الملخّص
يتناول هذا البحث ظاهرة الإضمار في الخطاب القرآنيّ، من خلال دراسة ضمير الغائب في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، وما يمكن أن يؤديه هذا الضمير من وظيفة دلاليّة وبلاغيّة تتجاوز مجرد الاختصار إلى استحضار المرجع وتعظيمه ورفع منزلته في ذهن المتلقي. وتنطلق الدراسة من ملاحظة أن اسم القرآن لم يسبق ذكره في سورة القدر، ومع ذلك جاء التعبير عنه بضمير الغائب في “أنزلناه”، فكان الضمير كافيًا للدّلالة على المرجع، وهو القرآن الكريم، لما له من حضور قوي في السياق القرآنيّ وفي الذهن العربيّ والإسلاميّ.
وتسعى الدراسة إلى الإجابة عن سؤال رئيس، هو: هل يمكن أن يؤدّي الإضمار في بعض السّياقات القرآنيّة وظيفة تعظيم المرجع وتفخيمه، أم أن هذه الدلالة لا تتجاوز كونها أثرًا تابعًا لوضوح المرجع وشهرته؟ وللإجابة عن ذلك، تتناول الدراسة مفهوم الضّمير والإضمار، والعلاقة بين الذكر والحذف، ومرجعيّة الضّمير في الخطاب القرآنيّ، ثم تقف عند الآية الأولى من سورة القدر، مستفيدة من أقوال المفسّرين والبلاغيّين، ولا سيّما ما قرّره الفخر الرازي وابن عاشور وغيرهما في سرّ الإتيان بضمير القرآن دون التصريح باسمه.
وتخلص الدراسة إلى أنّ الإضمار لا يحمل دلالة واحدة مطّردة في جميع المواضع، إلا أنّه قد يتحوّل في سياقات مخصوصة إلى أداة دلالية ذات أثر في التعظيم والتفخيم، حين يكون المرجع حاضرًا في ذهن المخاطب حضورًا قويًا يغني عن التصريح باسمه. وتظهر سورة القدر نموذجًا بارزًا لذلك؛ إذ يجتمع فيها الإضمار، ونون العظمة، والتأكيد، وإسناد الإنزال إلى الله تعالى، ثم تعظيم ظرف الإنزال، في بنية أسلوبية متكاملة تسهم في إبراز عظمة القرآن وعظمة اللّيلة التي أُنزل فيها.
الكلمات المفتاحية: الضمير، الإضمار، الحذف، المرجع، التعظيم، التفخيم، القرآن الكريم، سورة القدر، البلاغة القرآنية.
المقدّمة
تقوم اللّغة العربيّة في جانب كبير من جمالها وفاعلّيتها الدّلاليّة على مبدأ الاختيار؛ فالمتكّلم لا يختار اللّفظ لمجرد الدّلالة الأصليّة التي يؤديها، وإنمّا يختار من الألفاظ والتراكيب ما يلائم المقام، ويحقّق الغرض الذي يريد الوصول إليه.
ومن هنا كان الانتقال من الاسم الظاهر إلى الضمير، أو من الذكر إلى الإضمار، أمرًا لا يخلو في كثير من السياقات من دلالة. فالضمير في ظاهره أداة للاختصار والاقتصاد في التعبير، لكنّه قد يؤدي، بحسب السياق، وظائف أخرى تتّصل بالتّرابط النّصيّ، واستحضار المرجع، والتخصيص، والتفخيم، والتعظيم، وغير ذلك من الدلالات التي لا يمكن إدراكها من البنية النحوية وحدها.
وقد أولى علماء العربية والبلاغة عناية كبيرة بظاهرة الذّكر والحذف، والإظهار والإضمار، وما يطرأ على التّعبير من عدول عن مقتضى الظاهر. فليس المقصود من دراسة هذه الظواهر الوقوف عند السؤال النحوي: لماذا استعمل الضمير؟ وإنّما يتجاوز الأمر ذلك إلى السّؤال عن أثر هذا الاختيار في المعنى، وعن القيمة التي يضيفها إلى السياق.
ويبرز القرآن الكريم في هذا المجال بوصفه نصًا تتضافر فيه الدّقة اللّفظيّة مع العمق الدّلاليّ، بحيث لا يكون الانتقال من التّعبير بالاسم الظاهر إلى الضّمير أمرًا عارضًا يمكن تجاوزه دون نظر.
ومن النماذج اللاّفتة لذلك قوله تعالى في افتتاح سورة القدر:
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾.
فالمتأّمل في الآية يلاحظ أن اسم “القرآن” لم يرد قبل الضمير في السورة، ومع ذلك جاء الضمير “الهاء” في “أنزلناه” واضح المرجع عند جمهور المفسّرين، وهو القرآن الكريم.
وهنا تبرز المسألة البحثية:
لماذا عُبِّر عن القرآن بالضمير دون الاسم الظاهر؟
وهل كان يمكن أن يقال: “إنا أنزلنا القرآن في ليلة القدر”؟
من الناحية النحوية والتركيبية، لا يمنع شيء من ذلك. غير أن اختيار النّص القرآني لصيغة “أنزلناه” بدل “أنزلنا القرآن” يفتح بابًا للتأمل في الوظيفة البلاغيّة لهذا العدول.
وقد تنبّه الفخر الرازي إلى هذه المسألة، فذكر أنّ ترك التصّريح باسم القرآن والإتيان بضميره من وجوه الدلالة على عظمته ؛ لأنّ ذلك يُشعر بشهرته ونباهته واستغنائه عن التصريح باسمه.
كما قرّر ابن عاشور أنّ الآية اشتملت على تنويه عظيم بالقرآن، وأنّ التّعبير عنه بالضّمير مع عدم تقدّم مرجع ظاهر له في السورة يومئ إلى حضوره في أذهان المسلمين وشدة إقبالهم عليه.
وهذه الملاحظة تمثّل نقطة الانطلاق في البحث، لا نقطة النهاية ؛ إذ لا يريد البحث أن يقرّر ابتداءً أنّ “كل ضمير غائب يرفع قيمة مرجعه”، فهذا تعميم لا يثبت بمجرد المثال، وإنّما يسعى إلى بحث الظّروف السّياقيّة التي يمكن أن ينتج فيها الإضمار دلالة التعظيم والتفخيم.
ومن هنا جاء اختيار عنوان البحث:
“الإضمار وأثره في تعظيم المرجع في الخطاب القرآني: قوله تعالى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ أنموذجًا”.
