يتوهم كثير من الناس أن أعظم صور التضحية في سبيل الله هي بذل النفس، ولا ريب أن الشهادة في سبيل الله من أعظم مراتب البر، وقد ورد في الحديث الشريف: «فوق كل ذي برٍّ برٌّ حتى يُقتل الرجل في سبيل الله، فإذا قُتل في سبيل الله فليس فوقه برّ».
غير أن التأمل في سير أولياء الله يكشف أن الابتلاء الإلهي لا يقف عند حدود بذل النفس، بل قد يقتضي من الإنسان أن يبذل ماله، أو أهله، أو عرضه، أو يجمع بين ذلك كله، كما صنع الإمام الحسين(ع)، حين قدّم نفسه وأهل بيته، وعرّض نساءه للسبي، في سبيل حفظ الدين.
غير أن هذه التضحيات ـ على عظمتها ـ تدور كلها في إطار الحياة الدنيوية؛ فهي وإن بقيت آثارها وذكراها خالدة، إلا أن فعل التضحية نفسه ينتهي بانتهاء الواقعة، واستشهاد أصحابها، وانقضاء المحنة.
لكن هناك لوناً آخر من الابتلاء لا ينتهي بانتهاء الحادثة، ولا يقف عند حدود حياة صاحبه، بل يمتد معه وبعده، ويظل الإنسان يدفع ثمنه ما بقي حياً، وربما استمر بعد وفاته قروناً طويلة.
إنه الابتلاء الذي يكون فيه عرض الإنسان وسمعته هما القربان.
أن يُكلَّف الإنسان بأن يقبل أن يُساء فهمه، وأن تُشوَّه صورته، وأن يُتهم بالجبن، أو الخيانة، أو ضعف البصيرة، وأن يبقى هذا الاتهام يلاحقه في حياته، ثم يلاحقه في التاريخ بعد وفاته، مع علمه بأنه لو تصرف على خلاف ما يريده الله لحفظ مكانته في أعين الناس، ولكنه عندئذٍ يكون قد ضيّع ما أراد الله منه أن يحفظه.
وهذا لون من البلاء لا تدرك حقيقته إلا النفوس الكبيرة؛ لأن كثيراً من الناس قد يهون عليهم أن يموتوا مرة واحدة، ولكن يشق عليهم أن يعيشوا أعمارهم، ثم يمضوا إلى ربهم، وقد تركوا وراءهم صورة مشوهة في أذهان الناس، وهم يعلمون أنهم إنما تحملوا ذلك طاعةً لله وحفظاً لدينه.
ولعل هذا هو السر في قول مريم بنت عمران(عا)، حين واجهت ابتلاءً يمس عفتها وشرفها: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾.
فلم تقل ذلك جزعاً مما نزل بها من الابتلاء، وإنما لأن المرأة الطاهرة العفيفة ترى أن الطعن في عرضها وشرفها أشد عليها من الموت نفسه؛ فكيف إذا كانت تلك المرأة هي مريم التي اصطفاها الله وطهرها وجعلها آيةً للعالمين؟
وإذا كان هذا اللون من الابتلاء قد تجلى في قصة مريم بنت عمران(عا)، فإنه تجلى في تاريخ أهل البيت(عم) بأوضح صورة في حياة الإمام الحسن المجتبى(ع)، حيث لم يكن القربان الذي طُلب منه دمه، وإنما سمعته.
فإن من أكبر الأخطاء التي وقع فيها كثير من الناس أنهم قرأوا صلحه مع معاوية قراءةً سياسية مجردة، ولم يقرأوه بوصفه ابتلاءً إلهياً من نوع آخر.
لقد كان الإمام الحسن(ع) يعلم ـ قبل أن يوقع الصلح ـ أن كثيراً من الناس لن يفهموا موقفه، وأن خصومه سيصورونه بصورة العاجز والضعيف، وأن بعض أصحابه سيقول له: «يا مذل المؤمنين»، وأن آخرين سيطعنونه في فخذه الشريف، وأن هذه الصورة المشوهة قد لا تقف عند حدود حياته، بل قد تمتد بعد وفاته، وتبقى موضع نقاش وسوء فهم عبر الأجيال.
