العلاقات السياسية بين الصفويين والعثمانيين

22 أكتوبر 2014
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: 1
2٬377 زيارة

العلاقات السياسية بين الصفويين والعثمانيين

منذ معاهدة زهاب حتى سقوط إصفهان

الأوضاع الإيرانية عشية معاهدة زهاب ـــــــ

<وصل الملك صفي إلى السلطة (1038هـ/1628م) بعد الملك عباس الأول، وقد كان اسمه سام ميرزا ابن نواب كيتي ستان عباس الماضي، وبعد جلوسه على العرش غيّر اسمه إلى اسم ابيه الملك صفي>([1])، وكان عمره ثمانية عشر عاماً عندما جلس على العرش، وقد أفنى عمره كلّه في داخل البيت الملكي، وكان يدير البلاد بالشدّة والقسوة والقتل، حتى لم يبقَ بعيدٌ ولا قريب من التُرك أو الطاجيك إلاّ أفناهم كلّهم <حتى وصل به الأمر إلى الإجهاز على الذكور من أفراد السلطنة فَقَتَلَهم، واجتثّ من إيران جذور الأُسَرِ المُخلصة أمثال إمام قلي خان الذي فتح هرمز، وكنجعلي خان زيك نفاه من إيران([2]).

تاورنييه، السائح الفرنسي المعروف، الذي سافر إلى إيران في عهد الملك سليمان ووصل إلى بلاط الملوك الصفويين، ونقل لنا الكثير من الحكايات المروّعة عن فساد البلاط وأصحاب البلاط، وأيضاً عن الخيانات التي ارتكبها الملك صفي من ضمنها؛ <قَتـْلُ الملكة من خلال ضربها خمس طعنات بالخنجر>([3]).

ويضيف مؤلّف روضة الصفا قائلاً: <… أولاد الملوك الذين ينحدرون من أصول صفوية ممّن لا حَظَّ لهم في الحياة ولا أهميّة، والذين كانوا يتمنّون الموت، صاروا للموت أقرب منهم للحياة([4]).

إنّ مقتل القادة الإيرانيين الكبار وخلوّ الدولة من أهل الخبرة، بَعَثَ على تزلزل الدولة، حتى انتصرَ العثمانيون وخسرت إيران، ومن ثمّ اضطرّت إيران إلى توقيع معاهدة زهاب التي جاءت ـ تماماً ـ في ضرر إيران. يكتب لاكهارت في هذا الصدد: <كان السبب في انكسار إيران في المعركة مع العثمانيين هو فقدانها لقادتها المُجرّبين، ففي عام 1049هـ/1639م خَسِرَت إيران مدينة بغداد([5])، ومن ثمّ خرجَت بلاد ما بين النهرين من سلطنة إيران وهيمنتها.

لم يجرؤ السلطان مراد العثماني بعد معركته الأخيرة مع الملك عباس الأول على التعرّض لتراب إيران، ونتيجةً لمعرفته بأحوال البلاط الصفوي الوخيمة، وتنَفّر الرعيّة نتيجةً للدماء التي سفَكَها الملك صفي بوحشيته، سيما دماء الأمراء والقادة، فكّر السلطان مراد الثاني ـ مع تلك الأوضاع المتردّية ـ بغزو إيران واقتطاع مجموعة من الولايات التابعة لها، فجهّز لذلك الجيوش وحشدها على الحدود مع إيران. كتب مؤلّف زبدة التواريخ <في سنة 1039هـ/1630م، والتي تُصادف السنة الثانية لجلوس الملك صفي على العرش، جاء رومية بقيادة مصطفى باشا إلى قلعة إيروان، واحتلّ القلعة بوقت قصير، أما أهل قلعة إيروان فقد أبرزوا له الولاء والطاعة. وفي سنة 1041هـ/1632م أرسل الملك صفي مَدافِـع كثيرة نحو قلعة إيروان، ودخل القلعة فاتحاً بعد حصارٍ دام ستة أشهر([6]). وفي اليوم التالي دخل الملك صفي بنفسه إلى القلعة، وأبدَت جيوش قزلباش كلّها الرضا والطاعة والتأييد، وفي المقابل حصلوا على عطايا وهدايا كثيرة من السلطان. ثم رجع الملك إلى إصفهان بعد أن نظّم أمور القلعة هناك.

وهكذا، لم يستطع الجيش العثماني فعل شيء في آذربيجان، وفي بغداد أيضاً اشتبك مع المقاومة التابعة لقلي خان والي قزلباش والذي دافع بجسارة وجلادة عن المدينة ممّا أدّى إلى عدم تقدّم جيوش الأعداء إليها، ورغم ذلك كلّه وقعت هزيمة للجيش الذي كان يقوده زينل خان شاملو في حدود كردستان ممّا أدّى إلى دخول الأتراك تراب إيران. لكنّ عزيمة الملك صفي لم تُفلّ في سبيل إنقاذ بغداد، وأجبر القائد العثماني الموكّل بمحاصرة بغداد على فكّ الحصار عنها([7]).

في عام 1045هـ قامت الدولة العثمانية بالتحرّش بإيران مرّةً ثانية، فهجمت على حدود نخجوان وحاصرت إيروان، كما قامت باحتلال تبريز وأحرقت قسماً منها، لكنّ البرد الشديد القارص أجبرها على الرجوع. استعاد الملك صفي آذربيجان، كما فكّ الحصار عن إيروان وأنقذها، وهكذا باء هجوم العثمانيين على إيران بالفشل مرّةً أخرى([8]).

كتب مؤلّف تاريخ نعيما، حول غارات السلطان مراد على تبريز: «… أغارَ على مدينة تبريز وخرّبها باستثناء مسجد السلطان (حسن بادشاه) الملك حسن والذي كان قد بناه أهل السنّة، فقام بتعميره ولم يخرّبه»([9]). ولم تنتَهِ الخصومات بين إيران والعثمانيين عند هذا الحد، فلم يمضِ وقتٌ طويل حتى تجدَّدَت الغارات العثمانية على أرض إيران. وهذه المرّة تعرّضت بغداد للحصار مرّتين، وبقيت ستّة أشهر تصدّ الهجمات العثمانية وتقاومها، لكن بسبب قلـّة المُؤَن اضطرّوا للتسليم (1048هـ/1638م). ويكتب وحيد القزويني: «عساكر آل عثمان بقيادة السلطان مراد نفسه هذه المرّة، قاموا بالهجوم على العراق واستطاعوا أن يفصلوا أشرف وأنفس أعضاء هذا البلد عن جسده»([10]) بعبارة اخرى: لقد انتُزعت بغداد في سنة 1049هـ/1639م من جسد الدولة الإيرانية، وصار هذا الانفصال رسمياً حسب معاهدة الصلح المنعقدة بين دولة إيران والدولة العثمانية.