أولًا: مشكلة البحث
تتمثّل مشكلة البحث في ظاهرة لغويّة وبلاغيّة تتمثّل في ورود ضمير الغائب في بعض السّياقات القرآنيّة
دون أن يسبق له مرجع اسميّ ظاهر قريب، مع قدرة المتلقّي على تحديد المرجع وتعيينه.
وتظهر هذه المشكلة بصورة واضحة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾.
فالهاء في «أنزلناه» تعود إلى القرآن الكريم عند جمهور المفسّرين، مع أنّ لفظ «القرآن» لم يرد
قبلها في السّورة. ومن هنا يمكن صياغة الإشكاليّة الرّئيسة على النّحو الآتي:
ما الوظيفة الدّلاليّة والبلاغيّة للإضمار في قوله تعالى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، وهل يسهم استعمال ضمير الغائب بدل الاسم الظّاهر في تعظيم المرجع ورفع منزلته؟
ويتفرّع عن هذه الإشكاليّة عدد من الأسئلة:
ما مفهوم الإضمار والضّمير في الدّرس اللّغويّ؟
ما العلاقة بين وضوح المرجع واستعمال الضّمير؟
كيف يمكن تفسير عودة الضّمير في «أنزلناه» إلى القرآن مع عدم سبق ذكره في السّورة؟
ما القيمة الدّلاليّة للعدول عن الاسم الظّاهر إلى الضّمير؟
هل يمكن أن يكون الإضمار وسيلة للتّعظيم والتّفخيم؟
ما العناصر الأخرى الّتي تتضافر مع الضّمير في الآية لتحقيق هذه الدّلالة؟
هل يمكن تعميم هذه النّتيجة على جميع مواضع الإضمار في القرآن، أم أنّها مرتبطة بالسّياق والمقام؟
ثانيًا: الدراسات السابقة ونقدها:
أولا: الدراسات السابقة
محمود عبد الجليل روزن، الإظهار في مقام الإضمار في القرآن الكريم : محددات استحسانه، وسر شيوعه، وأغراضه
تتناول هذه الدراسة ظاهرة الإظهار في الموضع الذي يقتضي فيه السياق – من جهة الأصل الإضمار، وتحاول الكشف عن محددات هذا العدول وأغراضه البلاغية وهي ذات صلة منهجية بموضوع البحث الحالي؛ لأن الإظهار والإضمار يمثلان طرفين من ظاهرة واحدة هي العدول عن مقتضى الظاهر نقد الدراسة وموضع التميز عنها قيمة الدراسة أنها توصل الظاهرة العدول وتبين أن الانتقال بين الاسم الظاهر والضمير ليس إجراء نحويا آليا، بل قد يحمل أغراضا دلالية وبلاغية غير أن موضوعها الرئيس هو الإظهار في مقام الإضمار، في حين، أن البحث الحالي يتجه إلى الطرف المقابل أي الإضمار في مقام الإظهار، ويطبقه تطبيقا مركرا على قوله تعالى إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ومن ثم لا تتطابق الدراستان في موضوعهما ولا في السؤال المركزي؛ فالبحث الحالي لا يكرر نتائج المركزي، فالبحث الحالي لا يكرر نتائج الدراسة، وإنما يستثمر إطارها النظري الدراسة أثر غياب الاسم الظاهر في استحضار المرجع وتعظيمه
ثانيا : الدراسة السابقة الثانية، جميلة بنت عبد الله بن ناصر الجنيدي بلاغة الإظهار في مقام الإضمار في تفسير التحرير والتنوير السور المفصل، مجلة، جامعة أم القرى العلوم اللغات وآدابها العدد 33، 2024م.
تبحث الدراسة في الأغراض البلاغية التي، يتحقق بها الإظهار في مواضع الإضمار مستفيدة من تفسير التحرير والتنوير، وتؤكد أهمية العدول عن مقتضى الظاهر في صناعة الدلالة
نقد الدراسة وموضع التميز عنها
تتمثل قيمة هذه الدراسة في توسيع الجانب التطبيقي لظاهرة الإظهار في مقام الإضمار، لكنها تظل منصبة على الإظهار وأغراضه، ولا تجعل مرجع الضمير وحضوره الذهني محوراً تحليلياً مستقلاً، كما لا تتخذ من أنزلناه في سورة القدر نموذجا الإثبات العلاقة بين الغياب اللفظي والحضور الدلالي .أما البحث الحالي فيجعل هذه العلاقة محورا للبحث، ويقارن صراحة بين الصيغة القرآنية أنزلناه والصيغة المفترضة أنزلنا القرآن، ثم يربط الأثر البلاغي بجملة من القرائن السياقية في السورة
ثالثاً : موقع البحث الحالي من الدراسات السابقة لا يدعي البحث الحالي أن فكرة الإضمار للتعظيم جديدة في أصلها؛ فقد سبقت إليها كتب التفسير والبلاغة، كما أن بعض الدراسات الحديثة تناولت العدول بين الإظهار والإضمار .وإنما تكمن الجدة في : إعادة بناء المسألة من زاوية مخصوصة كيف يمكن أن يؤدي غياب الاسم الظاهر إلى زيادة حضور المرجع في ذهن المتلقي ومتى يتحول هذا الحضور إلى تفخيم و تعظيم؟
وتتحدد الإضافة العلمية في أربعة أمور:
أولها، ضبط الحكم وعدم تعميمه على كل ضمير غائب
ثانيها اقتراح مفهوم الحضور الذهني للمرجع بوصفه مفهوما» إجرائيا يحتاج إلى اختبار في الشواهد
ثالثها، تحليل أنزلناه ضمن البنية الكلية السورة القدر، لا باعتباره هاء معزولة؛ إذ السورة القدر، لا باعتباره هاء معزولة؛ إذ تجتمع معه إنا، ونون العظمة، وإسناد الإنزال إلى الله تعالى، وذكر ليلة القدر وأسلوب وما أدراك، وبيان فضل الليلة ونزول الملائكة والروح، والختم بالسلام.
رابعها، إدخال التفسير الإمامي في الحوار العلمي إلى جانب التفسير البلاغي واللغوي، بما يوسع قاعدة المصادر ويبرز وحدة النتيجة في أصل المرجع مع إمكان اختلاف مساحات الدلالة.
ثانيًا: فرضية البحث
ينطلق البحث من فرضية مؤداها أن:
الإضمار في الخطاب القرآنيّ لا يقتصر بالضرورة على وظيفة الاختصار والإحالة، بل قد يؤدي، في سياقات مخصوصة، وظيفة دلاليّة وبلاغيّة تتمثّل في استحضار المرجع وتعظيمه وتفخيمه، متى كان المرجع بالغ الحضور والشهرة في ذهن المتلقّي.
