أزمة الاحتياط في الفتاوى الدينية – ألا يجب الاحتياط في الاحتياط نفسه؟!

11 يونيو 2014
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
2٬052 زيارة

أزمة الاحتياط في الفتاوى الدينية – ألا يجب الاحتياط في الاحتياط نفسه؟!

ترجمة: حيدر حب الله

مدخل ــــــــــ

قبل الدخول في الإجابة عن النقد المسجّل عليّ، من المناسب التذكير بكلام للإمام الخميني وهو يقول في ــ بيان الأخوّة ـ: bإذا كانت بعض المسائل غير مطروحة في الزمن السابق أو لم يكن لها من موضوع، فعلى فقهاء اليوم أن يفكرّوا بها، لهذا كان لزاماً أن يظلّ باب الاجتهاد مفتوحاً دوماً في الدولة الإسلامية، كما طبيعة الثورة والنظام يستدعيان دائماً حركةً في عرض الآراء الاجتهادية الفقهية في المجالات المختلفة عرضاً حرّاً، حتى لو كانت على خلافٍ مع بعضها، وليس لأحد حقّ الحيلولة دون ذلك، ولا قدرتهاv([1]).

إن هذه النظرية التي تجعلنا قادرين على فهم فلسفة وجود الحوزات العلمية المقدّسة، وجهود الفقهاء الكبار والعلماء البارزين في دنيا التشيع.. تمثل اليوم في العصر الحاضر المتكأ المحكم والثابت لنظرية الدولة الإسلامية، كما تعبّر عن إجابة الفقه عن الحاجات البشرية، إن سرّ انتصار الثورة الإسلامية لم يكن غير ذاك الاجتهاد الصحيح والفهم الصائب والأصيل لفقيه كبيرٍ (الخميني)، نحّى جانباً مئات الحجب الفولاذية المتحجرة والجامدة والعامية، لكي ينهض بالفقه نحو السموّ والانطلاقة والحيوية والنضارة، وإن حفظ هذه الحركة المقدّسة ونشرها وتعميمها ــ تلك الحركة التي تبلورت في الجمهورية الإسلامية ــ لا يمكن تحقيقه إلاّ باجتهاد حيوي حراكي يقوم به الفقهاء المطّلعون العارفون بالزمان والمكان وبالظروف والأوضاع، بعيداً عن كلّ خوف أو رهبة أو رهاب، لا يهدفون غير رضا الحقّ سبحانه، ولا يخافون ــ إطلاقاً ــ من أيّ ضجيج أو ضوضاء أو فوضى مفتعلة لحماة الجمود والركود وحملة أفكار عصر نوح، أنصار التقدّس المزيف؛ ذلك أن الجمهورية الإسلامية نظامٌ إسلامي، يحفظ هويته طبقاً للبند السادس من الدستور والذي ينص: bعن طريق الاجتهاد المتواصل للفقهاء الجامعي الشرائط، على أساس الأسس الرئيسة للاستنباطv من الكتاب وسنة المعصومين (، ويستنبط ــ مع الأخذ بعين الاعتبار حاجات المجتمع ومتطلّبات العصر ــ القوانينَ المدنية، والجزائية، والمالية، والاقتصادية، والإدارية، والثقافية، والعسكرية،والسياسية وغيرها مما يُحتاج إليه.

وعليه، فالتغافل عن هذه النظرية الحيوية المثمرة، والتي تمثل الطاقة المحرّكة للفقه والفقاهة، سوف يفضي ــ تلقائياً ــ إلى هيمنة الركود والارتخاء على الفقه ومجمل الحركة الاجتهادية، وعبر ذلك لابدّ من الإقرار بخسائر علمية وعملية لا يمكن التعويض عنها، أما التراجع القهقرائي والعودة إلى عصر الظلمات الأخبارية فهو نتيجة أكيدة لسلوك سبيل المواجهة مع اجتهاد الفقهاء جامعي الشرائط، من هنا كانت وظيفة علماء الدين السعي لدعم وتشييد مبدأ الحرية الفكرية، حرية الرأي الاجتهادي، وحرية الرأي الفقهي، وعليهم أيضاً أن يزيلوا من الطريق كلّ العقبات الفكرية والثقافية والعقلية المترسّبة بوصفها بقايا الحركة الأخبارية، لتنوير العقول والأفكار، وإرشادها، وعليهم أيضاً أن يتحمّلوا في هذا السبيل الصبر أمام سهام التهم والافتراءات المنبعثة من اعوجاج التفكير والأحكام المسبقة المغلوطة لأولئك الذين يسارعون للتصديق بشيء والجزم به واستنتاجه، أو أولئك السطحيين، مغلقي العقول، المتأثرين بالعوام، والفزعين من آراء الآخرين واجتهاداتهم.

واليوم، وفي ظلّ الثورة الإسلامية، وقيام نظام الجمهورية الإسلامية المقدّس، والذي يمثل شعاعاً من إشعاعات الإمام الخميني الفكرية، وصل الفقه الإسلامي إلى سدّة الحكم، ولفت أنظار العالمين إلى عمله وإنجازاته وأدواره الخلاقة، أما الخلف الصالح لإمامنا الخميني العظيم، قائد الثورة الإسلامية سماحة آية الله الخامنئي دام ظله الوارف فهو اليوم من المؤكّدين على الفقه والاجتهاد ودور الحوزة العلمية، من هنا وفي ظلّ هذا الوضع الجديد، ينبغي على الفقهاء والعلماء أن يأخذوا بعين الاعتبار حقائق العالم ومستجدّاته، وحاجات المجتمع الحقيقية المعاصرة، وأن يوظفوا جهودهم ونشاطاتهم للبحث، ثم العثور على أحكام الله سبحانه، عبر الرجوع إلى الأسس الرئيسة للاجتهاد.

إلاّ أنه من الواضح الذي لا يرتاب فيه أن نتائج النشاط الاجتهادي في مصادر الفقه، وهي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، لن تكون واحدةً ولا متطابقة، ذلك أن اختلاف الرأي في قضايا الفقه والاجتهاد أمر طبيعي جداً، ولا ينبغي توقع شيء غيره من أصحاب الرأي، إذ ذلك غير لائق، بل يكشف عن أن صاحبه غير مطلع أو متجاهل لما تتطلّبه العملية الاجتهادية نفسها في حقيقتها ومفهومها.

الاجتهاد وسط احترام السلف وتقديسهم ــــــــــ

إننا نقدّر جهود ومتاعب فقهاء السلف العظام، ونراها كنوزاً ومتاحف عظيمة وثمينة للفقه الإمامي، لا بل نؤكّد عليها ونهتمّ بها، فإذا لم تكن هذه الجهود والتضحيات العلمية التي بذلوها فإن الإسلام اليوم لن يكون له من وجود إلا للاسم والرسم، إلاّ أنه مع ذلك كلّه، نؤكّد ونذكّر أن التراث الفقهي الثمين هذا إنما كان نتاجاً لاجتهاد فقهاء أمثال: العماني، والإسكافي، والطوسي، وابن إدريس، والوحيد البهبهاني و.. ففي تلك الأيام ــ كأيامنا هذه ــ ثمّة من أصحاب الغوغاء والفوضى، وحملة سيوف التكفير، وهراوات التفسيق، وعصا التهمة والافتراء، ممن كانوا يقفون في وجه الآراء الجديدة والنظريات الاجتهادية الإبداعية لهؤلاء العظماء.

وعليه، إننا نعتقد أن احترام علماء السلف ــ أعلى الله مقامهم ــ وتكريمهم إنما يكون بالحفاظ على مشعل الاجتهاد وضّاء مشعّاً، والمقصود بالاجتهاد ليس الاجتهاد الجامد الراكد المنغلق المراوح، الذي يقوم على الاعتبارات الشرعية دون رعاية أبعاد الموضوعات أو عنصري الزمان والمكان، وهما من العناصر الفاعلة في مجال التفريع والتطبيق، إنما المراد ذاك الاجتهاد الحراكي الحيوي الفاعل المتطوّر، والذي يقوم ــ دوماً وفي تمام الميادين ــ على المعايير الشرعية المعتبرة، مع رصد الأبعاد المختلفة للموضوع الشخصي، والاجتماعي، والسياسي، والإداري، والقضائي، والحكومي و.. آخذاً بعين الأعتبار عنصري الزمان والمكان، ذلك أن هذا اللون من الاجتهاد هو الذي يحقّق فقهاً يصنع مجتمعاً ويبني أمةً على مختلف الصعد.

