إرث الزوجة

11 مايو 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
2٬076 زيارة

إرث الزوجة

محاكماتٌ في سياق الجدل الفقهي القائم

ـ القسم الأوّل ـ

الشيخ فخر الدين الصانعي(*)

ترجمة: حسن علي الهاشمي

موضوع البحث

إن من الفروض الستّة في باب الإرث، الواردة في القرآن الكريم، سهمَ الزوج والزوجة من تركة زوجها.

فقد ذكر القرآن الكريم أن سهم الزوج من أموال زوجته إذا لم يكن لهما ولدٌ هو النصف؛ قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ (النساء: 12). وأما إذا كان لها ولدٌ فسهمه هو الربع؛ قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمْ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾ (النساء: 12).

وأما سهم الزوجة من تركة زوجها إذا لم يكن هناك ولدٌ فهو الربع، ومع وجود الولد فالسهم هو الثمن؛ قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ (النساء: 12).

والذي وقع مورداً للاختلاف بين الخاصة والعامة هو أن مشهور الفقهاء من الشيعة لا يقولون بتوريث الزوجة من جميع أموال الزوج؛ مستندين في ذلك إلى روايات مأثورة عن الأئمة المعصومين^.

وفي المقابل ذهب علماء (أهل السنّة) إلى الاقتصار على مفاد الآيات المتقدّمة، وقالوا بإرث الزوجة من عين جميع أموال الزوج.

وبعبارةٍ أخرى: إن العامة يذهبون إلى الاعتقاد بأن الزوجة ترث من مطلق تركة الزوج، أي الأموال المنقولة وغير المنقولة. أما الإمامية فيذهبون إلى القول بأن الزوجة لا ترث ـ في الجملة ـ من الأموال غير المنقولة. بَيْدَ أنهم اختلفوا في كيفية حرمان الزوجة من الأموال غير المنقولة، الأمر الذي أدّى إلى ظهور ستة أقوال بين علماء الشيعة، وسوف نأتي على بيانها لاحقاً.

وعليه فإن موضوع هذا المقال هو كيفية إرث الزوجة من الأموال غير المنقولة التي يتركها زوجها. وحيث يعود اختلاف الأقوال بين فقهاء الشيعة إلى اختلاف ظاهر الروايات سوف نقوم في هذا المقال بدراسةٍ تفصيلية لهذه الروايات، وكيفية الاستدلال بها، والإشكالات الواردة على هذه الاستدلالات أيضاً.

 

أقوال الفقهاء

كما تقدَّم فإن الفقهاء قد اختلفوا في بيان مسألة إرث الزوجة من أموال زوجها غير المنقولة ـ بسبب اختلاف الروايات المأثورة في هذا الشأن ـ، وذلك على ستّة أقوال:

 

القول الأول

عدم إرث الزوجة من مطلق الأرض (حتّى البوار أو العامرة بزراعةٍ أو بناء) مطلقاً، أي إنها لا ترث شيئاً من العين والقيمة. كما يذهب القائلون بهذا الرأي إلى عدم إرث الزوجة حتّى من آلات وأدوات البناء التي يمكن انتزاعها وفصلها، ولكنها ترث قيمة الأدوات والآلات المستعملة في البناء.

القائلون بهذا القول الأوّل

المولى أحمد النراقي في كتاب «مستند الشيعة»([1])؛ وهو ظاهر أبي الصلاح الحلبي في «الكافي في الفقه»([2])؛ والشيخ الطوسي في كتاب «الخلاف»([3])، حيث ادّعى الإجماع على ذلك أيضاً؛ ويمكن القول، من خلال التدقيق في عبارة الشيخ الطوسي في كتاب «الاستبصار»([4]): إنه يختار هذا القول أيضاً([5])؛ ومن المتأخِّرين ذهب الإمام الخميني إلى اختيار هذا القول في كتاب «تحرير الوسيلة»([6]).

 

القول الثاني

إن هذا القول هو مثل القول الأوّل، ولكنّ القائلين به يقيِّدون منع الزوجة من الإرث بعدم وجود ولدٍ لها من زوجها. وعليه إذا كان للزوجة ولدٌ من زوجها فإنها سترث من عين جميع التركة.