ويكتب مؤلّف زبدة التواريخ: «.. على كلّ تقدير، وقع الصلح بعد مجيء السفراء، وطيّ المراحل المتعدّدة، وقد عُرض على الملك صفي كيفية وقوعه ومراحله، وبعد أن قاموا بكتابة المعاهدة أخذ كلّ من الطرفين المتعاهدين نسخةً ملفوفة من المعاهدة، فرجع الرومي إلى بلاده بينما رجع القزلباشيّة إلى إصفهان، وقد انشغل الملك (ظلّ الله في الأرض) بتنظيم أمور إيران..»([11]). وقد عُرف هذا الصلح بمعاهدة زهاب، باسم المنطقة التي عُقد فيها، ويعرف عند العثمانيين بمعاهدة قصر شيرين، وحسب هذه المعاهدة صارت بغداد تحت سيطرة الأمراء العثمانيين، بينما وقَعَت منطقة إيروان تحت سلطة القادة من الجيش والمعروفين بـ(قزلباش)، وكان ممثل إيران في ذلك الوقت محمد قلي خان([12])، ولأنّ معاهدة زهاب تؤمّن مصالح العثمانيين أكثر، فقد استمرّت في التطبيق فصار الجنود نتيجتها ميّالين إلى الدعة والراحة، كما حصل مع الملك صفي نفسه.

ظلّت هذه المعاهدة نافذة المفعول حتى في زمان نادر شاه وكريم خان زند، واستمرّ في تطبيقها كلٌّ من العثمانيين والإيرانيين لفترة طويلة.

بنود معاهدة زهاب (1049هـ/1639م] ـــــــ

تعتبر معاهدة زهاب مُنْعَطَفاً تاريخياً في أوضاع إيران وعلاقاتها الداخلية والخارجية، وتحظى بأهمية خاصّة في الجانب السياسي والاقتصادي والتاريخي. وممّا يؤسف له أنّ أصل هذه المعاهدة غير موجود لا في وثائق دولة إيران ولا في وثائق الدولة العثمانية؛ فكلّ مصدر من المصادر ينقل المعاهدة بشكل منفصل عن المصدر الآخر، لذا نجد اختلافاً كبيراً في نصوصها؛ فمؤلّف (رسالة التحقيقات السرحديّة) يكتب حولها فيقول: «في الحقيقة، إنّ أصل المعاهدة المذكورة والتي هي عبارة عن تصديق بين مَلِكَين، غير موجودة عند كلا الدولتين فالمعاهدة فُقدَت في إيران بسبب طول الفترة، وعند العثمانيين بسبب تلفها حرقاً، أما الموجود فهو مستند مكتوب بخط اليد ـ بتعبير العثمانيين ـ من السلطان مراد الرابع إلى الملك صفي([13]).

ولحسن الحظ وُجدت هذه المُسَوّدة أخيراً في وثائق رئيس الوزراء في اسطنبول، وصارت مرجعاً لبعض الكتّاب، فصُوّرت وهي موجودة مع إحدى المقالات محفوظةً تحت هذا العنوان في اسطنبول: Osmunli Arsivi daire Busbakanligi , Ali Emir Transifi , no:707>

وفيما يلي بعض النصوص المختلفة للمعاهدة جِئنا بها للمقارنة، كي نحدّد نقاط الاشتراك والاختلاف، ونبيّن القَدْر المتيقّن لها. وقد نقل نصّ المعاهدة في المصادر التالية: المتن التركي في (عباسنامه) الرسالة العباسيـّة: 50؛ ومنتظم الناصري: 940؛ وجاء النصّ الفارسي والتركي معاً في خلاصة السير: 74 ـ 81؛ ومجموعة معاهدة إيران التاريخية: 193؛ وتاريخ نعيما: 349؛ وتاريخ العلاقات الإيرانية العثمانية لمحمد علي حكمت؛ ورسالة التحقيقات السرحديّة: 51؛ ومنتخب الوثائق السياسية الإيرانية العثمانية ج 2؛ وأصل المسوّدة موجود في وثائق رئيس الوزراء العثماني تحت رقم 767، مكتب علي الأميري.

موارد الاختلاف في نسخ مصادر المعاهدة ـــــــ

تختلف مقدّمة المعاهدة في جميع المصادر، ففي المنتظم الناصري ومسوّدة أصل المعاهدة، جاء فيها اسم الملك صفي صريحاً مع تعريفٍ بشخصيـّته وتوصيف له؛ أما في باقي المصادر ـ سيما خلاصة المسير التي كُتبت في زمن الملك صفي نفسه ـ فلم يَرِدْ أيّ من ذلك؛ فقد جاء في المصدرين المذكورين أعلاه، وصف الملك صفي: «.. صاحب الجلالة، ذو المناقب العالية، والرتبة السامية، والمنزلة العالية، الجالس على عرش إيران، حامي إقليم فارس ومازندران، القائد ملك العجم، الملك صفي أدامَ الله ظلـّه بعناية ربّه الوفي..»([14])، وهذه الجمل غير موجودة في بقيّة نصوص المعاهدة.

في مقدّمة (مجموعة معاهدات إيران مع الدول الأجنبية) حُذفت المجاملات السائدة آنذاك، ويبدأ النص بهذا الشكل: «.. وبعد، عمدة الخواص والمقرّبين صاروخان (ساروخان) زيدَ رُشده اُرسل إلى الوزير الأعظم الجليل القدر، والدستور الأعظم، والمشير الأفخم لمصطفى باشا أدام الله تعالى إجلاله، والذي هو قائدنا في المشرق. وقد التقاه في منطقة زهاب، وتباحثوا حول تنظيم أمور الصلح والعهود المقطوعة بينهما، وكذلك الأمور المتعلّقة بالحدود..»([15])، وكذلك في مقدّمة (عباسنامه) و(خلاصة السير) حيث ذُكرت ألقاب وعناوين كثيرة للسلطان العثماني، فيما حذفت في المصادر الأخرى كأصل مسوّدة المعاهدة: <.. ملاذ أعاظم السلاطين، معاذ أكارم الشرفاء، ناصر الإسلام والمسلمين، قاهر الكفرة والمشركين، سلطان البرّين والبحرين، شريف المَشرقين والمَغربين، خادم الحرمين الشريفين، عين الإنسان وإنسان العين، المؤيـَّد بتأييدات الملك المُستعان، والموفق بتوفيق المنـّان، لا زالت خلافته ممتدةً إلى آخر الزمان..>([16]).