وبناءً على ذلك، فإنّ قوله تعالى:
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾
يمكن أن يكون نموذجًا تطبيقيًّا مناسبًا لدراسة هذه الوظيفة.
ثالثًا: أهميّة البحث
تنبع أهمية البحث من عدّة أمور:
أوّلها: أنّه يتناول ظاهرة لغويّة متّصلة بالضّمير والإضمار، وهي من الظواهر التي تتقاطع فيها علوم النحو والدلالة والبلاغة وتحليل الخطاب.
وثانيها: أنّه يتناول الظّاهرة في القرآن الكريم، حيث تتّسم العلاقات بين اللّفظ والمعنى بدقّة خاصّة.
وثالثها: أنّه يدرس الضمير لا بوصفه عنصرًا نحويًا فقط، وإنمّا بوصفه عنصرًا فاعلًا في بناء الدّلالة.
ورابعها: أن البحث يحاول الانتقال من الحكم البلاغي الجاهز إلى تحليل مكّونات السّياق التي تجعل ذلك الحكم ممكنًا ؛ فبدل القول: «الضمير للتعظيم»، يسأل البحث: ما الذي يجعل الضمير مؤديًا لهذه الدلالة في هذا الموضع؟
وخامسها: أنّ دراسة آية واحدة دراسة تحليلية عميقة قد تكشف عن بنية أسلوبيّة متكاملة، إذا لم تُحصر في الضمير وحده، بل درست علاقته بما حوله من عناصر.
رابعًا: منهج البحث
يعتمد البحث المنهج الوصفيّ التحليليّ، مع الإفادة من المنهج السياقيّ والمقارنة النّصيّة.
ويقوم المنهج على: وصف الظّاهرة النّحويّة المتمثّلة في الإضمار.
تحليل مرجع الضمير.
دراسة السياق الذي ورد فيه.
مقارنة التعبير بالإضمار بالتعبير بالاسم الظّاهر.
استقراء أقوال المفسّرين والبلاغييّن.
تحليل العناصر الأسلوبيّة المصاحبة للضّمير.
التّمييز بين الدّلالة النّحويّة والدّلالة البلاغيّة.
تجنّب تعميم النتيجة إلا في حدود ما يسمح به الدّليل.
المبحث الأول: الضمير والإضمار بين الوظيفة النحوية والدلالة البلاغية
المطلب الأول: مفهوم الضمير
الضمير في اصطلاح النّحاة اسم يدّل على متكلّم أو مخاطب أو غائب، ويتميّز بأنّه لا يصرّح بالاسم الذي يدل عليه، وإنمّا يُحيل عليه إحالةً يفهمها المتلقّي من السّياق.
ومن أبرز وظائف الضّمير أنّه يحقّق الاقتصاد في التّعبير؛ إذ يغني عن إعادة الاسم الظاهر.
فلو قيل: “جاء محمد، وأكرمت محمدًا، وأثنيت على محمد”
كان التّكرار ثقيلًا، فإذا قيل: “جاء محمد، فأكرمته وأثنيت عليه”
تحقّق التّرابط مع الاقتصاد.
غير أنّ هذه الوظيفة لا تستنفد جميع دلالات الضّمير؛ إذ قد يؤدّي استعماله بدل الاسم الظّاهر إلى أغراض سياقيّة أخرى.
ومن هنا ينبغي التّمييز بين الوظيفة الأصليّة للضّمير، وهي الإحالة والاختصار، وبين الدّلالة السّياقيّة التي قد تنشأ من اختيار الضّمير في موضع الاسم الظاهر.
المطلب الثاني: الإضمار والإظهار
الإظهار هو التصريح بالاسم الظاهر، في حين أنّ الإضمار هو العدول عن الاسم إلى ما يدلّ عليه من ضمير.
والأصل في الضمير أن يكون له مرجع معلوم يستطيع المتلقّي الوصول إليه.
غير أنّ القرآن الكريم قد يأتي بالضّمير في موضع يكون فيه المرجع مفهومًا من السّياق العامّ، أو من الشّهرة، أو من القرائن المقاميّة، حتّى مع عدم تقدّم الاسم مباشرة.
وهنا ينتقل البحث من مجرّد السّؤال عن “مرجع الضّمير” إلى سؤال أعمق: ما أثر عدم التّصريح بالمرجع في المتلقّي؟ فإذا كان التّصريح بالاسم يضع المرجع أمام المتلقّي بصورة مباشرة، فإنّ الضّمير قد يقتضي من المتلقّي استحضار المرجع بنفسه.
وقد يكون هذا الاستحضار أكثر فاعليّة من مجرّد التّصريح، خصوصًا عندما يكون المرجع معروفًا وشديد الحضور.
المطلب الثالث: بين الحذف والإضمار
ينبغي عدم التّسوية بين الحذف والإضمار تسوية تامّة. فالحذف قد يؤدّي إلى إسقاط عنصر من عناصر التّركيب، بينما الإضمار لا يعني بالضّرورة إسقاط المعنى أو المرجع، وإنّما يعني استبدال الاسم الظّاهر بضمير يحيل إليه.
ولهذا فإنّ “أنزلناه” لا يعني أنّ المفعول به غير موجود دلاليًّا، بل هو موجود نحويًّا في صورة الضّمير “الهاء”.
ومن ثمّ يمكن القول إنّ الإضمار هنا ليس إلغاءً للمرجع، وإنّما إخفاء لاسمه وإبقاء على حضوره الدّلاليّ.
وهذه نقطة مهمّة في البحث ؛ لأنّ الفرضيّة لا تقوم على أنّ القرآن “حذف” القرآن من المعنى، وإنّما على أنّه لم يصرّح باسمه وأبقى الإحالة إليه بالضّمير.
المبحث الثاني: مرجع الضمير في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾
المطلب الأوّل: الضّمير من النّاحية النّحويّة
تتكوّن الآية من: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾.
“إنّا”: إنَّ واسمها، والضّمير “نا” يدلّ على المتكلّم المعظّم نفسه.”
“أنزلناه””: فعل وفاعل ومفعول به؛ فالفاعل هو “نا”، والهاء ضمير متّصل في محلّ نصب مفعول به.
ومحلّ البحث هنا هو هذه الهاء:
إلى من أو إلى ماذا تعود؟
الجواب الّذي عليه جمهور المفسّرين: إنّها تعود إلى القرآن الكريم.