وكان يعلم أيضاً أنه لو اختار الطريق الذي يرضي عواطف الناس، وأبى الصلح، لربما حفظ صورته في أذهانهم، لكنه عندئذٍ سيكون قد ضحى بما أراد الله منه أن يحفظه، وهو أصل المشروع الإلهي، والبقية الباقية من حملة هذا المشروع.
وهنا تتجلى خصوصية مظلومية الإمام الحسن(ع).
فهو لم يقدم سمعته ثمناً لراحة نفسه، ولا خوفاً من الموت، وإنما قدمها قرباناً لله تعالى، كما يقدم الشهيد دمه قرباناً له.
وهذا هو الذي يفسر لنا سر صبره على كلمات التجريح، وعلى اتهامات القريب والبعيد، وعلى أن يحمل هذا العبء الثقيل، وهو يعلم أن التاريخ قد يتأخر كثيراً في إنصافه.
ولست أكتب هذا لأفاضل بين الإمامين الحسن والحسين(عما)، فهما إمامان معصومان، وكل واحد منهما أدى التكليف الذي أناطه الله به على أكمل وجه. وإنما أريد أن ألفت النظر إلى خصوصية قد لا يلتفت إليها كثير من الناس، وهي أن الله تعالى كما يبتلي بعض أوليائه ببذل الدم، قد يبتلي بعضهم ببذل السمعة.
لقد شاء الله أن تكون كربلاء منارةً خالدةً تكشف للأمة عظمة تضحية الإمام الحسين(ع). فمع ما جرى عليه من القتل، والذبح، واستشهاد أهل بيته وأصحابه، وسبي نسائه، فقد خلد في وجدان المسلمين، بل في وجدان الإنسانية، رمزاً للبطولة والإباء والفداء، حتى لم يبق اليوم من يشكك في عظمة موقفه، أو يتهمه في نيته، أو يطعن في شجاعته.
أما الإمام الحسن(ع)، فقد كان من تمام بلائه أن يسلك طريقاً آخر، يعلم منذ اللحظة الأولى أن ثمنه لن يكون دمه، بل سمعته.
لقد كان يعلم أن خصومه سيصورونه في صورة العاجز أو الجبان، وأن بعض أصحابه سيقول له: «يا مذل المؤمنين»، وأنه سيطعن في فخذه الشريف، وأن طائفةً من الناس ستبقى تنظر إلى صلحه بعين الريبة، وأن هذه المظلومية لن تنتهي بوفاته، بل ستمتد بعد رحيله، ويتوارثها الناس جيلاً بعد جيل.
ومع ذلك كله، مضى فيما أمره الله به؛ لأنه لم يكن يبحث عن صورة مشرقة في أعين الناس، وإنما كان يبحث عن رضا الله، وعن حفظ دينه، وحفظ البقية المؤمنة التي ستواصل حمل مشروع أهل البيت(عم)، وهو ما أثبتته الأيام بعد ذلك.
إن من السهل على الإنسان أن يبذل دمه إذا كان يعلم أن التاريخ سينصفه، وأن الأجيال ستخلد اسمه. أما أن يقدم على عمل يعلم سلفاً أنه سيجر عليه اللوم، وسوء الفهم، واتهامات القريب والبعيد، وأن هذا الظلم قد يمتد قروناً بعد وفاته، ثم يقدم عليه راضياً مطمئناً؛ لأنه هو التكليف الإلهي، فتلك منزلة أخرى من منازل الإخلاص، لا يعرف حقيقتها إلا من عرف الله حق المعرفة.