وهناك بعض المطالب في (عباسنامه) و(خلاصة المسير) جاءت أواخر معاهدة زهاب، فيما لم نجدها في سائر المصادر؛ فقد ذُكر هناك بعض الكلمات حول حرية التنقل للتجّار والناس ذهاباً وإياباً، والتآلف بين الشعب العثماني والإيراني، ولم تُذكر في المصادر الأخرى([17]). والأهم من ذلك كله جاء في (منتظم الناصري) و(مجموعة المعاهدات) و(مسوّدة أصل معاهدة زهاب) التأكيد على شرط عدم سبّ وشتم الخلفاء وأمّ المؤمنين عائشة من قِبَل الإيرانيين وإلاّ فسوف لن يقع الصُّلح <.. أحد الشروط الصريحة والمعتبرة في المعاهدة في زمن سعادت اقتران أجدادنا أنار الله براهينهم مع الذين اُرسلوا من أجدادكم؛ وبموجب مفهوم كلمة (الدين النصيحة) فإنّ بعض الأسافل والأداني الذين هم تحت حكومتكم، قد تطاولوا بألسنتهم على الشيخَيْن وذي النورين والزوجة المطهّرة لرسول الثقلين، وسائر الأصحاب المنتجبين والأئمة والمجتهدين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وهذا ممنوع مادام الصلح قائماً وثابتاً إلى انتهاء القرون..»([18]) ، وهذا ما لم يذكر في (عباسنامه) التي تعتبر من الأقدم والأسبق، ولا في (خلاصة السير) التي كُتبت في عهد الملك صفي نفسه، ومن المحتمل أن يكون هذا المطلب قد أضافه العثمانيون فيما بعد، لأن هذه الجمل مُهينةً وبعيدة عن الآداب والأخلاق الدبلوماسية، علاوة على كل ما قيل؛ فإنّ هناك اختلافات أخرى بين النصوص المكتوبة، لكن بعض الموارد موجودة متشابهه في كل المصادر أو على الأقل قريبة من بعضها.

الموارد المشتركة في مصادر المعاهدة ـــــــ

ممّا توافقت عليه أكثر النسخ الحدودُ التي باتـّجاه بغداد وآذربيجان، والتي تسمّى جسان (جصان) وبادرائي (بدره) متعلّقة بالعثمانيين، وكذلك قصبة مندليج (مندلي) ودُرتنك ودرنه والصحاري التي بينها، كلّها متعلّقة بالعثمانيين. أما الجبل الواقع بالقرب من هذه المناطق فهو لإيران، أما سر ميل (ميل باشي) فقد حدّدوا سوراً إلى دُرتنك، كما أعطِيَت درنه للعثمانيين، وعشيرة الجاف وهي القبائل المعروفة بضياء الدين وهارون، متعلّقة بالعثمانيين، أما (بيزة) وزرد ولي (هره ودوني) فهي لإيران، وقلعة زنجير الواقعة على الجبل غرب القلعة المهدّمة فهي للعثمانيين؛ أما القرية الواقعة شرق القلعة فهي لإيران.

وبالقرب من (شهر زور) هناك جبل واقع أطراف قلعة الظالم، وكلّ نقطة منه تُشرف على القلعة المذكورة، وقد سيطر عليه العثمانيون وأخذوا بالحفاظ عليه، وقلعة أورمان مع القرى التابعة لها والتي تقع ضمن منطقته صارت أيضاً للطرف المقابل (إيران). وعُيّنت كدوك جغان لشهرزور، كما عيّنت لها حدود قزلجة وتوابعها للعثمانيين أما مهربان مع توابعها فأصبحت لإيران. وقد قرّر الطرفان هدم حدود (وان) والقلعة الكبيرة (قوتور)، وكذلك ماكو وقارص وقلعة مغاز برد. وتعهّد الطرفان الوفاء بمقرّرات المعاهدة، كما أنّ عليهم مراعاة جانب الصداقة والأُلفة والمحبّة فيما بينهم.

ومن بركات هذا الصلح ويُمنـِه أنّ كل الناس كانوا مسرورين؛ كما أنّ أطراف ممالك عبادان وطبقاتهم الذين ينعمون بالأمن والأمان إلى نهاية الزمان هم أيضاً يرتعون بالفرح والسرور، وراحة الحال وفراغ البال، ومن قلبٍ صافٍ ونيّةٍ خالصة لحكم {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} تعاهدنا على الوفاء لهذه القوانين والالتزام بها والاجتناب عن مخالفتها وكَسْرها {فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ} والسلام على من اتّبع الهدى، حرّرت في أوائل شهر شوال عام 1049هـ([19]).

تبعات ونتائج معاهدة زهاب ـــــــ

عُقدت هذه المعاهدة في منطقة (زهاب) حسب أوامر الملك صفي والسلطان مراد الرابع عام 1049هـ/1639م، بحضور مصطفى باشا ممثل العثمانيين وصاروخان ومحمد قلي خان ممثلين عن إيران؛ وفيها تبعات سياسية واجتماعية واقتصادية خاصّة؛ لأنّ هذه المعاهدة تصبّ في نفع العثمانيين.

لقد أدّت المعاهدة إلى انتزاع بغداد رسمياً من إيران بعد نزاع طويل في مقابل منح إيروان لإيران، ومن توابع بغداد التصرّف بالبصرة وكلّ المناطق الواقعة مابين النهرين، والتي تحظى بأهمية اقتصاديّة وتجاريّة خاصّة وحركة تنـقّـل مهمّة. وقد خَرَجَت المدن المقدّسة من سلطة الإيرانيين، لذلك واجه التجّار والزوّار مشاكل في الذهاب والإياب والتنقّل والتجارة في هذه المناطق؛ فقسمٌ من آذربيجان عادت تحت تصرّف العثمانيين؛ لأنّ هذا الصلح أكثره يصبّ في نفع العثمانيين، وقد استمرّ تنفيذ بنود المعاهدة لفترة طويلة.

وهكذا انتهت فترة استيلاء إيران على منطقة ما بين النهرين، بل فقدت إيران في الواقع كلّ ما كان تحت تصرّفها في زمان الملك عباس الأول، وذلك في مدّة قصيرة، فقد كان هذا الصلح في أغلبه لصالح الدولة العثمانيـّة؛ كان أمل العثمانيين وحلمهم التسلّط على بغداد؛ لأهميـّتها وموقعيّتها الحسّاسة؛ فلم يأخذوها إلاّ بعد نزاعات طويلة؛ فحصلوا بهذه المعاهدة على حلمهم القديم، ولم يكن ذلك احتلالاً لمدينة واحدة بل كأنّه تسلّط على شعب ودولة.