وعلى أية حال، فهذا الاجتهاد لا ينفك عن لوازمه ومستدعياته، ومن أبرزها تقديم الرأي الخاصّ على فتاوى العلماء الكبار، وعدم الجمود عليها، وتاريخ الفقه الشيعي شاهد صادق على ادعائنا هذا.

هل يمكن أن يسمّى فقيهاً من يقدّم له اجتهاده الفقهي المستمدّ من المصادر المعرفية الدينية نتيجةً مخالفة لاستنتاجات الفقهاء السابقين، بيد أنه يصرف نظره عنها لحداثتها وعدم انسجامها مع آراء الآخرين؟! من الأفضل أن نسمّي هذا النوع من الناس فقهاء العوام وعوام الفقهاء.

وبجملةٍ مختصرة: إن علماء السلف عيّنوا لنا منهج الاستنباط، إلاّ أن ذلك لا يعني أنهم معصومون عن الخطأ في الاستنتاج الفقهي من المصادر، أو في فهم النصوص، حتى نسدّ الطريق على مختلف الاجتهادات الجديدة والقراءات الحديثة لمصادر المعرفة الدينية مما جاء يخالف نظر الأوّلين أو لا يطابق فهم السلف، فنكون بذلك قد سددنا سبيل التكامل والرقي، وكلّ من حمل هذه الرؤية وأخذ بهذا الاعتقاد الذي ينادي عالياً بعدم الخروج عن آراء السابقين واجتهاداتهم، عليه أن يعلم أنه لا يمكنه أن يفرض ذلك على الآخرين.

نقاط مدخلية ــــــــــ

وبعد هذا التمهيد ــ الذي يمثل في واقعه رسالة الألم والأسى من المناخ الفكري المهيمن على بعض العقول ــ من الضروري لنا الإشارة إلى عدّة نقاط؛ تمهيداً لورود أيّ بحث علمي يعتمد فقه الآراء والأفكار:

أ ــ يدلنا تاريخ الإنسانية على أن العلوم ــ بأنواعها ــ تتكامل وتتسامى في ظلّ المناقشات العلمية، وتضارب الأراء، وتلاقح الأفكار، بما يهيء لرشد الإنسان ونضج المجتمع، وهذا ما تؤكّده أيضاً الكلمات الذهبية للأئمة (، من هنا يقول أمير المؤمنين علي %: b…..v، وفي السياق عينه كان الإمام السادس جعفر بن محمد الصادق % يرى في تداول المعرفة والنقاش فيها والبحث عاملاً من عوامل حياة العلم وتفتحه ونضوجه.

ب ــ لا يخلو الاجتهاد من لوازمٍ يستدعيها، من أبرزها الاختلاف في الرأي، وفي الفهم والاستنتاج، ومعنى ذلك أن دخول وادي الفقاهة يتطلّب صبراً وتحملاً لآراء الآخرين وسعةً في الصدر وحلماً، كما وأفقاً في النظر رحيباً، ولا يمكن لأحد ــ مهما كان مقامه ــ أن يفرض رؤيته على أحد، اللهم إلاّ بالدليل والمنطق الصحيح.

ج ــ لم يكن الفقه الشيعي ــ كسائر العلوم الأخرى مثل الكلام والفلسفة ــ بعيداً عن القانون العام في اختلاف الرأي ووجهات النظر، بل إن فتح باب الاجتهاد وحرّيته من امتيازات الفقه الإمامي على غيره من المذاهب الفقهية الأخرى.

لقد بلغت أهمّية الفقه والاجتهاد عند الشيعة حدّاً، أن يهتمّ بتفتيق فكر الفقيه ودعوته لإبداء قوّته الفكرية والعقلية وطاقاته الإبداعية.. وذلك بأن يقدّم لنا الموروثُ نصاً كالتالي: bللمجتهد المصيب أجران وللمخطئ أجر واحدv، وهل معنى هذا الكلام غير قدرة المجتهد الجامع لشرائط إبداء الرأي على طرح رأيه، فيكون بذلك آمناً مطمئناً، فلا يرتفع عنه العقاب ــ فحسب ــ عندما يخطئ ولا تناله المؤاخذة، بل إنه يكسب من وراء ذلك أجراً وثواباً، وليس ذلك إلاّ لما للاجتهاد من دور في تفتيق الذهن وتنمية العقل وإخراج الذخائر الكامنة المختفية من مصادر المعرفة الأصلية بقدرة العقل وإمكاناته، وعليه فباب الاجتهاد في الفقه الإسلامي مفتوح، ولم يوضع عليه حرّاس حجّاب، سواء كانوا علماء متهتكين أم بلهاء متنسّكين.

د ــ لدخول ميدان البحث والمناظرة العلمية في المسائل الاجتهادية شروط عدّة:

أولاً: معرفة أسس الموضوعات الاجتهادية ومبادئها.

ثانياً: التخلّق بالأخلاق الإلهية، على المنهج الأحسن، بعيداً عن العوامل النفسية، والتعصّب، والأحكام المسبقة، ذلك كلّه بهدف اكتشاف الحقيقة والتسليم أمامها، ذلك أن اختلاف الآراء وتضارب الأنظار ضمن هذا السياق وكذلك ممارسة ألوان النقد والرصد ليس مذموماً، لا بل إنه محمود ممدوح مقبول حََسن، ليس له من نتيجة سوى إبداء عظمة الفقه وإبداع التفكير الفقهي.

أما إذا كانت المناظرات العلمية وألوان الحوار الفكري خاليةً عن الشروط السالفة الذكر فإنها تقع مذمومةً جداً في تعاليمنا الإسلامية، وقد كان أهل الفكر والمعرفة حذرين دائماً من التورّط في حوارات فكرية من هذا اللون، فإذا كنا ملتزمين حقاً بالإسلام الواقعي فإن الله سبحانه يتحدّث عن محاورة الأعداء بالقول: >ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ<، وعليه، تتضح أمامنا ــ جليّاً ــ معالم المسؤولية والوظيفة الملقاة على عاتقنا في إدارة علاقاتنا العلمية وحوارتنا الفقهية، بوصفنا من أتباع أهل البيت (.

ومع الأسف الكامل، يلزمنا القول: إننا نشاهد جدالاً بغير التي هي أحسن في بعض حواراتنا الفقهية الاجتهادية، وهو جدال لا نجده منسجماً أبداً مع موازين الفقه الإسلامي ومعاييره، بل يُفترض في مناظراتنا الفكرية مراعاة المعايير الأخلاقية، واستخدام المنطق والدليل؛ لنقد كلمات الطرف الآخر، وهكذا، على الطرف المقابل أن يقوم بالعملية نفسها في الدفاع عن نفسه، وردّ الملاحظات الواردة عليه.

لا يمكن تهييج الأجواء وتحريك الأوضاع ــ طبقاً للدوافع والنوازع ــ للوصول إلى هدف؛ ذلك أن أيّ نظرية جديدة لها من نوعها ضدّ يعارضها، ومن ثم يلزم أن تغلب هذه النظرية ضدّها المسانخ لها لا عبر أيّ طريق آخر، ومعنى ذلك ومؤدّاه أن أولئك الذين يتحدّثون في ميدان البحث والانتقاد دون استناد إلى دليل أو مع حالةٍ من الجمود والإصرار أو ضمن أحكام مسبقة، ويهدفون بذلك إلى تنصيب أفكارهم على مسند المعرفة دون تقديم معطيات موثقة، لا يمكنهم أبداً أن يصلوا إلى مناظرة أو حوار، إن هؤلاء لا يملكون قدرةً على التوازن للتوصل إلى قراءة واقعية وفهم حقيقي لما يراه الطرف المقابل.

يقول الإمام الخميني: bإنه ربما نسب إلى المحدّث الكاشاني وصاحب الكفاية الفاضل الخراساني إنكار حرمة الغناء، واختصاص الحرمة بلواحقه ومقارناته من دخول الرجال على النساء، واللعب بالملاهي ونحوهما، ثم طعنوا عليهما بما لا ينبغي… فالصواب أن يجاب عنه بالبرهان، كما صنع الشيخ الأنصاريv([2]).