ومن هنا، فإن من الإنصاف للإمام الحسن(ع) ألا نقرأ صلحه قراءةً سياسية فحسب، ولا أن نتعامل معه بوصفه قراراً فرضته الظروف العسكرية وحدها، بل أن نقرأه أيضاً بوصفه ابتلاءً إلهياً عظيماً، كان من مقتضياته أن يجعل الإمام عرضه وسمعته موضعاً للتضحية، كما يجعل الشهيد دمه موضعاً للتضحية، إذا كان في ذلك حفظٌ للدين، وصيانةٌ لخط الإمامة، وإبقاءٌ للصفوة المؤمنة التي ستواصل مسيرته.
لقد رضي الإمام الحسن(ع) أن يتحمل سوء الفهم، وأن يبقى مظلوماً في ذاكرة كثير من الناس، لكي يبقى دين الله محفوظاً في ضمير الأمة.
ولعل هذه واحدة من أعظم مظلوميات الإمام الحسن(ع)، التي ما زالت تنتظر من ينصفها، ويكشف للناس أن الصلح لم يكن تراجعاً عن المبدأ، بل كان لوناً آخر من ألوان الفداء، وأنه إذا كانت كربلاء قد علمتنا كيف يكون بذل الدم في سبيل الله، فإن صلح الإمام الحسن(ع) يعلمنا كيف يكون بذل السمعة في سبيله.
ولم يكن هذا اللون من الفداء مقصوراً على الأئمة(عم)، بل جرت سنة الله به في بعض خلّص أصحابهم أيضاً، ومن أروع نماذجه ما جرى ليونس بن عبد الرحمن، أحد أجل أصحاب الإمامين الكاظم والرضا(عما).
فبعد شهادة الإمام الكاظم(ع)، وقف رؤوس الواقفة على إنكار وفاته، لا لشبهة علمية، وإنما حفاظاً على الأموال الطائلة التي كانت بأيديهم، وكان من أبرزهم: علي بن أبي حمزة البطائني، وزياد بن مروان القندي، وعثمان بن عيسى الرواسي.
يروي يونس بن عبد الرحمن: «لما مات أبو الحسن موسى(ع) وليس من قوّامه أحد إلا وعنده المال الكثير، وكان ذلك سبب وقفهم وجحودهم موته… فلما تبيّن لي الحق، وعرفت من أمر أبي الحسن الرضا(ع) ما عرفت، تكلمت ودعوت الناس إليه. فبعثا إليّ فقالا: ما يدعوك إلى هذا؟ إن كنت تريد المال أغنيناك، وضمنا لي عشرة آلاف دينار، وقالا: كفّ. فأبيت، وقلت لهما: إنا روينا عن الصادقين(عما): إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه، فإن لم يفعل سلب الله منه نور الإيمان، وما كنت لأدع الجهاد في أمر الله على كل حال».
فلما عجزوا عن شراء ضميره، انتقلوا إلى الوسيلة التي يلجأ إليها أهل الباطل حين يعجزون عن إسكات أهل الحق بالحجة، وهي اغتيال السمعة.
فنشروا بين الشيعة مختلف التهم والافتراءات، حتى صار كثير منهم يقع في يونس، وهو الذي لم يكن ذنبه إلا أنه رفض أن يبيع دينه بدنيا غيره.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد.
فقد روى الكشي أن يونس دخل على الإمام الرضا(ع)، وكان عنده، فاستأذن جماعةً من أهل البصرة للدخول عليه. فأشار إليه الإمام أن يدخل بيتاً في الدار، وكان عليه ستر، وقال له: «لا تتحرك حتى آمرك». فدخل أولئك القوم، وجعلوا يذكرون يونس بسوء، ويكثرون الوقيعة فيه، وينسبون إليه ما هو بريء منه، والإمام(ع) مطرق لا يجيبهم بشيء، حتى إذا فرغوا وانصرفوا، أذن ليونس بالخروج. فخرج يونس باكياً، وقال: «جعلت فداك، أنا أحامي عن هذه المقالة، وهذه حالي عند أصحابي!».
