الاستشراق وتاريخيّة التفسير القرآني

16 يوليو 2009
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
679 زيارة

الاستشراق وتاريخيّة التفسير القرآني

مدخل:
كثرت الدراسات المتّصلة بالاستشراق ونتاجات المستشرقين، وتنوّعت المواقف والآراء إزاءهم، بين أيديولوجي وآخر غير ايديولوجي، وانقسم الدارسون المسلمون (وغيرهم) لحركة الاستشراق إلى اتجاهات، رأى بعضهم فيه مؤامرةً استعماريّة تهدف الى التوسّع والسيطرة الغربية على العالم الإسلامي، ومن ثَم يجب اتخاذ موقف دفاعي إزاء هذه الحركة دون تمييز، مع اعتراف خجول بقدرها ودورها المعرفي على الصعيد الإسلامي، بل بلغ الامر حدّ اعتقاد مفكّر كبير من امثال مالك بن نبي أن الاستشراق قام بمؤامرته عن طريق تبجيل المسلمين أكثر.
أما الاتجاه الآخر فأفرط في التقديس والتبجيل إلى حدّ الحديث عن نتاج معرفي لموضوعات إسلامية لم يكن ليرقى إليه المسلمون أنفسهم، وأخذ الاستشراق شيئاً فشيئاً بالتحوّل إلى مرجعية طبعت بصماتها فيما بعد على تيارات ثقافية بكاملها داخل العالم الإسلامي، وبدت هذه التيارات ترجمةً شبه حرفية لكلمات المستشرقين([1]).
ويبدو أن البحث حول ظاهرة الاستشراق، وتعريفها، ومتى نشأت، هل في القرن التاسع الميلادي أو الثاني عشر أو الثامن عشر أو … وكذلك السياق السياسي الحضاري الذي نما فيه… كل ذلك يبدو خارجاً عن إطار بحثنا، ولكن كمقدمة لتحديد مناخ دراستنا هذه، يجدر التنبيه على أمر هو:
أ ـ الشيء المؤكّد أن الاستشراق ولد تحت تأثير سياق حضاري ـ ديني ـ سياسي في الغرب، أي تحت تأثير نمطيات القرون الوسطى عن الاسلام في العالم الغربي، وهي صور نمطية بالغة البعد عن الواقع في بعض الاحيان، ومشحونة بموقف عدائي أحياناً أخرى.
على خط آخر بدأ الاستشراق نشاطه في الغالب بدافع ديني بغية التبشير بالمسيحية في آسيا والعالم الإسلامي، وهو ما تؤكّده الدراسات التاريخية ـ الدينية ايضاً.
من جهة ثالثة، وظّف الغرب المستعمر تياراً كبيراً من المستشرقين في مؤسّساته خدمةً لمصالحه التوسعية، وشغل عدد كبير منهم مناصب هامة على هذا الصعيد.
هذا الثلاثي المتعاضد لا يمكن تجاوزه في قراءة الاستشراق وان كان من الخطأ البقاء فيه([2]).
ب ـ الخطأ الذي وقع فيه الباحثون المسلمون في حواراتهم الفكرية مع المستشرقين تمثل في عملية خلط أوراق، بمزج الدافع مع النتاج العلمي، وهو مزج ابتدأ من ذهنية الباحث المسلم نفسه والتي جعلته ينطلق دفاعياً متغافلاً حقائقَ كشفها المستشرق، وانتهت الامور بنتاج إسلامي جدلي سجالي مع المستشرقين، وهو نتاج أعاق استحضار المعطيات الاستشراقية لتساهم في تكوين داخلي للفكر الاسلامي الجديد، سيما بعدما اتضح لاحقاً صحة العديد من المقولات التي أثارها ذاك الجانب.
وهكذا بدت ـ كما يقول الدكتور أركون ـ موضوعات أيديولوجيا الكفاح هي المناخ الحاكم حتّى على كتّاب عرب من الدرجة الأولى من نوع عبدالله العروي وغيره، ذلك أنّ “كتاباتهم متأثرة بمناخ النضال ضد الاستعمار وضدّ الهيمنة أكثر مما هي حريصة على إعادة تفحّص ودراسة الموضوعات الأكثر عرضة للخلاف والجدل في المجال العربي والإسلامي دون تقديم أية تنازلات سواء على المستوى القومي أو الديني”([3]).