إنني ــ وانطلاقاً مما أسلفته ــ أدعو عامّة أصحاب الرأي وأرباب الفضل ورجال الفقه، ممّن لديه رأي يتعلّق بوجهات نظري الفقهية، كنت قلته في محاضرتي أو الندوات والملتقيات التي شاركت فيها ثم طبع في وسائل الإعلام المقرؤة، أو على شكل كتاب أو كرّاس متداول.. أدعوهم للنقد والتصويب، وأن تعقد جلسات مناظرة، اقتداءً بسنّة السلف، ومدّعوها كثر والحمد لله، حتى يكون تضارب الآراء وتبادلها مُجلياً للحقيقة، ومميزاً للسليم من السقيم، وإلاّ فإن الاعتماد على نقل الأقوال الناقصة والمجتزأة والمحرّفة المترافقة ــ نوعاً ــ مع الأغراض المسبقة لا يمكنه أن يكون حَكَماً، فالذهاب إلى القاضي من طرفٍ واحد، ثم الرجوع من عنده راضياً لا يفيد.

والحمد لله، فإن مجتمعنا، سيما الحوزات العلمية وبالأخص العلماء والفضلاء البصيرون وأهل الوعي والمعرفة ممن يشعرون بالآلام.. يعرفون جيداً أسباب هذا النوع من التعاطي الواهي غير ذي الأساس مع الآخرين، ولهذا لا تجد للكلمات العارية عن الاستدلال والفاقدة للمنطق وقعاً لديهم ولا أثراً.

وأشير هنا ــ للتذكير ــ إلى أنني كتبت حوالي المائة صفحة في هذا المجال، وتعرّضت فيها للتحريفات التي أجريت على كلمتي التي ألقيتها في كلية العلوم الطبية بإصفهان، ونشرت في إحدى الإصدارات التابعة لبعض الجهات، كما يدور ما كتبته حول الأشخاص الذين تحتاجهم الجامعات من الحوزات العلمية، وما هي ميزاتهم وسماتهم؟ وسوف تنشر هذه الصفحات المائة بشكل مستقل، وتوزع على العلماء والمحققين في الحوزة والجامعة، حتى يعرف المتابعون والمهتمون والمحبون ماذا يجري في مراكزنا الثقافية والعلمية، إلاّ أنني أنصرف فعلاً عن نشر هذا الكتاب لأسباب، وأوكل ذلك إلى ظرفه المناسب.

والآن، وبعد ذكر هذه المقدّمات التمهيدية، يصل الدور إلى ورود أصل البحث وأساس الموضوع، فعقب كلمتي التي ألقيتها في جامعة طهران حول bدور الزمان والمكان في الاجتهادv، وهي من بنات أفكار الإمام الخميني P، عزم أصحاب الشائعة على تشويه الصورة أمام الرأي العام.

من جانبي، لا أجد قطيعةً أبداً مع الآراء والأفكار التي تختلف معي، وهذا ما ظلّ مهيمناً على موقفي في هذا الموضوع أيضاً، إلاّ أنه ــ وخلاف المتوقع ــ يصل إلى مكتب مجلّة bكيهان انديشهv (عالم الفكر) نقدٌ يطالب صاحبُه بنشره، ويشتمل النقد على مجموعة من المعطيات البديهية التي تساق للدفاع عن الاحتياط، وكأن هذه المعطيات كانت ما تزال مخفيةً عنا أو كأننا لا نعتقد بها، وقد ساق الكاتب نقده على كلمتي السالفة الإشارة إليها على أساس هذه المعطيات، ثم سجّل في خاتمة نقده سلسلةً من الانتقادات التي طالت بعض آرائي الفقهية الخاصة مثل الحجاب، والغناء، وصناعة التماثيل، مما لا يُعلم من هو مخاطب الناقد فيها؟ فإذا لم أكن المعنيّ بها فلماذا أقحمت في النقد؟ وما علاقتها بأصل الموضوع؟ وإذا كان المقصود بها آرائي الخاصة، فلماذا لم تحدّد بدقة، ولم تذكر مصدرها، بل استبدل ذلك بطرح موضوعها بصيغة عامة؟!

محور محاضرة إصفهان ــــــــــ

لكن على أية حال، من الضروري؛ لإيضاح الأمر لدى الرأي العام ورفع بعض الشبهات الواردة، أن نستعرض ــ على سبيل الإيجاز والاختصار ــ عصارة ما جاء في تلك الكلمة التي ألقيتها في إصفهان، ثم نسجّل عند كل نقدٍ ورد علينا جوابنا عنه.

كان محور الكلمة التي ألقيتها في كلية العلوم الطبية في جامعة إصفهان، الزمان والمكان ودورهما في الاجتهاد، فبعد شرح مفصّل في هذا المضمار، بيّنت أن اتجاهين ينتميان إلى نمطين من التفكير حكما على امتداد التاريخ حركةَ الاجتهاد في الأحكام الشرعية من مصادرها الأساسية هما: اتجاه الفكر الحراكي التجديدي، واتجاه التفكير الجمودي الجلمودي، ثم أشرت إلى أن اتجاه الجمود والركود والمراوحة قد خدش الصورة الحقيقية للفقه وأساء إلى وجهه الناصع المشرق، فدفعه للخمول والركود والانحناء و.. مما حرف مسيره، وأدى به إلى الاصطباغ بالقشرية والنزعة السطحية، الأمر الذي دفع العالم إلى الاشمئزاز والتنفر، واليوم أقول: إن هذا الجمود قد اقتطع لنفسه حقبةً من تاريخ الفقه.

واليوم، يعرف الجميع أن المقصود من هذا الجمود الذي أعقب عصر ابن إدريس الحلّي (598هـ)، مصطحباً خصائص بلغت العشرين، كان من بينها النزوع نحو الاحتياطات.. إنما هو الجمود الأخباري، ذلك أن الفقه ــ أوائل عصر الغيبة الكبرى ــ لم يكن قد خرج عن نطاق نقل النصوص، كما لم يكن وصل أيضاً إلى مرحلة التفاصيل والتفريعات، وتطبيق القواعد، وتوظيف الأصول والقوانين العامة، طبقاً لمنهج علمي مدروس، بل اقتصرجهده على فهم المعاني وتشريح النصوص.

أوّل من قدّم أبحاثاً اجتهاديةً بصورة علمية كان المجتهد الكبير والمجدّد القدير ابن أبي عقيل العماني، ثم أعقبه أوّل من استخدم الاجتهاد بصورة علمية في مصادر الاستنباط الرئيسة، ألا وهو المجتهد التجديدي الشيخ الطوسي (460هـ)، وحصيلة هذه الخطوات أنها ضخّت في بُنية الفقه روحاً جديدة، كما ظهرت في وسعة ملحوظة في هذا العلم على صعيد المصاديق، إلاّ أن شخصية الطوسي وعظمته وعلوّ مكانته وكعبه شكّلا ــ فيما بعد ــ عائقاً، منع العلماء والباحثين من إبداء نظر مخالف لما ذهب إليه الطوسي نفسه. من هنا، أطلق على هؤلاء اسم bالمقلّدةv، وقد استمرّ الوضع على هذا المنوال قرابة قرنٍ كامل من الزمن، إلى أن ظهر في قلب الحياة الفقهية والاجتهادية مجتهد مقتدر، تملكه روح الشباب، مجدّد هو ابن إدريس الحلي (598هـ) حفيد الشيخ أبي جعفر الطوسي نفسه، وبظهوره وضع نهايةً لعصر التقليد، إلاّ أن زمناً طويلاً لم يمضِ قبل أن يعود إلى الظهور عصر جمودٍ جديد.

وقد ادّعيت في هذا القسم من محاضرتي أن ظاهرتين هامتين حصلتا هنا: إحداهما ظاهرة التقليد في الأبحاث الاجتهادية، وثانيتهما ظاهرة الجمهود، والاكتفاء بظواهر الألفاظ والموضوعات الواردة في لسان الأدلّة، وأعتقد أن بروز هاتين الظاهرتين أمر لا يمكن إنكاره، وما توهّمه بعضهم من أنه لا دليل على ذلك غير صحيح ولا سليم.

