بعد أن تناولنا في المقال الأول قاعدة «درء المفسدة أولى من جلب المصلحة»، بوصفها إحدى القواعد الكلية التي يقوم عليها الفقه الإسلامي، ننتقل اليوم إلى قاعدة لا تقل أهمية عنها، بل تُعد من أكثر القواعد حضورًا في أبواب الفقه عند الإمامية الاثني عشرية، وهي قاعدة «لا ضرر ولا ضرار».
وقد استند الفقهاء في تقرير هذه القاعدة إلى الحديث النبوي الشريف: «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام»، حتى أصبحت أصلًا فقهيًا يُرجع إليه في استنباط كثير من الأحكام، وعدّها كبار علماء الإمامية من القواعد التي تكشف عن روح التشريع الإسلامي ومقاصده.
ولا يراد بهذه القاعدة مجرد الدعوة إلى تجنب الأذى بوصفه خلقًا حسنًا، وإنما هي قاعدة تشريعية لها آثارها الفقهية الواسعة؛ فكل حكم يثبت أنه يؤدي إلى ضرر غير متدارك، أو يفضي إلى الإضرار بالآخرين بغير حق، يكون موضع نظر عند الفقيه في ضوء هذه القاعدة.
وقد بحث علماء الإمامية في معنى الضرر والضرار، وذكروا وجوهًا متعددة للتمييز بينهما. فقيل إن الضرر هو إلحاق الأذى بالغير مطلقًا، أما الضرار فهو الإضرار المقصود أو المتبادل على وجه العدوان. وعلى اختلاف التعابير، فإن الجامع بينها هو أن الشريعة لا تقر الإضرار بالنفس ولا بالآخرين، لأن الإنسان في الرؤية الإسلامية مكرَّم، ولا يجوز أن يكون محلًا للظلم أو التعسف.
ومن هنا، امتدت تطبيقات هذه القاعدة إلى مختلف أبواب الفقه؛ من العبادات والمعاملات، إلى الأحوال الشخصية وغيرها، حتى غدت من أكثر القواعد الفقهية حضورًا في عملية الاستنباط، لما تمنحه للفقيه من قدرة على فهم الأحكام في ضوء مقاصد الشريعة القائمة على العدل والرحمة ورفع الحرج.
ولعل سرَّ عظمة هذه القاعدة أنها تُبرز جانبًا أساسيًا في التشريع الإسلامي، وهو أن الأحكام لم تُشرَّع لإيقاع الإنسان في العنت والمشقة، ولا لتبرير الإضرار به، وإنما جاءت لحفظ مصالحه، وصيانة حقوقه، وحماية كرامته، في إطار التوازن الذي أراده الله تعالى بين الحقوق والواجبات.
وهكذا، تبقى قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» شاهدًا على أن الفقه الإسلامي، في أصوله وقواعده الكبرى، ليس فقه تضييق، بل فقه عدل ورحمة، يسعى إلى رفع الأذى، وإقامة العلاقات الإنسانية على أساس الإنصاف واحترام الإنسان…