لا شك في أنّ أصل التعامل العفيف وظيفة مشتركة بين الرجل والمرأة، كما جاء في القرآن الكريم: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ (النور: 30، 31)، فعلى كلٍّ منهما أن يراعي السلوك العفيف أمام الآخر ـ الذي لا يرتبط معه بعلاقة زوجية ـ.
والضابط في التعامل العفيف أن يكون التعامل بين الطرفين مبنياً في روحه ومضمونه وأدواته على الجانب الإنساني العام، ولا يتضمن إبرازاً ودلالة على جانب غريزي خاص.
ويشمل التعامل العفيف على ما يلي:
1ـ المظهر العفيف: ويتحقق المظهر العفيف من الستر العفيف، وترك الزينة المغرية، ويتقوّم الستر العفيف بأصل الستر؛ بمعنى إخفاء ما لزم من البدن، وبسعة الساتر في مقابل ضيقه على وجه يجسِّد تفاصيل مثيرة للجسم.
٢ـ القول العفيف: ويتألف القول من مضامين صريحة، وأخرى مدلول عليها بالإشارة والكناية والتعريض، ومن نبرة الصوت، حيث إنّ من الممكن أن تكون نبرة الصوت خاصة من المرأة نبرة مُغرية.
٣ـ السلوك العفيف: ويتمثل السلوك في الملامح من قبيل النظر والتركيز، وفي الحركات التي هي ذات طابع مثير للغريزة.
إنّ العفاف حقاً قيمة إنسانية كبرى، وعدم مراعاته في المجتمعات يؤدي إلى التساهل الكبير في وقوع حالات الارتباطات غير المشروعة وتفرق الأسر وسقط الجنين وولادة الأطفال مجهولي الآباء، بل الأمهات أحياناً، ومن غير أسرة تلتزمهم، وتلك محاذير خطيرة من المنظور الفطري الإنساني. ولا ينبغي أن يغتر الإنسان بأحوال مجتمعات ليست ترى في هذه الأمور محذوراً! وتعتبر الحرية الشخصية لممارسة المتعة أولوية ينبغي تقديمها، فهذه الصفة في تلك المجتمعات ليست حالة يُحتذى بها.
إذن، العفاف ضرورة فطرية إنسانية لكلٍّ من الرجل والمرأة كما هو ضرورة دينية.
ولكن مع ذلك تختلف مقتضيات العفاف وما ينطبق عليه بعض الشيء في حق الجنسين؛ وذلك لأن العفاف مفهوم نسبي يتأثر بالجوانب النفسية التي فطر عليها الطرفان، ومن ثم كان عفاف الستر للرجل هو التستر بمقدار لا يمثل معه إغراءً نوعياً للمرأة؛ وذلك بطبعه ذو مقتضيات أقل بالنظر إلى التكوين النفسي للمرأة وفق ما تقدم. كما أنّ عفاف الستر للمرأة يقتضي تسترها بمقدار لا تمثل معه إغراءً نوعياً للرجل، وهو يقتضي نوعاً تجنب إبداء بدنها ومفاتنها وزينتها للرجل كنوع من التحديد لما جُبلت عليه من الرغبة في الظهور بمظهر الجمال والإغراء.
هذا، وقد زودت المرأة في فطرتها بمزيد من الحياء المشهود، حتى في حال إثارتها بعض الشيء برؤية الرجل إعانة لها على أداء هذا الدور الجميل. بينما يجد الرجل صعوبة أكبر في ضبط نفسه عند طروّ الإغراء! بالمقارنة مع المرأة من جهة أنّه لم يزود غريزياً بما يوجب امتناعه من ذلك.
والواجب من ذلك رعاية نصاب نوعي يحافظ على الجو السليم في المجتمع العام، أو الخاص كالأسرة، ولا تثير الجنس الآخر بطبعه، ولا يجب ما يزيد عليه لمزيد من التحرز، إلا أنّ التحوط في ذلك بما يلائم يمثل مزيداً من العفاف والوقار وضبط النفس، وهو أمر ممدوح بحسب الفطرة الإنسانية والدين.
نصيحةٌ للفتيات
إنّ من الضروري أن لا تقتصر المرأة ـ على سبيل المثال ـ نظرها في تقييم كون تزينها وتجملها في المشهد الاجتماعي إلى قصدها الشخصي، بل تنظر إليه كجزء من ظاهرة عامة، وتلاحظ الآثار الاجتماعية التي يترتب على هذه الظاهرة وفق سنن الحياة وقواعدها والتجارب المشهودة منها، وتقدر مدى الحكمة والمقبولية لخطوتها تلك في ضوء ذلك.
ولكلِّ واحد منّا وقد تجاوزنا سن المراهقة وبلغنا سن الرشد أو تجاوزناه لبعض الشيء أيضاً تجارب مشهودة وأخرى مسموعة في مجتمعنا من أقاربنا وجيراننا وأهل محلتنا ومدينتنا وبلدنا بل بلدان أخرى ـ يسّرت أدوات الاطلاع والتواصل المعاصرة من العلم بها والوقوف عليها ـ فيما يترتب على زينة الفتيات في الاجتماعات المختلطة من آثار سلبية على حياتهن وعلى حياة العوائل الأخرى التي تُغرى رجالها وشبابها بهذه الفتيات.
وينبغي أن تستحضر المرأة ـفي تمحيصها لسلوكياتها وأفكارهاـ من المنطلق العقلاني والحكيم عدة أمور:
١ـ أنّها ستكون غداً أمٌّ معنية بتربية بناتها وأبنائها على وجهٍ سليم، فلتتأمل هواجسها التربوية عليهم في حينها، والسلوك الذي تقدّره ملائماً لهم عند ذاك.
٢ـ ولتستمع إلى هواجس الآباء والأمهات الذين بلغ أولادهم سن المراهقين تجاه حضورهم في مشاهد الإغراء، وما يخشونه من الانزلاق إلى تصرفات خاطئة في أثرها.
٣ـ ولتتأمل المرأة أيضاً مشاعر والديها من هذه الزاوية والذين هم وإن كانوا من جيل سابق إلّا أنّ لهم تجاربهم في هذه الحياة.
٤ـ كما ينبغي أن تستحضر المرأة المتزوجة شعورها تجاه فتيات أخريات معنيات بإبرازهن للجمال الفاتن في محضر زوجها ولو بشكل عفوي، وما تحذره من آثار ذلك على زوجها وعلاقته بها.
فلتتأمل المرأة التصرف الحكيم واللائق منها في هذا السياق.