لقد خسر العثمانيون الآلاف من جنودهم وبعض قادتهم في هذا الطريق من أجل الوصول لغايتهم في الانتصار، ومن ضمنهم محمد باشا الوزير الأعظم وبعض الباشوات المعظّمين([20]). لم يكن التسلّط على بلاد ما بين النهرين وطرق المواصلات الشرقية والغربية امتيازاً قليلاً حصل عليه العثمانيون، يقول مؤلف روضة الصفا: «بالجملة، فإنّ قلعة بغداد فُتحت خلال أربعين يوماً (18 شعبان 1048هـ/1638م)، وغيرَ عليها فاستشهد خلقٌ كثير، وصار الضَريحَين المُبارَكَين للإمامين الكاظمين بأيدي الجيوش الغازية، وقد تجاسروا على أضرحة أولاد رسول الله’»([21]).

إيروان تابعة لإيران ـــــــ

يُمكن القول: من النتائج الإيجابيّة لصالح إيران في هذه المعاهدة تعلّق مدينة إيروان وقلعتها بإيران مقابل بغداد؛ فأهمية إيروان مثل بغداد؛ فقد كانت هذه المدينة في معرض غزو كلٍّ من الدولتين: العثمانية والإيرانيّة؛ واحتـُلّت عدّة مرّات من الطرفين، وهذا دليل على أهميـّتها الكبرى، كما وقعت لأجلها حروب بين الدولتين لعدّة مرّات؛ فعام 1044هـ احتلـّت جيوش (قزلباش) قلعة إيروان، فقام السلطان مراد بمحاصرة القلعة بجيش كبير([22])، وكان طهماسب قلي خان القاجاري ـ ابن امير كونه خان ـ يُدير شؤون القلعة، لكن ونتيجة عدم وصول الإمدادات والمساعدات إليه، وانزعاجه من قائد قوّاته الكُرجي الذي لا يذكر منه إلاّ ذكريات أليمة، سلّم القلعة إلى مراد خان خوندكار. وبعدها أبقى السلطان مراد مجموعةً من الجيش العثماني في القلعة، ثم أرسل طهماسب قلي خان إلى الروم، بينما تحرّك هو وجيوشه نحو تبريز التي حوّلها إلى خراب، وعاد بعدها إلى الروم. وجاء الملك صفي في شتاء عام 1044هـ إلى تبريز، وأخذ ببذل المال الواسع والعطايا الجليلة لتأمين المقاتلين وتهيئتهم للقتال؛ وفعلاً جمع منهم الكثير وهجم على قلعة إيروان وحرّرها من أيدي أعدائه وصارت تحت سلطته مرّةً أخرى وظهر الملك صفي في جامع إيروان، كما خطب الشيخ عبد الصمد الجبل عاملي ـ أخو الشيخ البهائي) ـ في ذلك الجامع المسمّى باسم الأئمة الاثني عشر وختم باسم الملك صفي([23]). وقد تبع منطقة إيروان كلّ من أرمينيا وكرجيا اللّتين أصبَحَتا متعلقتَين بإيران.

فوّض الملك صفي ولاية إيروان إلى كلب علي خان حاكم (لار)،كما نقَلَ المدافع الثمينة التي غنمها إلى إصفهان، بينما تحرّك هو صوب أهر وأردبيل «وقد أقام السلطان مراد في اسطنبول احتفالاً بهيجاً بمناسبة تحرير إيروان وصُنِـع له استقبال عظيم بهذه المناسبة التي لم تَدُمْ طويلاً بسبب سماعه خبر استرداد إيروان مرّةً ثانية بأيدي جيوش القزلباش»([24]).

العلاقات الحميمة بين إيران والعثمانيين بعد معاهدة زهاب ـــــــ

أخيراً انتهت الحروب الطويلة بين إيران والعثمانيين إلى عقد معاهدة صلح بين الدولتين، وتوسّعت العلاقات فيما بينهما حتى وصَلـَت إلى مبادلة السفراء وإرسال التُّحَـف والهدايا. وقد ورد في كتاب (سفارتنامه هاي عثماني) قائمةً بأسماء السفراء المُنتَخَبين بعد معاهدة زهاب بين إيران والعثمانيين كما يلي:

1ـ محمد قلي خان وساروخان، لإجراء معاهدة صلح زهاب بتاريخ 1049هـ/1639م.

2 ـ إبراهيم خان ايكرمي، لاستلام النسخة المصدّقة من معاهدة زهاب بالتاريخ المذكور أعلاه.

3 ـ محمد خان، لتقديم التبريكات بمناسبة جلوس محمد الرابع بتاريخ 1049هـ/1639م على العرش؛ لأن السلطان مراد الرابع مات في شوال 1049هـ إثر إفراطه في شرب الخمر، فاستلم أخوه السلطان إبراهيم خان الحكومة بطلب من بنكجريان([25]).

4 ـ بير علي، بتاريخ 1066هـ/1656م.

5 ـ كلب علي خان، لتقديم التهاني والتبريكات بمناسبة جلوس أحمد الثاني بتاريخ 1121هـ/1692م.

6 ـ عبد المعصوم حاكم خراسان، في سنة 1112هـ/1700م.

7 ـ مرتضى قلي خان حاكم نخجوان، في عام 1117هـ/1706م، وقد ذهب للعثمانيين في مقابل سفارة دري أفندي عام 1721م ([26]).

وقد ورد في الكتاب المذكور عدّة سفراء عثمانيين جاؤوا إلى إصفهان وهم: 1 ـ بستاني، وهو أحد أفراد الحرس السلطاني، جاء عام 1058هـ/1648م. 2 ـ إسماعيل آقا، ووجوده كان لنقل الرسائل في عام 1069هـ/1659م. 3 ـ عبد النبي جاوش، جاء عام 1078هـ/1667م. 4 ـ محمد بيك مكتب الأميني مع النحيفي الشاعر جاء من طرف مصطفى الثاني عام 1109هـ/1697م. 5 ـ محمد باشا مع النحيفي الشاعر عام 1112هـ/1700م. 6 ـ أحمدي الدري أفندي، وجاء عام 1134هـ/1721م([27]).