كلام ابن طاووس / الوثيقة التايخية على ظاهرة الجمود الفقهي ــــــــــ

ويشير السيد رضي الدين علي بن موسى المعروف بابن طاووس (669هـ)، الذي كان يعيش قريباً من تلك الفترة، إلى هذه الظاهرة في كتاب bكشف المحجّة لثمرة المهجةv، وذلك في القسم 143 منه.

وقبل نقل كلامه، من المناسب التعريف به باختصار، طبقاً للبيوغرافيا التي جاءت له في bدائرة معارف التشيعv([3])، فقد جاء فيها أنه من العلماء الربانيين وزاهد الإمامية، كان من فرط تقواه عزوفه طيلة حياته عن الإفتاء رغم أستاذيّته في الفقه، وقد انشغل بالأدعية والأوراد والسير الباطني، وقد ذكرت الموسوعة أنه كانت له لقيا بالإمام المهدي %، كما نسبت له كرامات عدّة.. وقد حظي ابن طاووس ــ بعد موته ــ باحترام الفريقين المسلمين.

يقول هذا العالم الكبير في نصيحته لولده: bوأريد من الله جلّ جلاله أن يلهمك، ومنك أن تقبل من إلهامه، وأن تتعلّم الفقه الذي فيه السبيل إلى معرفة الأحكام الشرعية، وإحياء سنة جدّك المحمدية، ويكون قصدك بذلك امتثال أمر الله (جل جلاله) في التعليم وسلوك الصراط المستقيم، ولا تكن مقلّداً لغلمان جدّك من العوام، ودليلاً بين أيديهم لأجل الفتوى والاستفهام، فما يقنع بالدون إلا مغبون، واعلم أن جدّك ورّاماً([4]) ! كان يقول لي وأنا صبي، ما معناه: يا ولدي مهما دخلت فيه من الأعمال المنطقة بمصلحتك تقنع أن تكون فيه بالدون دون أحد من أهل ذلك الحال، سواء كان علماً أو عملاً ولا تقنع بالدون، وذكر أن الحمصي([5]) حدّثه أنه لم يبقَ للإمامية مفتٍ على التحقيق، بل كلّهم حاك، وكان ذلك الزمان فيه جماعة من أصناف العلماء، وليس في وقتنا الآن من يقاربهم في تلك الأشياء، وأنا أعتذر لهم بطول الغيبة، وتباعد الزمان عن الأدلاء الذين كانوا رحمةً لله جل جلاله في حفظ واشتغال وإدراك، والآن فقد ظهر أن الذي يفتي به ويجاب عنه على سبيل ما حفظ من كلام العلماء المتقدّمين، وهذا طريق سهل، ما يعجز عنه إلا مسكين، ومن همّته همّة ضعيف مهين، وإني لا أعلم أنني اشتغلت فيه مدّة سنتين ونصف على التقريب والتقدير، وما بقيت أحتاج إلى ما في أيدي الناس لا قليل ولا كثير، وكلّما اشتغلت بعد ذلك فيه ما كان لي حاجة إليه، إلا لحسن الصحبة والأنس والتفريع فيما لا ضرورة إليه، ومن يعلم أن عمره يسير وقصير، وأن وراءه من يحاسبه على الكبير والصغير، والظاهر والمستور، فإنه يكفيه من الزاد بقدر السفر والمسير، وإذا أردت الاشتغال بالفقه، فعليك بكتب جدك (أبي جعفر الطوسي)، فإنه ) ما قصر فيما هداه الله جلّ جلاله إليه ودلّه عليه، وقد هيأ الله جل جلاله على يدي كتباً كثيرة في كلّ فن من الفنون الذي رجوت أن تدلّك، بل على ما يقرّبك من مولاك ومالِك دنياك وأخراك، فهيأ الله جلّ جلاله كتباً في الأصول يكفيك أن تنظر فيها وتعرف ما تريد معرفته من جملة الأبواب…v.

أما ما يرجع إلى ظاهرة الجمود التي أعقبت ابن إدريس (598هـ)، فإن أهل العلم والاختصاص يرون من الوضوح انبعاثه من الحركة الأخبارية، وأنه ترك بصماته في الدراسات الفقهية الشيعية، وبناءً عليه، فالاحتياطات التي ركّزنا نقدنا عليها هي احتياطات هذا الفريق، لا احتياطات الأصوليين، ذلك أن الرسائل العملية للأصوليين لم يكن لها من وجود بعدُ في تلك الفترة.

لقد قسّمنا ــ في بحوثنا المتعلقة بتاريخ الفقه ــ عمرَ الفقه إلى مراحل ستّ، وجعلنا الرسائل العملية بشكلها المتداول مع الاحتياطات والسمات الخاصة في المرحلة الرابعة، حيث كان الرائد لها الشيخ محمد البهائي (1030هـ)، أما قبله فكانت هناك رسائل، مثل رسالة جمل العلم والعمل للسيد المرتضى، وتبصرة المتعلّمين للعلامة الحلّي، ورسالة المحقق الثاني صاحب كتاب جامع المقاصد، والكتب العلمية والعملية الأخرى مثل شرائع الإسلام للمحقق الحلي، إلا أنها جميعاً لم تكن رسائل عملية حقيقيّة حتى يكون نقدنا للاحتياط شاملاً لها.

أما التمسّك بالإطلاق في كلامي هناك فلا موقع له، ذلك أنه قيل في علم أصول الفقه بأن التمسك بالإطلاق إنما يصحّ عندما تغدو مقدّمات الحكمة تامةً وهي: أ ــ عدم وجود قدر متيقن في مقام التخاطب. ب ــ عدم القرينة على التقييد. ج ــ كون المتكلم في مقام البيان، وفي كلامي السالف كانت هناك قرينة على التقييد، كما كان هناك قدرٌ متيقن في مقام التخاطب.

نقد الاحتياط الأخباري لا يعني تجريح الأخباريين ــــــــــ

ويجدر هنا الإشارة إلى أنني رغم مخالفتي للأخباريين في احتياطاتهم في الشبهات الوجوبية والتحريمية، إلا أنني أعتبر الميرزا محمد الاسترآبادي، صاحب كتاب bمنهج المقالv، وهو مؤسّس هذه الطريقة، وكذا المولى محمد أمين الاسترآبادي، صاحب كتاب bالفوائد المدنيةv والذي شهدت الأخبارية على يديه انتشارها وازدهارها، كما حقّقت ذلك كلّه في دراساتي عنهما.. اعتبرهما متديّنين من أصحاب الإيمان والتقوى، ومخالفتي لهما في المنهج الفقهي لا يتعدّاه إلى مخالفتي لشخصهما، ذلك أننا نعلم جميعاً أن منهجهما لا يمكنه في العصر الحاضر، عصر إقامة النظام الإسلامي، إدارة قريةٍ صغيرة، فضلاً عن إدارة بلد كامل، أو إدارة العالم.

وإذا كان الاحتياط في بعض الأعمال الشخصية العبادية حسناً حينما لا ينطلق من منطلق أخباري، لكنه يغدو خلاقاً للمشاكل والأزمات عندما يدخل حيّز الحياة الاجتماعية، ولا سيما ما يتصل بجانب الحكومة وإدارة الدولة، كما هو الحال مع فقهاء كبار مثل الإمام الخميني )، فعلى رغم نزوعهم ناحية الاحتياط في بعض الأحكام الشخصية العبادية، إلا أنهم كانوا يصرّحون بالفتوى في مجال الاجتماع والسياسة.

مخالفة الاحتياطات لمنطق الاحتياط نفسه ــــــــــ

عليّ هنا أن أقول صريحاً: إن الاحتياطات التي تنبعث من الشبهة التحريمية أو الوجوبية أو خبرٍ ضعيف أو شهرة، سيما منها الشهرة المتكوّنة بعد عصر الاجتهاد، أو أيّ دليل آخر غير معتبر… لا قيمة لها، بل هي مخالفة للاحتياط نفسه، سيما في هذا العصر حيث تقام الجمهورية الإسلامية، ذلك أن الأصول الأساسية للاجتهاد تقضي ــ في هذه الحالات ــ بالبراءة، إذ إن شريعة الإسلام قامت على اليسر والسماحة والسهولة، يقول تعالى في القرآن: >يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ<، ويقول: >يُرِيدُ الله أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا<، ويقول رسول الله 3: bالدين يُسر، وأحب الدين عند الله الحنيفية السهلةv، كما يقول: bبعثت على الشريعة السهلة السمحةv.

