إنّ إعادة صياغة الأجوبة القديمة بلباس المصطلحات العلمية الحديثة لا تؤدي بحد ذاتها، إلى تغيير الأسئلة التي أفرزها الواقع، كما أنها لا تستجيب بالضرورة لتعقيده وتحولاته المتراكمة؛ بل قد تنقلب إلى محاولة غير مباشرة لإعادة تبرير بعض التصورات القديمة وما ارتبط بها من إشكالات على مستوى المفاهيم والتطبيقات، ولا سيما تلك التي تمس حقوق المرأة وموقعها داخل البناء الاجتماعي والقانوني. فالمشكلة لا تكمن دائمًا في غياب المفاهيم الحديثة أو في عدم استحضار اللغة العلمية المعاصرة، وإنما في أن تُستعمل هذه اللغة لإعادة إنتاج الإجابات ذاتها، دون إخضاع الأسس التي أنتجتها للمراجعة والنقد.

وعندما نتحدث عن الكتابات والنصوص المنتجة في هذا المجال لا نعفي الخطاب الشفهي من ذلك؛ إذ إن ما يُنتج في كثير من الأحيان لا يتجاوز إعادة صياغة المقولات الموروثة وإلباسها لبوسًا علميًا حديثًا، بما يضفي عليها مظهرًا معرفيًا لا يغيّر من مضمونها شيئًا. وهكذا تتحول المعرفة، في بعض تجلياتها، من أداة لفهم الواقع ونقده إلى وسيلة لتثبيت مفاهيم كشف التطبيق عن قصورها، سواء كان ذلك على مستوى البناء المفاهيمي أو المستوى التشريعي والقانوني.

ولا تعدو هذه العملية، في جانب منها، أن تكون محاولة مستمرة تقع بين الترقيع المتواصل لمفاهيم اهترأت من كثرة ما أُدخل عليها من إصلاحات شكلية، وبين شيطنة ما يُطرح من استجابات جادة وتسخيفها بحجة مخالفتها للمألوف أو خروجها عن الموروث. وفي الحالتين، يجد الإنسان المضطرب فكريًا، في بعض السياقات، ملاذًا في التمسك بالماضي، والاحتماء بما أفتى به أولئك الذين رحلوا منذ مئات السنين؛ لا باعتبار أقوالهم مادةً للاجتهاد وإعادة النظر، وإنما من خلال تمجيدها وإعادة إنتاجها بصورة حرفية، وكأن اجتهاداتهم لم تكن في أصلها استجابةً واعية لإنسان عصرهم وأسئلته وظروفه.

وهذا التمجيد، بما يوفره من شعور باليقين والاستقرار، يعفي صاحبه من مؤونة مواجهة تحديات الواقع المتراكمة والغوص في إشكالاته المركبة؛ إذ يكفي استدعاء إجابة سابقة لإغلاق السؤال الراهن. وهذا ما عبّر عنه السيد محمد باقر الصدر بـ «النزعة الاستصحابية»([1])، التي لم تعد محصورة في مجال أصول الفقه، بل امتدت إلى المعرفة والاجتماع، بحيث يتحول ما كان في الأصل موقفًا منهجيًا داخل سياق معرفي محدد إلى نزعة عامة تستصحب الماضي في مواجهة الحاضر، وتتعامل مع استمرار الموروث بوصفه دليلًا على صلاحيته، بدل أن تجعل صلاحيته نفسها موضوعًا للفحص والنقد.

غير أن نقد هذا المسار لا يعني ترك أقوال الماضين أو تبخيسها، ولا يعني التعامل معها بوصفها عائقًا ينبغي التخلص منه. فالتراث الفقهي والفكري يمثل تراكمًا معرفيًا لا يمكن تجاوزه بمجرد الرفض، وإنما تكمن قيمته الأعمق في قدرته على أن يمنحنا «المعونة المنهجية» التي تمكننا من فهم كيفية إنتاج الإجابات في سياقاتها التاريخية، وكيفية الاستجابة الواعية والحقيقية لما يطرأ على المجتمع من تحولات مستمرة ومن ثم، فإن استحضار الماضي ينبغي ألا يكون لاستنساخ أجوبته، بل لاستثمار منهجه في إنتاج إجابات قادرة على مخاطبة الحاضر.

 تنصرف هذه الأسطر إلى معالجة الكتابات الإسلامية المعاصرة في السياق الشيعي تحديدًا، بالنظر إلى ما يتسم به هذا المذهب من تفاعل مع القضايا الاجتماعية، فضلًا عن حضور الزمان والمكان في عملية الاجتهاد؛ وهو ما يجعله مطالبًا بمراجعة مخرجاته الفقهية والتفاعل مع تحولات الواقع بقدرٍ يفوق ما يُنتظر من غيره.

 المقولات الناجزة في مقاربة قضايا المرأة

تتحول بعض المقولات المتداولة في الكتابات الى تعالج قضايا المرأة، أحيانًا، من منطلقات للبحث إلى إجابات ناجزة تُغلق باب التساؤل، بحيث يُنظر إلى مساءلتها أو إعادة البحث في بعض مقتضياتها بوصفها اعتراضًا على الإسلام أو رفضًا له بوصفه منظومة متكاملة. غير أن التسليم بالمبادئ الكلية، كتكريم الإسلام للإنسان وأسبقيته في تقرير جملة من الحقوق والحريات، لا يعني انتهاء السؤال، بل يفتح مجالًا للبحث في مدى استمرارهذا المنجزوكيفية ترجمته في الواقع المعاصر. فمثلًا: مقولة إن «الإسلام كرّم المرأة»؛ تستعمل في هذه الكتابات بطريقة وكأن إثبات التكريم كافٍ بذاته لإغلاق جميع الأسئلة التي يطرحها الواقع حول حقوقها. لكن ماذا يعني «التكريم» في القرآن أصلًا؟ يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾([2]). والآية، في ظاهر دلالتها، تقرر تكريما عامًا لبني آدم، يتصل بما مُنح الانسان من خصائص وقدرات، ومنها القدرة العقلية والإدراك والاختيار، وما يرتبط بإنسانيته من خصائص تميزه([3]). كما أن القرآن يربطه في موضع آخر بمعيار التقوى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾([4]).

