إفطار قضاء شهر رمضان وكفّارته

13 ديسمبر 2016
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
245 زيارة

إفطار قضاء شهر رمضان وكفّارته

الشيخ أحمد عابديني(*)

 

تمهيد

من أمثلة الاحتياط ـ وإنّ القدماء عملوا بالنصّ الذي كان مطابقاً للاحتياط، سواء كان سنده قويّاً أو ضعيفاً. وتبعهم المتأخِّرون، وأصبحت المسألة إجماعية أو مشهورية، وتركوا الروايات الصحاح؛ لأجل أنّها كانت مخالفةً للاحتياط ـ هي كفّارة إفطار قضاء شهر رمضان.

قال السيد في العروة الوثقى: الثاني: «صوم قضاء رمضان إذا أفطر بعد الزوال وكفارته إطعام عشرة مساكين. لكل مسكين مُدٌّ. فإنْ لم يتمكّن فصوم ثلاثة أيام، والأحوط إطعام ستّين مسكيناً»([1]).

وجميع الفقهاء الذين علَّقوا على العروة ـ إلاّ واحداً، وهو الجواهري([2]) ـ وافقوا المتن، وقبلوا هذا الحكم. ولكن الروايات في هذا المجال قابلةٌ للتدقيق؛ إذ إنّها ثلاث طوائف.

 

الطائفة الأولى: ما دلّ على عدم وجوب شيءٍ عليه

1ـ موثّقة عمّار السباطي، عن أبي عبد الله×: عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان… سئل فإنْ كان نوى الإفطار… سئل: فإنْ نوى الصوم ثمّ أفطر بعدما زالت الشمس؟ قال: «قد أساء، وليس عليه شيءٌ، إلاّ قضاء ذلك اليوم الذي أراد أن يقضيه»([3]).

أقول: سند الحديث وإنْ كان ضعيفاً بطريق الشيخ إلى ابن فضّال، ولكن طريق النجاشي إليه صحيحٌ، وشيخهما واحد، وهو كافٍ في التصحيح([4]).

ودلالة الحديث كالصريح في نفي الكفارة؛ إذ أوّلاً الحديث مشتمل على ثلاث أسئلة وأجوبتها، فيظهر منها أن الإمام× كان في مقام البيان والتفصيل، لا الإجمال والإرجاع.

وثانياً: في السؤال الثالث المرتبط ببحثنا الإمام× بيَّن الحكم التكليفي بأنه قد أساء بإبطال صومه، ثمّ صرّح بأنه ليس عليه شيءٌ، فيُعلَم أنّه أراد أن يبيِّن الحكم الوضعي، أي لا تبعة عليه أبداً لإساءته. والتبعة ـ لو كان ـ هو الذي يسمّى بالكفارة، أي الشيء الذي يكفّر ويستر الإساءة والسيّئة.

ثمّ الإمام× لمّا رأى أنّه يمكن أن يخطئ السائل ويتوهَّم أنّه ليس عليه شيء، حتّى القضاء الذي كان عليه من سابق، صرَّح بـ «إلاّ قضاء ذلك اليوم الذي أراد أن يقضيه»، وأنّه ليس تبعة إفطاره الحالي، بل كان عليه لأجل إفطاره يوماً من شهر رمضان.

وبعد هذا لا يبقى مجالٌ لما قاله السيد الخوئي& من «أنها تنفي الكفّارة بالإطلاق، لا بالصراحة»؛ ولا لما احتمله بقوله: «فمن المحتمل أن تكون ناظرةً إلى نفي قضاء آخر، بمعنى أن يكون عليه قضاءان: قضاء لشهر رمضان؛ وقضاء لقضائه الذي أفسده بالإفطار بعد الزوال، فيكون المنفيّ هو القضاء الثاني ـ لا الكفّارة ـ، وأنّه ليس عليه من القضاء إلاّ الأوّل»([5])؛ إذ التوهّم الذي قلناه أَوْلى بالتوهّم من الذي احتمله. والقرائن الموجودة في الأسئلة والأجوبة يجعل الحديث كالصريح في نفي الكفارة، لا أنّه ينفي الكفارة بالإطلاق.

