الفن في القرآن لغة من لغات الجمال، غير أن جماله لا يقف عند حدود الإمتاع، بل يمضي أبعد، حتى يوقظ الوعي، ويحرك الأسئلة، ويوقظ في الإنسان مناطق ظلت صامتة زمناً طويلاً. فالمشهد في الرؤية القرآنية لا يكتمل حين يعتلي الممثل خشبة المسرح، وإنما يبلغ ذروته حين يغادر المتلقي سكونه الداخلي، ويشعر أن شيئا في أعماقه قد بدأ يتحرك. عندئذ لا يعود العرض مجرد صورة ترى، بل تجربة تعاش، ولا تبقى الدراما حدثاً على الخشبة، بل تصبح حدثاً في النفس.
ولعل مشهد إبراهيم(ع) هو أبهى دراما عرفها القرآن، لا لأنها أدهشت الأبصار فقط، بل لأنها أيقظت البصائر أيضاً. لم يدخل الساحة وفي يده فأس تهوى على الحجر فحسب، بل دخلها وفي روحه سؤال يهوي على يقين مزيف تراكمت عليه القرون. كان يعلم أن الأصنام لا تسكن المعابد وحدها، بل تتوارى في أعماق الوعي، وأن الحجر لا يستمد صلابته من مادته، بل من الخوف الذي يحيط به. لذلك لم يكن يكسر أصناما، وإنما كان يفتح في الجدار نافذة، ليدخل منها أول شعاع من حرية السؤال.
كانت ضربات الفأس أقل صخبا من صمت السؤال، لأن الحجر إذا تهشم أمكن ترميمه، أما السؤال إذا استيقظ فلا يعود إلى نومه. ومن هنا لم يكن إبراهيم(ع) يصنع مشهدا ينتهي بانفضاض الجمهور، بل كان يؤسس دراما تبدأ بعد إسدال الستار، حين يعود كل متفرج إلى نفسه، ويكتشف أن أعظم الأصنام ليست تلك التي تهاوت أمام عينيه، بل تلك التي ما زالت قائمة في داخله.
وما كانت الأصنام إلا أجسادا لعادة طال بها العمر، حتى حسبها الناس جزءا من الحقيقة.
﴿فجعلهم جذاذا إلا كبيرًا لهم﴾.
وهنا يختبئ السرّ الفني كله.
لماذا أبقى الكبير ولم يحطمه؟ لأن الفن العظيم لا يغلق أبواب السؤال، بل يفتحها. لو تحطمت الأصنام جميعا لانتهى المشهد عند لحظة التحطيم، أما إبراهيم(ع) فقد أراد أن يبدأ العرض الحقيقي بعد انتهاء الفعل. ترك صنما واحدا، ليجعل الصمت يتكلم، والحيرة تتحول إلى طريق، والعقول تبحث عن جواب لم تعتد البحث عنه.
وهنا تقع المفاجأة الكبرى. فبعد أن يفرغ إبراهيم من المشهد، لا يتبعه القرآن، بل يتركه في الخلف، ويمضي إلى الوجوه التي كانت تراقب في صمت. كأن الضوء ينتقل من يد صنعت الحدث إلى قلوب سيولد فيها الحدث الحقيقي. فما قيمة المشهد إن لم يجد له امتدادا في وعي من يشاهده؟
لقد انتهى فعل إبراهيم، ولكن الدراما لم تبدأ إلا الآن.
﴿قالوا من فعل هذا بآلهتنا﴾.
لم يكن هذا استفهاما عن فاعل مجهول، بل كان أول ارتجاج في يقين ظل ساكنا دهورا. كان السؤال نفسه بداية العرض، وكانت الحيرة أول مشهد في يقظة العقل. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الناس جمهورا يجلس على هامش المسرح، بل أصبحوا شخصياته الحقيقية. دخلوا إلى قلب المشهد، وصار كل واحد منهم يواجه صنمه الخاص، ويسمع في داخله صدى الفأس وهو يلامس جدران الوعي.