 

القائلون بهذا القول الثاني

الشيخ الطوسي في كتبه: «النهاية»([7])، و«المبسوط»([8])، و«تهذيب الأحكام»([9])؛ وابن حمزة في كتاب «الوسيلة»([10])؛ والقاضي ابن البرّاج في كتاب «المهذّب»([11])؛ والمحقِّق الحلّي في كتاب «شرائع الإسلام»([12])؛ وابن سعيد الحلّي في كتاب «الجامع للشرائع»([13])؛ والعلاّمة الحلّي في كتبه: «تحرير الأحكام»([14])، و«قواعد الأحكام»([15])، و«مختلف الشيعة»([16])، و«إرشاد الأذهان»([17])، و«تبصرة المتعلِّمين»([18])؛ وفخر المحقِّقين في كتاب «إيضاح الفوائد»([19])؛ والفاضل المقداد السيوري في كتابَيْه: «كنز العرفان»([20])، و«التنقيح الرائع»([21])؛ والشهيد الأول في كتبه: «الدروس الشرعية»([22])، و«اللمعة الدمشقية»([23])، و«غاية المراد»([24])؛ والشهيد الثاني في كتاب «مسالك الأفهام»([25])، حيث قال: لا إشكال في هذا القول، ومال إليه في كتاب «الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية»([26]).

ومن الجدير بالذكر أنه بالالتفات إلى كثرة القائلين ـ كما صرَّح كلٌّ من: الشهيد الثاني في «الروضة البهية»، والمحقِّق السبزواري في «كفاية الأحكام»([27]) ـ فإن هذا القول هو الرأي المشهور بين المتأخِّرين، وهو مختارهم، كما صرَّح بذلك كلٌّ من: المحقِّق الكركي([28])، والمقدَّس الأردبيلي([29]).

 

القول الثالث

إن هذا القول هو مثل القول الثاني، مع فارق أن القائلين به يضيفون الشجر إلى عدم إرث الزوجة من عين الأموال غير المنقولة للزوج أيضاً.

قال الشهيد الثاني في «مسالك الأفهام»([30]): أكثر المتأخِّرين على هذا القول. وقد صرَّح به فقهاء، من أمثال: العلاّمة الحلّي في «قواعد الأحكام»؛ والشهيد الأوّل في «الدروس الشرعية». وهناك مَنْ ادّعى بأن هذا القول هو قول المشهور.

ومن الجدير بالتوضيح أن بعض الفقهاء قال بأن هذا القول هو عين القول الثاني. بَيْدَ أننا عند التدقيق في عبارات الفقهاء ندرك أن هذا القول يختلف من بعض الجهات عن القول الثاني، وعليه يمكن عدُّ هذا القول قولاً ثالثاً.

 

القائلون بهذا القول

المحقِّق الحلّي في كتابَيْه: «شرائع الإسلام»([31])، و«المختصر النافع»([32])؛ والعلاّمة الحلّي في «قواعد الأحكام»([33])؛ والشهيد الأوّل في «الدروس الشرعية»([34])؛ والفاضل الهندي في «كشف اللثام»([35]).

 

القول الرابع

إن منع الزوجة من الإرث من العين والقيمة ينحصر بالأرض والدار المبنية، ولكنها ترث من عين سائر الأراضي الأخرى، من قبيل: الأراضي المزروعة، والحدائق. كما ترث من قيمة الآلات والأدوات المتَّخذة في بناء الدار. وبطبيعة الحال فإن هذا القول مشروطٌ بأن لا يكون للزوجة ولدٌ من زوجها.

 

القائلون بهذا القول

الشيخ المفيد في «المقنعة»([36])؛ وابن إدريس في «السرائر»([37])؛ والمحقِّق الحلّي في «المختصر النافع»([38])؛ والفاضل الآبي في «كشف الرموز»([39])؛ وكذلك يبدو الميل من العلاّمة الحلّي إلى هذا القول، في «مختلف الشيعة»([40])؛ وذهب المحقِّق السبزواري إلى القول بأنه لا يخلو من قوّةٍ، حيث قال: «فقول المفيد ومَنْ تبعه لا يخلو من قوّةٍ»([41]).

 

القول الخامس

منع الزوجة من عين الأرض والدار وآلاتها وأبنيتها، ولكنها ترث من قيمة جميع هذه الأمور.

القائلون بهذا القول

السيد المرتضى في «الانتصار»([42]) مطلقاً؛ والشيخ الصدوق في «مَنْ لا يحضره الفقيه»([43])، بشرط أن لا يكون للزوجة ولدٌ من الزوج.