ويحذّر صاحب الجواهر ــ المحقق محمد حسن النجفي (1266هـ) ــ أرباب الفتوى من الاحتياطات الزائدة عن الحدّ، ومن تعسير الأمور على الناس، فعندما أعلن النجفيُّ الشيخَ الأنصاري مرجعاً للتقليد من بعده قال له: bيا شيخ! قلّل من احتياطاتك؛ فإن الإسلام شريعة سمحةv.

وعليه، فلا بدّ من بذل جهود حثيثة لعرض الإسلام سهلاً سمحاً مطابقاً لمصادر الاستنباط الرئيسة، وتجنّب كلّ التعقيدات والتعسيرات والاحتياطات التي لا تستند إلى مستند معتبر وحجة، وفي الحقيقة، فإن المطلع على مصادر الاجتهاد اطلاعاً بسيطاً يدرك أن العسر وتعقيد الأمور لا ينسجمان مع روح الشريعة وجوهرها.

يقول السيد ابن طاووس في القسم الخامس عشر من كتاب: كشف المحجّة لثمرة المهجة: bاعلم يا ولدي (محمد) وجميع ذريتي وذوي مودّتي، أنني وجدت كثيراً ممّن رأيته وسمعت به من علماء الإسلام، قد ضيّقوا على الأنام ما كان سهّله الله جل جلاله ورسوله 3، من معرفة مولاهم، ومالك دنياهم وأخراهم…v.

إن النظام الإسلامي العالمي، والفقه الإسلامي أيضاً، شموليّان عالميان، لهذا لابد في قوانينهما من أن تكون أنموذجاً، منطقياً، مبرّراً، مستدّلاً، ومطابقاً لأصول الاجتهاد الأساسية، كما يفترض أن تعرض الصورة الحقيقية الواقعية بعيداً عن الأحكام المسبقة والتصورات الذهنية المسقطة، إذ بذلك يمكنها أن تلقى ترحيباً عالمياً.

لقد كانت للإمام الخميني ــ عقب انتصار الثورة الإسلامية ــ صراحةٌ في الفتوى، وقليلاً ما كان يلجأ إلى الاحتياط، حتى أنه أزال بعض احتياطاته السابقة، كما في احتياطه في مسألة ستر الوجه والكفين، وكذلك في شرطية إذن الأب في زواج البنت الباكرة و.. وعلى هذا الادعاء شواهد كثيرة، نُعرض عن ذكرها؛ تجنّباً للإطالة.

على أية حال، فمقصودنا من الإشكال والنقد على ظاهرة الاحتياط، تلك الاحتياطات التي ظهرت عقب عصر الجمود الذي جاء بعد ابن إدريس الحلي (598هـ)، أي احتياطات الأخباريين، لا احتياطات الأصوليين، أما الاحتياط بالجمع بين الصلاتين: القصرية والتمامية، فهو وإن دخل تحت الاحتياطات الأصولية إلا أننا ذكرناه للتوضيح والتمثيل.

الاحتياطات الأصولية ــــــــــ

أما فيما يتعلّق بالاحتياطات التي جاءت في الرسائل العملية للأصوليين فإنني أقول ــ وبكلّ جرأة وصراحة ودون أي خوف أو قلق ــ : إن بعض الأصوليين تأثر ــ بمرور الزمان ــ بالمنهج الفقهي الأخباري في ميدان العمل والفتوى، رغم مخالفتهم لهم على الصعيد النظري، فقد وجدناهم يعرضون فتاويهم وكأن الأخباريَّ هو الذي يذكرها، ولذلك أعددت في هذا الصدد مقالةً حملت عنوان bنظرية علمية في الاحتياطاتv أو رؤية إصلاحية في ذلك، وذكرت هناك أسباب تبلور هذه الظاهرة، والسبل العملية الكفيلة بالحدّ منها في المجالات المتوفرة، أي في غير حالات العلم الإجمالي.

نعم، ما يطرح إنما هو نظرية علمية، لا بوصفها نقداً ولا تهمةً لأولئك الذين يذهبون لهذه الاحتياطات، بزعم أنهم لا دليل لديهم، إن ما نطرحه لا يعني بتاتاً اتهام الآخرين بعدم التقوى أو عدم إلزام المقلّد بالعمل على وفق هذه الاحتياطات.

لقد كان إبداء الرأي على مرّ الزمان جزءاً من الحرية الفكرية التي يتمتع بها العلماء ورجال الفكر، فلم يكن ذلك ليعبّر عن إهانةٍ للآخرين، إن دوافعي من وراء هذا البحث أن تُعرض الأحكام الإسلامية من مصادرها المعتبرة الشرعية عرضاً منطقياً ومبرهناً ومعقولاً، لتبدو أنموذجاً داخل النظام الإسلامي، كي لا تسنح الفرص للمنحرفين المناهضين للإسلام باستغلالها سوءاً، وإلا فإن الاحتياط حسنٌ على كلّ حال لا يكون فعله فيها على خلاف الاحتياط نفسه، فهذا ما لا نقاش لنا فيه، بل هو اعتقاد أهل العلم كافّة.

الأنصاري والنراقي، ومقولة المنهج في عرض التشريع الإسلامي ــــــ

تقوم منهجية الشيخ الأعظم مرتضى الأنصاري (1281هـ) وأستاذه المولى أحمد النراقي الكاشاني (1245هـ) على ركيزة الاحتياط في عرض التشريعات الإسلامية، لقد كانا يذهبان إلى الإحجام عن الإفتاء في غير المسائل الضرورية، وقد كان ذلك أمراً ممدوحاً تلك الأيام حينما لم يكن هناك من نظام إسلامي، ذلك أنه جاء منسجماً مع ظروف تلك المرحلة، أما اليوم، حيث تقوم الجمهورية الإسلامية، وتتبدّل المظاهر كلّها في تمام أبعادها، وتتجدّد الظواهر والأحداث الطارئة، وتتتالى المعضلات الكثيرة.. أما اليوم، فهل يمكن لمجتهد أن يحلّ ــ عبر نهج الاحتياط ــ المشكلات الاجتماعية والحكومية في أبعادها الاقتصادية، والعسكرية، والحقوقية، والجزائية، والإدارية، والجنائية، والحكومية؟!

إن احترامي لهذين الفقيهين وتقديري لهما ليس عادياً، بل يفوق حدّ التصوّر، وإذا ما كنت أملك شيئاً فإنما جاءني ببركة bمستند الشيعةv للنراقي الكاشاني، ولآراء ونظريات الشيخ الأنصاري أيضاً.

إنني أعتبر الأنصاري رائد المرحلة السابعة من مراحل الاجتهاد ومفصلها، كما اعتبره رائد المرحلة الثامنة من مراحل الفقه، ورائد المرحلة الخامسة من مراحل بيان التشريع الإسلامي، ولا نملك شخصاً كهذا عَلَماً من أعلام الاجتهاد، والفقه، وعرض التشريع مثله إلا الشيخ الطوسي (460هـ)، وخلاصة القول: إن شخصية الأنصاري العلمية والإيمانية وشخصية أستاذه النراقي.. من الشخصيات التي لمست وجودها وشعرت بها وفهمتها جيداً في حياتي،وقد أسهبت في الحديث عنها في دراساتي حول تاريخ الاجتهاد الإسلامي.

على أية حال، ورغم كون منهجهما في عصرهما حسناً ممدوحاً مناسباً للظروف والأوضاع، إلا أنه حيث لم يعُد يتناسب وظروف عصرنا، عصر إقامة النظام الإسلامي، لم يعًد يمكننا قبوله، ولا نقصد بذلك ــ والعياذ بالله ــ أيّ إهانةٍ أو إساءة لأحد.

