريح في الكتاب الكريم؟ هل ربعه ظاهر وربعه مجمل ونصفه صريح؟ أم هناك تقسيم مئوي آخر؟ والذي يجده الإنسان بتتبع مسار تطوّر القراءة العلمية للنص القرآني أنّهم أخذوا ـ سيما في الفكر الشيعي ـ ينحون ناحية تغليب حضور الظاهر على رفيقيه، فظهورات القرآن هي الأغلب، وهذا يعني أنّ أغلب ما نأخذه من القرآن هو دلالات ظنية غير مؤكّدة، لكنّ الشريعة سمحت لنا بالاعتماد على هذه الدلالات. وعندما نضيف هذه النسبة المئوية إلى شبيهتها في السنّة الشريفة فسوف يصبح أغلب الدين ـ المستنتج من النصوص المقدّسة ـ ظنيّاً أيضاً.

ظلّ العلماء يسيرون على هذا المنوال إلى أن جاء الخصوم الجدد في الساحة الفكرية إلى الميدان، وهنا من الطبيعي أن يطرح سؤال: كيف يمكن أن نواجه المشاريع الأخرى بنظريات كلّها ظنون؟ صحيح هي مبرءة للذمّة لكنّها في نهاية المطاف لا تعبر عن الإسلام الواقعي المؤكّد.

ولربما في خضم هذا المناخ الفكري المتحدّي، جاءت مدرسة العلامة الطباطبائي لتطرح القرآن كتاباً مبيناً واضحاً، لم تتخلّ هذه المدرسة عن التقسيم الثلاثي، لكنّها غيّرت ـ بعض الشيء ـ من النسبة المئوية المذكورة لصالح النصوص ذات الدلالات المؤكّدة، من هنا وجدنا قاطعية أكبر في تفسير النص القرآني عند العلامة الطباطبائي، وسعياً لتحقيق التفسير القرآني اكتفاءه الذاتي مقابل الافتقار إلى نصّ السنّة.

وفي خطوة تصاعدية لمدرسة الطباطبائي، جاء سماحة العلامة المعاصر الشيخ جعفر السبحاني ليطرح مؤخراً ـ في كتابه: المناهج التفسيرية ـ نظريةً تقول: إن الظهورات القرآنية وإن بدت للوهلة الأولى ظنّية، إلا أن الظهور الاستقراري الحاصل بعد التأمل في النصوص القرآنية ومقارنة بعضها مع بعض، ومقاربة النصوص، يفضي إلى تحصيل العلم بدلالات الكتاب. ومعنى ذلك إمكان الحصول على دلالات يقينية كثيرة جداً من القرآن الكريم وليس فقط ظهورات دلالية ظنّية.

إذن، فنحن مع هذه النظرية سنضم الكثير الكثير من ظهورات القرآن إلى صفّ النصوص الصريحة المؤكّدة الدلالة، لكنّ أوّل إشكال تواجهه هذه النظرية هو إشكال لفظي؛ فمصطلح الظهور في علم أصول الفقه يستبطن الظنّ كما قلنا، فكيف صار عندنا ظهور يعطي يقيناً؟! إلا أنه لا ينبغي الوقوف عند مثل هذه المشكلات التعبيرية، حيث يمكننا استبدال كلمة «ظهور»، بكلمة «دلالة».

إنّما المهم أن ننظر في عناصر هذه النظرية نفسها، ويفترض بها أن تقوم على:

1 ـ اعتبار النص القرآني مرجعاً مستقلاً في دلالاته في الجملة، بمعنى أن لا يحتاج دوماً إلى مرجع آخر كالسنّة الشريفة، وإلا كان خُلْف الاتجاه اليقيني في الدلالة، والمنطلق من مقاربة النصوص القرآنية مع بعضها.

2 ـ اعتبار النص القرآني إما يقينيّاً بتمام طبقاته أو لا أقل على مستوى الطبقة الأولى، بمعنى أن يصار إلى افتراض أن السطح الدلالي الأول للنص القرآني يمكن تحصيله بالعلم، وهذا لا يمنع عن وجود سطوح دلالية وطبقات أُخرى أعمق يصعب العلم بها إلا بمعونة نصّ من النبي أو ما شابه.

3 ـ لا تتعرّض هذه النظرية للخلل إذا قَبِلَت ـ على نحو الموجبة الجزئية الأقلية ـ بوجود إجمال في بعض الآيات بالنسبة إلينا، أو بالحاجة فيها إلى مرجع آخر كالسنّة، مثل فواتح السور وأمثالها.

4 ـ إن القول بيقينية الدلالة القرآنية لا يعني أنه يجب أن تنكشف هذه الدلالة لجميع الناس دائماً، بل الوصول إلى اليقين يمكن أن يتفرّع على جمع الشواهد والقرائن وإجراء المقارنات والمقاربات، فلا ينتقض القول باليقينية بعدم انكشاف الدلالة انكشافاً واضحاً لكل العارفين باللغة وحصول خلاف بينهم فيها، فقد وقع خلاف بين البشر في النبوات ومع ذلك هي يقينية.

