أحدث المقالات

حين نتحدّث عن النبي محمد(ص)، أو الإمام عليّ، أو الإمام الحسين، أو غيرهم، ينبغي أن نميّز بين الشخص الذي عاش فعلاً في التاريخ، وبين الصورة التي وصلت إلينا عنه. فالنبي الحقيقي هو الإنسان الذي عاش بين أهله وأصحابه ومجتمعه، وتكلم وتحرك واتخذ مواقفه في ظروفه الخاصة، وكذلك علي والحسين. غير أن هذه الشخصيات الواقعية انقضت بانقضاء زمنها، ولم يعد بيننا وبينها اتصال مباشر؛ فلا نحن رأيناها، ولا سمعنا كلامها، ولا شهدنا أحداث حياتها.

إن الطريق الوحيد المتاح لنا إلى معرفتها يمر ـ في الأساس ـ عبر النصوص: كتب السيرة، والروايات، والأخبار، والرسائل، والخطب، وما نقله المؤرخون والمحدّثون، ويبقى القرآن مصدراً استثنائياً؛ لكنه ليس كتاب سيرة أو تاريخ، وإنما نص مقدس لم يكن هدفه الأساسي سرد التاريخ. ولذلك فنحن لا نعرف النبي كما عرفه أهل بيته وأصحابه، ولا نعرف الحسين بهذه الدقة كذلك، وإنما نعرف «النبي الذي تصفه النصوص» و«الحسين الذي حفظته الأخبار».

الحقيقي والنصّي والتاريخي

يمكن التمييز هنا بين ثلاثة مستويات، وسأذكر النبي والإمام الحسين كمثالين ظاهرين:

١ ـ النبي أو الحسين الحقيقي وهو الشخص كما كان في واقعه الكامل، بجميع أفكاره ومشاعره وأقواله وأفعاله وتفاصيل حياته. وهذا المستوى لم يعد الوصول إليه ممكناً.

٢ ـ النبيّ أو الحسين النصّي وهو مجموع الصور والأقوال والأحداث التي حفظتها المصادر، بما فيها من اختلاف وزيادة ونقص وتعارض.

٣ ـ النبيّ أو الحسين التاريخي وهو الصورة التي يحاول الباحث إعادة بنائها بعد نقد النصوص، ومقارنتها، وتمييز مبكرها من متأخرها، وقويها من ضعيفها، والمشترك بينها من المنفرد.

فالحسين التاريخي ليس هو الحسين الحقيقي كاملاً، كما أنه ليس مجرد جمع كل ما ورد في الكتب؛ بل هو أقرب صورة ترجيحية يستطيع البحث التاريخي الوصول إليها من خلال المادة الباقية.

طبقات تفصلنا عن الشخصية

بيننا وبين النبي أو الحسين سلسلة طويلة من الفلاتر والطبقات النصية. فالحدث وقع أولاً، ثم شاهده بعض الناس من زوايا مختلفة، ثم اختار الشاهد ما يرويه وما يسكت عنه، ثم نقل كلامه راوٍ أو أكثر، ثم دوّنه مؤلف في كتابه، وقد يختصره أو يعيد صياغته، ثم انتقل الكتاب عبر النسّاخ، وربما تعرض نصه للتصحيف أو الزيادة أو الحذف. وبعد ذلك جاءت القراءات المذهبية والوعظية والشعبية، فأعادت ترتيب الأخبار وتفسيرها وفق حاجات العصور اللاحقة.

ويمكن تلخيص أهم هذه الفلاتر في:

ـ انتقائية الشاهد وضعف الذاكرة واختلاف زاوية الرؤية.

ـ تعدد الرواة وطول المسافة بين الحدث والتدوين.

ـ توجهات المؤلف السياسية والمذهبية والأدبية.

ـ ضياع كثير من المصادر الأولى.

ـ أخطاء النسخ والاختصار وإعادة الصياغة.

ـ تأثير المنبر والطقوس والمخيال الشعبي.

ـ تصورات القارئ المعاصر وانتظاراته المسبقة.

ولذلك فإن النص ليس نافذة شفافة نرى من خلالها الماضي كما وقع تماماً، بل هو نافذة ملوّنة بطبيعة ناقله وزمنه وغرضه.

هل يعني ذلك أننا لا نعرف شيئاً؟

لا تعني هذه الرؤية إنكار إمكان المعرفة التاريخية، ولا أن جميع الأخبار متساوية في القيمة. فنحن نستطيع الوصول إلى قدر معتبر من المعرفة، ولكنها معرفة متفاوتة الدرجات: منها ما هو ثابت بدرجة عالية، ومنها ما هو راجح، ومنها ما هو محتمل، ومنها ما لا يعدو أن يكون قصة متأخرة.