عودة إلى صلب البحث ــــــــــ

تحمل مقالتنا عنوان bنظرية علمية في مجال الاحتياطv، وتشهد أننا نعتقد أن احتياطات الأصوليين من قبيل: الاحتياط المطلق، والاحتياط الوجوبي، والاحتياط الاستحبابي، ولا يحسن ترك الاحتياط، الأحوط بل الأقوى، هو الأحوط وإن كان الأولى..، إلى غيرها من أساليب التعبير السائدة عن الاحتياط، إلى جانب تعابير اجتهادية أخرى، مثل: الأقوى، الأقرب، الأشبه، الأظهر، قويّ، الظاهر، لا يـخلو عن قوّة، لا يخلو عن تأمل، غير بعيد، لا يبعد وجوبه، لا يبعد استحبابه، وغيرها، مما يعبّر عن كيفية استظهار الحكم من مصادره… لم تنشأ من عدم، بل كانت لها أسبابها ومبرراتها، كما نعتقد أن على المقلّدين العمل على طبقها في الحالات الإلزامية، كما يمكنهم ــ في حالات الاحتياط الوجوبي فقط ــ أن يرجعوا إلى مجتهدٍ آخر يملك الفتوى في هذا المجال.

والعجب أن المقالة لناقدة انشغلت بسرد مبادئ موضوع الاحتياط، ذاكرةً مسائل فقهية ابتدائية يعرفها المبتدئون، مقدّمةً لها بوصفها نقداً، رغم أنني انشغلت سنوات مديدة بهذه الاحتياطات، وظللت قرابة الستّ سنوات أو أكثر مساعداً لاثنين من كبار مراجع النجف الأشرف في جلساتهم العلمية عندما كانوا يضعون حاشيتهم على bالعروة الوثقىv، وقد ذاكرت معهم في تمام الاحتياطات الواردة، من أوّل العروة الوضقى إلى آخرها، وتناقشنا حولها نقاشاً علمياً، وقد كتبت ذلك في حاشيتي الخطيّة على العروة الوثقى، وهي الحاشية التي دوّنتها قبل حوالي السبعة عشر عاماً وأنا في النجف الأشرف([6]).

المنطلق الفقهي لظاهرة الاحتياطات ــــــــــ

إن التعابير المذكورة آنفاً تفترق عن بعضها في كيفية استنتاج الحكم الشرعي من أدلّته ومصادره، وكما قلنا ــ كراراً ــ في مباحثنا: فإن الدليل تارةً يكون اجتهادياً وأخرى غير اجتهادي، كما أن الاجتهاد نفسه تارةً يكون يقينياً لدى المجتهد، وأخرى لا يكون كذلك، وفي حالة كونه قطعياً يقينياً تارةً يكون له معارض وأخرى لا معارض له، وعندما يكون له معارض تارةً يكون معارضه قوياً وأخرى يكون ضعيفاً، وعندما لا يكون له معارض فتارةً يقوم إجماع على خلاف الدليل في المسألة الاجتهادية وأخرى لا يقوم، وإذا لم يكن هناك إجماع على الخلاف فقد تكون هناك شهرة وقد لا تكون، وعندما تقوم الشهرة على خلاف الأمر اليقيني فتارةً تكون شهرةً لاحقة على عصر ظهور الاجتهاد، وأخرى تكون سابقةً عليه.

أما إذا كان يقينياً وكان له معارض، فتارةً يمكن الجمع الموضوعي بين الطرفين المتعارضين وأخرى لا يمكن ذلك، وعندما لا يتسنّى الجمع الموضوعي بينهما، فتارةً يمكن الجمع الحكمي وأخرى لا يمكن، وعندما لا يمكن فتارةً يكون الاحتياط في المسألة ممكناً وأخرى لا يكون، وعندما لا يمكن الاحتياط، تارة يكون هناك عموم فوقاني وأخرى لا يكون.

من هذا كلّه، تختلف تعابير المجتهد في الرسالة العملية عندما يريد بيان الأحكام والمسائل المختلفة.

وكما أشرنا في مجلّة bكيهان فرهنكي أو العالم الثقافيv، لا شك في أن مبيّني الأحكام الإلهية والفقهاء والمجتهدين يحملون على عاتقهم حملاً ثقيلاً، ومن مستتبعات زهدهم وتقواهم مراعاة الحدّ الأعلى من الدقة والاحتياط في معرفة الأحكام الشرعية وبيانها للناس، ولن يكون أيّ تقصير عمدي منهم بلا مسؤولية ولا عواقب، إلا أن المطلوب ــ مع ذلك كلّه ــ تحليل معنى الاحتياط، فهل الاحتياط في مقام بيان الأحكام الشرعية هو الجهد المضني في سبيل معرفة حقائقها أم هو تكرار كلمة bالأحوطv في المسائل الفقهية، والحكم بالاحتياط في المسائل التي تعرض على الفقيه، مما يدفع المكلّفين جبراً ــ في النهاية ــ إلى مشاق ومصاعب؟

إن الاحتياط في ميدان الفقه الاجتهادي يستدعي من الفقيه الذي يريد قراءة حكمٍ من الأحكام الشرعية للآخرين التعرّفَ على الحكم من المصادر الصحيحة، ثم بيانه للناس، ولا شك في أن وظيفة البيان هذه تتطلّب من أصحابها مشاقاً وتقع ثقلاً على كاهلهم لا على كاهل المكلّفين أنفسهم، ذلك أنه من الممكن أن يقضي فقيه يبحث عن حكم شرعي لمسألة مستحدثة ساعاتٍ طوال بل ليالي وأياماً مديدة يطالع في المصادر الرئيسة، ويجول في تمام نظريات الفقهاء السابقين وآرائهم حتى يتمكّن ــ عقب ذلك كلّه ــ من استنباط الحكم ثم بيانه للناس.

أمّا لو حصل للفقيه السبيل الذي يبلغ به المعرفة بالحكم الشرعي، إلا أنه ــ لسببٍ أو لآخر من الأسباب غير الأصولية ولا المعتبرة ولا الحجة ــ امتنع عن بيان الحكم، ثم أعلن للمكلّفين احتياطه بالحرمة نظراً لشكّه فيها، أو احتياطه بالوجوب نظراً لشكّه فيه، وبعبارة جامعة: في الأمور التي رخّص فيها الشارع سبحانه، أو يقوم دليل على حلية شيء ما فيها بيد أن الفقيه ــ ولأسباب غير أصولية مثل الإجماع الاجتهادي أو الخبر المرسل أو الشهرة الحاصلة بعد ظهور الاجتهاد ــ يحجم عن التصريح برأيه، بل قد يحرّم ذلك الشيء أحياناً على شكل فتوى أو احتياط.. إن هذا الفقيه برأينا ليس ــ فقط ــ لم يراع الاحتياط، بل خالفه تماماً.

وعلى أية حال، فعندما ينفتح السبيل أمام الشبهات التحريمية ليُحكم بحليتها، وتجوّز الشريعة في حالات الشك التمسّك بالبراءة طبقاً لأدلة يقينية، فإن الحكم بالجواز يغدو أكثر سهولةً واحتياطاً من الحكم بالحرمة أو الاحتياط الوجوبي.

لا بد لنا أن نعلم أن الحكم بالحرمة أو الاحتياط يحتاج ــ هو الآخر أيضاً ــ إلى قيام دليل عليه وإحراز موضوعه كذلك، تماماً كالحكم بوجوب شيء يحتاج إلى قيام دليل عليه، كما يحتاج إلى إحراز موضوعه، فينبغي أن لا يتوهم أن الحرمة أو الاحتياط في مشكوك الحرمة يستلزم الترك فقط، والترك منسجم مع الإباحة، ذلك أن هذه الآراء غير الأصولية والفاقدة للدليل والمخالفة للشرع هي التي شكّلت عوامل انحطاط الحياة الاجتماعية الإسلامية وسبيل سقوطها وانهيارها في حقبةٍ من التاريخ الإسلامي.

إن تحريم الظواهر الجديدة مثل العلوم الجديدة، والفن، كان باعثاً على افتقار مسؤولي البلاد الإسلامية ورجال أعمالها في هذه الميادين إلى الأجانب وإلى العناصر الفاسدة غير اللائقة، مما أدى ــ عملياً ــ إلى نفوذ الأجنبي إلى قلب الأمم الإسلامية لينفتح بابها له على مصراعيه، وثمة أفكار كثيرة هنا سوف أشرّحها بالتفصيل كاملةً إن شاء الله تعالى في دراستي المشار إليها حول مقولة الاحتياط.

وبكلمة مختصرة: إن التشدّد في بيان الأحكام دون دليلٍ واضح يخالف الاحتياط في هذا العصر من وجهة نظري، وقد دخلنا زمن قيام النظام الإسلامي، بل قد يرتدّ أحياناً ارتداداً عكسياً على المجتمع برمّته.