وحيث إن هذا القول أضيق دائرة في ما يتعلَّق بحرمان الزوجة من الإرث من تركة الزوج فإنه في الحقيقة يخالف قول المشهور من الفقهاء. لذلك يجدر بنا أن ننقل هنا عين عبارة السيد المرتضى في هذا الشأن، إذ يقول: «والذي يقوى في نفسي أن هذه المسألة جاريةٌ مجرى المسألة المتقدّمة في تخصيص الأكبر من الذكور بالمصحف والسيف، وأن الرباع، وإنْ لم تسلَّم إلى الزوجات، فقيمتها محسوبةٌ لها. والطريقة في نصرة ما قوَّيناه هي الطريقة في نصرة المسألة الأولى»([44]).

ثم استطرد في بيان نظريته، ذاكراً وجهاً يبرِّرها، قائلاً: «ويمكن أن يكون الوجه في صدّ الزوجة عن الرباع أنها ربما تزوّجت وأسكنت هذه الرباع مَنْ كان ينافس المتوفّى أو يغبطه أو يحسده؛ فيثقل ذلك على أهله وعشيرته، فعدل بها عن ذلك على أجمل الوجوه»([45]).

ومضافاً إلى استدلال السيد المرتضى على هذا القول، ذهب العلاّمة الحلّي في كتاب «مختلف الشيعة» ـ بعد أن استحسن قول السيد المرتضى ـ إلى ذكر وجوهٍ على استحسان رأي السيد المرتضى وقول الشيخ المفيد أيضاً، بحيث يمكن القول: إن هذه الوجوه يمكنها أن تثبت رأي السيد المرتضى؛ إذ يقول العلاّمة الحلّي: «وقول السيد المرتضى& حَسَنٌ؛ لما فيه من الجمع بين عموم القرآن وخصوص الأخبار. ثم قول شيخنا المفيد& جيِّدٌ أيضاً؛ لما فيه من تقليل التخصيص، فإن القرآن دالٌّ على التوريث مطلقاً، فالتخصيص مخالفٌ، وكُلَّما قلّ كان أَوْلى»([46]).

القول السادس

الزوجة ـ مثل الزوج ـ ترث من عين جميع تركة الزوج.

 

القائلون بهذا القول السادس

ابن الجنيد الإسكافي؛ والحاج رحيم أرباب ـ من علماء إصفهان([47]) ـ؛ والقاضي نعمان، في كتاب «دعائم الإسلام»([48]).

ولكنْ؛ حيث حُكي هذا القول عن الفقهاء، فإن بعضهم، من أمثال: صاحب «مفتاح الكرامة»، سعى إلى إثبات أن مراد ابن الجنيد من الزوجة هي الزوجة التي لها ولدٌ من الزوج. ولكي تتّضح لنا صحّة نسبة هذا القول إلى ابن الجنيد علينا أن نبحث وندقِّق في كلمات وعبارات هؤلاء الفقهاء الذين حكوا هذا الرأي عن ابن الجنيد.

إن من الذين نسبوا هذا الرأي إلى ابن الجنيد الفاضلَ الآبي في «كشف الرموز»([49])؛ إذ يقول: «قال ابن الجنيد في كتابه الأحمدي في الفقه المحمّدي: ترث من كلّ شيءٍ؛ تمسُّكاً بعموم القرآن».

والعلاّمة الحلّي أيضاً من الفقهاء الذين ذكروا رأي ابن الجنيد في كتاب المختلف، حيث قال: «وقال ابن الجنيد: وإذا دخل الزوج أو الزوجة على الولد والأبوين كان للزوج الربع وللزوجة الثمن من جميع التركة، عقاراً أو أثاثاً، وصامتاً ورقيقاً، وغير ذلك»([50]).

 

توجيه كلام ابن الجنيد من قِبَل صاحب «مفتاح الكرامة»

كما تقدّم من صاحب «مفتاح الكرامة»([51]) قوله: «ثمّ إن الغالب المتبادر من الولد أن لا يكون ربيباً. فبملاحظة الغالب المتبادر ممّا تقيّد الإطلاق في الأول والآخر»([52]). من هنا لا تكون فتوى ابن الجنيد عائدةً إلى مطلق الولد، وإنما تخصّ الزوجة التي تكون ذات ولد من الزوج الذي تريد أن ترثه، وعليه لا يكون هذا الرأي من ابن الجنيد رأياً جديداً، وإنما يعود إلى القول المشهور (القول الثاني).