ج ـ أدّى المنحى الدفاعي الاسلامي الى غياب قراءة المنهج لصالح قراءة المفردات المثارة، فقد صدمت الباحث المسلم قضايا التشكيك في النص القرآني والإطاحة بقيمة السنّة النبويّة، فنسي مناقشة المنهج وأخذ بالدفاع عن السنة وتبرءة ساحتها من أي نقص، وهو أمرٌ صحيح لا غبار عليه، لكن الأهم منه كان مناقشة المنهج، وهي مناقشة ضاعت في طيّات مناقشة المفردات.
انطلاقاً من مجموع ذلك، كان الهدف من هذه الدراسة وقفة منهجية بالدرجة الأولى ـ دون نسيان التفاصيل أحياناً ـ لقراءة سجّلها أحد أهم المستشرقين، وهو المستشرق المجري المعروف أجناس جولدتسيهر (1850 ـ 1921م) وهي قراءة اخذت شهرتها كونها تعلّقت بواحد من أهم الجهود الإسلامية ألا وهو تفسير النص القرآني، وهي القراءة التي استبطنها كتابه ((مذاهب التفسير الاسلامي)) الذي ألّفه في أواخر حياته ليكون واحداً من مجموع ما يربو على بضع مئات.
ولم يكن جولدتسيهر مجرّد عابر على الفكر والتراث الاسلامي، بل كان خبيراً بما يفترض به معرفته على أكثر من صعيد دون أن نأخذ بجامعيّته، فقد كان عارفاً باللغات التركية والفارسية والعربية، وكان خبيراً بالتراث اليهودي المتشدّد ومعايشاً له في بعض مراحل حياته، كما درس علم مناهج نفسيّة الشعوب (البليونتولوجيا)([4]).
لقد كسب جولدتسيهر شهرته كباحث في الشؤون الإسلامية عبر كتابه ((الظاهريين: نظام تعلّمهم وتاريخهم)) (1884م)([5]).
وقد برز بتحقيقاته حول تاريخ الإسلام وعلوم المسلمين، وكانتعنده مكتبة تزيد على الأربعين ألف مجلد([6])، حتى وصفه بعض الباحثين بالضليع غزير الانتاج([7])، وقد تعدّدت كما أشرنا المواقف الإسلامية من الاستشراق، فتيار متشائم منه رافض له، يرى فيه اساس حركة القراءة الجديدة للنص القرآني في العالم العربي من طه حسين وحتّى نصر حامد أبو زيد([8])، أو يرى في تقريظه للفكر والتاريخ الاسلامي سمّاً أشد فتكاً في المسلمين كما أثاره مالك بن نبي([9])، معتبراً أدب الفخر والتمجيد الذي نشأ في القرن التاسع عشر، على أثر ما نشره علماء مستشرقون أمثال دوزي عن الحضارة الإسلامية، حقنة اعتزاز يحاول المسلم عبرها التغلّب على مركب النقص الذي عنده([10])، هذا التيار في مقابل تيار يرى في الاستشراق ظاهرة صحية يجب أن نستفيد منها مستبعداً كل المواقف الايديولوجية والحضارية والسياسية، وهو تيار برز فيه نجيب العقيقي وغيره([11]).
وعلى أثر هذه المواقف، جاءت مواقف متضاربة من جولدتسيهر نفسه، فبعد أن شهد له نجيب العقيقي بالبعد عن الهوى([12])، اعتبره عبدالرحمن بدوي غير أمين ولا منصف مع إقراره بأنه أكثر اعتدالاً من غيره([13])، أمّا عبدالجبار الرفاعي فأكّد لـه دوراً هاماً في تكوين فكرة اقتباس النبي عن غيره من اليهود([14]).
 
قداسة النص القرآني وقيمة السنّة النبويّة:
وقبل الشروع في مطالعة تجربة جولدتسيهر في دراسة التفسير الإسلامي تجدر الإشارة إلى أساسين معرفيين يجب تجاوزهما في إطار النقاش معه وهما:
1 ـ من الضروري معرفة طبيعة العلاقة التي تحكم جولدتسيهر ـ وعموم المستشرقين ـ بالنص القرآني، ذلك أنه نص غير مقدّس، ومن هنا تتولّد قراءة منفصلة عن النص وتداعيات الاعتقاد به، وهي قراءة نفتقدها نحن المعتقدين بقداسة هذا النص عموماً، فحينما نجد نوعاً من التناقض بين آيتين فإن الخلفيات العقائدية والمعرفية تشكل ضمانة لرفع هذا التناقض، الأمر الذي لا يفترض بنا توقّعه ممن لا يضع هذه الخلفيات أساساً لنشاطه التفسيري كما عند جولدتسيهر.