وسبب هذا الأمر أنّه لا يوجد أيّ ترابط منطقي بين يقينيّة شيء وسهولة الوصول إليه للجميع، كما لا يوجد أيّ ترابط منطقي بين يقينية شيء وعدم وجود خلاف فيه، إنّما المهم أنّ هذا الشيء توجد معطيات تمهيدية تسمح بولادة اليقين فيه أم لا؟ هذا هو المهم، فعندما أقول ـ هرمنوطيقيّاً ـ: إنّ النص القرآني موجود في التاريخ والمكان الخاصّين وهو متداخل معهما، وحيث لا علم لي بكل معطيات الزمكانية هذه؛ لأنني لا أعرف كل شيء عن ذاك التاريخ، فهذا يعني أنّني أقوم بإنتاج مناخ يعقّد عملية الوصول إلى يقين في الدلالة، أمّا عندما أقول ـ أيديولوجياً ـ: إنّ النصّ القرآني نصّ إلهي يخاطب البشر إلى يوم الدين فلابد أن يختزن عناصر الدلالة الطويلة المدى هذه كي يصدق عليه أنّه رشاد وهداية للإنسان إلى يوم القيامة.. فإنني أكون بذلك قد وفرت المناخ المعرفي الذي يفتح فرصةً أكبر للوصول إلى معطيات دلالية أكثر يقيناً في هذا الكتاب.

5 ـ ليس من الضرورة أن يعني اليقين هنا الجزم الذي يستحيل معه الخلاف، بل يمكن أن يراد به استقرار النفس الذي يشمل ما يسمّى في أصول الفقه بالاطمئنان، وقد ذهب بعض علماء الإخباريين إلى تفسير العلم بأنه العلم العادي الموجب لاستقرار النفس حتى من دون الجزم القاطع، وادّعوا أن هذا هو العلم المراد في الكتاب والسنّة، كمحمد أمين الاسترآبادي والحرّ العاملي والحسين بن شهاب الدين الكركي وغيرهم، وهم بهذا يلتقون مع أحدث الدراسات المعرفية في تنازلها عن شرط استحالة بطلان الخلاف في تحصيل اليقين بالشيء.

من هنا، لا نجد تنافياً بين نظرية العلامة السبحاني هنا ونظرية الإمام الخميني في تحليل حقيقة مفهوم التفسير بالرأي الذي جاء النهي عنه في الأحاديث الواردة في مصادر المسلمين، فقد ذهب الخميني في رأي مميّز إلى أنّ المقصود بالتفسير بالرأي هو التفسير الذي يجزم الإنسان بمفاده بحيث لا يحتمل الخلاف، فإذا توصل الإنسان إلى نتيجة معينة في فهم آية قرآنية فإنّه مهما كانت المعطيات التي تدفعه للأخذ بهذه النتيجة، عليه أن لا يجزم بها جزماً قاطعاً بحيث ينفي الاحتمالات الأخرى، بل المفترض فيه أن يبقي للاحتمال الآخر باباً مفتوحاً، ولا يقطع الطريق على فرضية أخرى في تفسير الآية الكريمة.

وعندما نعرف أنّ النهي عن تفسير القرآن بالرأي نهيٌ عام وشامل وأساسي لا يختصّ لا بظهورات القرآن ولا بمجملاته، بل يشمل أيضاً الدلالات الصريحة والنصيّة التي تعطي يقيناً.. فإنّ هذا يعني أنّ السيد الخميني يرفض ـ على المستوى القرآني ـ الجزم بالنتائج حتى في مورد الحالات الصريحة التي فيها يقين، ممّا ينتج تلقائيّاً أن النص الصريح يفترض أن لا يدفعنا إلى الجزم الحاسم بالدلالة رغم أنّ بنيته قائمة على اليقين، (والخميني كما يظهر من سائر كتبه يقرّ بوجود الدلالة النصية في القرآن) وهذا نحو من توسعة مفهوم اليقين هنا يلتقي مع نظرية السبحاني أو بناءاتها التحتية، ولا يعارضها أو ينافيها.

6 ـ ليست واضحةً بشكل كامل المنطلقات التي دفعت الشيخ السبحاني إلى طرح هذه المقولة، فهل يرجع موقفه هنا إلى موقف هرمنوطيقي عام في تحليل بنية اللغة وأنّها بنية تدفع إلى الوصول إلى اليقين بمفاداتها، أم أنّ هناك خصوصية عنده للنصّ القرآني بحيث لا تدفعنا هذه الخصوصية لتسرية هذا القانون إلى نصّ آخر حتى لو كان نصّ السنّة النبوية نفسه؛ وكلا الاحتمالين ممكن، وثمة في كلامه شواهد ما.