 

الإشكال على كلام صاحب «مفتاح الكرامة»

إن لفظ «الولد» في كلام ابن الجنيد مطلقٌ. وما ذكره بوصفه تقييداً لكلام ابن الجنيد غيرُ صحيحٍ؛ لأن الغلبة التي يمكنها أن تدخل المطلق في مورد الغالب، وتقيُّده بمورد الغلبة يجب أن يبلغ حدّاً من الشياع بحيث تكون له القدرة على مثل هذا التقييد. وفي ما نحن فيه لا يكون لفظ «الولد» كذلك؛ إذ إن هذا اللفظ في العرف يطلق في الكثير من الموارد على الولد الذي لا يكون ولداً لكلا الزوجين، وإنما يطلق أيضاً حتّى إذا كان ولداً لأحدهما فقط، ولم يَرِدْ في كلمات الفقهاء تقييد لفظ «الولد» في أيّ موضعٍ من الكتاب والسنّة. وعليه يتّضح من عدم تقييد الفقهاء أن هذه الغلبة لم تبلغ حدّاً بحيث تورد المطلق مورد الغالب.

 

الموافقون لابن الجنيد الإسكافي

مضافاً إلى ابن الجنيد، ذهب إلى التصريح بهذا الرأي الحاج رحيم أرباب، والقاضي النعمان. كما يتّضح من عدم تعرُّض بعض الفقهاء إلى أصل المسألة أنهم يوافقون ابن الجنيد، ويقولون بالقول السادس أيضاً، ومن هؤلاء يمكن لنا أن نشير إلى: صاحب كتاب »المقنع»([53])، وصاحب كتاب «المراسم»([54])، وصاحب كتاب «الإيجاز»([55])، وصاحب كتاب «التبيان»([56])، وصاحب كتاب «مجمع البيان»([57])، وصاحب كتاب «جوامع الجامع»([58])، وصاحب كتاب «الفرائض النصيرية»([59])؛ إذ صرَّح جميع هؤلاء الفقهاء بأن الزوجة ترث من الزوج الربع أو الثمن، دون أن يذكروا أي تقييد لذلك.

وبالنظر إلى عدم تعرُّض كلٍّ من: عليّ بن بابويه، وابن أبي عقيل العماني، للتفصيل في هذه المسألة يمكن الادّعاء أن هذين العلمين هما من الموافقين لابن الجنيد أيضاً.

بل يمكن القول: إن جميع رواة الأحاديث التي استند إليها ابن الجنيد الإسكافي ـ وهي بالمناسبة رواياتٌ صحيحة ـ يوافقون قول ابن الجنيد؛ إذ إن دأب وديدن الفقهاء في عصر الأئمة^ في بيان آرائهم الفقهية من خلال بيان الرواية وذكر الحديث، وكانوا يعبِّرون عن رأيهم ويعلنون عنه من طريق الاستناد إلى الرواية. وعلى هذا الأساس فإن الرواة الذين نقلوا رواية في باب «إرث الزوجة من جميع تركة الزوج، من أمثال: ابن أبي يعفور، وأبان، والفضل بن عبد الملك، يذهبون إلى الاعتقاد بمضامين هذه الروايات([60]).

 

إشكال صاحب الجواهر والسيد البروجردي على عدم التعرُّض

إن عدم تعرُّض الأصحاب إلى هذه المسألة لا ينهض دليلاً على عدم القول بالتوريث المطلق؛ لأن الإجماع المذكور في المسألة إنما كان قبل عصر الإسكافي، ويثبت أن الأصحاب لم يكونوا يوافقون رأي الإسكافي، وربما كان عدم تعرُّضهم بسبب وضوح حكم المسألة عندهم. والذي يؤيِّد ذلك أن أكثر الإمامية يمتازون من غير الإمامية بسبب الحكم الخاص في هذه المسألة([61]).