وقفتان ــــــــــ

1 ــ من المناسب التذكير بأنه لو فرض هناك مجتهد أصوليّ يتبع السياسة المشار إليها فإننا نختلف مع منهجه الاجتهادي لا مع شخصه، حيث لا نعتبره متهتكاً غير تقيّ، كما أننا نرى أن العمل بفتواه أمراً واجباً على مقلّديه.

2 ــ إن مراجع السلف عمل كلّ واحد منهم بما اقتضته عليه ظروف عصره، ولم يقصّروا في تحمّل مسؤولياتهم والقيام بوظائفهم، كما أن المراجع الحاليين ــ أدام الله ظلّهم ــ كسلفهم لا يقصّرون في القيام بمسؤولياتهم، ونسأل الله تعالى أن يديم ظلّهم على رؤوس المسلمين.

إننا نأمل ممّن سيتصدّى لاحقاً للمرجعية أن يأخذ بعين الاعتبار في اجتهاده الديني من المصادر المعرفية وجودَ نظام إسلامي تمثل الأحكام فيه أنموذجاً، وأن يحسب للظروف الزمكانية وخصوصيات الموضوعات وتحوّل الملاكات على مرّ العصور حسابها، ثم يبيّن أحكام شرع الله تعالى على طبقها، حتى لا يتمكّن أعداء الإسلام من اتهام الفقه الإسلامي بالعجز عن موائمة المظاهر المستجدّة والظواهر الحادثة.

وقفات نقدية مع سائر الملاحظات ــــــــــ

أ ــ جاء في مقطع من المقالة الناقدة أن الفقيه لا يملك في بعض الحالات سبيلاً سوى الاحتياط.

ونعلّق ــ مجيبين على هذا الكلام ـ:

أولاً: لا يرتبط هذا الأمر بكلامنا إطلاقاً، ذلك أنني لم أتحدّث ــ لا في تلك المحاضرة التي ألقيتها، ولا في أي موضعٍ آخر ــ عمّا يخالف هذا المبدأ.

ثانياً: إننا نعلم أن بعض الحالات، مثل حالات العلم الإجمالي، ليس فيها من مخرج سوى الاحتياط، بل إن هذا الاحتياط فيها ينبغي أن يكون في قوّة الفتوى، أما نقدنا فيتركّز على الاحتياطات التي لا تكون كذلك، كما لا يقوم في موردها دليل يُلزم بها، كما في حالات الدماء وأشباهها.

ب ــ وجاء في موضع آخر من المقالة الناقدة أن الاحتياط لازم عقلاً وشرعاً، وأن هناك دليلاً على ذلك.

لكننا نجيب: أين قلنا: إن الاحتياط لا دليل عليه مطلقاً من وجهة نظر العقل والدين؟! من الجيّد تحديد المقولة التي تتركّز الانتقادات عليها وبدقّة؛ حتى يعلم أن الإشكال على أيّ كلام يتجه؟

هل ناقضت نفسي في كتاب طهارة الكتابي؟! ــــــــــ

سجّل الناقد علينا أننا تورّطنا في كلامنا بنقض غرضنا، وذلك في كتاب bطهارة الكتابيv الذي نشرته في النجف الأشرف قبل واحدٍ وعشرين عاماً([7])، وتعرّضت فيه للاحتياط.

وأجيب هنا: إنني ذكرت في الصفحة الأخيرة من الكتاب ما نصّه: bإن ما جاء في هذا الجزء من طهارة الكتابي الذاتية إنما هو على ضوء القواعد العلمية الفقهية، وأما الاحتياط في مقام الفتوى لمن يقول به…v.

أولاً: من الواضح أن المقصود من الاحتياط هنا، ما يتبناه صاحبه، ولا دلالة في هذا النص على أنني قائل بالاحتياط؛ فقد قلت: لمن يقول به.

ثانياً: رغم أنني أتيت على ذكر الاحتياط، إلا أن هذا الكتاب عندما ذهب إلى المطبعة استدعاني أحد مراجع التقليد في ذلك الوقت بتحريض من أحدهم، وقد ذهبت إلى منزله، وكان أعضاء مجلس الاستفتاء حاضرين عنده، وقد طرح هذا الموضوع وهو ــ أي المرجع الديني ــ على قدر بسيطٍ من الغضب والانفعال، وطلب مني جواباً على ذلك، فقلت له: إنني أوضحت مطالبي وأفكاري في هذا الكتاب، فتفضلوا بملاحظاتكم، وإذا كانت صحيحةً فإنني مستعدّ الآن لسحب تمام نسخ الكتاب من المطبعة ورميها على شطّ الكوفة، فقال: ألم يكن كفار أهل الكتاب منكرين للنبي 3؟ قلت: بلى. قال: أليس كل منكر للنبي 3 كافراً؟ قلت: بلى. قال: إذاً فهم نجسون. قلت: إئتني بدليلٍ واحد يثبت أن كلّ كافر نجس. فقال ــ وبدا لي مَظهراً من مظاهر التقوى ــ : كلام صحيح، إذاً يجب مراجعة المصادر في هذا المجال، وبهذا أخذ الكتاب طريقه للنشر.

كتاب مفاد قاعدة الإلزام ــــــــــ

الأمر الآخر الذي حصل معي تلك الأيام في النجف الأشرف يتعلق بوجهة نظري الخاصّة بقاعدة الإلزام: bألزموهم بما ألزموا به أنفسهمv، حيث كنت أرى أنها جاءت لبيان الحكم الواقعي الثانوي لا لبيان الإباحة والمشروعية، وقد كتبت كتاباً في هذا الصدد اسمه bمفاد قاعدة الإلزامv، يستدعي شرح فكرته مجالاً أوسع نعرض عنه فعلاً، إلا أنه من المناسب هنا التذكير بأن نظريّتي فيه ــ رغم مخالفتها لوجهة نظر اثنين من أساتذتي وهما من أبرز مراجع ذلك الوقت ــ إلا أن أحدهما كان له فضل تشجيعي الكبير في هذا المجال، وبذلك تمّ نشر الكتاب.

ولا يـخفى أن هاتين الحادثتين كانتا جرّاء تحريض شخصين مغرضين جاهلين، وقد توفيا الآن، إنني أرجو الله لهما الرحمة، وأن ينالا مغفرته.

السنّة الحسنة في النجف الأشرف ــــــــــ

ويجدر التذكير هنا بالسنّة الحسنة التي كانت سائدةً في النجف الأشرف، وتقضي بأن تجري مباحثات ومذاكرات علمية مع أيّ شخص يطرح مسألةً جديدة، حتى تنجلي المسألة لطرفي النقاش جيداً في إطارٍ من التفاهم العلمي، وبذلك تتخذ النظرية الجديدة أحد مسلكين: إما الردّ أو التكامل وشقّ الطريق.

على أية حال، تغيّر في آخر المقالة الناقدة مخاطبُ ناقدنا، وقد جرت الإشارة إلى بعض النظريات المتعلّقة بالحجاب، والغناء، وصنع التماثيل، لتسجّل عليها ملاحظات ناقدة.

وكما أشرنا في مطلع البحث: إذا لم يكن ذكر هذه المسائل نقداً علينا، فلماذا ذكرت هنا؟! وإذا كان نقداً لنا فلماذا لم تذكر كلماتنا بعينها، ثم تسلّط عليها معاول النقد والتفنيد؟!

مسألة الحجاب وإسقاط bالشادورv عليهاــــــــــ

أما حول مسألة الحجاب فنعيد ما كرّرناه مراراً وهو أن المصادر الرئيسة للاجتهاد لم تتحدّث عن نوع خاص من اللباس والستر الإسلامي، بل المطلوب تحقيق الستر للمرأة بأيّ طريقة كان ذلك، ويقع ذلك مقبولاً إسلامياً، كما قلنا أيضاً: إن الحجاب المتعارف في إيران هو bالشادورv ([8])، وهو لباس تقليديّ معروف منذ إيران القديمة، وحيث كان هذا اللون من الحجاب من مصاديق الستر الواجب كان ممضى من قبل الإسلام والفقهاء أيضاً، وأعتقد أنه بالإمكان تقديم أنموذج آخر للحجاب الإسلامي في بعض الأوضاع يغدو فيه أفضل من الحجاب المتعارف (الشادور).