ولذا يلزم أن يتّبع سائر الطرق مثل حمل الكفارة على الاستحباب، أو حمل هذا الخبر النافي لها على التقية؛ لموافقته للعامة، أو رميه بالشذوذ؛ لعدم عمل المشهور به أو لمخالفته للاحتياط الذي ينبغي أن يلاحظ جانبه، أو غيرها من الطرق.

وعلى أيّ حال ينبغي أن نرى سائر أخبار هذه الطائفة، وأيضاً الطائفتين الأخريين من الروايات، ثمّ نرجِّح أحد هذه الطرق.

2ـ موثّقة سماعة، عن أبي بصير، قال: سألتُ أبا عبد الله× عن المرأة تقضي شهر رمضان فيكرهها زوجها على الإفطار؟ فقال: «لا ينبغي له أن يكرهها بعد الزوال»([6]).

ودلالة هذه الموثّقة على نفي الكفارة بالإطلاق؛ إذ إنّه كان في مقام البيان، ولم يكن مانعٌ من إيجاب الكفّارة، ولم يوجب. ويمكن أن يدلّ على نفيها بنفي علّتها، أي عدم حرمة الإكراه. فبما أن إكراهها ليس محرّماً، بل كان ينبغي تركه، فليس عليه وعليها ذنب، فلا يجب على أيٍّ منهما كفّارة.

ولكن هذا الطريق الثاني مخدوشٌ؛ لأجل سائر الروايات الناهية عن الإفطار بعد الزوال، والمقتضية لإيجاب الكفّارة حتّى يكفّر سيّئة الإفطار. وعلى أيّ حال الخبر الأوّل ينفي الكفارة بالصراحة، والثاني بالإطلاق.

 

الطائفة الثانية: ما دلّ على وجوب كفارةٍ، وهي كفارة الإفطار العمدي في شهر رمضان

1ـ موثّقة زرارة، قال: سألتُ أبا جعفر× عن رجلٍ صام قضاءً من شهر رمضان فأتى النساء؟ قال: «عليه من الكفارة ما على الذي أصاب في شهر رمضان. ذلك اليوم عند الله من أيّام رمضان»([7]).

أقول: أوّلاً: ليس معلوماً من لفظ الخبر أنّه أتى النساء قبل الزوال أو بعده. وظاهر الإطلاق والتشبيه بصوم شهر رمضان يشمل كلَيْهما. فبالإطلاق يدلّ على أنّه مَنْ أتى النساء أو أفطر صومه القضاء صباحاً يجب عليه كفّارة شهر رمضان. وهذا لم يقُلْ به أحدٌ من المسلمين، لا العامة ولا الخاصة، حتّى الصدوقين؛ لانّهما قائلان بهذه الكفارة إذا أفطر بعد الزوال»([8]).

وثانياً: ذيل الخبر معارض للأخبار الكثيرة الدالة على أن شهر رمضان ليس كسائر الشهور([9])، أو في الذي أبطل صومه ثمّ أتى بالقضاء والكفارة «أنّى له بصوم شهر رمضان»([10])، وأمثال ذلك. وهذا الخبر لا يستطيع أن يعارض الأخبار الكثيرة الصريحة في تفضيل شهر رمضان وصيامه على سائر الشهور.

وثالثاً: لفظ «أتى النساء» أعمّ من «أتى أهله»، فيمكن أن تكون الكفارة الشديدة لإتيان غير الأهل، الذي هو حرام عليه.

ورابعاً: مفاد الذيل كذبٌ محض؛ إذ القرآن يصرِّح بلفظ «أيّام أخر». وأيّامٌ أخر ليس من أيام رمضان، بل بدله، والبدل ليس كالمبدل منه في جميع الجهات، بل في جواز الصوم فقط.

2ـ رواية حفص بن سوقة، عمَّنْ ذكره، عن أبي عبد الله×، في الرجل يلاعب أهله أو جاريته وهو في قضاء شهر رمضان، فيسبقه الماء، فينزل؟ قال: «عليه من الكفارة مثل ما على الذي جامع في شهر رمضان»([11]).