ومن هنا تبرز إلاشكالية فإذا كان التكريم في أصله تكريمًا إنسانيًا عامًا، فلماذا ينتقل في الخطاب المعاصر إلى أن يصبح جوابًا جاهزًا عن جميع الأسئلة التي تثار حول حقوق المرأة؟ وهل مجرد القول بأن الإسلام «كرّم المرأة» يحدد طبيعة حقوقها، ومداها، وشروط ممارستها، وما يقابلها من واجبات أم أن التكريم، بوصفه قيمة عامة، يحتاج إلى أن يُترجم إلى منظومة حقوقية محددة حتى يكون قادرًا على مواجهة الأسئلة التي يطرحها الواقع بل حتى لو أُريد بالتكريم، في بعض السياقات، ما منحته الشريعة للمرأة من حقوق أساسية، كحق الحياة، وحمايتها من الاعتداء، وإقرار حقها في العمل، والتملك والاستقلال الاقتصادي، فإن هذه الخطوات كانت بالفعل بالغة الأهمية في سياقها التاريخي، ولا سيما إذا استُحضرت في مواجهة واقع الجاهلية العربية وواقع المرأة الغربية في العصور الوسطى الذي حرمت فيه المرأة من هذه الحقوق ومورس عليها صورًا من الاعتداء والإقصاء. غير أن الاعتراف بهذه الحقيقة التاريخية لا يعني أن تصبح هذه المقارنة حجةً كافية لتقييم الوضع الراهن.

فالمقارنة اليوم لم تعد ـ أو لا ينبغي ان تكون ـ بين إعطاء المرأة حق الحياة ومنع الاعتداء عليها من جهة، وبين حرمانها منه من جهة أخرى؛ لأن هذه الحقوق الأساسية أصبحت من بديهيات المنظومات القانونية والإنسانية المعاصرة. وإنما أصبحت المقارنة في الوقت الحالي تدور في مستوى آخر بين تصورات قانونية ومعرفية معاصرة تنظر إلى المرأة بوصفها ذاتًا حقوقية كاملة تنادي بمبدأ المساواة في جميع المجالات، وبين المنظومات الفقهية والقانونية والاجتماعية التي تحدد الحقوق والواجبات على أساس الاختلاف بين الجنسين وتنادي بضرورة استحضار مفهوم العدالة. فالمعالجة هنا يجب ان تلحظ هذا الجانب المعرفي والحقوقي من المقارنة فمجرد استدعاء الإنجاز التاريخي وحده لا يكفي للإجابة عن السؤال المعاصر. هذا وهناك مقولة أخرى شائعة في هذا السياق، وهي ان الإسلام سبق الغرب في منح المرأة حقوقها. وهذه المقولة، حتى مع التسليم بصحتها لا تحسم الوضع الراهن؛ لأن الأسبقية التاريخية لا تكفي لتحديد مدى صلاحية التصورات اليوم، ما لم تكن تلك الأسبقية مستمرة في إنتاج منظومة قادرة على الاستجابة للتحولات الجديدة. فكون الإسلام قد أنقذ المرأة من بعض مظاهر الجاهلية العربية في ذلك الزمن لا يعني بالضرورة أن كل ما طُرح لاحقًا في إطار فقهي أو اجتماعي، لمجرد اتصاله ـولو بصورة غير ماشرةـ بالإسلام، يظل بالضرورة حقًا وصوابًا لا يعاد النظر فيه..

إن تحويل «الأسبقية» إلى حجة نهائية قد يؤدي، إلى تجميد السؤال بدل الإجابة عنه؛ إذ يصبح المطلوب إثبات أن الإسلام فعل شيئًا قبل الغرب، لا اختبار ما إذا كانت المنظومة الحالية قادرة على التعامل مع الأسئلة التي لم تكن مطروحة في ذلك السياق التاريخي أصلًا. والحال أن سبق الإسلام في معالجة قضايا المرأة لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن الاجتهاد في القضايا التي استحدثها الواقع.

وعليه، يجب الانتقال من سؤال «هل كرّم الإسلام المرأة» إلى سؤال أكثر جوهرية، يتصل بكيفية تأسيس حقوق المرأة داخل المرجعية الإسلامية تأسيساً يجعلها موضوعًا للاجتهاد والنقد وإعادة النظر بقدر ما يفرضه تغير الزمان والمكان؟

هذا، اضافة إلى استخدام مفاهيم فضفاضة في تأسيس بعض القيود أو المنع من الحقوق، من قبيل مفهوم «الطبيعة الأنثوية»، وهو مفهوم غير محدد الدلالة؛ فهل يُراد به ماهية الإنسان بما هو إنسان، أم يُراد به خصائص محددة للأنثى بوصفها أنثى؟ وإذا كان المقصود خصائص محددة، فهل هي خصائص عرضية أم جوهرية تبلغ من القوة والوضوح حدًّا يسمح بجعلها أساسًا للتشريع، بحيث يُبنى عليها المنع من بعض الحقوق أو إثبات ما يجب على المرأة فعله؟ فمثلا اذا ظهرت، بعض النساء في مجتمعات معينة بصورة خانعه، مشتته، أو غير رافضة للظلم، أو محدودة المشاركة في المجال العام، أو أقل جرأة في اتخاذ القرارت، جرى تحويل هذه المظاهر الاجتماعية إلى خصائص أنثوية عامة، ثم يُنظر إلى المرأة التي تتجاوزها بوصفها مخالِفة لطبيعتها. ومن ثم يصبح هذا المفهوم وسيلة لإلزامها بنموذج محدد من سلوكيات، الحقوق والواجبات.

وينطبق الإشكال ذاته على مفهوم «عاطفية المرأة»، الذي يُطرح في بعض الكتابات بوصفه مسلّمة أو مقدمة مؤيدة لمصادرة بعض حقوقها، كحقها في ممارسة القضاء مثلا من غير أن يتضح لنا تحديدًا ما المقصود بالعاطفية التي يراد جعلها مؤيدا او محددا للحكم. فهل العاطفية مفهوم متواطئ تتصف به جميع النساء بالقدر نفسه، أم أنها مفهوم مشكك تختلف درجاته بين النساء وهل يُفترض أن الرجال معفون منها بالكامل؟ أم أنها تتأثر بالبيئة والتربية والتنشئة الاجتماعية، بحيث يمكن أن تشمل الجنسين معًا بدرجات متفاوتة؟ ثم هل تدخل ضمنها الانفعالات المختلفة، كالغضب مثلًا، والذي يُنسب إلى الرجل في الغالب، فيصبح الرجل ـ وفق هذا التعريف ـ عاطفيًا أيضًا؟ أم أن العاطفية يراد بها الرحمة ورقة القلب وإذا كان الأمر كذلك، فهل هذه الصفات خصائص سلبية تبرر تقييد بعض الحقوق التي يجب ان تقيّم في ظل شروط الأهلية والكفاءة العلمية.