كما أشكل السيد البروجردي على هذا الاستظهار، قائلاً: «إن هذا الاستظهار عجيبٌ للغاية؛ إذ إن عدم ذكر الفقهاء لهذه المسألة إنما هو لوضوحها؛ بسبب وجود النصوص المتواترة على الحرمان في الجملة. مضافاً إلى أنه لا يصحّ هذا الاستظهار من كلام الشيخ الصدوق؛ وذلك لأن الشيخ الصدوق قد ذهب إلى القول بالحرمان في كتاب «مَنْ لا يحضره الفقيه»([62]).

 

الإجابة عن إشكال صاحب الجواهر والسيد البروجردي

إن احتمالَ أن يكون عدم تعرّض بعض الفقهاء إلى هذه المسألة عائداً إلى وضوح حكم هذه المسألة احتمالٌ بعيد؛ نظراً لوجود الأقوال الستة في المسألة، واختلاف الروايات؛ إذ يذهب بعضها إلى حرمان الزوجة من مطلق الأرض، ويرى بعضها أن حرمانها مختصٌّ بالدور السكنية، وذهاب بعضها إلى حرمان الزوجة من الدار وأرضها، ومن جهةٍ أخرى تدلّ بعض الروايات الصحيحة على عدم حرمان الزوجة. وعليه فإننا لا نرى وضوحاً وظهوراً في هذا الحكم. نعم، إذا كان مراده هو وضوح أصل المنع عند علماء الشيعة فهو كلامٌ صحيح، إلاّ أن هذا الوضوح ـ في الجملة ـ لا يصلح أن يكون سبباً لإبطال القول بأن لعدم تعرُّضهم ظهوراً في الموافقة على رأي ابن الجنيد.

ومضافاً إلى ما تقدَّم يمكن القول: إن عدم تعرّض هؤلاء الفقهاء إنما هو بسبب استنادهم إلى الروايات الصحيحة (الأربعة) الدالّة على عدم حرمان الزوجة ـ مطلقاً ـ؛ إذ إن هذه الروايات موافقة للكتاب. ومن هنا فإنهم كانوا يعملون بهذه الروايات عند تعارضها مع أخبار الحرمان.

وأما في ما يتعلَّق برأي الشيخ الصدوق في كتاب «مَنْ لا يحضره الفقيه» فنقول: كثيراً ما نرى الفقهاء يختارون رأيين مختلفين في كتبهم، بل قد نجد ذلك منهم حتّى في كتابٍ واحد.

 

القول المختار، وأدلّته

لقد ذهب الوالد الأستاذ إلى اختيار القول السادس من هذه الأقوال الستّة. وكما تقدَّم فإن هذا القول يوافق ما ذهب إليه ابن الجنيد الإسكافي والفقهاء الذين لم يتعرَّضوا إلى هذه المسألة في كتبهم.

ويمكن الاستدلال على هذا القول من الكتاب والسنّة.

 

الاستدلال على القول المختار بالآيات (الكتاب)

قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (النساء: 12).

إن الاستدلال والاحتجاج بهذه الآية على القول المختار واضحٌ للغاية. وبسبب هذا الوضوح ذهب العلماء من غير الإمامية جميعاً إلى الاستدلال بهذه الآية على القول بـ «إرث الزوجة من جميع تركة الزوج»، واعتبروا ذلك من ضروريات فقههم.

وهناك تقريران للاستدلال بعموم هذه الآية، وهما:

1ـ ظهور الآية في العموم.

2ـ العموم الناشئ من إطلاق الآية.

 

تقريب ظهور الآية في العموم

وقد ذكر هذا الوجه السيد البروجردي؛ إذ قال: «فإن الموصول موضوعٌ لإيجاد الإشارة، وبهذا امتازت «ما» الموصولة عن الموصوفة؛ لأن معنى «ما» الموصولة ما يُعبّر عنه بالفارسية (آن چيزي)، بخلاف الموصوفة، فإذا كان في البين شيء معهود رجعت الإشارة إليه، والمشار إليه يكون ذلك الشيء المعهود، وإلاّ فالموصول يشمل جميع ما يمكن أن يُشار إليه؛ لأن القول باختصاص الإشارة ببعضٍ دون بعضٍ ترجيحٌ بلا مرجِّح. فعلى هذا يكون مفاد الآية الكريمة عموم إرث الزوجة من أعيان جميع التركة. ولا فرق في ذلك بين إرث الزوج من تركة الزوجة، وإرثها من تركته. فكما أن الموصول في قوله سبحانه: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ استُعمل في الإشارة إلى جميع تركة الزوجة كذلك استُعمل في قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ في الإشارة إلى جميع تركة الزوج وأمواله»([63]).