أقول: الرواية مرسلةٌ، فلا اعتماد عليها سنداً. ولكن دلالتها أيضاً مخدوشةٌ؛ إذ أوّلاً: المراد بالقضاء فيها هو إتيان العمل، لا قضاؤه في وقتٍ آخر([12])، ولذا ذكرها صاحب الوسائل في باب وجوب إمساك الصائم عن الجماع وعن الملاعبة و…([13])، ولم يأتِ بها في باب وجوب الإعادة والكفارة على مَنْ أفطر في قضاء شهر رمضان…([14]). وهكذا فعل الكليني والشيخ الطوسي.

فالمراد من المرسلة أنّه مَنْ لاعب أهله في شهر رمضان فأمنى حكمه في إبطال صومه ووجوب الكفارة عليه حكم مَنْ جامع أهله.

وعدم قصده الإمناء لا يغيِّر الحكم؛ لأنّه أتى عمداً بشيءٍ أثره الطبيعي يكون الإجناب، أي هذا الشيء يكون كالعلّة التامّة في الإجناب، وبعد مجيء العلّة يأتي المعلول، سواء قصده الفاعل أم لم يقصده، فيصدق عليه أنّه أجنب نفسه اختياراً.

وثانياً: لو فرض شمولها للقضاء لم يفرَّق بين ما قبل الزوال وما بعده. وهذا أمرٌ لم يُفْتِ به أحدٌ، كما مرَّ.

 

خلاصة

في الطائفة الثانية روايتان؛ إحداهما مرسلة سنداً، وغير مرتبطة دلالة؛ وأخرى موثقة سنداً. ولكن كلَيْهما غير مفتىً بها بين العامة والخاصة، ومهجورة بالكامل.

 

الطائفة الثالثة: ما دلّ على وجوب كفّارة، وهي إطعام عشرة مساكين، وإنْ لم يقدر فصيام ثلاثة أيام

1ـ رواية الحارث بن محمد، عن بريد العجلي، عن أبي جعفر×: «في رجلٍ أتى أهله في يوم يقضيه من شهر رمضان؟ قال: إنْ كان أتى أهله قبل زوال الشمس فلا شيء عليه، إلاّ يومٌ مكان يوم. وإنْ كان أتى أهله بعد زوال الشمس فإنّ عليه أن يتصدّق على عشرة مساكين، فإنْ لم يقدر عليه صام يوماً مكان يوم، وصام ثلاثة أيام؛ كفّارةً لما صنع»([15]).

والسند ضعيفٌ؛ لأن الحارث مجهول لم يوثَّق([16]). ورواية الحسن بن محبوب عنه لا تدلّ على وثاقته؛ لأن الحسن وإنْ كان من أصحاب الإجماع، ولكنْ ما قيل في أصحاب الإجماع لا يدلّ على أكثر من وثاقة أنفسهم، لا وثاقة مَنْ روَوْا عنهم.

ودلالة الخبر صريحة وغير قابلة للمناقشة، ولا سيَّما بملاحظة التفصيل بين مَنْ يجد ومَنْ لا يجد، فإنّه يدلّ على أن الكفارة واجبة، وإلاّ لم يكن وجهٌ لإيجاب الصوم على مَنْ لا يستطيع أن يطعم عشرة مساكين.

2ـ صحيحة هشام بن سالم، قال: قلتُ لأبي عبد الله×: رجلٌ وقع على أهله وهو يقضي شهر رمضان؟ فقال: «إنْ كان وقع عليها قبل صلاة العصر فلا شيء عليه، يصوم يوماً بدل يوم؛ وإنْ فعل بعد العصر صام ذلك اليوم، وأطعم عشرة مساكين، فإنْ لم يمكنه صام ثلاثة أيّام؛ كفارة ذلك»([17]).

وسند الحديث صحيحٌ. ودلالته على وجوب الكفارة على مَنْ وقع على أهله بعد صلاة العصر واضحةٌ، أي في وقت ذهب أكثر من ثلاثة أرباع صومه، وبقيت ساعات قليلة لإتمام الصوم. فالوقوع على الأهل يدلّ على عدم الاعتناء بالصوم، وهو نوع استخفافٍ به، فأوجب عليه الكفارة. ولكنّ هذا لا يدلّ على وجوب الكفارة على مَنْ أفطر بعد الزوال وقبل العصر.