هذا كله يفضي إلى سؤال أوسع حول المنهج المعرفي المتبع الذي ينتج هذه المقولات فإذا كانت بعض الأحكام تُبنى على توصيفات تتعلق بطبيعة المرأة أو عاطفيتها أو خصائصها النفسية، فما المنهج الذي يثبت أصل هذه الخصائص؟ وهل يقتصر البحث على النص الديني وما استنبطه الفقهاء منه أم يقتضي ـ ـ بحكم طبيعة الموضوع ـ الاستعانة أيضًا بالعلوم التي تبحث في الإنسان وخصائصه وسلوكه، كعلم الأحياء والفلسفة وعلم النفس وغيرها.

 آليات التعاطي مع أحاديث ذمّ المرأة بين التسليم الحرفي والارتهان للتبرير

ان بعض الكتابات في هذا المجال تميل إلى انتقاء النصوص التي توحي بتكريم المرأة، مع إغفال كمٍّ كبير من الروايات التي ترسم عنها صورة سلبية، تقترب أحيانًا من نزع العقل عنها أو اختزالها في خصائص جسدية. ومن ذلك الاستناد إلى الحديث: «فإن المرأة ريحانة وليست بقهرمانة»([5]) بوصفه تعبيرًا عن تكريم المرأة([6])، مع إغفال السياق الذي يسبقه: «لا تُمَلِّكِ المرأةَ من الأمرِ ما يجاوزُ نفسَها… فإنَّ المرأةَ ريحانةٌ وليست بقهرمانةٍ». وهو ما يثير سؤالًا حول مدى إمكان فهم «ريحانة» بوصفها تكريمًا مطلقًا، في حين تقترن العبارة بتقييد واضح لنطاق ما تملكه المرأة من الأمر. ويظهر الإشكال بصورة أوضح في التعامل مع بعض الروايات ذات الدلالة السلبية، إذ تتراوح المعالجة بين فحص السند، ودراسة المتن، ومحاولة تأويل الرواية على ضعفها أو إرسالها بما يخفف من ظاهرها. ويمكن تقسيم هذه الاحاديث إلى ثلاثة أقسام:

أولًا: الأحاديث التي تنتقص من القدرة العقلية للمرأة

 ومثال ذلك الحديث المشهور: «إن النساء نواقص الايمان نواقص الحظوظ نواقص العقول»([7]) وقد فسر نقصان الدين بترك الصلاة والصوم في مدة الحيض. وهنا يبرز سؤال يتجاوز مجرد شرح الرواية وهو هل الامتثال لأمر الله، حين يكون الامتناع عن العبادة مفروضًا بحكم حالة جسدية، يمكن أن يوصف بأنه «نقصان» في الدين أي إذا كان ترك الصلاة في الحيض لا يمثل تقصيرًا اختياريًا، بل حكمًا شرعيًا متعلقًا بحالة مخصوصة، فهل يصح جعله معيارًا لنقصان الدين وهل اختلاف مقدار العبادات يدل بالضرورة على نقص في دين المؤمن؟ فالمسافر، مثلًا، يقصر الصلاة، وهذا الاختلاف في مقدار التكليف لا يُفهم منه نقص في دينه؛ فلماذا يُنتج الاختلاف نفسه في حالة المرأة دلالة مختلفة؟

أما نقصان العقل، فقد فُسِّره البعض بالشهادة، الأمر الذي يفتح باب التساؤل حول معنى «العقل» المقصود هنا. فقد ورد في الكافي تعريف العقل بأنه: «ما عُبد به الرحمن واكتُسب به الجنان». فإذا كان العقل هو الأداة التي يُعبد بها الله ويُكتسب بها الجنان، فما المراد بالعقل في الحديث الأول هل المراد هو القدرة على الضبط والإثبات في مجال الشهادة فقط وإذا كان كذلك فلماذا هذا الاطلاق وهل شهادة امرأتين في بعض المواضع يفيد معنى النقصان اي هل الشهادة متصلة هنا بالعقل أم بالحواس([8])، واذا اريد به العقل بمعناه الأخلاقي؟ أي إذا كان المراد هو العقل العملي فما هو الطريق لاثبات ذلك النقص وإذا كان المقصود هو العقل النظري أو المكتسب، المرتبط بالتعلم والاستدلال ومزاولة العلوم، فإن السؤال الذي يصبح أكثر إلحاحًا هل هذا النقص مفترض في تكوين المرأة لذاتها، أم أنه نتيجة للتربية والمناخ المعرفي والفرص التعليمية فإذا كانت امرأة عالمة في الفيزياء أو الكيمياء أو الفلسفة، فما المعنى الذي يبقى لوصف «النقص» بوصفه ملازمًا لكونها امرأة؟ وما المبرر المنهجي لتعميم وصف نشأ ـ إن ثبت ـ في سياق اجتماعي أو تعليمي معين على جنس كامل؟

هذا وقد جاء في حديث آخر: إن «عقول النساء في جمالهن، وجمال الرجال في عقولهم»([9])، وعلى الرغم من وجود بحث في سندها؛ إذ لا تُعدّ من الروايات الصحيحة أو الموثقة بحسب بعض الدراسات الرجالية([10]). ومع ذلك، فإن مناقشة السند لا تستنفد السؤال؛ إذ تبقى دلالة الرواية نفسها جديرة بالفحص فما معنى أن تكون عقول النساء في جمالهن؟ ولماذا يُجعل جمال المرأة قرينًا بعقلها، بينما يُجعل جمال الرجل قرينًا بعقله؟ وما الأساس الذي يسمح بإقامة هذا التفريق بين الرجل والمرأة في التعبير عن الكمال العقلي والإنساني وقد أوّل هذا الحديث بالعديد من التأويلات التبريرية وهذا من العجب فلماذا تحمل مؤونة التأويل مع ضعف السند واشكالية المتن ولهذا السؤال ايضا الكثير من الاجوبة التبريرية. هذا بالإضافه إلى الكثير من الاحاديث الاخرى المنسوبه الى الإمام علي عليه السلام ومنها قوله: «اتقوا شرار النساء، وكونوا من خيارهن على حذر، ولا تطيعوهن في المعروف حتى لا يطمعن في المنكر»، و«إيّاك ومشاورة النساء، فإنّ رأيهن إلى أفن، وعزمهن إلى وهن»، وفي بعض الروايات ذكر استثناء من جربت بكمال العقل «إياك ومشاورة النساء إلاّ من جرّبت بكمال العقل.. »([11]) وهو استثناء يؤكد القاعدة.