نحن نعرف مثلاً وجود النبي والحسين، ونعرف جملة من الأحداث الكبرى في حياتهما، لأن هذه الأمور وردت في مصادر مبكرة ومتعددة ومستقلة نسبياً. لكن كلما انتقلنا من الحدث العام إلى التفاصيل الدقيقة ـ كالألفاظ الحرفية للخطب، والحوارات الطويلة، والأحداث المفصلّة، والجزئيات التي لم يروها إلا شخص واحد ـ ازدادت مساحة الاحتمال، وضعف اليقين بالحدث.

فالمشكلة ليست في وجود المعرفة أو عدمها، بل في معرفة حدودها، وعدم تحويل الترجيح إلى يقين، أو الخبر المنفرد إلى حقيقة مكتملة.

الحسين بين التاريخ والذاكرة

تكوّنت حول الإمام الحسين عبر القرون صور متعددة: الحسين التاريخي، والحسين العقدي، والحسين الوعظي، والحسين الطقسي، والحسين الشعبي. وهذه الصور ليست متطابقة بالضرورة. فقد تضيف الذاكرة الجمعية إلى الشخصية ما يعبر عن حاجاتها الروحية والأخلاقية، حتى يصبح من الصعب على المتلقي أن يفرّق بين ما ورد في المصادر المبكرة والمعتبرة وما صنعته المجالس والمراثي في العصور المتأخرة.

ولهذا لا نقول عن كل صورة مألوفة: «هذا هو الحسين كما كان». ولكن نقول: «هذه هي صورة الحسين في هذا المصدر» أو «هذا ما ترجحه النصوص المتاحة». أما الحسين الحقيقي في كمال شخصيته وتجربته الكاملة، فهو أوسع من كل كتاب وأبعد من كل إعادة بناء تاريخية، فهو تجربة عمر طويل ممتد من الصعب أن تحيط به النصوص أو الأخبار.

انسداد الطريق المباشر

إن الطريق المباشر إلى النبي أو الإمامين علي أو الحسين قد انغلق بانقضاء عصرهم. ولا يمكن للعقل المجرد أو التأمل الوجداني أن ينتج لنا تفاصيل تاريخية جديدة لم تحفظها المصادر. فقد يساعد العقل على تحليل الخبر واكتشاف تناقضه أو إمكان وقوعه، لكنه لا يستطيع أن يخبرنا بما قيل في مجلس معين، أو بما جرى في ساعة محددة، من دون شهادة أو نص.

وحتى إذا عُثر مستقبلاً على مخطوط أو نقش جديد، فإنه لن يرفع عنا الوساطة النصية، بل سيضيف نصاً آخر إلى المادة المتاحة، ثم يخضع هو أيضاً للنقد والفحص.

ولا يقتصر هذا الأمر على النبي أو الإمام علي أو الإمام الحسين أو غيرهم من الأئمة، بل يشمل جميع الشخصيات التاريخية التي عاشت في الماضي؛ غير أن طبيعة الشواهد التي تصلنا عن تلك الشخصيات تختلف من حالة إلى أخرى. فبعض الشخصيات بقيت عنها آثار مادية، أو نقوش ووثائق معاصرة لها، إلى جانب النصوص التي تحدثت عنها. أما الشخصيات الإسلامية المبكرة، وفي مقدمتها النبي والأئمة، فإن الطريق الأساس إلى معرفتها يمر عبر النصوص والأخبار التي حفظتها المصادر، لندرة الآثار المادية أو النقوش المعاصرة المباشرة التي يمكن أن تقدم لنا صورة مستقلة عنها.

وعليه:

نحن لا نمتلك النبي الحقيقي أو الحسين الحقيقي في تمامهما، وإنما نمتلك آثاراً نصية عنهما، ونحاول من خلالها بناء أقرب صورة تاريخية ممكنة. وكل حديث عن الماضي هو حديث يجري من وراء حجب من الرواية والذاكرة والتدوين والتفسير.

والوعي بهذه الحقيقة لا ينتقص من منزلة النبي أو الإمام، بل يجعل خطابنا عنهما أكثر تواضعاً ودقة. فالباحث المنصف لا يقول: «هذا هو الحسين قطعاً»، إلا في الحدود التي تسمح بها الأدلة، وإنما يقول: «هذا هو الحسين الذي نستطيع معرفته من النصوص المتاحة». أما الحسين الحقيقي، بجميع أبعاد شخصيته وتفاصيل تجربته، فقد مضى مع زمنه، وبقي لنا حسين النصوص، ومن خلال نقدها نحاول الاقتراب من حسين التاريخ، لا ادعاء امتلاك حسين الحقيقة.

Facebook
Twitter
Telegram
Print
Email