العلاقات الإيرانية العثمانية في زمن الملك عباس الثاني

(1077 – 1052 هـ / 1666 – 1642 م] ـــــــ

بعد وفاة الملك صفي، جلس ابنه الملك عباس الثاني مكانه، وقد اهتمّ هذا الملك الجديد بالالتزام الكامل بمعاهدة زهاب مثلما كان يفعل أبوه، وكان يتحاشى وقوع أيّ سوء تفاهم مع الدولة العثمانية، «واستمرّ حكم الملك عباس الثاني 24 عاماً، استطاع خلالها أن يحافظ على العلاقات الوديّة بين الدولتين»([28])، وقد تقارن حكمه خلال ربع قرن مع حكم السلطان إبراهيم (1058 ـ 1049هـ) وكذلك السلطان محمد الرابع (1099 ـ 1058هـ)، وكانت بداياتها أن انتـَهَج القادة سياسة التعايش السلمي بين دولهم، بحيث كتَبَ مؤلّف عباسنامه عن العلاقات الحميمة جداً فقال: <السلطان إبراهيم الذي وصل إلى سلطة الروم بعد الملك مُراد، بعث برسالةٍ وديّة إلى إيران، بعثها مع السفير (يوسف آقا)، وتشرّف السفير المذكور بحضور مراسم الاحتفال بالنوروز المقامة في قاعة سعادت آباد، والتقى الملك هناك؛ حيث أمَرَ باحترام السفير العثماني والتعامل معه بالحفاوة والتكريم. وقد استقبله أولاً ميرزا تقي اعتماد الدولة، وبعد ذلك جاني قربان قورجي باش، وآخرون استقبلوا السفير العثماني بما يليق بمقامه (الوحيد القزوني: 54).

وأشار مؤلف (فارسنامه الناصري) بالعلاقات الحميمة واللقاءات الحارّة بين الدولتين، وكتب قائلاً: «.. وفي سنة 1052 من الهجرة، بعث السلطان إبراهيم خان قيصر الروم من جانبه برسالة ودّية مع السفير، تتضمّن التهنئة له، فأوصلها السفير إلى (الملك عباس الثاني) وصارت محلاً لاهتمامات ذلك الملك» (الفسائي: 477).

وقد أرسل الملك عباس الثاني في أوائل جلوسه عام 1052هـ/1642م، مقصود خان إلى اسطنبول سفيراً لبلاده، كي يُعلن للعثمانيين خبر جلوس مخدومه على عرش السلطنة، كما حمل سفير إيران إلى اسطنبول معه الهدايا الثمينة والتي كان يحملها مائة وخمسون شخصاً، وكانت عبارة عن: (60 طاقة من القماش الذهبي، بعض الطاقات من القماش المخملي، خمسة وستين طاقة من القماش الموشّى بالذهب، خمسة وسبعين طاقة من القماش الخفيف يصلح للعمامة، أربعة وسبعين طاقة من القماش الخيطي الخالص، سبعة قناني مملوءة بالمسك والعنبر، أربعة وثلاثين نصلاً من السيوف، ثمانية وعشرين قوساً، ستين إناءً من الخزف الصيني، ستة وعشرين فرشاً، خمسين من الجِمال الذلولة مع وسائل ذهبيّة وأربعة عشر رأساً من الخيول العربيّة الأصيلة) (اعتماد السلطنة: 946).

كما أرسل الملك عباس الثاني رسالةً إلى السلطان العثماني إبراهيم خان حمَلَها السفير نفسه، يذكرّه فيها بالعلاقات الحميمة السالفة، ويدعوه فيها إلى توثيق عُرى الصداقة بينهما. جاء في قسمٍ منها: «.. لا يخفى عليكم أنّ الحكمة البالغة تقتضي انتهاء الدنيا لامحالة؛ لذلك فكلّي ثقة أنّ الملك الذي هو ظلّ الله، لا زال ينظر إلى الآية: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً} (الإسراء: 34)، ويعمل بموجبها في هذا الطريق المبارك، كي يستريح الفقراء من العَناء والعِناد ببركة الدعاء في دوام السلطنة بلا زوال» ([29]).

ورداً على هذه الرسالة؛ كتب السلطان العثماني رسالة ودّية أرسلها مع حسين باشا إلى الملك عباس الثاني (1053هـ/1643م)، جاء التأكيد فيها على إحياء العلاقات والمناسبات التي سعى إليها ملك إيران بكلّ جديّة([30]).

العلاقـات السيـاسية بـين إيران والعثمـانيـين فـي زمن الملك سليمان (1077- 1105هـ ]  ـــــــ

ساد الصلح والاستقرار حدود إيران والعثمانيين في زمان سلطنة الملك سليمان وفقاً للمعلومات التاريخيّة المتوفّرة لدينا، وكان الطرفان يحترمان معاهدة زهاب. وخلال تلك الفترة سعى سفراء أوروبا المتواجدين هناك إلى إذكاء نار العداوة وإيقاع الفتنة بين إيران والعثمانيين، لكنّ حِنكة الشيخ علي خان زنكنه، الوزير الأعظم للملك أفشلت كلّ ما خَطّط له الأوروبيّون..

كتب كمبفر في مذكراته حول هذا الموضوع فقال: «الهدف من سفارتنا نحن (الأوروبيون) في البلاط الإيراني، كان أكثره من أجل جرّ ملك إيران إلى تحشيد الجيوش ضدّ الأتراك الذين أخذوا بغداد من جدّه الملك صفي حينما كان الصلح قائماً بينهما، وقد أخفَقَت مساعينا بسبب عدم موافقة الوزير الأعظم على التحشّد»([31])، كما أنّ سياسة الوزير وصلابته بعثت على عدم تمكّن الأوروبيين من النفوذ إلى قلب الملك سليمان. ويردف كمبفر القول ويأتي بمجموعة من الأدلّة على عدم قبول الوزير الأعظم طلبَ الأوروبيين، ينقلها على لسان الشيخ علي خان: 1 ـ الحرب مع العثمانيين تخالف المقرّرات التي عقدَت مع السلطان العثماني خوندكار. 2 ـ الظروف التي نعيشها حالياً لا تسمح بهذا العمل. 3 ـ لا يمكن ـ للبعد بيننا وبينكم ـ أن تتّفق كلمتنا وتتقارب، ونتبادل الأخبار والمعلومات فيما بيننا. بعد ذلك نقل الشيخ علي خان التجربة التي مرّت في زمن الملك عباس الأول قائلاً: «هكذا اتّحاد يكون خطراً؛ لأن الملك عباس كان قد اتّحد مع الافرنج، فيما لم يبادره المسيحيون في الوقت المناسب..»([32]).

ومثلما ذكرنا سابقاً، فإنّ الإيرانيين بذلوا قصارى جهدهم في الحفاظ على تطبيق معاهدة زهاب؛ لكن عدم اهتمام الملك سليمان بأمور الدولة، والقتل الذريع القاسي في زمانه أدّيا إلى تضعيف الجيش الإيراني، هذا من جانب، ومن جانب آخر فإنّ التجربة المرّة لاتّحاد الملك عباس الأول مع الأوروبيين، مَنَعَت من وقوع هكذا اتحاد لأن (مَنْ جرّب المجرّب حلّت به الندامة). هذه العوامل كلّها صارت حاجزاً أمام الطلبات المتكرّرة من الأوروبيين؛ لذلك فإنّ المصالحة بين إيران والعثمانيين والتي جاءت نتيجةً للسياسة الخاصّة التي اتّبعها الشيخ علي خان من جانب، وعدم تشدّد الملك سليمان من جانبٍ آخر، وأيضاً مشاكل العثمانيين مع أوروبا، ذلك كلّه ما كان ليَسمَح بوقوع منازعات مختصرة، فكيف بوقوع حرب بين الدولتين؟!