مسألة الغناء بين المضمون الشرعي واللغوي ــــــــــ

أما فيما يـخصّ الغناء، فإنني أعتقد أن الغناء بمعناه اللغوي لم يقع موضوعاً لأيّ حكم شرعي من الأحكام، إنما الغناء بمعناه الشرعي هوالذي جاء كذلك، وما اعتبرته حلالاً ليس الغناء بمعناه الشرعي، ولهذا لم نجز هذا النوع من الغناء، وإذا صدق عليه الغناء بالمعنى اللغوي فقط فإننا لا نراه محلاً لحكم شرعي.

والمؤسف أن نقطة بحثي في هذا الموضوع لم تتضح لبعضهم حتى الآن، فقد تصوّروا أنني أتحدّث عن مختلف أنواع الغناء، فيما البحث مركّز على تحليل مصاديق الغناء، فالإجماع على حرمة الغناء إجماع على الموضوع العام والعنوان الكلّي لا على المصاديق والموارد التطبيقية، نعم، هذا الإجماع حيث كان مدركياً لا نعتبره حجة.

إضافةً إلى ذلك، لديّ ــ مؤخراً ــ كلام كثير حول حرمة الغناء بعنوانه العام عندما لا يكون مصاحباً بأيّ معصية أخرى، ومن الممكن أن نطرحه في مناسبة أخرى بصفته نظرية علمية متكاملة، ونتيجة بحثي متطابقة تماماً مع رأي العالم الكبير والعارف الطليق الفيض الكاشاني (1091هـ)، وإن اختلفت معه في دليلين أطرحهما لا يتعرّض الفيض لذكرهما، وإنما يتحدّث عن دليلين آخرين، ذلك أننا نرى أن دليله؟؟ يمكن المناقشة فيهما.

صناعة التماثيل وفنّ الرسم والمنحوتات ــــــــــ

أما عن مسألة صناعة التماثيل و… فقد أجريت دراسة تاريخية مفصلة لهذا الموضوع، حتى حصل لديّ اليقين والقطع بملاك الحرمة، وحيث كان هذا الملاك مفقوداً في عصرنا وفي بلدنا (إيران)، كما وحيث غدا هذا الأمر نوعاً من الفنّ الراقي والمحترم، لهذا لا أرى في ذلك أيّ إشكال إطلاقاً.

إن العلماء والفقهاء يُجمعون على أن تنقيح المناط، وتخريج المناط، وتحقيق المناط،واستنباط العلة حجة إذا أفاد القطع واليقين، من هنا لا نرى في نظريتنا هذه أي دور فاعل، لا لنظرية المصالح المرسلة، ولا الاستصلاح، ولا الاستحسان، ولا القياس و..

مع علبة العطّار ــــــــــ

ومن الجدير هنا لفت الانتباه إلى أنه إذا لم يتعنون شيء ما بنوع ستر خاص أو لون أو كيفية خياطة ونسج أو.. في مصادر الاستنباط الرئيسة، ثم أراد شخص أن ينسب هذا التعيين الخاص إلى الإسلام بعنوانه الأولي فإن نظريته سوف تكون فاقدةً لأي مصدر ديني، إنما مصدرها علب دكّان العطار أو دكّان بائع الطلاء و…

أعتقد أنه لا بدّ لنا ــ في ظلّ نظام إسلامي تمثل أحكامه أنموذجاً ــ من الرجوع إلى المصادر الأساسية، ثم عرض الصورة الواقعية الحقيقية للفقه، لا تحكيم الذاتيات الفكرية ؟؟والعرفية، لا أقلّ من ضرورة تحديد الامتيازات والفواصل ــ عند عرض الأحكام وبيانها ــ بين العناوين الأولية والثانوية، وبين العناوين الشرعية والعرفية، وبين الآداب العرفية والشرعية، وبين العادات والتقاليد الدينية وتلك المتعارفة الموروثة، فلذلك فوائد كبيرة وجمّة، يخرج استعراضها عن مجال هذا البحث.

لقد سجّل عليّ ناقدٌ آخر أنني أهنت في محاضرتي السالفة الإشارة إليها العلماءَ والفقها، ذلك أنني لم أذكر سوى ابن أبي عقيل العماني، والشيخ الطوسي، وابن إدريس الحلي.

وأجيبه: إن هذا الكلام مؤسف وعجيب؛ ذلك أن ذكر هؤلاء إنما كان بوصفهم مؤسّسو مدرسة اجتهادية، فالأول منهم ذكرناه بوصفه مؤسس مدرسة الاجتهاد نظرياً وعلمياً، والثاني كذلك عملياً، والثالث بوصفه محطّم الحواجز التي تقف في وجه استمرار المدرسة الثانية، وحيث كان سائر المجتهدين وعلماء الأصول عبر الزمن أنصاراً وأتباعاً لهذه المدرسة.. لم تكن هناك حاجة لذكر أسماء آلاف المجتهدين الأصوليين على امتداد التاريخ في محاضرة واحدة، ومن الأمور المسلّمة أنه عندما يُمتدح مذهب أو مدرسة فكرية فإن أنصار هذه المدرسة يغدون مشمولين ــ بالتأكيد ــ لهذا المدح والثناء.

ختام ــــــــــ

وختاماً يجدر التذكير بأمور:

أولاً: أعتقد ــ انطلاقاً من المنهج الجديد للإمام الخميني في الاجتهاد التفريعي والمقارن عبر بيانه (دور الزمان والمكان في الاجتهاد) ــ أن توظيف هذا المنهج في مصادر الاجتهاد الرئيسة أوصلنا إلى ستين نظرية جديدة تقريباً، تتعلّق بالأبعاد المختلفة للفقه الإسلامي، وقد صرّحت حتى اليوم بعشرةٍ منها فقط، وسوف أوضح البقية تدريجياً بصراحةٍ تامة، فقد أبقى الله وهداته باب الاجتهاد مفتوحاً، كما ظلّ باب النقد العلمي ومجال البحث والمناظرة مشرّعاً أمام رجال العلم والفكر والنظر، وعلينا أن نعلم ــ كما قال أحد المراجع الكبار ــ أن الاجتهاد الحقيقي إنما يصدق في تلك المسائل التي لم تُطرق أو تُشاد موضوعاتها ومباحثهاحتى الآن، لا في تلك التي أشبعت بحثاً واجتهاداً، مما جعل أمرها واضحاً للجميع.

ثانياً: كلّنا أمل في أن يسعى المحققون والعلماء لمساعدة الكاتب بانتقاداتهم وتحليلاتهم العلمية المفيدة للمؤلّف نفسه، في إطار تطوير النظريات الجديدة والرؤى الحادثة في فهم مصادر الاجتهاد والاستنباط المعتبرة، ومن الطبيعي أن يكون هذا اللون من النقد ذا أهمية ملحوظة لدى أهل الرأي والمعرفة جميعاً.

ثالثاً: آمل أن يكون منطلق الباحثين والناقدين الأعزاء إجلاء الحقيقة المتعلّقة بأحكام الله تعالى فقط عبر الاجتماع والحوار والبحث والمناظرة أو عبر الكتابة والتأليف والتصنيف، لا أن يقعوا تحت تأثير المحيط الساخن والصخب الشديد، فيبادروا ــ من حيث شعروا أو لم يشعروا ــ إلى سدّ باب الاجتهاد، وعندها لن يكون لنا معهم أيّ كلام.

*    *     *

الهوامش



(*) من أبرز علماء الفقه المقارن على المذاهب في إيران، أصدر مؤخراً رسالة عملية ليعلن نفسه مرجعاً دينياً، يُعرف بآرائه الفقهية المخالفة للمشهور.



[1] ــــ بيان الإمام الخميني، بتاريخ 16/8/1367هـ.ش (1987م).

[2] ــــ الخميني، المكاسب المحرّمة 1: 316، 318.

[3] ــــ دائرة المعارف تشيع 1: 340.

[4] ــــ ورام بن علي بن أبي فراس الحي، من سلالة مالك الأشتر النخعي ).

[5] ــــ هو الشيخ سديد الدين محمود بن علي بن الحسين الرازي الحمصي.

[6] ــــ حوالي عام 1974م (التحرير).

[7] ــــ حدود عام 1970م (التحرير).

[8] ــــ نوع من العباءة النسائية التي تغطي البدن..