فالخبر الأوّل دلالته على المدَّعى تامّة، ولكنّ سنده ضعيف. والخبر الثاني سنده صحيحٌ، ولكنّه أخصّ من الذي ادّعاه المشهور.

 

نتيجة بحث الروايات

ظهر ممّا تقدّم أنّه توجد ثلاث طوائف من الروايات:

الطائفة الأولى روايتان موثقتان، تدلّ إحداهما بالصراحة، والأخرى بالإطلاق، على عدم وجوب كفّارة عليه.

والطائفة الثانية خبران، أحدهما موثَّق، ودلالة كلَيْهما مخدوشة، وغير معمول بها بين الفريقين.

والطائفة الثالثة روايتان؛ إحداهما ضعيفةٌ، دالّة على ما قاله المشهور بنوعٍ من التسامح، وهو إجراء حكم مَنْ جامع بعد الزوال على مَنْ أفطر بعد الزوال؛ والثانية صحيحةٌ، ولكنّها دالّةٌ على وجوب الكفارة على مَنْ جامع بعد العصر فقط، دون غيره.

وبالنتيجة يقع التعارض بين الموثقتين الدالّتين على عدم وجوب الكفارة على مَنْ أتى أهله بعد الزوال وبين الصحيحة الدالّة على وجوب الكفارة على مَنْ أتاها بعد العصر، فيمكن العمل بكلَيْهما، بإيجاب الكفارة على مَنْ أتى أهله بعد العصر، وعدمها على مَنْ أفطر بعد العصر أو أتى أهله بعد الزوال وقبل العصر. وكلٌّ أساؤوا في إبطال الصوم. وهذا قولٌ فصل لا بأس به.

 

أقوال الفقهاء

بعد بيان الطوائف الثلاثة من الأخبار، وطريق الجمع بينها، ينبغي ملاحظة أقوال الفقهاء، والتدقيق في أنّهم هل تمسَّكوا بالروايات وأتَوْا بألفاظها، أو أنّ عندهم أخباراً أُخر لم تصل إلينا وأتَوْا بتلك الألفاظ؟

وبالتالي نفهم هل عندهم في فتاواهم رموزٌ خاصة وإشارات وصلت إليهم من الأئمة الأطهار، أو أنّهم أخذوا جانب الاحتياط، كما فهمتُه من خلال تجربتي مع فتاواهم.

1ـ قال الصدوق في «المقنع»: «إذا قضيت صوم شهر رمضان كنتَ بالخيار إلى زوال الشمس؛ فإنْ أفطرت بعد الزوال فعليك الكفارة مثل ما على مَنْ أفطر يوماً من شهر رمضان. وقد رُوي أن عليه إذا أفطر بعد الزوال إطعام عشرة مساكين ـ لكلّ مسكين مُدٌّ من الطعام ـ، فإنْ لم يقدر عليه صام يوماً بدل يوم، وصام ثلاثة أيام؛ كفارة لما فعل»([18]).

أقول: صدر فتواه مطابقٌ للأخبار الكثيرة المذكورة في باب 4 من أبواب «وجوب الصوم ونيته». ووسطه هو الجمع بين أخبار هذا الباب والطائفة الثانية من الأخبار. وذيل عبارته أي: وقد روى… هو خبر بريد العجلي([19]) المذكورة في الطائفة الثالثة، إلاّ أنّه شرح الإطعام بأنه يكون بمدٍّ من الطعام، وفهم من إتيان الأهل الإفطار، ولكنْ مع ذلك هو لم يفْتِ به، ولذا عبَّر عنه بـ «قد روى…». فنسبة القول بالتخيير إلى الصدوق، كما في مستند العروة([20])، للسيد الخوئي&، ليس كما ينبغي.

2ـ في الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا×: إذا قضيت صوم شهر رمضان والنذر كنت بالخيار في الإفطار إلى زوال الشمس؛ وإنْ أفطرت بعد الزوال فعليك كفارة مثل مَنْ أفطر يوماً من شهر رمضان. وقد رُوي أنّ عليه إذا أفطر بعد الزوال إطعام عشرة مساكين…([21])، إلخ، مثل ما مرّ في المقنع([22]).