ينقل (كارري) أيضاً أقوال كمبفر حول الثبات الشديد للشيخ علي خان قائلاً: «كان رئيس وزرائه (أي الملك سليمان) أحد المناصرين الحقيقيين للصلح، وكان يعتقد أنّ العثمانيين كانوا سدّاً منيعاً للإيرانيين أمام المسيحيين؛ فإذا انهزم الأتراك يوماً ودُحروا، فسوف تصل النوبة حتماً للحملة على إيران، ولا يمكن للإيرانيين آنذاك الصمود أمام المسيحيين»([33]) «من جانب آخر، فإنّ من حُسن الحظ الكامل للملك سليمان ودولته أنّ الأتراك كانوا في ذلك الزمان مشغولين بالحرب مع الدول الأوروبية، ولم تسنح لهم الفرصة بالهجوم على إيران»([34]).

العلاقات السياسية بين إيران والعثمانيين في زمن السلطان حسين (1077هـ /1694م] ـــــــ

تعتبر معاهدة زهاب أهمّ ميثاق للصلح بين الدولتين، حيث حدّدَت المنطقة الحدودية بين الدولتين بشكل قاطع، وصارت مُستنَداً للمُعاهدات التي وقعت بعدها، وقد ضَمِنـَت هذه المعاهدة الصلح والاستقرار بين البلدين لمدّة قرنٍ كامل. واستمرّت حركة الصلح حتى صار هناك تفاهم متبادل وإظهار محبّة، وتمّ تبادل السفراء بين إصفهان واسطنبول، ولم تقع هناك أيّ مشكلة لإيران من جانب العثمانيين في زمن حكم الملك السلطان حسين.

كانت الأخبار تصل إلى الدولة المركزية في إيران عن طريق الجواسيس الإيرانيين، حيث كانت أخبارهم تحكي عن المناوشات القويّة بين العثمانيين وأوروبا، والمشكلة الأخرى هي مشكلة الأتراك مع عرب البصرة والعراق. كما كانت التقارير تصل من جهة إيروان وتنقل أخبار مواجهات الدولة العثمانية مع الروس، وفي السنة نفسها قدّم سفير إيراني للعثمانيين، والتقى السلطان العثماني هناك، وقد تحدّث مؤلّف (دستور شهرياران) عن هذا السفير، وقال: إنّه أبو المعصوم خان، وأشار إلى استقبال جاوش باشي خوندكار مع جماعة السفير أبو المعصوم، وأرسلوه إلى بيت كان مُعداً له([35])، وقد بالغ كلّ من السلطان والوزير الأعظم وكافة أركان الدولة في احترام السفير الإيراني، بحيث استُضيفَ بما يليق بمقامه، وقد طلب خوندكار من السفير الإيراني أن يطلب من الجنود المرافقين له أداء لعبة الكرة والصولجان أمامه. يكتب النصيري: <.. وقد نصبوا لخوندكار خيمةً إلى جانب الملعب بحيث يستطيع من خلالها أن يشاهد اللعب، وقد نالت طريقة لعبهم إعجاب خوندكار بحيث أعطى اثنين من اللاعبين مبلغاً مقداره عشرون أشرفياً؛ لأنهما كانا من أفضل اللاعبين في المباراة، وبعد ضيافة استمرّت طويلاً، طُـلب من السفير الذهاب إلى البلاط لتقديم الهدايا والخلع الملكيّة له ولمرافقيه الأربعين، ثم أعطاه الملك جواب الرسالة مع فرس مرحولة ولجام مرصّع بالجواهر واللآليء كذكرى من الملك للسفير، وكذلك رأسان من الخيل ولوازمها من لجام موشّى بمادة الميناء»([36]).

في مقابل سفارة أبو المعصوم، أرسلت الدولة العثمانية سفيراً يحمل هدايا الملوك؛ وذلك لتحكيم أواصر الصداقة وحُبالة المودّة بين البلدين، وقد صادف في تلك الأيام ـ أيام وصول السفير العثماني محمد بيك أمين الدفتري إلى أرض إيران ـ أيام النوروز عام 1109هـ، وقد قرَّرَت الدولة الإيرانية في تلك السنة إقامة مصيف للسياحة في منطقة بهمنزار، بل إقامة مصائف كثيرة هناك، لكن واحتراماً للسفير العثماني وتكريماً له رجع الملك ومرافقوه إلى العاصمة لاستقباله.

وكتب مؤلف (دستور شهرياران) توضيحاً أكثر حول استقبال السفير العثماني استقبالَ الملوك وتكريمه؛ قائلاً: <.. إنّ خبر دخول السفير قد وصل إلى مسامع حاكم ممالك الروم إلى حدود ولاية آذربيجان، فأمر المقيمين في هذه الأماكن الشريفة مراعاة استقبال السفير المذكور الذي اشتبه عليه الأمر وأخذه العجب والاندهاش ممّا كان يشاهد، وأن البلاط العثماني المقتدر منذ عهد بعيد والذي شيّد أركان المودة مع هذه العائلة قاموا بسرعة بإنجاز السفارة. وفي كل مرة يتشرّفون فيها بملاقاة السلطان في مقرّه أو قيادته أو مركز الملوكيّة، فإنهم يراعون الآداب والتقاليد الواقعية، بما يليق بمقام ظلّ الله في الأرض والسماء؛ ففي هذه السنة الميمونة، السفر والصيد والأراضي الخضراء وكافّة المصائف التي كانت تحسّ بالحقّانية، كلها صارت وقفاً لهذا الأمر. ففي منطقة سعادت آباد أقيم احتفال، وبعده ذهبوا حيث كانوا ينتظرون السفير المذكور»([37]). وهكذا استمرّت العلاقة الحميمة بين البلدين.

وفي أواخر عمر الدولة الصفوية، أي زمان الملك حسين، صار حال الدولة حال الشجرة القديمة المنخورة من الداخل، والتي يمكن أن تسقطها الريح العالية إذا هبّت عليها، أو الفأس إذا ضربها، وحول تلك الأيام ذَكَرَتْ كُتُب التاريخ وكتب الرحلات والتقارير الداخلية والخارجية عن تلك الأيام العصيبة، وقامت بتصوير الأوضاع الجارية غير المستقرة وشرح الحوادث بحيث كان يكمّل بعض تلك التقارير والكتب بعضاً في إظهار الصورة الواضحة عن تلك المرحلة.

