تمثل مناسبة عقد القران (أو ما يعرف في مجتمعاتنا بكتب الكتاب) محطة مفصلية لكل عروسين، فهي نقطة البداية للحياة الزوجية الفعلية التي يبدأ عندها الطرفان بتحمّل المسؤوليات والسعي الجدّي لبناء المستقبل، ومن هنا كان لزاما على كل مأذون بعقد القران أن يحسن استثمار هذه المناسبة ليجعلها جلسة توعية حقيقية ليس فقط للمخطوبين بل وللحضور جميعاً.

وأول المطلوب من كل (مأذون) هو الخروج من تقليدية الخطاب الذي يقال، فالملاحظ أن كثيرا منهم بأسلوب كلامه وبطريقة عقده للقران يجعل هذه المناسبة أشبه ما تكون (بتوقيع عقد في الدوائر الحكومية)، يلقي كلمات عامة تقليدية، ثم الصيغة الشرعية للزواج… ثم انتهى الأمر!!

بينما المطلوب من كل المأذون أن يحوّل أسلوبه وكلماته في هذه المناسبة إلى ما يشبه «الدورة التدريبية المختصرة» التي تعرّف العروسين ـ والحضور معهم ـ على معنى الزواج وأسسه، وعلى طريقة تنمية الحياة الزوجية نحو الأفضل، وعلى أسلوب التعامل بين الزوجين إذا ما حدث خلاف بسيط أو اختلاف في وجهات النظر، كما عليه أن يسعى ليغرس في عقول المخطوبين الأسلوب الأمثل للتعامل الحميد بينهما، وكل ذلك من خلال آيات القرآن الكريم وأحاديث السنّة النبوية بأسلوب بسيط وبليغ، خاصة في عصرنا الذي امتلأ بنماذج الطلاق السلبية، وشاعت فيه الانقلابات الفكرية والنفسية والأسرية بكل ما له علاقة بالزواج كمؤسسة مباركة..!؟

ثم، وهذه أيضاً نقطة مهمة، على كل مأذون أن يراعي المستوى العلمي والمستوى الاجتماعي لمن يقوم بعقد قرانه، فيكون الكلام متناسباً معهم، فلكل مقام مقال، والمؤمن الفطن هو الذي يحسن دراسة الواقع المحيط به حتى يكون كلامه مؤثرا في الحضور، فعليه أن يراعي الحضور المشارك في حفل عقد القران، فيتعرّف بفطنة عليهم وعلى تخصصاتهم وعلى أعمالهم وعلى وظائفهم، ثم يرسم لنفسه خريطة ذهنية ينطلق منها للكلام الذي ينبغي أن يقال في هذا المجلس، ليكون الخطاب متناسباً مع الحضور ويعطي المراد منه إسلامياً بأسلوب يفيد الجميع.

والنقطة الثالثة هي ضرورة ربط الكلام بالواقع الذي نعيشه، فلا نصوّر للعروسين الحياة على أنها فقط رحلة وردية مليئة بالسعادة الدائمة، بل علينا أن نعلّمهم أن الحياة فيه الأفراح وفيها الأتراح، وفيها التوافق وفيها الاختلاف، وفيها الهدوء وفيها الصخب، وفيها اليسر وفيها العسر، وأن عليهما أن يتعاونا في كل الأحوال ليكونا زوجين بكل ما للكلمة من معنى، فنشرح لهما أهمية الصبر على أنفسهم وكيف يكون هذا الصبر وما تطبيقاته، ثم نبيّن لهم أهمية الاستيعاب بينهما وأهمية الحوار والمصارحة والمشاركة في حلّ المشاكل وتحدّيات الحياة.

وأما النقطة الرابعة، وهي التي نحن بحاجة ملحّة إليها، فهي شخصية المأذون نفسه، فالمطلوب منه أن يكون قادراً على جذب الأسماع، وعلى حسن إيصال المعلومات، وعلى تحقيق التفاعل الذي نريده مع الحضور، كما عليه أن يكون قادرا على ترك الأثر الإيجابي في كل من حضر.

وهذا الأمر يتطلب من المأذون أن يعمل بشكل مستمر على تنمية قدراته ومعلوماته وأساليبه، وأن يسعى دائما إلى مواكبة الواقع من حوله ومراقبته حتى يقرأ المجتمع، ثم يعرف كيف يستثمر كل ما سبق في كلامه لجذب الأسماع وتثبيت الأفكار الإيجابية، كما عليه أن يكون جميل اللباس، حسن الأناقة، دائم البسمة، سهل التعامل، ليّن الجانب، متواضعاً مع الجميع، يعرف كيف يتفاعل معهم وكيف يترك في النفوس الأثر البنّاء.

أيها السادة، إن مهمة المأذون المكلّف بعقد القران في بلادنا ليست وظيفة «جافة» تقتصر على كتابة العقد والتصديق عليه وانتهى الأمر، بل هي مهمة دينية وتعليمية واجتماعية، تهدف إلى حسن غرس تلك البذرة التي ستكبر مع الأيام لتصبح أسرة في المجتمع، كما أن عمله ذات بُعد فكري ونفسي يرتبط بسمعة الدعاة والعلماء في عصرنا الحالي، فإما أن يكون نموذجاً مشرقاً ومشرفاً عنهم، وإما فهو منفر للناس يعطي صورة سلبية تزيد من سواد الواقع الذي نعيشه..!؟

Facebook
Twitter
Telegram
Print
Email