وعلى الخطّ نفسه، يفترض ملاحظة السياق الذي تولّد في احضانه التفكير الاستشراقي عند جولدتسيهر على صعيد قراءة النص الديني، فقد جاء جولدتسيهر عقب مخاضات ومفاصل في قراءة نص الكتاب المقدّس بدأت من تحليل مصادر وكتّاب التوراة مع باروخ اسبينوزا (1632 ـ 1677م)، مروراً بشلايرماخر (1768 ـ 1834م) وصولاً حتى غادامر (2002م)، وهذا السياق يحاول أن يتعامل مع الكتاب المقدّس كنص بشري، فماذا يفترض بنا أن نتوقع منه في تعامله مع القرآن الكريم؟!
وهنا يبدو خطأ المصادرة، التي نستخدمها كثيراً في مناقشة المستشرقين ومنهم جولدتسيهر، وكأننا نتعامل مع باحث يعتقد ـ كما نعتقد ـ بقداسة هذا النص أو ذاك، كما ومن هنا يبدو الخطأ الشائع الذي يحاول أن يسدّ الباب على جولدتسيهر أو غيره عن طريق التأكيد على وجود الظاهرة عينها في التوراة والانجيل، وكأن جميع المستشرقين متعبّدون كلاسيكيّون في ديانتهم الأم، أو كأننا ما زلنا نناقش رجال الدين المسيحيين في القرون الوسطى.
2 ـ ما هو موقف جولدتسيهر من السنّة النبويّة؟
حصيلة ما يراه جولدتسيهر في كتابه ((دراسات محمّدية))، وما يفهم أيضاً من كتابيه ((العقيدة والشريعة)) و((مذاهب التفسير))، هو أنّ السنّة ـ لا أقل أغلبها ـ إنما هي نتاج تطوّرات الاجتماع والدين عند المسلمين في القرون الأولى، وليست نصوصاً مأثورة عن النبي 2، وبعيداً عن تقييم هذا الموقف تجاه السنّة، وهو موقف ذهبت إليه جماعات قليلة في التاريخ الاسلامي، كما يفهم من كلام الشافعي (م 204هـ) في “الأم”([15])، ونادت به بشكلٍ أو بآخر بدرجة أو بأخرى بعض الشخصيات في العصر الحديث من محمد توفيق صدقي، إلى قاسم أحمد وغيره.
إلا أنّ محاكمة جولدتسيهر في مذاهب التفسير، بعيداً عن نظرياته النقدية في ((دراسات محمّدية)) فعل خاطئ، ومن هنا سوف نتجاوز هذا الجانب، وننشغل بما يتصل بالنص القرآني بشكل أبرز:
 
التفسير وأزمة المرجعيات المسقَطة:
يحاول جولدتسيهر في كتابه ((مذاهب التفسير الإسلامي))، تقديم قراءة تاريخية تحليلية لمسيرة التفسير الإسلامي للنص القرآني، ابتداءً من المراحل الاولى التي أعقبت وفاة النبي 2، وصولاً حتى مرحلة التحديث الإسلامي مع الافغاني وعبده وأمير علي و…
ويخضع جولدتسيهر في مجمل نشاطه في هذا الكتاب الفعل التفسيري لقواعد البحث التاريخي النقدي والتوصيفي معاً، محاولاً استخلاص نتائج بدت لنا، أنها الفرضيات المسبقة التي قام عليها الكتاب نفسه.
وتبدأ عملية القراءة التاريخية من عملية قياسية، يضع فيها جولدتسيهر التفسير القرآني في طرف يواجهه في الطرف الآخر مدارس الفكر الديني التي ظهرت في الإسلام، فبعد فصلين يتعرّض فيهما لمراحل التفسير الأولى والتفسير بالمأثور، يعالج جولدتسيهر التفسير على ضوء: 1 ـ العقيدة. 2 ـ التصوّف الإسلامي. 3 ـ الفرق الدينية (الشيعة والخوارج). 4 ـ حركة التحديث الاسلامي، التي ابتدأت بمدرستي الهند ومصر.