 ثانيًا: أحاديث تذمّ أخلاقها

لا تقتصر بعض الروايات على الانتقاص من عقل المرأة وقدراتها، بل تمتد إلى النيل من أخلاقها، كالروايات التي تفيد باستحالة وفائها «الوفاء من المرأة محال»([12]) والتي تصف غيرتها بالكفر وعلى الرغم من الإشكالات السندية التي تحيط ببعض هذه الروايات، فإن حضورها في الخطاب الديني يستدعي مساءلة دلالاتها وآثارها في تشكيل التصور الأخلاقي للمرأة.

ويبرز ذلك بوضوح في تفكيك حديث «غيرة المرأة كفر، وغيرة الرجل إيمان». فالتفريق بين غيرة المرأة وغيرة الرجل هنا يثير إشكالًا أخلاقيًا؛ إذ إن الغيرة، بوصفها انفعالًا داخليًا، تعد طبيعة إنسانية مشتركة لا تختص بجنس دون آخر، وقد تكون آثارها إيجابية أو سلبية تبعًا لموضوعها وكيفية التعبير عنها. فقد تدفع إلى مقاومة الخيانة والزنى، كما قد تنقلب إلى ظلم وتسلط. ومن ثم، فوصف غيرة المرأة على إطلاقها لا يبدو مبررًا في مقابل جعل غيرة الرجل من الإيمان؛ إذ لا يمكن أن تكون الغيرة إيمانية لمجرد صدورها عن الرجل، هذا حتى لو دفعته إلى منع المرأة من الخروج للاضرار بها والتضييق عليها في جميع المسائل.

وعليه، فالمشكلة ليست في وجود الغيرة، وإنما في المعيار الذي يجعلها كفرًا في المرأة وإيمانًا في الرجل. وقد يُفسَّر الحديث بأن المقصود من غيرة المرأة تلك التي تدفعها إلى منع زوجها من الزواج بثانية، باعتبار أن في ذلك اعتراضًا على أوامر الله وبالتالي عصيانه. غير أن هذا التفسير لا يخلو من إشكال؛ فالزواج من ثانية داخل في دائرة الإباحة لا الوجوب، فلا يصح بالضرورة اعتبار رفض المرأة له اعتراضًا على حكم واجب. فضلًا عن أن بعض الآراء الفقهية تجيز للمرأة اشتراط عدم الزواج عليها ضمن العقد، وتُلزم الزوج بالوفاء بهذا الشرط، كما ذهب إلى ذلك الحكيم([13])، السيستاني([14])، والخميني([15]). ومن ثم، فإن تفسير غيرة المرأة بأنها اعتراض على إرادة الله أو منع لحكم شرعي لا يستقيم على إطلاقه.

ويتصل هذا بإشكال أعمق يتعلق بمفهوم الأخلاق وانبغائيتها فإذا كان العقل العملي مشتركًا بين الرجل والمرأة، فما مبرر تخصيص المرأة بمنظومة أخلاقية مغايرة للأخلاق الإنسانية العامة ويتضح ذلك بشكل جلي في رواية «خيار خصال النساء شرار خصال الرجال الزهو والجبن والبخل»([16]). وقد حملت معاني الزهو والجبن والبخل على عدم التمكين وحفظ المال والخوف إلا أن هذا التفسير يثير إشكالًا على أكثر من مستوى؛ فمن جهة أولى، إنه ينقل الصفات الثلاث من دلالتها الأخلاقية العامة إلى معانٍ وظيفية خاصة بالمرأة؛ فيحمل الزهو على الامتناع عن التمكين، والبخل على حفظ مالها ومال زوجها، والجبن على الفرق من كل شيء يعرض لها. وبذلك تتحول صفات تُعدّ في أصلها مذمومة إلى خصال محمودة بمجرد اختلاف محلّها بين الرجل والمرأة، من غير أن يتضح كيف يغيّر اختلاف الجنس من القيمة الأخلاقية للصفة ذاتها.

من جهة ثانية، فإن هذا التأويل يجعل قيمة هذه الصفات لدى المرأة متصلة بعلاقتها بالآخر، ولا سيما الزوج، أكثر من اتصالها بذاتها بوصفها ذاتًا أخلاقية مختارة؛ فهل يلزم من ذلك ألا تُعدّ الشجاعة والكرم والإقدام من فضائل المرأة، لمجرد أن الرواية جعلت الزهو والجبن والبخل من خيار خصالها؟ وإذا كانت هذه الصفات قد صارت محمودة بالنظر إلى آثارها في العلاقة بالآخر، فلماذا لا يتصف بها الرجل ايضًا كأن يعف نفسه عن الشهوات ويصون ماله ومال زوجه بالبخل ويحفظ نفسه بالتهيب والخوف من كل شيء.

ومن جهة ثالثة يظل السؤال قائمًا حول ما إذا كانت هذه الصفات تُفهم بوصفها فضائل نسبية تكتسب قيمتها في حالات أو سياقات معينة، أم أنها صفات مطلقة يُطلب من المرأة الاتصاف بها لمجرد كونها امرأة. فإذا كان المقصود بالزهو الامتناع عن التمكين، فهل الزهو هو الذي ينبغي أن يؤسس لهذا الامتناع، أم أن الكرامة واحترام الذات والوعي بقيمة الوجود الإنساني أليق بتأسيسه. وإذا كان البخل يُمدح من جهة حفظ المال، فهل البخل هو الذي يحفظ المال وينميه، أم أن حسن التدبير والعطاء المسؤول والاستثمار يكون أقدر على حفظ المال وتنميته وكذلك، إذا كان الجبن يُفسَّر بالخوف والحذر من الأخطار، فهل الخوف والفرار هما ما يدفعان الخطر، أم أن الشجاعة المقترنة بالتخطيط وتحمل المسؤولية وحفظ الذات في الظروف التي تستدعي ذلك هي الأقدر على مواجهته.

