يتميّز البيان القرآني بدقة اختيار ألفاظه، حتى في المواضع التي تتقارب فيها المعاني. ومن الألفاظ التي يلتقي بينها معنى السكون والاستقرار: السكينة والطمأنينة، غير أن تتبّع مواضعهما في القرآن يكشف اختلافاً لطيفاً في السياق والدلالة.
فقد وردت السكينة في سياقات التثبيت والتأييد، ولا سيما في مواطن الشدة والمواجهة، بينما وردت الطمأنينة في سياقات تتصل باستقرار القلب واليقين والذكر والبشرى.
ومن خلال النظر في هذه المواضع، يظهر كيف يصوّر القرآن انتقال الإنسان من الاضطراب إلى الثبات، ومن الخوف إلى السكون، ومن طلب اليقين إلى طمأنينة القلب.
أوّلاً: السكينة في القرآن الكريم
تتكرر السكينة في القرآن في سياقات يظهر فيها الاحتياج إلى التثبيت، وقد نُسب إنزالها إلى الله، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: 26].
وكذلك قوله: ﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: 40].
وقوله في صلح الحديبية: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ [الفتح: 18].
ويظهر في هذه الآيات أن السكينة تأتي في موطن يحتاج فيه الإنسان إلى الثبات قبل ظهور أثر الموقف. ففي صلح الحديبية جاء ترتيب الآية لافتاً: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾؛ فبدأ بما في القلوب، ثم السكينة، ثم جاءت ثمرة ذلك في الواقع وهي الفتح.
وتظهر المفارقة بصورة أوضح في قوله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: 26].
فجاءت الحمية بما فيها من انفعال واضطراب في مقابل السكينة بما فيها من ثبات وضبط للموقف، ثم أعقبها قوله: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ﴾.
كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: 4].
فهنا تتضح صلة السكينة بالقلب، وأنها ليست مجرد هدوء عابر، بل تثبيت يثمر زيادة في الإيمان.
أما في قصّة طالوت فجاءت السكينة مرتبطة بالتابوت: ﴿أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: 248].
وهذا يبين أن السكينة في القرآن لا تنحصر في صورة واحدة، وإنما تأتي في سياقات التثبيت والتأييد والعطاء الإلهي.
ثانياً: الطمأنينة في القرآن الكريم
تظهر الطمأنينة في القرآن بصورة أوضح في سياق استقرار القلب والنفس واليقين.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].
فتكرار ﴿تَطْمَئِنُّ﴾، وارتباطها في الموضعين بالقلوب، يبرز الطمأنينة باعتبارها حالة استقرار تتجدد بذكر الله.
وفي قصة إبراهيم عليه السلام تظهر دلالة أخرى دقيقة، قال تعالى: ﴿قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260].
فإبراهيم عليه السلام لم ينفِ الإيمان، بل قال: ﴿بَلَىٰ﴾، ثم طلب طمأنينة القلب. وهذا يبين أن الطمأنينة ليست مرادفة لأصل الإيمان، وإنما قد تكون زيادة في استقرار القلب ويقينه.
وفي قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ [الفجر: 27-28] تأتي الطمأنينة وصفاً للنفس في مقام الرضا والاستقرار.
كما ترتبط الطمأنينة بالبشرى في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ﴾ [آل عمران: 126].
وترتبط بزوال الخوف في قوله: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: 103].
فتكشف هذه المواضع أن الطمأنينة تتصل باستقرار القلب أو النفس، سواء جاء ذلك بالذكر، أو زيادة اليقين، أو البشرى، أو زوال الخوف.
ثالثاً: المفارقة البيانية بين السكينة والطمأنينة
عند جمع مواضع اللفظين، يظهر أن القرآن يجمع بينهما في أصل السكون والاستقرار، لكنه يضع كل لفظ في سياق ينسجم مع حركة المعنى.
فالسكينة تظهر في سياقات التثبيت والتأييد، ولا سيما حين يكون الإنسان أمام موقف يحتاج فيه إلى الثبات وضبط الانفعال، ولذلك جاء التعبير: ﴿أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ و﴿أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
أما الطمأنينة فتظهر في سياقات استقرار القلب والنفس واليقين؛ فالقلب يطمئن بذكر الله، وقلب إبراهيم يطلب الطمأنينة، والنفس توصف بالمطمئنة، والقلوب تطمئن بالبشرى، ويقال: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ﴾ بعد زوال الخوف.
وبذلك يمكن القول: إن من أبرز الفروق التي يكشفها السياق القرآني أن السكينة تبرز معنى التثبيت في مواجهة الموقف، بينما تبرز الطمأنينة معنى الاستقرار الذي يصل إليه القلب أو النفس.