أ ـ أمّا فرضية أنّ اللغة بطبيعتها ميّالة إلى إعطاء اليقين، فهذا كلام ذو وجهين؛ لأنّنا تارة نتحدث في اللغة المباشرة، أي في النص الذي أسمعه مباشرةً من شخص مع اطلاعي على خلفيات المشهد، فهنا من الممكن أن يأتي الحديث عن اليقينية، والعقلاء ـ في بناءاتهم العقلانية التي يسيرون عليها ـ يحصل لهم اليقين بالدلالة في هذه الحالات غالباً، ولهذا نتحفظ شديداً على استناد مشهور الأصوليين المتأخرين إلى السيرة العقلائية لإثبات حجية الظهور، فإنّ الذي نجده أنّ العقلاء لا يعملون بالظهورات الظنيّة إلا في حالات الاضطرار، وإنّما يحصل لهم يقين في معاملاتهم ومحاوراتهم بمراد كلّ شخص من كلامه، نعم القضية أنّ علماء أصول الفقه لمّا أخضعوا يقينهم للمنطق الأرسطي ووجدوا أنّ عامّة الناس ليس لديهم مثل هذا اليقين، فسّروا ما عند الناس ظنّاً، والحال أنّه يقين عادي يمثل اطمئناناً لا ظنّاً، فلو قال لك شخص: أعطني شربة ماء، فهل تفهم مراده على نحو الظن أم يحصل لك اطمئنان بمراده؟ فالتشكيك في أنّني يحصل لي علم بمراده تشكيك في حالة وجدانية؛ فهل يلتفت أحد من الناس لاحتمال الخلاف؟ ولذلك نرى أنّ الحالة الغالبة في هذا النوع من المعاملات هو تحصيل الاطمئنان والعلم العادي بحيث لا يصار إلى احتمال الخلاف.

أمّا في حالات قراءة النصوص المكتوبة أو النقل الذي يغيّب المشهد الشفاهي الحضوري، أو التعدّد المناخي بين المتكلّم والقارئ، فهنا ينفتح بقوّة مجال التردّد لغياب الشواهد والقرائن، سيما عندما تزداد المسافة الزمنية أو المناخية بين النصّ الصادر من المرسل وبين المتلقي، فالبنية اللغوية فيها حالات وتنوّعات، ولا مجال لبحثها كلّها هنا، ويجب أن نحدّد موقفنا من تنوّعاتها قبل إسقاط أحد الأنواع أو أكثر على النص القرآني.

ب ـ وأمّا فرضية أنّ نظرية السبحاني انطلقت من خصوصية في النص القرآني، فالذي يمكن أن يكون مبرّراً لذلك ربما يكون نظرية البيانية والنورية في هذا النص والتي طرحها العلامة الطباطبائي، بمعنى أنّ هذا القرآن ما دام نوراً للخلق يهديهم إلى الرشاد إلى يوم الدين، فهذا يعني أنّه لابد له أن يختزن المعطيات التي تعطي فيه قوّة البيان والكشف عن مراد المولى عز وجل، يضاف إلى ذلك الطابع الكلياني والتقعيدي الموجود في النص القرآني والذي يمنحه مكانة (الدستور) بحيث تكون السنّة الشريفة في نصوصها التفصيلية التي تنبع غالباً من أسئلة صغيرة مارسها الرواة ووجهوها إلى النبي.. تكون هذه السنّة بمثابة نصوص (القانون المدني والجزائي والجنائي و..) والتي تخضع لنصّ الدستور، كما هي الحال في القوانين المعاصرة، ومن الطبيعي أن يملك نصّ الدستور قوّةً في دلالاته تسمح له أن يتحوّل إلى نصّ مهيمن يتخطى الحالات الجزئية البسيطة ليلامس القواعد العامّة.

ولسنا نريد تبنّين موقف من هذه المواقف، بل قد نخالف بعضها،بقدر ما نريد إعمال بعض التحليل في هذه النظرية ومنطلقاتها اللغوية والدينية، وهي نظرية نجدها تتجه نحو زيادة حالة المعطيات الاطمئنانية في الدين، ومن شأنها أن تقدّم الإسلام نظريةً قابلة للفهم والتأكّد من مصادرها الموثوقة، للفهم وبدمجها مع نظرية الإمام الخميني في مسألة التفسير بالرأي، نستطيع الخروج بتصوّرات يقينيّة عن الدين وفي الوقت عينه بعيدة عن الجزمية والدوغمة وأستبعاد ارأي الآخر، مع إعادة القرآن إلى موقع متقدّم في بناء النظرية الإسلامية.

وأخيراً، أعتقد ـ ولا أتبنّى فعلاً ـ أن نظرية الشيخ السبحاني تستحقّ الدرس، ولكنّها بحاجة إلى بحث مركّز على صعيد علوم القرآنيات والتفسير والهرمنوطيقا وأصول الفقه، عساها تفتح ورقةً للبحث والتداول الجادّين إن شاء الله تعالى، وهي وإن بدت غريبة عن الذوق العام في بعض مدارس أصول الفقه الإسلامي، إلا أن غربة نظريةٍ ما ليست مؤشراً على ضعفها، كما لا تكون مؤشراً على مصداقيتها فيها هنا وهناك ــ أن نصل إلى نظرية تقرّبنا من مقولة التدبّر في الكتاب الكريم.

{أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} (محمد: 24).

Facebook
Twitter
Telegram
Print
Email

اترك تعليقاً