وهذا البناء المنهجي الذي تقوم عليه دراسة جولدتسيهر هذه، يخضع عملية التفسير لعلاقة استهلاكية، يصرّف فيها الفعل التفسيري عبر الزمن الإسلامي نتاج جدليات الفكر والعقيدة عند المسلمين.
وهذا هو المكوَّن التحتي الايبستمي الذي يشيد جولدتسيهر عليه دراسته، وهو ما يضم قراءته هذه الى المنهج العام الذي سار عليه، ألا وهو ـ كما يقول يوهان فوك([16]) ـ تطبيق المنهج التاريخي على الإسلام بمجموعه، وفهم الإسلام كظاهرة تاريخية حضارية.
لم يدرس جولدتسيهر تجربة التفسير الإسلامي، دراسة داخليّة مستقلّة، بقدر ما درسها على ضوء معطيات النتاج الإسلامي العام، وتبدو هنا الفرضية المسبقة التي سار عليها في دراسته، وهي تتلخّص في أنّ التفسير الإسلامي عملية ليست ذات مصداقية قياساً بأوّليات منهج ما، وإنما هي إسقاطات العقل الإسلامي المتماوج في مساراته على نصٍّ تبديه التعرية غير ذي بال، ألا وهو النص القرآني، وهذا معناه بالتالي، افتقاد التفسير مرجعيته في النصّ المفسَّر نفسه، وأيلولة هذه المرجعية الى الخلفيات الفكرية والثقافية للمفسِّر الإسلامي عموماً.
وهذا هو ما يستوحى من مجمل النسيج العام الذي يحكم هذه الدراسة، كما هو ما يبرز جلياً في النص الأوّل من الكتاب حيث جاء: ((كذلك يصدق على القرآن ما قاله في الإنجيل العالم اللاهوتي التابع للكنيسة الحديثة: پيتر فيرنفلس Peter Werenfels: كلّ امرئ يطلب عقائده في هذا الكتاب المقدّس وكلّ امرئ يجد فيه على وجه الخصوص ما يطلبه))([17]). واستنتاجاً مما تقدّم، واستتباعاً له نخرج بما يلي:
أولاً: إفراغ العملية التفسيرية من المصداقية المنهجية عدا ما يسميه جولدتسيهر التفسير السطحي البسيط([18])، والاستعاضة عن ذلك بمرجعيات تقع خارج مناخ الفعل التفسيري، وتكوّن علاقةً ما معه.
ثانياً: إسقاط بعض أحدث نظريات الهرمنيوطيقا على النص الإسلامي، وهي التي لا تعطي أهمية للنص بقدر ما تعطيه لقارئه، وعلى هذا قام حكم جولدتسيهر على التفسير الإسلامي.
ثالثاً: افتراض مصادرة مسبقة تقوم على بساطة المحتوى القرآني، وهي مصادرة كان جولدتسيهر قد أسّس لها في كتابه ((العقيدة والشريعة في الإسلام))([19]). وتختصر هذه المصادرة في أن النص القرآني لا يحتوي على كثير معطيات، وأن الافكار البسيطة المتفرّقة التي بثها محمد بن عبدالله في كتابه هذا لا تعدو مجرّد قفزات طفيفة بالنسبة للمجتمع العربي آنذاك، وأن جهود العلماء والفقهاء والمفسّرين.. المسلمين هي التي أعطت لمتفرّقات محمد طابع نظام مكتمل ومتناسق([20]).
وإزاء هذه الزاوية من بنية مشروع جولدتسيهر يمكن تسجيل ملاحظات:
1 ـ ما هي المشكلة إزاء نصٍّ، يوظفه أكثر من طرف في خدمة أفكاره ومصالحه؟ واسترجاعاً، هل يمكن وجود نص (مقدّس أو غيره) لا يخضع لهذه الظاهرة؟ فضلاً عما إذا حصل أن وجد نصّ كهذا؟
ما نريد التأكيد عليه هو: إن طبيعة اللغة تستبطن أوضاعاً كهذه، بمعنى أنها لا تأبى التطويع الذي يقنع صاحبه بصحة ما يفعله، وهذا معناه أن خضوع النص القرآني لهذه الظاهرة ليس أمراً جديداً، أو ذا أهمية، حتى تنبني عليه نتائج بالغة.