أقول: الذي أظنه قوياً أنّ هذا الكتاب من تأليفات والد الصدوق. وعلى هذا الظن قرائن وشواهد، منها: اسم والد الصدوق عليّ بن حسين بن موسى، فكتابه يسمّى بهذا الاسم، أي رسالة عليّ بن حسين بن موسى، أو كتاب عليّ بن حسين بن موسى. ثمّ بما أن الأشخاص قد ينسبون إلى أجدادهم فالراوي تارةً يُسمّى بعليّ بن حسين بن موسى وتارةً أخرى بعليّ بن موسى. ومن هنا نشأ الاشتباه والخطأ، وتوهّم أنّه لعليّ بن موسى الرضا×. وأضيف بعد هذا الاسم لقبه مرّ الدهور.

ومنها: إن كثيراً من عبارات المقنع والهداية مطابقٌ لعبارات هذا الكتاب.

ومنها: كثيراً ما يُرى في عبارات الصدوق: «قال والدي في رسالته إليَّ»، ثمّ إذا تصفَّحت تجد العبارة المحكيّة بنفسها في الفقه المنسوب إلى الرضا×.

ومنها: بعض كلمات نفس الكتاب، مثل «اعلم، رحمك الله» ونظائره، يظهر لنا أن مؤلِّفه كتبه لواحدٍ هو أهلٌ لأن يقول له: «رحمك الله».

ودلالة العبارة هي نفس دلالة عبارة المقنع، إلاّ أنّه أضاف صوم النذر أيضاً.

3ـ قال المفيد& في المقنعة: «ومَنْ أصبح صائماً لقضاء يوم من شهر رمضان فأفطر فيه ناسياً لم يكن عليه حرج، وتمَّم بقية يومه بالصيام؛ فإنْ تعمّد فيه الإفطار قبل الزوال لم يكن عليه شيء، وصام يوماً بدله إذا شاء؛ فإنْ أفطر بعد الزوال وجبت عليه الكفارة، وهي إطعام عشرة مساكين، وصيام يومٍ بدله، فإنْ لم يمكنه الإطعام صام ثلاثة بدل الإطعام»([23]).

أقول: هذا بعينه مطابقٌ لرواية بريد، إلاّ أنّه غيَّر «إتيان الأهل» بالإفطار عامداً؛ لأنّه نظر إلى الإتيان كمصداق للإفطار.

وأفتى في كتاب الكفّارات أيضاً بنظير ما أفتى به في كتاب الصوم([24]).

4ـ وأفتى الشيخ في النهاية بنظير ما أفتى به المفيد& في كتاب الصوم، ثمّ أضاف عليه: «وقد رُويت رواية: «إنّ عليه مثل ما على مَنْ أفطر يوماً من شهر رمضان». والعمل على ما قدَّمناه. ويمكن أن يكون الوجه في هذه الرواية مَنْ أفطر هذا اليوم بعد الزوال استخفافاً بالفرض وتهاوناً به، فلزمته هذه الكفارة؛ عقوبةً وتغليظاً. ومَنْ أفطر على غير ذلك الوجه فليس عليه إلاّ الأوّل. وقد وردت رواية أخرى: «إنه ليس عليه شيء»»([25]).

أقول: اعترف الشيخ بوجود ثلاث روايات في المسألة. لكنْ هو وأساتذه المفيد أفتيا بالأوّل، والصدوق ووالده أفتيا بالثاني، وابن أبي عقيل النعماني عمل بالثالث، كما في المختلف([26]).

5ـ قال السيّد المرتضى في «الانتصار»: «وممّا انفردت الإمامية به القول بأنّ مَنْ نوى من الليل صيام يومٍ بعينه قضاءً عن شهر رمضان فتعمَّد الإفطار فيه لغير عذرٍ، وكان إفطاره بعد الزوال، وجب عليه كفّارةٌ، وهي إطعام عشرة مساكين، وصيام يوم بدله؛ وإنْ لم يقدر على الإطعام أجزأه أن يصوم ثلاثة عن ذلك؛ وإن كان إفطاره في هذا اليوم قبل الزوال كان عليه قضاء يوم فقط. والحجّة لمذهبنا: الإجماع الذي يتكرَّر، وطريقة الاحتياط، وبراءة الذمّة».

