مفهوم التبرُّج والتعرِّي

نقصد بالتبرج والتعري: إظهار المفاتن عند المرأة.

والتبرج بمفهومه العرفي هو أن تُبدي المرأة زينتها وأنوثتها؛ لكي تخاطب الآخرين بهذه اللغة، وهو ما يُعبَّر عنه في بعض الدراسات السلوكية بأنه نوع من إغراء الذكر وتحريك رغباته نحوها.

وحيث إن الرجل، بطبيعته، قد يتحرك وفق دوافع فطرية نحو ما يثيره ويجذبه، ويبحث عن موارد الجمال في الجنس الآخر، فإنه قد يتجه إلى مظاهر الإغراء على نحو فطري، سواء بالنظر أو بغيره، بحسب ما يراه من الطرف الآخر.

ولذلك عالج القرآن هذه الظاهرة من خلال عدة أمور:

أولًا: العفاف والستر والحجاب

أمر القرآن بالعفاف والستر والحجاب، وبيّن تفاصيل ذلك، حتى إنه نهى عن إظهار ما يمكن أن يلفت الأنظار إلى الزينة الخفية، كما في قوله تعالى: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا، وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ، وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ… وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ، وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (النور: 31).

وهذه الآية فصلت بصورة دقيقة ما ينبغي للمرأة أن تلتزم به في تعاملها مع زينتها ومظهرها أمام الآخرين.

ثانيًا: الأمر بغض البصر من جهة الرجل

لم يوجّه القرآن الخطاب إلى المرأة وحدها، بل أمر الرجل أيضًا بغض البصر، حتى لا تتحول النظرة إلى مقدمة للانحراف أو التعدي، فقال تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ، ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ، إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (النور: 30).

فغضّ البصر مقدمة لحفظ الفرج، والمسؤولية هنا مشتركة بين الجنسين، وإن اختلفت تفاصيل الأحكام المتعلقة بكل منهما.

لماذا ترى بعض الفتيات والنساء أن التعري والتبرج أمر مهم؟

هناك أجوبة متعددة يمكن أن تُذكر، منها:

1 ـ قد ترى المرأة نفسها جميلة، وترى أن من حقها أن تُظهر جمالها أمام من تهتم بآرائهم أو إعجابهم.

2 ـ قد تقول: الرجل مأمور بغض بصره، فلماذا ينظر؟ وبعبارة عامية: «لماذا يبصبص؟».

3 ـ قد تعتبر الأمر شأنًا شخصيًا، فتقول: «أليس من حقي أن أفعل ما أريد؟».

4 ـ قد لا تؤمن بالحجاب أصلًا، وترى أنه مجرد عادة أو تقليد اجتماعي، وليس حكمًا دينيًا، وتحاول إثبات ذلك بتفسيرات تراها مقنعة.

5 ـ وقد تقول بعض النساء: «هل تريد أن تقول إن جميع الرجال وحوش وذئاب؟ نحن في زمن التحضر والقانون، والقانون يمنع التحرش، وإذا كان هناك شخص يريد التحرش، فليتحمل هو المسؤولية».

إلى غير ذلك من الأجوبة.

ولكن ماذا نقول نحن؟

نقول: إن التعري وخلع الحجاب قد يكون، في بعض الحالات، تعبيرًا عن حاجة نفسية إلى لفت الانتباه أو الحصول على القبول والإعجاب، حتى وإن كانت المرأة جميلة وحسناء.

ولا يصح، بطبيعة الحال، أن نعمّم هذا التفسير على جميع النساء؛ فالناس تختلف دوافعهم، وقد تكون هناك أسباب ثقافية أو اجتماعية أو فكرية أو شخصية متعددة.

كما أن ضعف الإيمان أو الخواء الروحي قد يكون أحد العوامل المؤثرة لدى بعض الأشخاص، إلا أن الحكم على الأشخاص بعينه يحتاج إلى معرفة دوافعهم وظروفهم، ولا يصح إطلاقه على الجميع.

هناك مخاطر حقيقية ينبغي أن لا نتجاهلها، منها:

  ـ انتهاك الخصوصية.

  ـ التعدي اللفظي.

  ـ التحرش الجنسي.

  ـ التصوير أو النشر دون إذن.

  ـ الاعتداء على الكرامة الإنسانية.

وتشير الإحصاءات والدراسات في عدد من المجتمعات إلى وجود معدلات من التحرش والاعتداء الجنسي، رغم وجود قوانين صارمة تجرّم هذه الأفعال.

لكن من المهم التأكيد على أمر أساسي:

المسؤولية عن التحرش والاعتداء تقع على المعتدي، ولا يجوز تبرير الاعتداء بملابس الضحية أو مظهرها.

فالقرآن حين أمر المرأة بالحشمة، أمر الرجل في الوقت نفسه بغض البصر وحفظ الفرج، وجعل لكل إنسان مسؤولية عن سلوكه.

قد تنظر المرأة إلى مظهرها على أنه جمال وزينة، بينما قد ينظر إليه شخص آخر بطريقة مختلفة.

وهنا تأتي أهمية الوعي بالبيئة الاجتماعية وبطبيعة بعض النفوس؛ فالقرآن يقول: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ (الأحزاب: 32).

فالآية تشير إلى وجود من في قلبه مرض، ولذلك جاءت توجيهات القرآن للمرأة في طريقة الخطاب، كما جاءت توجيهاته للرجل في غض البصر وحفظ الفرج.

والشخص الذي يحمل مرضًا في نفسه قد لا تكون ردود أفعاله منضبطة، ولذلك لا ينبغي للإنسان أن يغفل عن طبيعة المجتمع وتفاوت الناس في أخلاقهم ودوافعهم.

ومن هنا فإن قضية الحياء ليست مجرد قضية تتعلق بالمرأة وحدها، ولا يصح تحويلها إلى اتهام لجنس دون آخر.

فالمرأة مسؤولة عن سلوكها، والرجل مسؤول عن نظره وتصرفاته، والمجتمع مسؤول عن حماية أفراده من الاعتداء والتحرش وانتهاك الخصوصية.

كما أن التربية على الحياء والعفاف لا تعني الخوف من الإنسان الآخر، وإنما تعني بناء شخصية تمتلك وعيًا بحدودها، وكرامتها، ومسؤوليتها الأخلاقية.

وأنا شخصيًا أتمنى أن أستطيع السير مع طفلي في الأماكن العامة براحة وطمأنينة، بعيدًا عن بعض المشاهد التي أراها مؤذية للحياء العام والقيم الاجتماعية.

إن حماية الحياء في المجتمع لا تكون بإدانة المرأة وحدها، ولا بتبرئة الرجل وحده، وإنما ببناء ثقافة أخلاقية مشتركة تقوم على غض البصر، والعفاف، واحترام الجسد، وصيانة الخصوصية، وتجريم الاعتداء والتحرش.

Facebook
Twitter
Telegram
Print
Email