المفترض ـ عطفاً على ما تقدم ـ أن يؤسّس جولدتسيهر للنص القرآني نفسه، ويشرح نظريته فيه من حيث منهج تفسيره، ما دام يقرّ بأن في هذا النص محتوى ينتسب لصاحبه ـ أيّاً كان ـ وعقب ذلك يصح قياس تجربة التفسير الإسلامي على هذا المنهج الذي اختزله جولدتسيهر في كلمة ((التفسير السطحي البسيط))، ومن دون ذلك لا يحق لنا نعت تجربة التفسير بالإسقاط، أو دراستها على ضوء المعطيات الخارجية كالتصوف والعقيدة، والخروج بنتائج بهذه الاهمية، محاولين إسقاط تجارب التفسير كلّها بهذه الكلمة البسيطة وإلغاء قيمتها.
2 ـ ثمّة قضية ثنائيّة الطرف، ففهم النصّ يبتلي أحياناً بالاسقاط، فيوحي للمنهجيين أن وسيلة الخروج من عمليات التطويع هي افتراض خلاء في الذهن القارئ، وتشيّد على ضوء ذلك معادلة تقول: كلّما عدنا إلى بساطة العقل المعاصر للنص (القرآني مثلاً) كلّما نجحنا في ملامسة روح النص، وكلّما اثقلت كاهلنا معارفنا المنفصلة كلّما تورّطنا في تطويع وإسقاط.
هذه المعادلة صحيحة إلى حد كبير جداً، لكن عنصراً آخر يجب أن لا يغيب عن الذاكرة، ألا وهو أن بساطة المدلول بالقياس الى المفردات والتراكيب، لا تعني بساطته بالقياس إلى نفسه، وحينما يكون كذلك فهذا يفسح في المجال لاقتحامات دلالية في النص لا يرقى إليها إلا القادر على ملامسة عمق المدلول نفسه، وهذا أمرٌ وجداني ملموس، فاللغة العربية هي اللغة والمفردات هي المفردات بيد أن قوّة النص في درجة معطياته المختزنة فيه إنما تنبع من مزدوج التركيب وما يتصل به، والمضمون وما يستدعيه، فكثيراً ما يجرّ المضمون استدعاءات لا يجد المتكلم ضرورة لتسجيلها في الكلام اتكاءاً على ادراك الطرف الآخر لها، وهذا الإدراك يقوم ـ فيما يقوم عليه ـ على مدى معرفة الطرف الآخر أساساً بالمناخ الفكري لمدلول كهذا، وما لم يستقر القارئ في هذا المناخ الفكري فمن العسير عليه حينئذ كشف خبايا النص، وهذا هو ما يميز النصوص العلمية عن بعضها البعض.
ونتيجة هذا الكلام هنا، أن فهم النص القرآني (طبعاً بدرجةٍ من الفهم) ليس حكراً على المعاصرين لصدوره حتى تكون درجة استيعابهم لهذا النص هي المعيار الذي تحاكم على اساسه تجارب التفسير الإسلامي اللاحقة، وهذا ما يقودنا إلى تسجيل الملاحظة المنهجية الثانية على جولدتسيهر في أحكامه التعميمية على تجربة التفسير، ذلك أن المفترض فتح الباب لمحاكمة التفسير الاسلامي بمراحله على ضوء إمكانية أوّلية للتصحيح، حتى يأتي ما يؤكّد استعصاء النص عن كل هذه التفاسير، فهذه ليست مصادرة مسبقة، بقدر ما يفترض أن يضعها جولدتسيهر نتيجة، وهو ما لم يفعله، إذ لم يكلّف نفسه، عناء ـ ولو محاولة واحدة ـ لتصحيح أداء تفسيري لتيار التصوّف أو التشيع أو التحديث أو … وإنما افترض من البداية ـ والحال أنه بصدد دراسة التفسير فعلاً دراسة معيارية توصيفية معاً ـ خواء كل هذه التفاسير، ولا جدوائيتها.
واستنتاجاً، تعد المرجعيات المنفصلة التي استعرضها جولدتسيهر سلاحاً ذا حدين، فهي من جهة أدوات إسقاط كما درسها هو نفسه بحقّ، وفي نفس الوقت مرجعيات ملامسة للمضمون القرآني سيما التصوّف منها.
والحصيلة، أنه لم يكن من الصحيح استخدام منهج التحليل التاريخي للأفكار كمنهج وحيد معياري (لا فقط توصيفي) فيما يخص تفسير القرآن، بل ثمّة مناهج لا يخلو استحضارها من إبداء معطيات قد تعدّل من الصورة التي خرج بها جولدتسيهر.