وقد صرّح الطّبريّ بأنّ المراد بالآية إنزال القرآن في ليلة القدر، وروى في تفسيره أقوالًا عن ابن عبّاس وغيره في كيفيّة إنزال القرآن في تلك اللّيلة.
كما نقلت كتب التّفسير أقوالًا أخرى في كيفيّة فهم الإنزال، ومنها القول بأنّ المراد ابتداء إنزال القرآن في تلك اللّيلة، أو إنزاله جملة إلى السّماء الدّنيا ثمّ نزوله بعد ذلك منجّمًا.
لكنّ الجانب الّذي يعنينا هنا ليس الخلاف في كيفيّة الإنزال بقدر ما يعنينا لماذا جاء التّعبير بالضّمير؟
إليك النص مع إضافة الشدّات فقط، مع المحافظة على التنسيق والحركات الأصلية كما طلبت:
المطلب الثّاني: عدم سبق اسم القرآن في السّورة
تبدأ السّورة بقوله تعالى:
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾.
ولا يسبق في السّورة اسم «القرآن».
ومن النّاحية الظّاهرة في النّصّ، لم يقل:
«إنّا أنزلنا القرآن في ليلة القدر».
ومع ذلك لا يجد المتلقّي المسلم صعوبة في تحديد المرجع.
وهذا يقود إلى ظاهرة يمكن تسميتها:
الحضور الدّلاليّ للمرجع قبل حضوره اللّفظيّ.
فالقرآن لم يحضر في صورة الاسم، لكنّه حاضر في ذهن المتلقّي، وحاضر في السّياق القرآنيّ العامّ.
وقد جعل ابن عاشور من هذا الحضور الذّهنيّ أساسًا لفهم العدول إلى الضّمير، فذكر أنّ الضّمير مع عدم تقدّم مرجع ظاهر يشير إلى شهرة القرآن وحضوره في أذهان المخاطبين.
المبحث الثّالث: لماذا لم يقل: «إنّا أنزلنا القرآن»؟
المطلب الأوّل: التّصريح والوضوح
لو قيل: “إنّا أنزلنا القرآن في ليلة القدر”.
لكان المعنى واضحًا، ولما وقع لبس في مرجع المفعول.
غير أنّ القرآن اختار: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾.
والفرق بين التّعبيرين ليس فرقًا في أصل الإخبار فقط، بل في طريقة تقديم المعنى إلى المتلقّي.
التّعبير الأوّل، يظهر الاسم «القرآن» أمام المتلقّي.
أمّا في التّعبير الثّاني، فإنّ المتلقّي يُدعى إلى استحضار المرجع من خلال الضّمير.
ومن هنا يمكن القول إنّ الاسم الظّاهر يحقّق التّصريح، بينما الضّمير يحقّق الإحالة، وقد يكون للإحالة في بعض المقامات أثر دلاليّ يتجاوز مجرّد الاختصار.
المطلب الثّاني: الشّهرة والاستغناء عن التّصريح
يرتبط نجاح الضّمير في هذا الموضع بدرجة كبيرة بشهرة مرجعه.
فالقرآن الكريم ليس مرجعًا مجهولًا يحتاج إلى تعريف، وإنّما هو موضوع الرّسالة والكتاب المنزل.
ولهذا قال الرّازيّ إنّ ترك التّصريح باسم القرآن والإتيان بضميره من وجوه الدّلالة على عظمته، إذ يشعر بشهرته ونباهته واستغنائه عن التّصريح.
وهذا يفتح لنا قاعدة مهمّة: كلّما كان المرجع حاضرًا حضورًا قويًّا في ذهن المتلقّي، أمكن للضّمير أن يستغني عن التّصريح باسمه.
لكن هل الاستغناء عن التّصريح يساوي التّعظيم؟
الجواب يحتاج إلى تفصيل.
فالضّمير في ذاته ليس أداة تعظيم في كلّ موضع؛ فقد يستعمل لمجرّد الاختصار.
لكن عندما يقترن عدم التّصريح بشهرة المرجع وعلوّ منزلته، فقد ينشأ من هذا العدول إيحاء بالتّفخيم والتّعظيم.
إذن:
التّعظيم ليس معنى معجميًّا ثابتًا في الضّمير، وإنّما هو دلالة سياقيّة تنشأ من مجموع القرائن.
وهذا التّفريق من أهمّ النّتائج المنهجيّة الّتي ينبغي أن يلتزم بها البحث.
المبحث الرّابع: الإضمار بوصفه وسيلة لاستحضار المرجع
المطلب الأوّل: من غياب الاسم إلى حضور المعنى
يمكن أن يبدو للوهلة الأولى أنّ استعمال الضّمير يؤدّي إلى تغييب المرجع، لأنّ الاسم غير مذكور.
غير أنّ الأمر قد يكون على العكس.
فإذا كان المرجع معروفًا، فإنّ الضّمير لا يغيّبه، وإنّما يحمله إلى ذهن المتلقّي بطريقة مختلفة.
وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾
لا يحتاج القارئ إلى البحث عن عشرات الاحتمالات؛ لأنّ السّياق القرآنيّ والعقيدة الإسلاميّة والتّلقّي العامّ تجعل «القرآن» المرجع الأقرب والأبرز.
ومن هنا يمكن وصف الظّاهرة بأنّها:
غياب لفظيّ يقابله حضور دلاليّ.
فالقرآن غائب من حيث الاسم، حاضر من حيث المعنى.
وهذا النّوع من الحضور يمكن أن يكون له أثر بلاغيّ؛ لأنّ المتلقّي لا يتلقّى الاسم مجرّدًا، بل يستحضره في ذهنه من خلال عمليّة الإحالة.
المطلب الثّاني: استحضار المرجع أقوى من تكرار الاسم
أحيانًا إذا كان الاسم معلومًا مشهورًا، فإنّ إعادة ذكره قد تكون مجرّد تقرير للمعلوم.
أمّا الضّمير فإنّه يترك للمتلقّي مساحة من المشاركة الذّهنيّة.
وهنا تظهر قيمة الإضمار في بناء الخطاب ؛ إذ إنّ المتلقّي يصبح شريكًا في استكمال المعنى.
وفي النّصّ القرآنيّ، لا يحتاج المتلقّي إلى معرفة المرجع فحسب، وإنّما يجد نفسه مستحضرًا له قبل أن يُذكر اسمه صراحة.
وهذا من المواطن الّتي يمكن فيها القول إنّ الإضمار قد يزيد من قوّة الحضور بدل أن يؤدّي إلى الغياب.