وهكذا يكشف القرآن عن سر الدراما الكبرى: إن البطل لا يكتمل حين ينجز فعله، بل حين يتحول المتلقي إلى شريك في صناعة المعنى. فالمتلقي… بطل المشهد الآخر.
هناك، لا يبقى المسرح خشبة، بل يغدو النفس الإنسانية، ولا يعود العرض مشهداً يرى، بل رحلة تبدأ من السؤال، ولا تنتهي إلا بالعودة إلى الذات.
إن ذروة العمل الفني لا تولد حين ينطق البطل، بل حين يستيقظ صوت خفي في أعماق المتلقي. هناك، حيث يتحول الذهول إلى سؤال، والسؤال إلى تأمل، والتأمل إلى مراجعة، والمراجعة إلى عودة شجاعة نحو الذات. ففي تلك الرحلة الصامتة يولد المعنى، ويغادر المشهد حدود الخشبة، ليقيم في أعماق الإنسان.
ولهذا لا يستغرق القرآن في وصف الأصنام وهي تتهاوى، بقدر ما يتأمل الأرواح وهي تتصدع من الداخل. فالحجارة لا تملك مستقبلا، أما الوعي فله مستقبل الأمم. وما كانت معجزة إبراهيم في أن حجراً انكسر، بل في أن صمتا قديما انكسر، وأن عقلا ظل أسيراً للمألوف بدأ يسمع لأول مرة نداء السؤال. فهناك، في تلك اللحظة التي لا ترى بالعين بل بالبصيرة، تبدأ الدراما الحقيقية؛ دراما تحرير الإنسان من الأصنام التي تسكن داخله قبل تلك التي تنتصب أمامه.
ثم يبلغ المشهد ذروته، لا بانفجار حدث جديد، بل بولادة صمت جديد. هناك ترتفع الموجة الفنية الأخيرة، في أكثر لحظاتها شفافية وإدهاشا:
﴿فرجعوا إلى أنفسهم﴾.
ما أقصرها من آية، وما أوسعها من مسرح. إنها جملة لا تروي حدثاً، بل تكشف انقلاباً في بنية الوعي. فلا حاجة هنا إلى موسيقى تصاحب المشهد، ولا إلى أضواء تلاحق الممثلين، ولا إلى تصفيق يعلن نهاية العرض. فكل ذلك يذوب أمام لحظة يعود فيها الإنسان من ضجيج الخارج إلى الإصغاء لصوت الداخل.
هنا يبلغ الفن القرآني قمته؛ إذ تتحول الخشبة إلى ضمير، ويتحول المشهد إلى محاسبة، ويغدو الصمت أبلغ من كل حوار. وما أسمى هذه الدراما التي لا تنتهي بسقوط الستار، بل تبدأ حين ينسدل الستار، لأن العرض الحقيقي لا يجري أمام العيون، وإنما في الأعماق، حيث يلتقي الإنسان بنفسه لأول مرة، ويكتشف أن الطريق إلى الحقيقة يبدأ من تلك العودة الصامتة.
إن أعظم الثورات لا تقع في الساحات، بل في الغرفة السرية التي يسكنها الوعي، حين يسمع الإنسان صوت الأصنام وهي تتهاوى في داخله، قبل أن تتهاوى أمام عينيه.
هكذا يعلمنا القرآن أن الفن ليس ما نراه، بل ما يجعلنا نرى أنفسنا. وأن المسرح الحقيقي ليس مساحة من خشب وستار، بل فضاء القلب. يغادر الممثل، ويسدل الستار، ولكن العرض لا ينتهي؛ لأنه يبدأ من اللحظة التي يعود فيها الإنسان إلى نفسه، ويكتشف أن المشهد الأخير لم يكن نهاية الحكاية، بل بداية ولادة أخرى.