 

تقريب العموم بواسطة إطلاق الصلة والموصول

إن إطلاقَ صلة الموصول في قوله تعالى: ﴿مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾، وعدم تقييده بأمثال الأرض والعقار وأرض الدار وغير ذلك، دليلٌ على عمومية إرث الزوجة من جميع أعيان الزوج؛ لأن هذه الآية في مقام بيان إرث الزوجة، ومقدار إرثها ـ أسوة بسائر الورثة ـ. وإنّ ذكر خصوصيات وتفاصيل إرث كلّ واحدٍ من الورثة، من قبيل: البنات والأب والأم، وأن الإرث يكون بعد تسديد الدَّيْن والوفاء بالقروض، يحمل شهادةً واضحة على أنه لو كانت هناك خصوصيةٌ أخرى غير هذه الخصائص أيضاً ـ من قبيل: عدم إرث الزوجة من أموال الزوج غير المنقولة ـ لعمد الشارع المقدَّس إلى بيان ذلك أيضاً، كما بيّن الخصائص الأخرى. وعليه تكون الآية في مقام البيان، ويكون لها إطلاقٌ من هذه الناحية.

والشاهد الآخر على هذا الإطلاق وحدة السياق في الآية، بتقرير أن الزوج كما يرث ـ بصريح الآية ـ من جميع تركة الزوجة فإنه يجب ـ لوحدة السياق ـ أن ترث الزوجة من جميع تركة الزوج، ولا يستثنى من ذلك شيءٌ، مثل: الأرض وغيرها.

وكذلك فإن عدم استثناء جزء من التركة في إرث سائر الورثة من الميت يمثِّل شهادة على هذا الإطلاق.

والخلاصة: يمكن الاستدلال على التعميم بأحد وجهين: الأوّل: الظهور؛ والآخر: الإطلاق. وأيّاً كان الوجه الذي يختاره المستدلّ دلّ ذلك على مطلوبه؛ إذ إن كلاًّ من ظهور الآية في العموم، أو العموم الناشئ من إطلاق الصلة والموصول، من أقسام الحجج المعتبرة في الاستدلال.

 

الوجه الثاني على العموم

إن الوجه الآخر الذي يمكن إقامته على إثبات عمومية إرث الزوجة من جميع أعيان أموال الزوج هو ارتكاز العقلاء والعرف في باب الإرث. ببيان: إن الإرث يتعلَّق بما يتركه الميت وراءه. وعليه فإن الذي يفهمه العرف والعقلاء من جميع الأدلة ـ سواء أكانت من الكتاب أو السنّة ـ هو تعلُّق إرث الوارثين بحميع تركة الميت، دون استثناء أيّ مورد من موارد التركة. وعليه فإن لازم الإرث هو أن ترث من جميع تركة الميّت. وعلى هذا الأساس فإن العقلاء يذهبون إلى اعتبار الميراث وإرث الوارث من جميع التركة أمرين متلازمين.

 

الاستدلال بالروايات (السنّة)

1ـ صحيحة الفضل بن عبد الملك وابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله×، قال: سألتُه عن الرجل: هل يرث من دار امرأته أو أرضها من التربة شيئاً، أو يكون (في) ذلك بمنزلة المرأة، فلا يرث من ذلك شيئاً؟ فقال: «يرثها، وترثه (من) كلّ شيء ترك وتركَتْ»([64]).

مناقشة سند الصحيحة الأولى

إن هذه الرواية التي يتمسَّك بها القائلون بالقول السادس صحيحةٌ من حيث السند. بَيْدَ أن البعض حاول من خلال إثارة شبهةٍ أن يحولِّها إلى موثَّقة؛ إذ قال: إن سند هذه الرواية يشتمل على أبان بن عثمان البجلي. وهو، رغم كونه من أصحاب الإجماع، ينتمي إلى الناووسية([65])، وعليه يكون الحديث الذي ينتهي إليه موثَّقاً.

 

الإجابة عن شبهة السند

إن هذه الشبهة غير واردةٍ؛ وذلك لدليلين:

 

الدليل الأوّل

1ـ إن انتماء أبان بن عثمان إلى الناووسية لم يقُلْ به أحدٌ من علماء الرجال، سوى الكشّي([66])، حيث نقل ذلك بدوره عن عليّ بن الحسن بن فضّال.