المبحث الخامس: الإضمار والتّعظيم في ضوء أقوال المفسّرين
لم تكن هذه الملاحظة وليدة الدّراسات الحديثة، بل نجد لها أصلًا واضحًا في كلام المفسّرين.
أوّلًا: الفخر الرّازيّ ذهب الرّازيّ إلى أنّ ترك التّصريح باسم القرآن والإتيان بضميره يدلّ على عظمته، وذكر لذلك وجوهًا، منها إسناد الإنزال إلى اللّه تعالى، ومنها الإتيان بالضّمير بدل الاسم الظّاهر، ومنها تعظيم الوقت الّذي أنزل فيه القرآن.
وتكمن أهمّيّة هذا النّصّ في أنّه يجعل الضّمير عنصرًا من عناصر منظومة التّعظيم، لا عنصرًا منفردًا عنها.
فالآية لا تعظّم القرآن بالضّمير وحده، وإنّما تتضافر فيها عدّة عناصر: «إنَّ» للتّوكيد.«نا» في «إنّا» الدّالة على العظمة. إسناد الإنزال إلى اللّه تعالى.
الضّمير بدل الاسم الظّاهر. ذكر ليلة القدر.
ثمّ الانتقال إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾.
وهذه ملاحظة مهمّة جدًّا؛ إذ لا يصحّ أن يعزل الباحث الضّمير عن بقيّة البنية. ثانيًا: ابن عاشور يقدّم تفسير ابن عاشور للآية أساسًا مهمًّا لفهم الوظيفة الدّلاليّة للضّمير؛ إذ يرى أنّ الآية تتضمّن تنويهًا عظيمًا بالقرآن، وأنّ التّعبير عنه بالضّمير، مع عدم تقدّم اسمه، يشير إلى حضوره في أذهان المسلمين وشدّة إقبالهم عليه.
وهذا الرّأي يتقاطع مع الفرضيّة الّتي يقوم عليها البحث؛ إذ يجعل عدم ذكر الاسم في الظّاهر متّصلًا بحضوره في الذّهن.
وبذلك يمكن صياغة العلاقة على النّحو الآتي: كلّما ازداد حضور المرجع في ذهن المتلقّي، ازداد إمكان الاستغناء عن التّصريح باسمه، وقد يتحوّل هذا الاستغناء في سياق التّعظيم إلى أداة من أدوات التّفخيم.
المبحث السّادس: نون العظمة والضّمير، بناء التّعظيم من خلال اجتماع القرائن
من الخطأ المنهجيّ أن يعزل الباحث الهاء في «أنزلناه» عن بقيّة الآية. فالآية افتتحت بقوله تعالى: ﴿إِنَّا﴾.
والضّمير «نا» هنا ليس دالًّا على تعدّد الذّات الإلهيّة، بل هو من أساليب التّعبير عن العظمة والجلال. وقد تنبّه المفسّرون إلى هذا الاستعمال، وبيّنوا أنّ «إنّا» في مثل هذه المواضع محمولة على التّعظيم لا على تعدّد الفاعل.
وعليه، فإنّ الآية تبدأ ببنية صوتيّة ودلاليّة تقوم على التّعظيم: إنّا + أنزلناه. فالمتكلّم المعظّم يذكر فعلًا عظيمًا، وهو الإنزال، والمتعلّق بهذا الفعل هو القرآن، ثمّ يحدّد له ظرفًا عظيمًا هو ليلة القدر.
وهكذا يمكن رسم البنية الدّلاليّة للآية على النّحو الآتي: عظمة المتكلّم ← عظمة الفعل ← عظمة المتعلّق بالفعل ← عظمة الظّرف.
وهذا التّدرّج هو الّذي يجعل دراسة الضّمير منفردًا أقلّ فائدة من دراسته ضمن البنية الكُلّيّة للآية.
المبحث السّابع: الإضمار والاسم الظّاهر، دراسة مقارنة
لو افترضنا التّعبير: «إنّا أنزلنا القرآن في ليلة القدر» فإنّ المتلقّي يحصل على المرجع مباشرة.
أمّا في التّعبير القرآنيّ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ فإنّ المرجع لا يظهر في صورة الاسم، وإنّما يحضر من خلال الضّمير. والفرق بين الصّيغتين يمكن دراسته من عدّة جوانب.
- من حيث الاقتصاد اللّفظيّ “أنزلنا” أكثر إيجازًا من “أنزلنا القرآن”.
- من حيث الإحالة الضّمير يجعل المتلقّي يسترجع المرجع من السّياق.
- من حيث الحضور الذّهنيّ عدم التّصريح باسم القرآن يفترض حضوره في ذهن المتلقّي.
- من حيث البلاغة يمكن أن يكون هذا الحضور الذّهنيّ أساسًا لإيحاء التّعظيم، لأنّ المرجع أصبح من الشّهرة بحيث لم يحتج إلى التّصريح باسمه.
- من حيث السّياق التّعبير بالضّمير يسمح للآية بأن تبدأ بالفعل: «أنزلناه» بدل أن تبدأ بالاسم: “أنزلنا القرآن”.
وهذا يجعل التّركيز منذ البداية على فعل الإنزال وعلاقته بليلة القدر.
المبحث الثّامن: علاقة الضّمير بسياق سورة القدر
لا يمكن فهم الآية الأولى بمعزل عن بقيّة السّورة.
فالسّورة تبدأ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾.
ثمّ تقول: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾.
ثمّ: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾.
ثمّ: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾.
ثمّ: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾.
ويلاحظ أنّ السّورة تبني جوًّا عامًّا من التّعظيم والتّفخيم.
فالقرآن عظيم، واللّيلة عظيمة، والملائكة تنزل فيها، والرّوح تنزل فيها، وهي خير من ألف شهر، وهي سلام حتّى مطلع الفجر.
ومن هنا فإنّ الضّمير في «أنزلناه» لا ينبغي أن يدرس باعتباره ظاهرة منعزلة، بل بوصفه عنصرًا من عناصر بنية التّعظيم في السّورة.
المبحث التّاسع: “وما أدراك ما ليلة القدر” وأثره في بناء التّعظيم
من اللّافت أنّ السّورة بعد قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ تقول: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾.
وهذا الأسلوب القرآنيّ يفتح بابًا من أبواب التّعظيم؛ إذ يُطرح السّؤال عن حقيقة ليلة القدر بطريقة تستثير ذهن المتلقّي.
ثمّ يأتي الجواب: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾.
وعليه يمكن أن يقال إنّ السّورة تسير في اتّجاه تصاعديّ: الإنزال → ليلة القدر → الاستفهام عن حقيقتها → بيان فضلها → نزول الملائكة والرّوح → السّلام.