وإذا كانت هذه المعاني لا تُمدح إلا في سياقات مخصوصة، فلا يصح تحويلها إلى خصال أخلاقية مطلقة للمرأة؛ غير أن إطلاق الرواية بقوله: «خيار خصال النساء» يوحي بتعميمها على النساء من حيث هنّ نساء. وهنا يبرز الإشكال في ترسيخ منظومة قيمية سلبية للمرأة؛ إذ إن تهذيب الإنسان والارتقاء الأخلاقي به يفترض، في الأصل، الانتقال من الخوف إلى الشجاعة، ومن الإمساك إلى الكرم، ومن التردد إلى الإقدام المسؤول. فإذا كانت هذه الصفات تمثل نقائص يتجاوزها الإنسان كلما ارتقى في تهذيب ذاته، فما مبرر جعلها خيار خصال المرأة وترسيخها بوصفها نموذجًا أخلاقيًا خاصًا بها.

ثالثًا: أحاديث تصف المرأة بأوصاف مذمومة

توجد احاديث كثيرة أخرى تجعل المرأة في سياق مختلف من الاختزال، فتربطها بالفرج والدابة ومن ذلك ما ورد في مستدرك الوسائل في باب كراهة ركوب النساء السروج: «ويركبن ذوات الفروج السروج، فعليهن من أمتي لعنة الله». كما ورد حديث «النساء لحم على وضم إلا ما ذُبَّ عنه»([17]). وجاء في تفسيره ان النساء مثل اللحم الذي لا يمنتع على احد الا ان يذب عنه ويدفع([18]). وهنا يبلغ اختزال المرأة ذروته حين يُعبَّر عنها بـ «اللحم» و«الفرج»، لا بوصف الفرج جزءًا من الجسد فحَسْب، بل بما يجعل هذا الجزء وكأنه عنوان لوجودها كله. فحين تُسمّى المرأة أو يُشار إليها بما يدل على فرجها، فإن ذلك يختزل ذاتًا إنسانية بعقلها وشخصيتها وإرادتها وقدرتها على المعرفة والفعل في عضومعين، وهو اختزال يمسّ إنسانيتها بالمقام الأول. والسؤال هنا لماذا تُختزل المرأة في فرجها، في حين لا يُجعل الفرج عنوانًا لتعريف الرجل أو اختزال وجوده؟ فإذا كان المقصود مجرد الإشارة إلى الوظيفة الجنسية، فإن هذه الوظيفة مشتركة بين الرجل والمرأة، فلماذا يتحول العضو في جسد المرأة إلى وصف دال عليها بالخصوص. هذا وقد جاء في رواية أخرى إن «المرأة عقرب حلوة اللسبة»، و«المرأة شرّ كلها، وشرّ ما فيها أنه لا بدّ منها»، و«فإن المثل دليل على الشبهة ان البهائم همها بطونها والسباع همها العدوان على غيرها وان النساء همهن زينة الحياة الدنيا والفساد فيها»، وغيرها من الاحاديث.

 وتثير هذه الروايات ـ وهي غيض من فيض ـ عند جمع دلالاتها والنظر إليها في إطارها الكلي، إشكالًا يتجاوز حدود الدلالة الفقهية أو الأخلاقية لبعض النصوص، ليصل إلى مستوى التصور العقدي والكلامي لمفهوم الإنسان والتكليف والعدل الإلهي. فإذا كانت المرأة، وفق بعض هذه الأحاديث، أدنى عقلًا، وأضعف إدراكًا، وأكثر غرقًا في الشهوة والفتنة، بل ويُعبَّر عنها في بعضها بما يجعل وجودها نفسه موضع حذر أو شر، فكيف يمكن التوفيق بين هذه الصورة وبين الخطاب القرآني الذي يجعل مناط التكليف والثواب والعقاب قائمًا على العمل والمسؤولية الإنسانية، من غير تمييز في أصل الكرامة والتكليف بين الذكر والأنثى؟

أي إذا كان القرآن يقرر أن الجزاء مترتب على العمل، وأن الإنسان يُحاسب على ما يكتسبه ويختاره، فإن افتراض نقص جوهري في عقل المرأة يثير التساؤل حول كيف يُكلَّف كائن يُفترض أنه ناقص القدرة العقلية بالتكاليف نفسها التي يُكلَّف بها الرجل؟ اي ان نسبة النقص العقلي إلى المرأة على نحو ذاتي ومستقر تجعل المسألة متصلة بمبدأ الحكمة الإلهية ذاته؛ إذ لا يُتصور أن يكلّف الحكيمُ هذا الكائن الناقص بالذات بما لا يطاق.

كما أن وصف المرأة في بعض الاحاديث بأنها «شرّ» أو جعلها مصدرًا ذاتيًا للشرّ يثير إشكالًا آخر في فلسفة الشر هل يمكن أن يكون هناك شرٌّ مطلق قائم في ذات مخلوق بعينه وإذا كان الشر المطلق غير متحقق في الموجودات على هذا النحو، فكيف يُفهم وصف المرأة بشكل عام بأنها شر؟ وهل يعود الشر إلى ماهية المرأة بما هي امرأة، أم إلى أفعال محددة تصدر عن الإنسان، رجلًا كان أو امرأة؟ فإذا كان الشر الأخلاقي متعلقًا بالفعل والاختيار، فإن تحويله إلى صفة جوهرية لجنس بشري ينقل المسألة من دائرة المسؤولية الأخلاقية إلى دائرة الحكم على الوجود نفسه.

لا ازعم ان الكثيرة من هذه الأسئلة لم تُطرح وتعالج فقد تناولتها بعض البحوث الجادة من خلال دراسة الأسانيد والمتون، ومناقشة دلالات الروايات، وبيان ما قد يعتري بعضها من ضعف سندي أو إشكال متني، أو محاولة قراءتها في ضوء القرآن اوتصنيف بعض الاحاديث انها جاءت على نحو القضية الخارجية لا الحقيقية وغير ذلك من التوجيهات. إلا أن السؤال الذي يبقى عالقًا هنا هل تكفي دراسة الأحاديث سندًا ومتنًا، مهما بلغت دقتها، لإنتاج تصور إنساني عن المرأة؟