وقد قال صاحب كتاب «تنقيح المقال»: «إن نُسخ الكشّي مختلفة؛ ففي بعضها ما مرّ، وفي بعضه أبدل قوله: (وكان من الناووسية) بقوله: (وكان من القادسية)، أو (كان قادسيّاً)، كما هو كذلك في نسخةٍ من الكشّي، على ما نقله المحقِّق الأردبيلي& في كتاب الكفالة من مجمع الفائدة([67]). ويمكن أن يكون هذا هو الصحيح، كما يناسب قوله: (وكان يسكن الكوفة)، أي كان يسكن الكوفة، وكان من أهل القادسية، وإنْ كان يُنافيه قول عليّ بن فضال قبل ذلك: (كان أبان من أهل البصرة)»([68]).

2ـ كما تقدَّم فإن هذا الانتماء والنسبة لم تذكر إلاّ عن عليّ بن فضّال ـ وهو فطحي المذهب ـ، وعليه كيف يمكن الاعتماد في هذه الحالة على قوله في نسبة أبان بن عثمان إلى «الناووسية»؟!

 

الدليل الثاني

إن أبان بن عثمان البجلي لم يكن من المنتمين إلى الناووسية. وهناك الكثير من الشواهد التي تؤكِّد هذه الحقيقة، ومنها:

الشاهد الأوّل: إن الناووسي هو الذي لا يقول بوفاة الإمام الصادق×، وإنما يراه غائباً عن الأنظار، وأنه هو القائم المنتظر، وأنه سيظهر. ومن هنا فإن الناووسي لا يعتقد بإمامة الكاظم×، ولا يروي عنه. في حين أن النجاشي في «الرجال»([69])، والطوسي في «الفهرست»([70])، قد اعتبراه من أصحاب الإمامين الصادق والكاظم’.

الشاهد الثاني: الروايات الكثيرة التي يرويها أبان بن عثمان عن الإمام الكاظم×، ولم يفرِّق أحدٌ بين روايته عن الإمام الصادق× وبين روايته عن الإمام الكاظم×.

الشاهد الثالث: روايته التي يقول فيها: «إن الأئمة اثني عشر…»([71])، ولم يُرْوَ عن أيٍّ من أتباع الناووسية مثل هذا المضمون.

والخلاصة: إنه؛ بالالتفات إلى هذه الشواهد، لا تكون نسبة الناووسية إلى أبان بن عثمان صحيحة. وتكون الرواية المتقدِّمة([72]) عنه صحيحةً. وإن وجود أبان في الصحيحتين التاليتين ـ بالالتفات إلى ما تقدَّم ـ لا يضرّ بصحّة الحديث.

2ـ صحيحة عبيد بن زرارة وفضل بن أبي العبّاس، قالا: قلنا لأبي عبد الله×: ما تقول في رجلٍ تزوَّج امرأة ثم مات عنها وقد فرض الصداق؟ قال×: «لها نصف الصداق، وترثه من كلّ شيءٍ، وإنْ ماتت فهو كذلك»([73]).

 

كيفية الاستدلال

إن دلالة هذه الصحاح الأربعة([74]) على مرادنا ـ الذي هو إرث الزوجة من جميع أعيان تركة الزوج ـ، ولا سيَّما منها الصحيحتين الأوليين، واضحةٌ جداً، بحيث تغنينا عن تقريب وبيان كيفية الاستدلال؛ لأن ذلك سيكون ضَرْباً من توضيح الواضحات. إلاّ أن البعض قد أشكل على الاستدلال بعموم هذه الصحاح، وعموم الآية الرابعة من سورة النساء. وفي ما يلي نناقش هذا الإشكال، ونجيب عنه.

 

إشكال الشيخ النراقي على الاستدلال بهذه الروايات الصحيحة الأربعة

قال صاحب كتاب «مستند الشيعة»: «حجّة ابن الجنيد: عموم الآيات؛ والأخيرتان([75]) [اللتان يراهما الوالد الأستاذ أربع روايات] من الروايات، مضافاً إلى سائر العمومات. والجواب أن العام يخصّ مع وجود المخصّص، وهو موجودٌ، من الإجماع والأخبار غير العديدة، ولو قيل بكون الأخيرتين ظاهرتين في الإرث من الأراضي، وغير قابلتين للتخصيص؛ إذ إن عدم قابلية العام على التخصيص إنما يكون إذا كان الجواب عن مورد السؤال (من دار امرأته أو أرضها) منحصرٌ بالجواب من طريق العام (كلّ شيء)، ولا وجود لهذا الانحصار في ما نحن فيه»([76]).