وهذا التّصاعد يساعد على فهم قيمة التّعبير بالضّمير في البداية. فالقرآن الّذي أُنزل هو أعظم كتاب، واللّيلة الّتي أنزل فيها عظيمة، والسّورة تسوق عناصر متتابعة لتشييد هذه العظمة في ذهن المتلقّي.
المبحث العاشر: الإضمار بين التّعظيم والشّهرة
يمكن هنا طرح سؤال مهمّ: هل كلّ مرجع مشهور إذا أضمر يكون تعظيمًا؟ الجواب: لا. فالشّهرة وحدها لا تكفي للحكم بأنّ الإضمار للتعظيم.
قد يكون الضّمير مجرّد وسيلة للرّبط النّصّيّ والاقتصاد في الكلام.
ولهذا ينبغي أن نضع ضابطًا منهجيًّا: لا يُحمل الإضمار على التّعظيم إلّا إذا دلّ السّياق على وجود معنى زائد على مجرّد الإحالة والاختصار.
وفي آية سورة القدر توجد قرائن متعدّدة تجعل دلالة التّعظيم محتملة قويّة : شهرة المرجع.
عدم سبق اسمه في السّورة.
إسناد الإنزال إلى اللّه تعالى.
افتتاح الكلام بالتّوكيد.
استعمال نون العظمة.
اختيار ليلة القدر ظرفًا للإنزال.
الانتقال إلى أسلوب “وما أدراك”.
بيان فضل اللّيلة. ذكر نزول الملائكة والرّوح. ختم السّورة بالسّلام.
ومن اجتماع هذه العناصر يمكن أن تستمدّ دلالة التّعظيم قوّتها.
المبحث الحادي عشر: هل «غياب الاسم» يؤدّي إلى «حضور أعلى»؟
هذه النّقطة يمكن أن تمثّل الإضافة الفكريّة الرّئيسة في البحث.
فقد يكون من المتعارف أنّ الاسم الظّاهر أوضح من الضّمير، ولكنّ الوضوح ليس دائمًا هو الغاية الوحيدة من الخطاب. أحيانًا يكون الاسم الظّاهر مناسبًا للتّعريف، وأحيانًا يكون الضّمير أنسب لاستحضار معلوم سابق أو حاضر في الذّهن. وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ لا يحتاج النّصّ إلى تعريف القرآن للمخاطب؛ لأنّ القرآن هو موضوع الرّسالة وكتاب الوحي.
فإن لم يكن في ذهن المتلقّي، فالآية لا تأتي في فراغ؛ وإنّما تأتي ضمن خطاب قرآنيّ يعرف فيه المخاطب أنّ الحديث عن الكتاب المنزل.
ومن هنا يمكن اقتراح مصطلح إجرائيّ في البحث: “الحضور الذّهنيّ للمرجع”.
والمقصود به: حالة يكون فيها المرجع حاضرًا في ذهن المخاطب حضورًا يجعل التّصريح باسمه غير ضروريّ من النّاحية الإفهاميّة، وقد يسمح هذا الحضور، بحسب السّياق، بإنتاج دلالة إضافيّة كالتّعظيم أو التّفخيم.
وهذا المصطلح يحتاج في النّسخة النّهائيّة إلى مزيد من التّأصيل والمقارنة مع مصطلحات النّحاة والبلاغيّين، حتّى لا يبدو مصطلحًا مبتكرًا بلا سند.
المبحث الثّاني عشر: شواهد قرآنيّة للمقارنة
حتّى لا يبقى البحث قائمًا على آية واحدة، يمكن للباحث أن يستأنس بعدد من المواضع القرآنيّة الّتي يظهر فيها الإضمار أو الإحالة إلى مرجع معلوم دون تكرار الاسم. ومن أهمّ ما ينبغي دراسته في النّسخة الموسّعة:
1 ـ قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾. وهذه الآية في سورة الدّخان تلتقي مع آية سورة القدر في التّعبير عن إنزال القرآن في ليلة مخصوصة.
وقد فسّر الطّبريّ «الهاء» في الآية بالقرآن، وربط اللّيلة المباركة بليلة القدر.
وهذا الشّاهد مهمّ جدًّا لأنّه يثبت أنّ صيغة: «إنّا أنزلناه» ليست خاصّة بسورة القدر، بل وردت في سياق آخر قريب من الموضوع نفسه.
2 ـ قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾.
وهنا يظهر الاسم الظّاهر “القرآن”، فيمكن إجراء مقارنة بين: “أنزلناه” و”أنزل فيه القرآن”. وهذه المقارنة ذات قيمة كبيرة؛ لأنّها تضع أمام الباحث صيغتين قرآنيّتين في موضوع واحد.
وقد نقل الطّبريّ في تفسير آية البقرة أقوالًا تربط إنزال القرآن بليلة القدر وبشهر رمضان، ومن بينها الرّوايات المنقولة عن ابن عبّاس.
المبحث الثّالث عشر: الإظهار في مقام الإضمار وعلاقته بالبحث
من القضايا البلاغيّة المعروفة الإظهار في مقام الإضمار
أي أن يأتي الاسم الظّاهر في موضع كان المتوقّع فيه الضّمير.
وقد عُنيت الدّراسات البلاغيّة الحديثة والقديمة بهذا الباب، وبيّنت أنّ العدول عن مقتضى الظّاهر قد يكون لأغراض دلاليّة متعدّدة، بحسب السّياق.
لكنّ البحث الحاليّ يسير في الاتّجاه المقابل: الإضمار في مقام يمكن أن يتوقّع فيه الإظهار.
ومن هنا ينبغي في الدّراسة النّهائيّة أن يستفيد الباحث من مباحث “الإظهار في مقام الإضمار”؛ لأنّ دراسة أحد طرفي الظّاهرة تساعد في فهم الطّرف الآخر.
فإذا كان إظهار الاسم في موضع الضّمير قد يكون للتّنبيه أو التّعظيم أو التّقرير أو إزالة اللّبس، فإنّ الإضمار في موضع الاسم قد تكون له كذلك أغراض لا تنحصر في الاختصار.
وهذا يوسّع الإطار النّظريّ للبحث ويمنحه عمقًا بلاغيًّا.
المبحث الرّابع عشر: حدود القول بأنّ الضّمير “يرفع قيمة صاحبه”
تحتاج العبارة الأصليّة الّتي انطلق منها البحث: “ضمير الغائب في آيات القرآن يرفع قيمة صاحبه” إلى مراجعة علميّة.