من المسلم به إن نقد السند والمتن يعد مرحلة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها؛ فإثبات النص، وتمييز الصحيح من الضعيف، وفحص دلالته وسياقه، شروط لا غنى عنها في أي معالجة علمية. غير أن السؤال هو ما إذا كانت هذه المرحلة تكفي وحدها عندما يكون موضوع البحث ليس رواية بعينها، وإنما تصورًا متراكمًا عن المرأة تشكل عبر عدد كبير من النصوص والقراءات والتأويلات والمقولات الفقهية والثقافية. فتضعيف رواية من جهة السند لا يؤدي بالضرورة إلى إسقاط التصور الذي استُخدمت فيه، كما أن تأويل متن رواية أخرى لا يعني بالضرورة إعادة بناء المفهوم الذي قامت عليه.فإذا عولجت رواية واحدة سندًا ومتنًا، ثم رواية ثانية وثالثة، بل عشرات الروايات، وانتهى البحث في كل مرة إلى ضعف السند أو اضطراب المتن أو تعارض الدلالة مع بعض المفاهيم القرآنية، فهل يؤدي تراكم هذه النتائج الجزئية بالضرورة إلى تصور بديل؟ أم أن البحث قد يبقى داخل الدائرة نفسها رواية تُضعّف، وأخرى تُؤوّل، وثالثة يُقال بتعارضها مع القرآن، ثم تُستعاد روايات أخرى لتفسيرها أو لتخصيصها، من دون الانتقال إلى تفكيك آليات العقل الذي أنتج هذه التصور الكلي عن المرأة، والتأكيد الجريء والواضح على محورية القران، وضرب كل ما يخالفه من الأحاديث وغيرها عرض الحائط، وخاصة تلك التي تسلب المرأة إنسانيتها.

اختزال التعدد الاجتهادي في هيمنة «القول المشهور» وافتراض أحاديته

يُعدّ استحضار الزمان والمكان من المداخل الأساسية التي تتيح للفقه قدرًا من المرونة في الاستجابة لتحولات الواقع، إذ إن تغير هذه الظروف قد يؤدي، بحسب طبيعة المسألة، إلى تغير الحكم. ومن هنا، فإن التحولات التي طرأت على واقع المرأة والأسرة لا ينبغي أن تُعامل باعتبارها وقائع خارجية عن العملية الاجتهادية، وإنما بوصفها معطيات ينبغي أن تدخل في فهم الموضوع وتحديد مناط الحكم وبيان مدى قابليته للتطبيق في الواقع الجديد.

وتتأكد أهمية هذا في جملة من القضايا التي لم تعد مسائل نظرية مجردة، بل أصبحت إشكالات حقوقية تمس الحياة اليومية للمرأة والأسرة بصورة مباشرة؛ مثل حدود سلطة الزوج،مشاركة المرأة في العمل والتعليم واستقلالها الاقتصادي، وخروجها من المنزل. وتطرح كذلك مسألة ولاية الأم على أطفالها بعد وفاة الأب أو غيابه، وما قد ينشأ عنها من تعارض مع ولاية الجد، فضلًا عن تحديد مدة الحضانة ومن تؤول إليه بعد انقضائها. وهذه الأسئلة ليست ترفًا معرفيًا، ولا محاولة لخلق إشكالات دفاعية لا يفرضها الواقع، بل هي أسئلة يفرضها التحول الفعلي في حياة النساء وبنية الأسرة ولذلك فإن تجاهلها أو التعامل معها باعتبارها مجرد انحراف عن النموذج التقليدي لا يلغيها، بل يؤجل الإجابة عنها او يتيح المجال لاتجاهات معرفية اخرى ان تقدم نظريتها.

ومع ذلك، يلاحظ في جانب من الكتابات المعاصرة حول قضايا المرأة ميلٌ إلى إعادة عرض ما استقر عليه المشهور من آراء الفقهاء، مع حضور أقل للاجتهادات التي حاولت إعادة قراءة هذه المسائل في ضوء تغير الظروف الزمانية والمكانية. ولا تكمن المشكلة هنا في عرض رأي المشهور وإنما في اختزال المشهد الفقهي فيه وبهذا قد يحجب تعددًا اجتهاديًا قائمًا بالفعل، ويجعل بعض النتائج تبدو وكأنها تمثل الموقف الفقهي الوحيد الممكن، في حين أن داخل التراث نفسه آراء أخرى قد توفر إمكانات مختلفة في التعامل مع الواقع المعاصر. ومن شأن هذا الإغفال أن يحول التراث من مجال لتعدد الاجتهادات وإمكان إعادة النظر إلى أداة لإعادة إنتاج الماضي وإسقاطه على حاضر تغيرت فيه شروط الحياة الفردية والموضوعية.

ويظهر ذلك مثًلا في تفسير مفهوم القوامة فحين تُفهم القوامة بوصفها مسؤولية ملقاة على عاتق الرجل، فإن ذلك لا يستلزم في ذاته تفضيلًا إنسانيًا أو قيمة ذاتية أعلى للرجل، غير أن هذا المفهوم قد يتحول عند التطبيق إلى سلطة واسعة على المرأة، فيستعمله بعض الأزواج للتضييق والتشفي..إلخ وهنا تنتقل القوامة من إطار المسؤولية إلى إطار «السلطة المطلقة للرجل». ومع ذلك فقد قدمت قراءات أخرى لا تجعل القوامة ملازمة للذكورة وانما تسعى إلى فهم القوامة ضمن شروطها وسياقها وحدودها فيرى الشيخ آملي ان القوامة ليست من مختصات الذكورة أو الأنوثة فاذا كانت المرأة هي من تقوم بالانفاق وكانت اكثر ادراكاً وقدرة على التخطيط من الرجل فتكون مسؤولية القوامه ملقاة على عاتقها([19]). غير أن مثل هذه التفسيرات لا تحظى دائمًا بالحضور نفسه الذي تحظى به التفاسير التي توسع قوامة الرجل على المرأة بشكل مطلق يشمل جميع المجالات، مع أن الآية جاءت في سياق العلاقة الزوجية. ولا تكمن فائدة عرض التفسيرات المختلفة في مجرد إثبات تعدد الأقوال، وإنما في الكشف عن أن فهم النص القرآني يتأثر بالمقدمات والسياقات وبذاتية المفسر وبالتالي فإن بعض التطبيقات التي تبدو حتمية ليست بالضرورة كذلك.