لقد كان الألم الذي يعتصر قلبه ليس من شتم أعدائه، وإنما من أن الذين يقعون فيه هم شيعة أهل البيت(عم)، الذين كان يبذل عمره في الدفاع عن إمامتهم، والذب عن عقائدهم.
وهنا لقنه الإمام الرضا(ع) درساً من أعظم الدروس في الإخلاص لله تعالى، فقال له: «يا يونس، وما عليك مما يقولون إذا كان إمامك عنك راضياً؟… يا يونس، لو كان في يدك اليمنى دُرّة فقال الناس: بعرة، أو كان في يدك بعرة فقال الناس: دُرّة، هل ينفعك ذلك شيئاً أو يضرك؟»
أي إن الحقيقة لا تتغير بثناء الناس ولا بذمهم، كما أن الجوهرة لا تتحول بعرة إذا سماها الناس بعرة، ولا تصير البعرة جوهرة إذا أطلقوا عليها هذا الاسم. فالميزان هو رضا الله وحجته، لا ألسنة الناس.
وهذه ليست مجرد مواساة ليونس، وإنما هي كشف عن سنة من سنن الله في أوليائه وأوليائهم؛ فقد يبتلي الله عبده مرة بأن يبذل دمه، وقد يبتليه مرة أخرى بأن يبذل سمعته.
وقد يكتب للشهيد أن يخلد في ضمير الأمة رمزاً للبطولة والإباء، بينما يكتب لغيره أن يبقى موضع تهمة وسوء فهم، مع أنه لا يقل إخلاصاً ولا تضحية، وإنما اختلف نوع التكليف الذي ابتلي به.
ولم يقف يونس عند الصبر على هذا البلاء، بل ارتقى إلى مرتبة أسمى، وهي العفو عمن أساء إليه.
فقد روى الكشي أن بعض أصحابه قال: قيل ليونس بن عبد الرحمن: إن كثيراً من هذه العصابة يقعون فيك ويذكرونك بغير الجميل، فقال: «أشهدكم أن كلَّ من له في أمير المؤمنين(ع) نصيبٌ فهو في حلٍّ مما قال».
وما أعظمها من كلمة!
فهو لم يقل: كل من ظلمني فهو في حل، وإنما علّق عفوه على وجود نصيب من ولاية أمير المؤمنين(ع) في قلب المسيء.
وكأنه رأى أن هؤلاء لم يحملهم على الوقيعة فيه عداوةً لأهل البيت(عم)، وإنما حملهم الجهل والالتباس، ولو عرفوا حقيقة الأمر لما قالوا ما قالوا. فلم يشأ أن يقف معهم بين يدي الله تعالى خصماً، بل قابل إساءتهم بالعفو، إكراماً لما يحمله أكثرهم من حب أمير المؤمنين(ع).
وهكذا يكون أولياء الله؛ لا ينظرون إلى ما يصيب ذواتهم، بقدر ما ينظرون إلى ما بقي في قلوب الناس من بذور الخير والهداية.
ولست أزعم لنفسي منزلة يونس بن عبد الرحمن، ولا أرى ما ألقاه قابلاً للمقارنة بما لقيه هو، فضلاً عما لقيه أئمتنا(عم). غير أن الإنسان إذا قرأ هذه المواقف وجد فيها عزاءً وسلوة، وتعلم منها كيف يتعامل مع سوء الفهم، والشتم، والاتهام، إذا كان يعتقد أنه إنما يؤدي ما يراه تكليفه الشرعي.
ولذلك، فإني أقتدي بيونس في هذا الخلق العظيم، وأقول: «اللهم اشهد أن كل من كان في قلبه نصيب من حب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع)، فهو مني في حل، فيما قال أو كتب أو اتهم، وأسألك أن تغفر لي وله، وأن ترينا جميعاً الحق حقاً فترزقنا اتباعه، والباطل باطلاً فترزقنا اجتنابه.»
سلامٌ على الحسن يوم وُلد، ويوم استشهد مسموماً مظلوماً، ويوم يُبعث حياً.