فالضّمير في حدّ ذاته لا يرفع قيمة مرجعه دائمًا.
والأدقّ أن نقول: قد يسهم الإضمار في رفع منزلة المرجع وتعظيمه في بعض السّياقات القرآنيّة، عندما يقترن بشهرته وحضوره الذّهنيّ وبقرائن سياقيّة أخرى.
والفرق بين العبارتين جوهريّ.
فالعبارة الأولى تجعل التّعظيم حكمًا عامًّا.
أمّا العبارة الثّانية فتجعل التّعظيم نتيجة سياقيّة قابلة للإثبات والتّحليل.
وهذا أدعى للقبول في البحث العلميّ.
المبحث الخامس عشر: القيمة البلاغيّة للضّمير في قوله تعالى “أنزلناه”
يمكن تلخيص القيمة البلاغيّة المحتملة للضّمير في الآية في النّقاط الآتية:
أوّلًا: الإيجاز “أنزلناه” أوجز من “أنزلنا القرآن”.
ثانيًا: التّرابط الضّمير يربط الفعل بمرجع معلوم دون تكرار.
ثالثًا: الحضور الذّهنيّ الضّمير يفترض أنّ المرجع حاضر في ذهن المتلقّي.
رابعًا: الشّهرة الاستغناء عن الاسم الظّاهر يوحي بدرجة من الشّهرة والاستحضار.
خامسًا: التّعظيم عندما يقترن ذلك بسياق تعظيم القرآن وليلة القدر، يمكن أن ينشأ أثر التّفخيم والتّعظيم.
سادسًا: المشاركة الذّهنيّة يجعل الضّمير المتلقّي يستدعي المرجع بدل أن يتلقّاه مصرّحًا به. وهذه النّقطة الأخيرة تحتاج في النّسخة النّهائيّة إلى مزيد من الدّراسة من منظور علم اللّغة النّصّيّ والتّداوليّ، ويمكن أن تكون من جوانب التّجديد في البحث.
المبحث السّادس عشر: التّكامل بين القرآن وليلة القدر في بناء الدّلالة
من اللّافت أنّ السّورة لا تكتفي ببيان أنّ القرآن أنزل في ليلة القدر، بل تجعل العلاقة بين القرآن واللّيلة علاقة تشريف متبادل.
فالقرآن عظيم، ولذلك كان إنزاله في ليلة عظيمة.
واللّيلة عظيمة، لأنّ فيها إنزال القرآن.
وهنا يمكن صياغة علاقة دلاليّة: شرف المنزل ← يشرّف المنزل فيه.
أي أنّ شرف القرآن ينعكس على ظرف إنزاله، كما أنّ ذكر اللّيلة بهذا التّشريف يعظّم المناسبة الّتي ارتبطت بالقرآن.
وقد أشار بعض المفسّرين إلى هذا التّداخل بين شرف القرآن وشرف اللّيلة الّتي أنزل فيها.
وتظهر في التّفاسير عبارات صريحة في ربط عظمة القرآن وعظمة اللّيلة في السّياق.
المبحث السّابع عشر: من الضّمير إلى بنية الخطاب
إذا وسّعنا دائرة النّظر، وجدنا أنّ القضيّة ليست قضيّة “هاء” فقط.
فالنّصّ يقول: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾.
ثمّ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾.
ثمّ: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾.
إذن نحن أمام خطاب يتحرّك من: الخبر إلى الاستفهام، ومن الاستفهام إلى البيان، ومن البيان إلى التّفصيل. وهذه الحركة ترفع من مستوى التّلقّي تدريجيًّا.
ومن هنا يكون الضّمير في بداية السّورة جزءًا من استراتيجيّة خطابيّة أوسع، وليس ظاهرة منعزلة.
المبحث الثّامن عشر: مقارنة بين سورة القدر وسورة الدّخان
يستحقّ هذا الجانب أن يكون مبحثًا تطبيقيًّا في النّسخة النّهائيّة.
قال تعالى في سورة الدّخان: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾.
وقال في سورة القدر: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾.
نلاحظ تشابهًا واضحًا في البنية: إنّا + أنزلناه + ظرف زمان.
وهذا التّشابه يتيح دراسة الضّمير في سياقين مختلفين.
ففي الدّخان جاء الظّرف: ليلة مباركة.
وفي القدر جاء: ليلة القدر.
وفي كلتا الآيتين يتقدّم الضّمير على ذكر اسم القرآن.
وهذا يقوّي القول بأنّ للضّمير وظيفة تتّصل بالسّياق العامّ لا بمجرّد حاجة نحويّة عارضة.
المبحث التّاسع عشر: النّتائج
يمكن، في ضوء ما سبق، الوصول إلى النّتائج الأوّليّة الآتية: الضّمير في قوله تعالى ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ يعود إلى القرآن الكريم عند جمهور المفسّرين.
عدم تقدّم اسم القرآن في سورة القدر لا يمنع من فهم المرجع، بسبب حضوره القويّ في السّياق القرآنيّ والذّهنيّ.
الإضمار لا يعني غياب المرجع، بل قد يعني غياب اسمه مع بقاء حضوره الدّلاليّ.
وظيفة الضّمير الأصليّة هي الإحالة والاقتصاد، لكنّ السّياق قد يضيف إليه دلالات أخرى.
يمكن أن يكون التّعظيم من الدّلالات السّياقيّة المصاحبة للإضمار، لا من المعاني الذّاتيّة الملازمة للضّمير.
يدلّ كلام عدد من المفسّرين، ولا سيّما الرّازيّ وابن عاشور، على ملاحظة العلاقة بين العدول إلى الضّمير وتعظيم القرآن.
لا ينبغي عزل الضّمير عن بقيّة عناصر الآية؛ فالتعظيم يتولّد من اجتماع التّوكيد، ونون العظمة، وإسناد الإنزال إلى اللّه تعالى، والإضمار، وذكر ليلة القدر.
يسهم سياق السّورة في تعزيز هذه الدّلالة؛ إذ تتوالى عناصر التّفخيم والتّعظيم من أوّل السّورة إلى آخرها.
لا يصحّ تعميم قاعدة مفادها أنّ كلّ ضمير غائب في القرآن يؤدّي إلى رفع قيمة مرجعه.
الأدقّ أن يقال إنّ الإضمار قد يسهم في تعظيم المرجع وتفخيمه في سياقات مخصوصة، عندما يكون المرجع مشهورًا وحاضرًا في ذهن المتلقّي، وتعضده قرائن سياقيّة أخرى.