ويظهر الأمر ذاته في الحضانة؛ إذ لا تنحصر الاجتهادات في التصورات الأكثر شيوعًا بشأن انتهاء الحضانة عند سن الثانية للذكر والسابعة للأنثى، بل توجد آراء أقل شهرة تساوي بين الذكر والانثى الى سن السابعة([20]) بينما تمتد في آراء اخرى إلى سن التاسعة للأنثى وأما الصدوق فيجعل حضانة الجنسين للأم ما لم تتزوج([21]). وفي مسألة العمل وحقوق الزوج، توجد اجتهادات معاصرة جادة تحاول إعادة تحديد العلاقة بين حقوق الزوج وحق المرأة في العمل والحضور الاجتماعي. ويمكن تمييز ثلاث اتجاهات فقهية في سياق معالجة عمل المرأة الملازم لخروجها من المنزل الاتجاه الأول يذهب الى القول بقدرة الزوج على المنع المطلق من الخروج باستثناء موارد محدودة، كالخروج للحج. وهو قول المشهور ويستند هذا الاتجاه بالأساس إلى الرواية التي سُئل فيها النبي عن زيارة المرأة لأبيها، فطلب أن يكون ذلك بإذن الزوج. وقد شكك البحراني في دلالة الرواية صراحةً على ثبوت حق الزوج في منعها من الخروج([22]). وأما الروايات الأخرى، فيرى محمد مهدي شمس الدين أن بعضها غير صحيح السند، وبعضها الآخر غير ثابت الدلالة على ما أُفتي به من حق الزوج المطلق في المنع، ومن فهم منها هذا الثبوت فقد توهّم دلالتها على ذلك([23]). أما الاتجاه الثاني، فيقول بسلطة الرجل في المنع مع استثناء موارد لا تحتاج فيها المرأة إلى إذن الزوج، ومنها اكتساب المعارف العقدية، الخروج للعلاج، أو الفرار من الأضرار الجسمية أو المالية المتعلقة بالمرض، والمشاركة في الانتخابات، والخروج عند ترتب العسر والحرج غير المحتمل على البقاء في المنزل، وأداء الواجبات العينية، وتأمين المعيشة عند عجز الزوج عن ذلك، ورفع الدعاوى أمام المحاكم، وهو ما ذهب إليه اللنكراني([24]). أما الشيرازي، فاستثنى ما تتوقف عليه حاجات المرأة وضروريات حياتها، وفعل الواجبات، كالحج وصلة الرحم بالمقدار الواجب وأداء الديون والخروج لدفع العسر والحرج إذا كان البقاء في المنزل يسبب الضيق أو الأمراض العصبية، وكذلك إذا اشترطت المرأة ذلك في العقد، أو قصد الزوج من منعها الإضرار بها([25]).

في حين يذهب الاتجاه الثالث، إلى أن منع الزوجة من الخروج يثبت في حال تعارض خروجها مع حق الزوج الشرعي في العلاقة الزوجية فقط ولا يحق له المنع المطلق، وهو ما ذهب إليه الصانعي([26]). وهو ما يظهر من قول محمد مهدي شمس الدين ومحمد حسين فضل الله على تفصيل في التمييز بين الحق في المنع وبين اخذ الإذن. وتكشف هذه الاتجاهات عن اختلاف في تحديد نطاق حق الزوج، وبالتالي عن اختلاف في المساحة التي يمكن أن تتحرك فيها المرأة خارج المنزل، بما في ذلك العمل والحضور الاجتماعي.

هذا فضلا عن مسألة ولاية الأم على اولادها في حالة غياب الأب او وفاته فالأسرة المعاصرة لم تعد في كثير من البيئات قائمة على النموذج الممتد الذي كان يجعل الجد والأقارب جزءًا مباشرًا من البنية الأسرية اليومية، وإنما اتجهت بدرجة كبيرة نحو الأسرة النووية. وفي الوقت نفسه، توسع حضور المرأة في العمل والتعليم والثقافة، وازدادت درجة استقلالها الاقتصادي، وتغيرت طبيعة مساهمتها في إعالة الأسرة ورعاية الأبناء. علاوة عما تعيشه مجتمعاتنا من حروب دائمة وفقدان الآباء وانتقال الولاية الى الجد مع وجود الأم واحتمالية نشوب صراعات في هذا المجال ومن هنا ينبغي أن تكون هذا التحولات جزءًا من عملية الاجتهاد وعليه يصبح من المشروع فقهيا البحث في مدى بقاء التصورات السابقة على حالها، وما إذا كان الحكم متعلقًا بخصوصية ثابتة، أم بموضوع ومناط يتغير بتغير الظروف. ولن يعالج الأمر هنا من خلال المطالبة بعودة المجتمع إلى نموذج الأسرة الكبيرة حتى تنسجم أحكامه مع التصورات السابقة، ولا أن يُنظر إلى عمل المرأة وخروجها واستقلالها الاقتصادي بوصفها وقائع ينبغي إلغاؤها قبل إمكان معالجة المسألة فقهيًا؛ بل المطلوب أن يُقرأ الواقع كما أصبح، وأن تُدرس حاجاته ومشكلاته، ثم تُبحث في ضوء ذلك الإمكانات الاجتهادية المتاحة. فالواقع هنا ليس خصمًا للفقه، وإنما هو المجال الذي تُختبر فيه قدرة الاجتهاد على فهم موضوعاته ومعالجة آثاره وهذا ما فطن اليه الصانعي من خلال معالجتة مسألة ولاية الأم على اطفالها وتقديها على الجد في حالة وفاة الأب([27]).

التعميم والاختزال في التعامل مع الكتابات النسوية

تتصل قيمة النقد، في المجال المعرفي، بقدرته على تجاوز مجرد النقض إلى الكشف عن مواطن الخلل وإعادة بناء الأسئلة على نحو أكثر اتساقًا مع الواقع. فحين يتحول نقد الآخر إلى غاية مستقلة، ويستغرق الخطاب في تفكيك أطروحاته، قد ينتهي به الأمر إلى الانشغال بالآخر على حساب مساءلة الذات، فتغيب المشكلات التي يعيشها المجتمع، كما تغيب الحاجة إلى مراجعة التصورات القائمة ومدى قدرتها على الاستجابة. ومن هذا المنطلق، فإن قراءة النسوية، أو أي اتجاه معرفي آخر، تكتسب قيمتها حين تتجاوز الرغبة في نقضها لمجرد النقض، إلى فهم أسئلته واختبار حضورها في واقع المرأة العربية، ومساءلة الكيفية التي عولجت بها هذه الأسئلة فقهيًا وفكريًا داخل السياق العربي والإسلامي.

فالمعيار هنا ليس حجم حضور السؤال في الكتابات النسوية، وإنما مدى تعبيره عن مشكلة حقيقية في مجتمعاتنا، ومدى قدرة التصورات القائمة على إنتاج إجابات تستجيب لتحولات الواقع. وتبرز في هذا السياق قضايا الحضانة والولاية والعمل والتعليم والحقوق الاقتصادية وغيرها، بوصفها مسائل تفرض مراجعة التصورات السائدة واختبار قدرتها على استيعاب التحولات الاجتماعية كما ذكرنا سابقًا.

