قد يكون العالم جامعاً للشرائط وفق المعايير الفقهية المعروفة، وهذا لا يعني بالضرورة أنه قادر على الإحاطة بالواقع كله؛ فالشرائط الفقهية شيء، والإحاطة بجميع علوم العصر شيء آخر.
وهنا يجب أن نفرّق بين الفتوى والخبرة:
الفتوى هي استنباط الحكم الشرعي، وهي من اختصاص الفقيه. أما الخبرة فهي معرفة حقيقة الواقع وتفاصيله واحتمالاته ونتائجه، وهي من اختصاص أهل المجال.
اليوم، القضية الواحدة قد تجمع الطب والبيولوجيا والاقتصاد والقانون والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والفلسفة وعلم الاجتماع والسياسة والاستراتيجية، وتتداخل فيها عشرات الاحتمالات والسيناريوهات.
خذوا الحرب والسلم والدفاع والهجوم مثالاً: الفقيه يبحث في الحكم الشرعي، لكن العسكري والاستراتيجي والاقتصادي والقانوني والسياسي يشرحون حقيقة الواقع، والخيارات، والنتائج المحتملة.
فالحكم على الشيء فرع عن تصوّره؛ وإذا كان تصوّر الواقع ناقصاً، فكيف يمكن أن يكون الحكم عليه كاملاً؟
المسألة إذن ليست نقصاً في علم الفقيه، بل حدود الإنسان أمام اتساع المعرفة. وحتى الاستعانة بالمستشارين لا تجعل فرداً واحداً محيطاً بكل هذه العلوم، لأن كل خبير يرى جزءاً من الصورة، بينما الواقع نفسه متغير ومتعدد الاحتمالات.
لذلك ربما لا يكون السؤال: هل نحتاج إلى الفقيه؟
بل: كيف نجعل الفقيه جزءاً من منظومة معرفية قادرة على فهم العصر؟
المرجعية لا تُلغى، بل يمكن أن تتطور من مرجعية فردية في التعامل مع الواقع إلى مرجعية معرفية مؤسسية، يتكامل فيها الفقيه مع أهل الاختصاص، ويبقى الاجتهاد البشري قابلاً للمراجعة.
فالإنسان غير المعصوم، مهما بلغ علمه، لا يتحول إلى مطلق المعرفة.
وإذا كانت الإحاطة الكاملة بكل هذا العالم متعذرة على الإنسان غير المعصوم، فإن الإحاطة المطلقة لا تُنسب إلا لمن كانت معرفته متصلة بالعلم الإلهي؛ وفي التصور الإمامي، هنا يظهر معنى الإمام المعصوم.
الفقيه يجيب: ما الحكم؟
والخبير يجيب: ما حقيقة الواقع؟
والحكمة أن لا نطلب من أحدهما أن يكون الآخر.