تمثّل سورة القدر نموذجًا غنيًّا لدراسة العلاقة بين الإضمار والحضور الذّهنيّ والتّعظيم.
المقارنة بين «أنزلناه» و«أنزلنا القرآن» تكشف أنّ العدول إلى الضّمير ليس مجرّد اختصار لفظيّ، وإنّما يمكن أن تكون له قيمة دلاليّة في بنية الخطاب.
الخاتمة
خلص البحث إلى أنّ الضّمير في الخطاب القرآنيّ لا ينبغي أن يُدرس بوصفه أداة نحويّة للإحالة والاختصار فحسب، بل ينبغي النّظر إليه في علاقته بالسّياق وبالمقام وبدرجة حضور المرجع في ذهن المتلقّي.
وقد كشفت دراسة قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ عن ظاهرة دقيقة، تتمثّل في الإتيان بضمير الغائب «الهاء» عائدًا إلى القرآن الكريم مع عدم سبق ذكر اسمه في السّورة.
ولا يبدو أنّ هذا التّعبير مقصود به مجرّد الاختصار؛ إذ إنّ السّياق كلّه يتّجه إلى بناء معنى التّعظيم، بدءًا من قوله تعالى «إنّا»، وما يتضمّنه من معنى العظمة، مرورًا بإسناد الإنزال إلى اللّه تعالى، ثمّ الإتيان بالضّمير بدل الاسم الظّاهر، وانتهاءً بتعظيم ليلة القدر وما فيها من خصائص وفضائل.
وبذلك يمكن القول إنّ الإضمار في هذه الآية أسهم في استحضار القرآن في ذهن المتلقّي دون الحاجة إلى التّصريح باسمه، وأنّ هذا الاستحضار، مقرونًا بالشّهرة والسّياق، يؤدّي وظيفة بلاغيّة تتّصل بالتّفخيم والتّعظيم.
ومع ذلك، فإنّ البحث يؤكّد أنّ التّعظيم ليس دلالة مطّردة للضّمير، ولا يصحّ أن تتحوّل الملاحظة الخاصّة بهذه الآية إلى قاعدة عامّة تشمل كلّ ضمير غائب في القرآن.
والأدقّ أن يقال: إنّ الإضمار قد يتحوّل من مجرّد وسيلة للإحالة والاختصار إلى أداة بلاغيّة تسهم في تعظيم المرجع، متى كان السّياق يقتضي ذلك، وكان المرجع بالغ الحضور في ذهن المتلقّي.
وتظهر سورة القدر مثالًا بارزًا على هذا اللّون من التّعبير؛ فالقرآن لم يسمَّ في مطلع السّورة، وإنّما أُحيل إليه بضمير، وكأنّ علوّ شأنه وشهرته يغنيان عن التّصريح باسمه.
وهذا يقود إلى نتيجة أوسع، وهي أنّ غياب الاسم عن سطح النّصّ لا يعني بالضّرورة غياب المرجع عن ذهن المتلقّي، بل قد يكون الغياب اللّفظيّ وسيلة إلى حضور دلاليّ أقوى.
ومن هنا تتأكّد أهمّيّة دراسة الضّمير في القرآن الكريم ضمن سياقه التّركيبيّ والدّلاليّ والبلاغيّ، لا بوصفه علامة نحويّة مجرّدة.
المقترحات تقترح الدّراسة ما يأتي: إجراء دراسة استقرائيّة شاملة لمواضع الإضمار في القرآن الكريم الّتي لم يسبق فيها المرجع بلفظه. تصنيف هذه المواضع بحسب وظائف الإضمار: الاختصار، الشّهرة، التّقرير، التّخصيص، التّعظيم، التّفخيم، وغيرها.
دراسة العلاقة بين الإضمار والإظهار في القرآن الكريم، وبخاصّة المواضع الّتي عدل فيها النّصّ عن مقتضى الظّاهر.
الإفادة من المناهج الحديثة في تحليل الخطاب والسّياق، مع المحافظة على أصول الدّرس العربيّ والبلاغيّ.
عدم فصل التّحليل البلاغيّ عن التّحليل النّحويّ؛ لأنّ الدّلالة البلاغيّة كثيرًا ما تنبني على اختيار نحويّ مخصوص.
قائمة أوّلية بالمصادر والمراجع
- القرآن الكريم.
- الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تفسير سورة القدر وسورة الدخان وسورة البقرة.وقد بيّن الطبري في تفسير سورة القدر أن المراد بالضمير القرآن، وذكر أقوالًا في كيفية إنزاله في ليلة القدر.
- الرازي، فخر الدين، مفاتيح الغيب، تفسير سورة القدر، الآية الأولى، وفيه بحث صريح في سر الإتيان بالضمير بدل الاسم الظاهر وعلاقته بعظمة القرآن.
- ابن عاشور، محمد الطاهر، التحرير والتنوير، تفسير سورة القدر، الآية الأولى، وفيه بحث في دلالة الضمير على حضور القرآن في أذهان المخاطبين.
- الآلوسي، محمود، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، تفسير سورة القدر.
- الزمخشري، محمود بن عمر، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، تفسير سورة القدر.
- الزركشي، بدر الدين، البرهان في علوم القرآن.
- السيوطي، جلال الدين، الإتقان في علوم القرآن.
- عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز.
- السكاكي، مفتاح العلوم.
- ابن هشام الأنصاري، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، مباحث الضمائر والإحالة.
- محمود عبد الجليل روزن، الإظهار في مقام الإضمار في القرآن الكريم؛ محددات استحسانه، وسر شيوعه، وأغراضه. وتفيد هذه الدراسة في تأصيل مبحث العدول بين الإظهار والإضمار في القرآن.
- جميلة بنت عبد الله بن ناصر الجنيدي، بلاغة الإظهار في مقام الإضمار في تفسير التحرير والتنوير لسور المفصل، مجلة جامعة أم القرى لعلوم اللغات وآدابها، العدد 33، 2024م.
- الفضل بن الحسن الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، تفسير سورة القدر، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت.
- محمد حسين الطباطبائي، الميزان في، تفسير القرآن تفسير سورة القدر مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت.
- محمود عبد الجليل روزن، الإظهار، في مقام الإضمار في القرآن الكريم محددات استحسانه وسر شيوعه وأغراضه : الأسماء الحسنى نموذجا، مركز تفسير للدراسات القرآنية.
- هاشم الحسيني البحراني، البرهان في تفسير القرآن، تفسير سورة القدر.
ناصر مكارم الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، تفسير سورة القدر.