وفي الجهة المقابلة، فإن بناء نقد معرفي للنسوية يفترض قراءتها في مصادرها، والتمييز بين اتجاهاتها ومناهجها، بدل تأسيس النقد على «صورة متخيلة» عنها. فكثير من الكتابات النقدية تختزل النسوية في اتجاهها الراديكالي التحرري المتطرف، القائمة على حتمية الصراع الأزلي بين الرجل والمرأة، متجاوزة تعدد منطلقاتها وأسئلتها. فالنسوية التحليلية النفسية والمادية وغيرها لا تنطلق بالضرورة من التصور نفسه، وإنما تطرح أسئلة متشعبة حول الذات والسلطة والأسرة والعمل والمجتمع. ومن ثم، فإن الرد على صورة مختزلة من النسوية لا يرقى إلى نقد معرفي حقيقي؛ لأنه لا يتجه إلى الأطروحات في بنيتها ومقدماتها.

ويتصل بذلك ضرورة الفصل بين السؤال والإجابة التي قُدمت عنه؛ فارتباط سؤال معين بالخطاب النسوي لا يجعله سؤالًا مشبوهًا، كما أن نقد النسوية لا يستلزم رفض جميع الأسئلة التي طرحتها. ويظهر ذلك بوضوح في مفهوم المساواة، الذي أصبح مفهومًا مشوبًا بالحذر، مع إمكان مراجعته ضمن الإطار المعرفي الإسلامي بما يرفع عنه هذه الشبهة. فقد أسس القرآن لوحدة الأصل الإنساني والتكليف، بما يقرر التساوي في الخلقة والتكليف والجزاء، من دون أن يعني ذلك الغاء الخصوصيات التي تميز المرأة عن الرجل. فالمرأة بوصفها كائنًا يختبر صفة الخلق من خلال الإنجاب وما يرافق ذلك من خبرات نفسية وشعورية فريدة، الى جانب ما تتميز به من الحدس، الدفء، الحنان الأنثوي وغيرها من الصفات، التي لا يستقيم النظر إليها من خلال مفهوم مطلق للمساواة يمحو جميع هذه الفروق فيتحول ذلك انتقاصًا منها قبل ان يكون إنصافًا لها. وفي الوقت نفسه، لا يقتضي هذا الاختلاف رفض المساواة في المجالات التي تتساوى فيها عناصر الاستحقاق؛ ومن هنا يمكن بحث «المساواة النسبية» في المجالين الاقتصادي والتعليمي، بما يحقق تكافؤ فرص العمل والتعليم والأجر عند تساوي الأهلية والمؤهلات والخبرة، بحيث لا يكون اختلاف الجنس وحده أساسًا للتمييز.

 هذا وينطبق الأمر نفسه على الأسئلة التي تكشفها الحياة الاجتماعية للمرأة العربية، إذ إن ورودها في الخطاب النسوي لا يسلبها مشروعيتها فالعرف وتأثيره في تشكيل صورة المرأة، وجرائم «الشرف» التي أصبحت طقسًا يمارسه الجناة كل يوم من دون رادع، والتحرش، والتهميش المتعمد، والتقاليد التي قد يُتعامل معها بوصفها جزءًا من الدين، بل أقدس من الدين في الكثيرمن مجتمعاتنا، كلها قضايا تستدعي التمييز بين الحكم الديني والعرف الاجتماعي، ومراجعة ما يحتاج إلى تهذيب في البنية الثقافية التي تحكم حياة المرأة. وكذلك سؤال «المرأة وانتاج العلم»؛ فكون النسوية قد طرحته لا يلغي أهميته بل يبقى سؤالًا حيًا يمكن بحثه أيضًا داخل السياق المعرفي العربي والإسلامي من خلال التساؤل حول إمكانية مشاركة المرأة في «إنتاج» العلوم الدينية ولا سيما الفقهية.

 

الهوامش

([1]) الصدر، محمد باقر، محنة الأمم، جمعية المعارف الإسلامية، 2009، ص29.

([2]) سورة الإسراء، الآية70.

([3]) الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج13، ص156.

([4]) سورة الحجرات، الآية 13.

([5]) نهج البلاغة، الرسالة 31.

([6]) جوادي الآملي، جمال المرأة وجلالها، دار الهادي، بيروت، 1994، ص332.

([7]) نهج البلاغة، الخطبة 80.

([8]) راجع: الخشن، حسين، المرأة في النص الديني، الانتشار العربي، ص253.

([9]) المجلسي، بحار الأنوار، ج103، ص224.

([10]) المصدر نفسه، ص283.

([11]) المجلسي، بحار الأنوار، ج103، ص253.

([12]) الصدوق، الخصال، الحديث5.

([13]) الحكيم، محسن، منهاج الصالحين، ج2، ص296.

([14]) السيستاني، علي، منهاج الصالحين، الطبعة المصححة والمنقحة، ج3، ص102.

([15]) رضايي، حميد، تحليل فقهي وحقوقي شروط سند نكاحيه، فصلنامه مطالعات حقوق، العدد 31، ص35.

([16]) نهج البلاغة، ج19، ص65.

([17]) المحدث النوري، مستدرك الوسائل، ج14، ص253.

([18]) المصدر نفسه، ص253.

([19]) جوادي الآملي، عبدالله، تسنيم تفسير قرآن كريم، مركز نشر إسراء، ط4، ج18،ص553.

([20]) الخوئي، أبو القاسم، منهاج الصالحين، لاط، لاس، ج2، ص285.

([21]) الحلي، ابن فهد، المهذب البارع، تحقيق: الشيخ مجتبى العراقي، 1411هـ، ج3، ص426.

([22]) البحراني، يوسف، الحدائق الناضرة، ترجمة: محمد تقي، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، ج24، ص611.

([23]) شمس الدين، مهدي، الحقوق الزوجية، المؤسسة الدولية للدراسات والنشر، 1996م، ص90.

([24]) اللنكراني، محمد فاضل، جامع المسائل، أمير قلم، قم، ج1، ص417.

([25]) الشيرازي، ناصر مكارم، دار النشر: الإمام علي، قم، ج3، ص297.

([26]) موقع الشيخ الصانعي «انعكاسات».

([27]) صانعي، يوسف، قيمومت مادر، فقه وزندگى، مؤسسه فرهنگى فقه الثقلين، 1395، ص216.

Facebook
Twitter
Telegram
Print
Email