أقول: هو& أيضاً أفتى كالشيخين، ولكنّ النكتة في عبارته أوّلاً تقييد الصيام بأنّه نواه من الليل، وهذا التفصيل موجودٌ في الروايات([27]).

وثانياً: إنّ أحداً من العامّة لا يرى هنا كفّارة، لا إطعام عشرة مساكين ولا صيام ستّين يوماً ولا غير. فهذا قولٌ مختصّ بالشيعة. ومن المعلوم أنّه كان لا يلتفت إلى قول قتادة([28])، أو لا يراه صاحب مذهب فقهي.

وثالثاً: الحجّة لما أفتى به هو الإجماع، ثمّ الاحتياط، وبراءة الذمّة إذا أتى بالكفّارة المذكورة.

ولكنْ كلُّ حججه مدخولة؛ إذ لا إجماع بعد مخالفة الصدوقين والعماني. والاحتياط التامّ يقضي بأن يؤدّي كفارة مَنْ أفطر يوماً من شهر رمضان. والبراءة تحصل بهذه، لا بذلك، إلاّ أن يتمسَّك بالروايات. فنتيجته ما مرَّ، لا ما أفتى به.

6ـ قال الشيخ في الخلاف: «مَنْ أفطر يوماً يقضيه من شهر رمضان بعد الزوال لزمه قضاؤه، وكان عليه الكفارة. وخالف جميع الفقهاء في ذلك. دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط»([29]).

أقول: لم يتعين مقدار الكفارة، ولكنْ بما أن في المسألة السابقة لها واللاحقة معلوم أن مراده من الكفارة هو كفارة الإفطار العمدي في شهر رمضان، وأيضاً دليله وهو طريقة الاحتياط يقضي بذلك، فيمكن أن ينسب إليه أنّه أفتى بكفّارة الإفطار العمدي، لا بما أفتى به في النهاية من طعام عشرة مساكين، وإنْ لم يستطع فصوم ثلاثة أيام.

إلاّ أن يقال: إنّه ادّعى الإجماع، وهو منعقدٌ على كفارة اليمين، كما يظهر بمراجعة كتب القدماء، كالمقنعة([30])، والنهاية([31])، والمبسوط([32])، والمراسم([33])، والكافي([34])، و…

ولكنْ ينبغي أن يعلم أن هذا الإجماع ليس بتامٍّ بعد مخالفة الصدوق في المقنع([35])، ووالده في فقه الرضا([36])، وابن البرّاج على ما حكي عنه في السرائر([37])، والعماني كما في المختلف([38]). وأيضاً المراد من الكفّارة في عبارة الخلاف غير معلوم.

قال العلامة في التذكرة([39]): «مسألة 114: يجوز الإفطار قبل الزوال في قضاء رمضان؛ لعدم تعيين زمانه و… ولا يجوز بعد الزوال؛ لأنّه قد استقرّ له الوجوب بمضيّ أكثر الزمان في الصوم، وفات محلّ تجديد النية؛ ولقول الصادق×… وصوم قضاء الفريضة لك أن تفطر إلى زوال الشمس، فإذا زالت الشمس فليس لك أن تفطر»([40]).

وإذا ثبت هذا فإنْ أفطر بعد الزوال؛ لعذرٍ، لم يكن عليه شيءٌ؛ وإنْ كان لغير عذر وجب عليه القضاء وإطعام عشرة مساكين، فإن عجز صام ثلاثة أيام. وبه قال قتادة([41]) ـ خلافاً لباقي العامة ـ؛ لأنّه بعد الزوال يحرم عليه الإفطار على ما تقدّم، والكفارة تتعلق بارتكاب الإثم بالإفطار في الزمان المتعيِّن للصّوم، وهو متحقِّق هنا؛ ولأنّ بريد العجلي سأل الباقر× في رجلٍ أتى أهله في يومٍ يقضيه من شهر رمضان؟ قال: «إنْ كان أتى أهله قبل الزوال فلا شيء عليه، إلاّ يومٌ مكان يوم؛ وإنْ كان أتى أهله بعد الزوال كان عليه أن يتصدَّق على عشرة مساكين»([42]). وقد روي أن عليه كفارة رمضان([43]). وحملها الشيخ& على مَنْ أفطر متهاوناً بالفرض، ومستخفّاً به، وروي أيضاً أنّه لا شيء عليه([44]). وحملها الشيخ& على العاجز» (انتهت عبارة التذكرة).