ويضيف مؤلّف (رستم التواريخ) قائلاً: «لقد وصلَت أخبار الأوضاع المتردّية للدولة الصفوية إلى دول الجوار، وإلى أسماع الأصدقاء، فكلّ واحد منهم كان يرسل رسالة مودّة وحبّ إلى الملك حسين، يستقصون فيها من بُعد أخباره وأخبار البلد المترديّة، ولكن مع الأسف أصحاب البلاط غير الكفوئين كانوا يردّون على هذه الرسائل ـ بدافع الحسد والبغض ـ بأجوبة غير منشودة ولا مؤدّبة، حتى أنهم قاموا بإرجاع كلّ السفراء بصورة مُخزية إلى بلدانهم»([38])؛ وقد أدّى ذلك إلى عدم وقوف الدول المجاورة مع إيران أيام محنتها وأيام محاصرة إصفهان مِن قِبـَل أفغان قندهار، حتى استطاعت مجموعة من الأفغان تدمير دولة إصفهان العظيمة بكل سهولةٍ ويُسر.

وآخر مرة تمّ فيها تبادل السفراء بين العثمانيين والإيرانيين حصلت عندما كان الأفغان على أطراف دولة إيران، وقد كتب السفير العثماني الذي جاء إلى إيران تقريراً مفصـّلاً حول أوضاع الدولة المتأزمة؛ فوصف إيران بأنها على وشك السقوط. وفي النتيجة، ومع انكسار الدولة العثمانية على يد الأوروبيين، ووقوع البلاط الاسطنبولي تلك الأيام في غمّ وهَمّ، وقع في نفوسهم أن يتعدّوا على تراب إيران. وكتب هنوي: <نتيجةً لإنكسار الدولة العثمانية على يد النمساويين حتى صاروا على حافّة الإنهيار، فكّروا هناك في الإستيلاء على إيران، ثم أمضوا عقداً مع روسيا لتقسيم البلاد بعد احتلالها»([39]).

إنّ انكسار العثمانيين الذي غدا حتميّاً مع أوروبا، وإجبارهم على إمضاء معاهدة صلح (باساروفيتش)؛ كانت نقطة البداية لانسحابهم من أوروبا ومقدّمةً لزوال امبراطوريّتهم. وهذه المعاهدة تمّ الإمضاء عليها بتاريخ 20 شعبان 1130هـ/12 تموز 1718م، بين العثمانيين والفاتحين، أي النمساويين والفينيقيين (فينيس)([40]).

وكان النمساويون يرغبون بالمتاجرة مع إيران ويكرهون روسيا؛ لهذا لم يكونوا يريدون مرور البضائع الإيرانية عن طريق ميناء حاجي طرفان في بحر الخزر إلى أوروبا، من هنا جاءت المادة 19 من معاهدة صلح باساروفيج (Passarowitz) لتقول: «… إذا عَبَرَ التجـّار الإيرانيون من امبراطورية النمسا عن طريق نهر الدانوب نحو الحدود العثمانية، فإنهم ـ طبق القانون المعمول به ـ يسلّمون خمسة بالمائة كجمارك وقت العبور، ويأخذون من مأموري الجمرك العثمانيين ورقةً تُثبت دفعهم للمال، فإذاً لا يجب مطالبتهم مرة ثانية بالجمرك وحق العبور، كي لا يكون ذلك سبباً لأذيـّتهم. وكذلك إذا أرادوا المجيء من إيران إلى النمسا مع بضائعهم، وذلك بالمرور من الأراضي العثمانية للوصول إلى أراضي النمسا، فعليهم دفع الجمرك لمرّة واحدة في البحر الأسود أو نهر الدانوب بمقدار خمسة بالمائة، فلا يجب ان يُضايـَقوا مرّة ثانية في الدفع»([41]).

لقد كان من الضروري اطلاع إيران وموافقتها على محتوى المادة 19 التي تؤمّن حرية التجارة، والتي اُجبر عليها العثمانيون قسراً من جانب النمساويين، وكان سفير النمسا في اسطنبول قد أجبَرَ الباب العالي على إرسال سفير إلى إيران. من جانب آخر، طلبت الدولة العثمانية أيضاً في مقابل الأراضي التي فَقَدَتها في أوروبا نتيجةً لمعاهدة باساروفيتش، وبالاستفادة من الأوضاع المتردّية في إيران أن تَضَعَ يدها على بعض الأراضي هناك لتسدّ ما خَسرته في أوروبا. ولدراسة أوضاع إيران عن قرب، صَمّمَت الدولة العثمانية على إرسال أحمد دري أفندي إلى إيران. ورغم أنّه جاء بهذه المهمّة، لكنـّه أخفى ذلك وأعلن أنه جاء لإجراء بعض بنود معاهدة باساروفيتش حول طرق حقّ عبور تجّار إيران والنمسا الذين يمرّون عبر الدولة العثمانية عند ذهابهم إلى إيران.

وكان أحمد دري أفندي آخر سفير عثماني في الدولة الصفويّة، وبعد عدّة لقاءات مع السلطان حسين واعتماد الدولة وسائر أركان البلاد، وملاحظته لأوضاع إيران الملتهبة بدقة، كتَبَ في مذكراته حولها يقول: <..كلّ البلاد فيها جنود، وهي عامرة، أما خرابها فقليل جداً، ولكن نعوذ بالله يظهر أنّ زوال دولتهم قريب، وصرت مطّلعاً على وضعهم بدقّة، دولتهم عامرة جداً لكن لا رجال لها، كأنّه هناك قحط في الرجال، وفي الجانب الآخر فإنّ دولتهم ضعيفة مضطربة ومتزلزلة. فإرادة الله سبحانه شاءت أن تظهر النكبة والخسران على وجوههم، ولم تُرَ البَسْمَة على شفاههم وكل مَنْ كان له نفس المصير يقول: <إنّ الملك ليس له حظٌّ، وإنّ الله قد رفع يده عنه يعني (ليس ظلّ الله)، وولّى عهده وزمانه»([42]).

جاء دري أفندي إلى إيران في وقتٍ عَمّت الفوضى والطغيان والمؤامرات والخيانات البلاطَ وقامت على قدم وساق، وكان يحكم الدولة في حينها رجال ضعفاء غير لائقين بإدارة الدولة. وصادفَ رجوع دري أفندي في تاريخ 1133هـ/نيسان 1771م.