ثم استطرد قائلاً: «ولو سلمناه [عدم قابلية تخصيص العام] فنقول بتحقق التعارض حينئذٍ بينهما وبين روايات الحرمان، ولا شَكَّ أنها راجحةٌ مقدَّمة عليهما؛ لاعتضادها بالإجماع، ومخالفتها للعامة»([77]).

 

الجواب عن إشكالات الشيخ النراقي في «المستند»

الجواب عن الإشكال الأول

قال صاحب كتاب «مستند الشيعة»: إن عموم «يرثها وترثه (من) كلّ شيء ترك وتركَتْ»، و«ترثه من كلّ شيء»، الوارد في الروايات الصحيحة الأربعة، قابلٌ للتخصيص.

ونقول في جوابه: إن العام الموجود في الصحيحتين الأوليين: «يرثها وترثه من كل شيء ترك وتركَتْ» يقع مورداً للسؤال مئة في المئة، بمعنى أنه يشمل البيت والأرض، أي إن الإمام× قال: لا ترث المرأة والرجل من الدار والأرض التي يمتلكها كلٌّ منهما فحَسْب، بل يرثان بعضهما في جميع ما يتركانه؛ إذ إن هذا العام لو لم يكن مشمولاً لمورد سؤال السائل، وقلنا بأن هذا العام قد تمّ تخصيصه بالروايات الدالّة على حرمان الزوجة من الدار والأرض، كان معنى ذلك أن الإمام المعصوم× قد أراد من العام إرادةً أخرى، وترك سؤال السائل دون جوابٍ، في حين أن الإمام× في مقام بيان حكم الله، وإن عدم جواب الإمام يعتبر أمراً قبيحاً.

وبعبارةٍ أخرى: إن العام المذكور في «كلّ شيءٍ» في هذه الروايات الصحيحة الأربعة الواردة في جواب الإمام× يشمل مورد سؤال السائل الذي هو الدار والأرض قطعاً، وهو صريحٌ في الجواب عن سؤال السائل، ونصٌّ في مورد السؤال السائل، خلافاً لأخبار الحرمان، الدالة من طريق الظهور وظاهر ألفاظها على الدار والأرض. ومقتضى تقديم هذه الروايات الخاصّة (روايات الحرمان) على عموم الروايات العامة لإرث الزوجة إرادة معنى غير المعنى العام من هذه الروايات، ولازم هذا التخصيص هو تقديم الظهور على النصّ. وهذا لا يصحّ؛ إذ إن الظاهر لا يستطيع أن يتدخَّل في شمول النصّ، ويضيِّق دائرته، بل إن تحقُّق الظهور الظنّي (أي ظهور روايات الحرمان) لشمول أفراده مع القطع بالخلاف (بسبب كون الروايات العامة نصّاً) غير ممكن.

 

الجواب عن الإشكال الثاني

قال صاحب «مستند الشيعة»: حتّى إذا قلنا بأن هذا العام في الآيات والروايات لا يقبل التخصيص، إلاّ أن هذه الروايات معارضةٌ بروايات الحرمان، وحيث إن مضمون روايات الحرمان مخالف للعامة، وحيث يقوم الإجماع على طبق مضمون هذه الروايات، تكون روايات الحرمان هي المتقدِّمة عليها.

إن هذا الإشكال يَرِدُ عليه:

أوّلاً: إن هذا الإشكال لا يَرِدُ على المبنى الذي اختاره الإمام الخميني&، والشيخ الوالد، وهو المبنى القائل بتقديم الروايات الموافقة للكتاب على الروايات المخالفة للعامة في مقام التعارض؛ وذلك لأن المرجِّح الأوّل هو موافقة الكتاب.

وثانياً: إن الشهرة المدّعاة في المسألة ـ ناهيك عن الإجماع ـ موضع نقاش؛ إذ إن هناك ـ كما تقدَّم ـ ستة أقوال في هذه المسألة؛ وعليه كيف يُدّعى الإجماع في م