أقول: ظهر مما تقدّم أنه لا إجماع تعبُّدي في المسألة، بل يوجد ثلاث روايات، بل ثلاث طوائف من الروايات. ولكلٍّ قائلٌ، إلاّ أن المشهور أفتَوْا بالطائفة الثالثة، والصدوقان أفتيا بالثانية بعد تقييدها، ولم يُفْتِ بالأولى إلاّ ابن أبي عقيل العماني([45]). والعلّة التي لأجلها لم يفْتِ غيره بالطائفة الأولى النافية للكفارة ليست إشكالاً في متنها أو سندها، بل عمدة الإشكال هي عدم موافقتها للاحتياط.

دور الاحتياط

ومن هنا يظهر دور الاحتياط في الفتوى؛ إذ إنّهم لم يفتوا بالطائفة الأولى القائلة بعدم الكفارة، ولا بصحيحة هشام في الطائفة الثالثة القائلة بكفّارة عشرة مساكين إذا أتى أهله بعد العصر، بل أفتوا بخبر بريد الضعيف، الدالّ على وجوب هذه الكفارة إذا أتى أهله بعد الزوال؛ لأنه كان أكثر مطابقةً للاحتياط من صحيح هشام، ثمّ تجاوزوا من إتيان الأهل إلى كلِّ المفطرات أيضاً؛ لأجل رعاية الاحتياط.

 

إشكالٌ وجواب

إذا كان مبنى الفقهاء رعاية الاحتياط فقط فإنّ عليهم أن يفتوا بالطائفة الثانية القائلة بوجوب كفارة مَنْ أفطر متعمّداً في شهر رمضان عليه.

ويُجاب عن ذلك بأنهم لم يفتوا بالطائفة الثانية؛ لأن مضمونها مخالفٌ لما عليه جميع المسلمين، ومخالف لطائفة كثيرة من الروايات القائلة بجواز الإفطار قبل الزوال في يوم يقضيه. وأيضاً في دلالتها على الكفّارة في ما نحن فيه إشكالاتٌ عديدة، مرّت هناك ولا نعيد. فلذا لم يفْتِ بها أحدٌ.

نعم، الصدوقان أفتيا بها بعد تقييدها بالأخبار المجوِّزة للإفطار قبل الزوال، ومع ذلك لم يتركا خبر بريد. فكأنّه يوجد لهما نوعُ ميلٍ إليه. والشاهد على ذلك أن الصدوق عكس الأمر في الفقيه، أي ذكر خبر بريد أوّلاً، ثمّ قال: وقد رُوي أنه إنْ أفطر قبل الزوال فلا شيء عليه؛ وإنْ أفطر بعد الزوال فعليه الكفارة، مثل ما على مَنْ أفطر يوماً من شهر رمضان ([46]). ولعلّه نسب إليه أنّه قائلٌ بالتخيير بين هذين النوعين من الكفّارة([47]).

 

إشكالٌ وجواب

لِمَ لا تعمل بالطائفة الأولى القائلة بعدم الكفّارة، ثمّ الكفّارة، ثمّ تحمل الطائفة الثالثة ـ بل الثانية أيضاً ـ على الاستحباب؟

والجواب: إذا حملت صحيحة هشام على خبر بريد العجلي، وقلتَ: مراد كلَيْهما واحدٌ، وهو أن الإفطار بعد الزوال يوجب الكفارة، فالجمع بينهما هو الحمل على الاستحباب. ولكنْ إذا جعلتَ صحيحة هشام هي الأصل، وخبر بريد مؤيِّدٌ لها، فبما أنّها أخصّ من الطائفة الأولى فيمكن لنا ـ بل لا بُدَّ لنا ـ أن نعمل بالطائفتين. والقواعد الأصولية ترشدنا إلى هذا الجمع الدلالي.

 

إشكالٌ وجواب

ما أفتيتَ به من جعل الكفّارة على مَنْ أتى أهله بعد وقت العصر، وعدم إيجابها على غيره، أي الذين أتوا أهلهم بين الظهر والعصر، أو الذين أبطلوا صومهم بغير الجماع ولو في وقت العصر، أمرٌ لم يفْتِ به أحدٌ من الخاصّة والعامة.