بدوره أرسل السلطان حسين رسالةً إلى السلطان العثماني أحمد الثالث، وأخرى إلى إبراهيم باشا صهره ووزيره الأعظم، وكلا الرسالتين حوتا مجاملات ملكية معتادة، وفيهما أيضاً كلمات حول الصداقة والعلاقة بين الطرفين([43])،وقد حمل مرتضى قلي خان هاتين الرسالتين معه، وهو رجل عاقل وواعٍ، فقد اُرسل إلى اسطنبول سفيراً لبلاده، مقابل المهمة التي اُرسل بها دري أفندي([44]) وقد استُقبِلَ بحفاوة من جانب سفير إيران وتمّ إكرامه، وبعدها حضر اللقاء مع الملك يوم الثلاثاء 16 ربيع الثاني عام 1134هـ وسلّمه الرسالة التي يحملها من ملك إيران. ودارت هناك محادثات مهمّة بين سفير إيران والدولة العثمانية، لكن وفجأةً انقَطَعَت هذه المحادثات، ولعلّ سبب هذا الانقطاع المفاجئ هو الأخبار والشائعات القادمة من إيران.

لقد قُطعَت المحادثات ورجعَ مرتضى قلي خان إلى إيران، وكان واضحاً أنّ هذه المحادثات بين الجانبين كانت شكليةً، والخصمان كانا ينتظران أن تسوء الأحوال في إيران. وبعد أن أدّى قلي خان وظيفته رجع إلى بلاده، لكنّه وجد أمامَه الدولة الصفويّة تلفظ أنفاسها الأخيرة.

النتيجة ـــــــ

ثمّة عوامل متعدّدة وكثيرة، قريبة وبعيدة داخليّة وخارجيّة، أدّت إلى طول مدّة العلاقات بين الدولة الصفويّة والعثمانيّة، من جُملتها العوامل السياسيّة والعسكريّة والاقتصاديّة والمذهبيّة، حيث كان لها دور في هذه العلاقات كمّاً وكيفاً، كما كان لتـَنامي القُدرة، وحب التوسّع، والتحرّشات البريّة على الحدود الطويلة بين البلدين، والاختلافات المذهبيّة بين الشيعة والسنّة، حتى أنّ بعض الشيعة كانوا يعيشون في البلاد العثمانيّة فيما كان يعيش بعض أهل السنّة في إيران.. الأثر الكبير في علاقات الدولتين.

ونتيجةً للعوامل المذكورة أعلاه برزت مشاكل عديدة بين الدولتين؛ منها: تغيير الحدود المرسومة بينهما، وعدم الاستقرار في المناطق الحدوديّة، بل احتلالها عدّة مرّات، وكذلك هجرة الشيعة والسنّة إلى الدول المجاورة، ممّا خلّف وراءه مشاكل كثيرة.

ورغم تلك المواجهات، كانت العلاقات بين الملوك حميمةً، حتى كانوا يتبادلون الألقاب اللائقة فيما بينهم، مثل: الغازي والمجاهد وغيره، كما كانوا يتبادلون الهدايا الثمينة فيما بينهم، وكذلك الحال بين أبناء البلدين حيث كانت علاقاتهم دائماً علاقات صداقة ومحبّة قويّة، وحتى في أيام المواجهات السياسيّة بين قادة البلدين كانت هناك علاقات وأواصر بين أبنائهما مثل العلاقات الثقافيّة المتقاربة جداً التي تربط ثقافتهما، وإلى جانب ذلك كلّه ظلّت العلاقات التجاريّة والتزاور المتبادل وزيارت العتبات مستمرّةً لم تنقطع.

*   *     *

الهوامش

(*) عضو الهيئة العلمية في جامعة طهران.

([1]) المستوفي، تاريخ زندكاني من: 105.

([2]) الشعباني: 15؛ ادوارد براون: 119.

([3]) تاورنيه 1336، ص 487، الفلسفي (دستهاي خون آلود) الأيادي الملطخة بالدماء: 222.

([4]) الهداية 8: 6880.

([5]) لاكهارت: 21.

([6]) المستوفي: 1375، ص 106؛ ولي قلي شاملو: 216.

([7]) المستوفي: 107.

([8]) الوحيد القزويني:50، ولي قلي شاملو:255؛ استانفورد جي:366.

([9]) تاريخ نعيما: 3.

([10]) القزويني: 52.

([11]) المستوفي: 108.

([12]) القزويني: 52.

([13]) ميرزا جعفر خان مشبر الدولة، رسالة التحقيقات السرحدية: 81.

([14]) اعتماد السلطنة؛ مسوّدة أصل المعاهدة، مكتب علي الأميري، رقم 767.

([15]) مجموعة معاهدات إيران مع الدول الأجنبية، 1326هـ/1908م: 192؛ وأصل مسوّدة المعاهدة، رقم 767 رئاسة الوزراء اسطنبول.

([16]) وحيد القزويني:51؛ محمد معصوم ابن الخواجكي الإصفهاني: 272.

([17]) وحيد القزويني: 53؛ ومحمد معصوم: 274.

([18]) مسوّدة أصل معاهدة زهاب، رقم 767 مكتب علي الأميري، اعتماد السلطنة: 934 / مجموعة المعاهدات، 1326هـ/ 1908 193.

([19]) وحيد القزويني:53؛ محمد معصوم:271؛ اعتماد السلطنة:941؛ مجموعة المعاهدات، 1326 هجري: 191، مصطفى نعيم: 394؛ أصل مسوّدة المعاهدة تحت رقم 767، تصنيف علي الأميري رئاسة الوزراء اسطنبول.

([20]) الهداية:899؛ اعتماد السلطنة:940.

([21]) الهداية 8: 9898.

([22]) مصطفى نعيم 3: 255؛ الهداية 8: 6894.

([23]) اعتماد السلطنة: 936؛ الهداية 8: 9897.

([24]) الهداية: 6898؛ واعتماد السلطنة: 936.

([25]) الهداية: 6898.

([26]) الرياحي، سفارتنامه عثماني: 43.

([27]) المصدر نفسه: 44.

([28]) مجلة إيرانشهر1 : 443.

([29]) ثابتيان: 342.

([30]) وحيد القزويني: 222.

([31]) كمبفر: 58.

([32]) المصدر نفسه: 86.

([33]) كارري: 93.

([34]) مجلّة إيرانشهر 4: 445.

([35]) محمد إبراهيم النصيري: 165.

([36]) المصدر نفسه: 166.

([37]) المصدر نفسه: 142.

([38]) آصف، رستم التواريخ: 96.

([39]) هنوي: 210؛ والرياحي: 49.

([40]) للتعرّف على معاهدة باساروفيتش راجع: استانفورجي، شاو: 401 شهناز رازبوش (باساروفجه). دائرة المعارف (جهان إسلام)، 5، 426 ـ 420.

([41]) استانفورد جي شاو: 401.

([42]) أحمد دري أفندي، سفارات إيران، ترجمة محمد أميني الرياحي: 97؛ راشد أفندي، 3، ضمن حوادث 1144؛ أحمد جودت:64.

([43]) عبدالحسين نوائي: 165.

([44]) هنوي: 165.