أحدث المقالات

المقدّمة

​تُعد مسألة “تأخر أو عدم استجابة الدعاء على الظالم من أعمق الإشكالات التي تواجه الوعي الديني البشري، سيما وأن الله سبحانه وتعالى بصير بالظالم ويعلم ظلمه يقيناً. ولتفكيك هذه المسألة بمعزل عن التفسيرات العاطفية، يقدم الدكتور محمد شحرور قراءة معرفية ترتبط بالسنن الكونية والتاريخية، بينما يقدم الدكتور فاضل السامرائي قراءة لغوية بيانية ترتبط بدلالات الألفاظ وصيغ النصوص.

​المبحث الأول: المنظور المعرفي والسنني (رأي الدكتور محمد شحرور)

​يرفض شحرور مفهوم “التعطيل الإداري” للدعاء، ويرى أن الكون يُدار وفق قوانين موضوعية وسنن ثابتة لا تتبدل، وعليه فإن عدم استجابة الدعاء على الظالم المتجبر يُفسر عبر المحاور والآيات التالية:

​1. سنن التدافع البشري وملازمة الأسباب الأرضية

​الآيات الحاكمة:

​﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 251]

​﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: 40]

​﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]

​﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنْتُموهُم فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد: 4]

​التحليل المعرفي:

يرى شحرور أن رفع الظلم عن الظالم المتجبر لا يتم بمجرد التمني والدعاء بظهر الغيب، بل يخضع لـ “قانون التدافع”. الله تعالى لا يعطل سنن التاريخ وموازين القوى البشرية لمصلحة دعاء فردي إن لم يصاحبه فعل أرضي، تنظيمي، وعملي من المظلومين لردع الظالم.

​2. سنة الإمهال والاستدراج وتراكم الأخطاء

​الآيات الحاكمة:

​﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: 178]

​﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم: 45]

​﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مَّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [طه: 131]

​﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: 44]

​التحليل المعرفي:

المتجبر قد يستمر في ظلمه ويبدو كأن دعاء المظلوم لا يستجاب، لأن السنن التاريخية تقتضي “الاستدراج” ووصول البنيان الظالم إلى ذروة التآكل الداخلي ليكون سقوطه مدوياً ونهائياً وفق النظام الكوني العام، لا وفق الاستجابة الفورية لرغبة شخصية.

​3. ثبات السنن الكونية وعدم استجابتها للعاطفة الآنية

​الآيات الحاكمة:

​﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: 43]

​﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح: 23]

​التحليل المعرفي:

الكون محكوم بقوانين فيزيائية واجتماعية ونفسية موضوعية، ودعاء المظلوم عبادة يعبر فيها عن افتقاره، ولكنه لا يخرق القوانين الموضوعية للكون التي صُممت لتعمل باستقلالية عن رغبات الأفراد الآنية.

​المبحث الثاني: المنظور اللغوي والبياني (رأي الدكتور فاضل السامرائي)

​يركّز السامرائي على دلالات الألفاظ القرآنية، مبيناً أن “عدم رؤية الاستجابة الفورية” يعود إلى الفوارق الدقيقة بين مباني الآيات ومعانيها:

​1. شمولية معنى “الاستجابة” واختلافها عن “تحقيق عين المطلوب”

​الآيات الحاكمة:

​﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60]

​﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]

​﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ [النمل: 62]

​التحليل البياني:

يؤكد السامرائي لغوياً أن الفعل (أستجب) أو (أجيب) لا يعني بالضرورة وقوع عين ما طلبه الداعي بالحرف (كإهلاك الظالم في الحال)، بل يعني “القبول والعناية”. قد تكون الاستجابة بصرف بلاء محتم، أو بدفع شر أعظم، أو بادخار الأجر، فالاستجابة مضمونة لغوياً ولكن بحسب الحكمة الإلهية في نوع الجزاء لا بحسب تصور الداعي العجول.

​2. طبيعة الإنسان العجولة وتعارضها مع الأجل الكوني المرسوم

​الآيات الحاكمة:

​﴿وَيَعْجَلُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: 11]

​﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: 11]

​﴿بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ [الأنبياء: 40]

​﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [النحل: 61]

​التحليل البياني:

يبيّن السامرائي من خلال السياق النحوي والبياني أن الإنسان بطبعه يطلب الاستعجال ويقيس الأمور بمدى ضيق وزمني (آني)، بينما صياغة الآيات القرآنية تربط الأحداث الكبرى والقصاص من الظالمين بـ “أجل مسمى”. ولو استجاب الله كل دعاء فوري بالانتقام لدعوة مظلوم لما استقرت حياة البشرية على الأرض.

ختاماً

​يتقاطع الطرحان عند نقطة مركزية: إن عدم استجابة الدعاء على الظالم  بالشكل الفوري الذي يبتغيه المظلوم لا يعني غياب العدالة الإلهية، بل يترجمه شحرور كخلل في عدم استيفاء سنن التدافع والأسباب الأرضية للتغيير، بينما يترجمه السامرائي كدلالة على أن مفهوم “الاستجابة القرآنية” واسع ومحكوم بتقديرات حكيمة وآجال مسماة تتجاوز ضيق الرغبة البشرية العجولة.

Facebook
Twitter
Telegram
Print
Email