وجوابه: بعدما فهمنا من كلماتهم أنه لم يكن لديهم أمرٌ آخر لم يصل إلينا، ولم تكن فتواهم ناشئةً عن قرائن خاصة، فباستطاعتنا أن ندقِّق في الأخبار، ونفهم شيئاً جديداً، من دون أن نخالف الروايات أو الأصول الموضوعية؛ إذ الفهم لا ينحصر في ما فهموا، وطريق العلم غير مسدود، والعصمة لأهلها، ونسأل الله السداد والعلم والمشي في صراط مستقيم.

وعلى أيّ حال، المشهور من فقهائنا في الواقع يوجبون الكفّارة على مَنْ نوجبه، ويوجبون على أكثر لا نوجبه نحن. ففي العمل: ما قلناه مطابقٌ لجزءٍ ممّا قاله المشهور، ولكنّهم قالوا بجزءٍ آخر؛ احتياطاً، ونحن لا نقول به؛ لأجل البراءة.

 

الهوامش

____________________

(*) أستاذ البحث الخارج في الحوزة العلمية في إصفهان.

([1]) العروة الوثقى 3: 592.

([2]) قال: كفّارته على الأفضل والأولى يكون هكذا. وعدم وجوبها رأساً لا يخلو من قوّة (انظر: نفس المصدر).

([3]) تهذيب الأحكام 4: 280، ح847.

([4]) انظر: مسند العروة الوثقى 1: 299.

([5]) مستند العروة 1: 299.

([6]) وسائل الشيعة، ج7، باب 4 من أبواب وجوب الصوم، ح2.

([7]) تهذيب الأحكام 4: 279، ح846.

([8]) انظر: المقنع: 200؛ الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا×: 213.

([9]) انظر: الفروع من الكافي 4: 65.

([10]) انظر: وسائل الشيعة 7: 32، ح13؛ 7: 43، ح2؛ 7: 46، ح3.

([11]) وسائل الشيعة، باب 4 من أبواب ما يمسك عند الصائم، ح2.

([12]) جواهر الكلام: 17: 56.

([13]) وسائل الشيعة، باب 4 من أبواب ما يمسك عند الصائم، ح2.

([14]) وسائل الشيعة، باب 29 من أبواب أحكام شهر رمضان.

([15]) وسائل الشيعة 7: 245، باب 29 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح1.

([16]) المصدر نفسه.

([17]) وسائل الشيعة 7: 254، باب 29 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح2.

([18]) المقنع: 200.

([19]) وسائل الشيعة 7: 8، باب 4 من أبواب وجوب الصوم ونيّته؛ تهذيب الأحكام 4: 278، ح844.

([20]) الخوئي، مستند العروة 1: 200.

([21]) الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا×: 213.

([22]) المقنع: 200.

([23]) المقنعة: 360.

([24]) المصدر السابق: 570.

([25]) النهاية ونكتها 1: 407.

([26]) مختلف الشيعة: 665.

([27]) انظر: وسائل الشيعة، باب 4 من أبواب وجوب الصوم ونيته.

([28]) سيأتي عبارة تذكرة الفقهاء، وفيه قول قتادة.

([29]) كتاب الخلاف 2: 221، مسألة 86.

([30]) المقنعة: 360.

([31]) النهاية ونكتها 1: 407.

([32]) المبسوط 1: 287.

([33]) المراسم: 187.

([34]) الكافي في الفقه: 184.

([35]) المقنع: 200.

([36]) الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا×: 213.

([37]) السرائر 1: 406.

([38]) مختلف الشيعة: 665.

([39]) تذكرة الفقهاء 6: 179 ـ 181.

([40]) تهذيب الأحكام 4: 278، ح841.

([41]) انظر: المغني 3: 64؛ الشرح الكبير 3: 68.

([42]) الفروع من الكافي 4: 122، ح5.

([43]) تهذيب الأحكام 4: 271، ح846.

([44]) المصدر السابق 4: 280، ح847.

([45]) مَنْ لا يحضره الفقيه 2: 139.

([46]) المصدر نفسه.

([47]) مستند العروة الوثقى 1: 300.