ولا نقصد بذلك تخطئة جولدتسيهر فيما قام به من عمل جبّار، وإنما مضاعفة الأدوات المنهجية لممارسة قراءة شاملة لتجربة استمرت مئات السنين.
 
القراءات والتفسير القرآني:
يبدأ جولدتسيهر رحلة التحليل في مذاهب التفسير الإسلامي من عصر الصحابة الذين عاصروا النبي 2 وخلفوه من بعده الى عدةٍ من العقود.
ولم يجد جولدتسيهر أمامه بذوراً بدائية لعملية التفسير القرآني في تلك الحقبة تنبؤه عن منهج أو آليات أو أنماط أوّلية عدا ظاهرة القراءات فيما يبدو، فركّز عليها بوصفها مظهر التفسير القرآني في مراحله الأولى صدر الإسلام.
ولسنا نستهدف في تقييم تحليل جولدتسيهر هنا الدفاع عن النص القرآني الذي يؤكّد (جولدتسيهر) على أن ظاهرة القراءات تحكي عن وجود اضطراب في نصّه([21])، بقدر ما يعنينا ربطه بين القراءات والتفسير.
يخضع جولدتسيهر ظاهرة القراءات لتحليل يخرج فيه بنتيجتين كحصيلة لمجمل كلامه:
1 ـ الأساس العربي لظاهرة القراءات، فالنص العربي ـ ومنه القرآني ـ لم يكن مشكلاً ولا منقطاً، وعليه فقد كان يتحمّل اكثر من وجه([22]).
2 ـ العوامل الموضوعية لتكوّن ظاهرة القراءات، وهذا ما يسهب جولدتسيهر في شرحه وحشد الشواهد التاريخية له، نذكر منها:
أ ـ آية الوضوء (المائدة:6) التي أخضعت في التاريخ الإسلامي لتوليد قراءات (الكسر والفتح لرؤوسكم) نتيجة تأثير الفقه على النص القرآني، ومعنى ذلك أن ظاهرة القراءة المتعدّدة كانت سلاحاً ابتكره المتخاصمون في الفقه حول آية الوضوء لتأكيد كل طرف لمدّعاه([23]).
ب ـ آية المتعة (النساء:24)، التي زادت بعض القراءات جملة ((إلى أجل مسمّى)) فيها تأكيداً للعامل الموضوعي([24]).
ج ـ وعلى غرار الفقه، كان الكلام أيضاً، فقد اخضعت آيات من نوع
((فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين))(العنكبوت:3)(
[25])، و((بل عجبتَُ ويسخرون))(الصافات:12)بضم التاء أو فتحها([26])، وآيات المائدة (المائدة:112 ـ 115)([27])، وهكذا كان تعظيم النبي 2 وتبجيله عاملاً موضوعياً آخر ساهم في انتاج قراءات جديدة للنص القرآني([28])
وبهذا حاول جولدتسيهر أن يثبت القول بأنّ القراءات كانت تفسيراً للقرآن لا محاولةً لقراءته فحسب كما توحي به الاتجاهات المدرسية، والنتيجة المستدعاة تلقائياً هنا تعود إلى النص القرآني نفسه، إذ سيغدو نصاً غير ملزم بصيغته إلى الحد المتصوّر، ومعنى ذلك وجود حرية فردية تفسح المجال لتعديله([29]) وفقاً لفهوم المفسّرين، وهذا هو المطلب الأساسي، ونتيجته ظهرت اتجاهات ثلاثة ازاء هذا النص وحرفيّته، أخذ أحدها بمبدأ الحرية الكاملة في تعامله مع النص، وكان ابن مسعود اشد من أحدث تغلغلاً في تغييرات النص القرآني([30])، فيما بدا الآخر متحفظاً جداً مثّله علي C، ليعتدل فريق ثالث لتولّد وسطيته هذه علم القراءات فيما بعد بشكل رسمي انطلاقاً من حديث ((الأحرف السبعة))([31]).
وبهذا نجح جولدتسيهر في إسقاط نمطيات الاستشراق على ظاهرة القراءات، إذ بدا الفريق الأوّل ثائراً متحرّراً عقلانياً، فيما مثل الفريق الثاني التيار المحافظ المتشدد، ليوضع فريق الاعتدال كفئة هدفت وقف تدهور النص في الوسط الاسلامي([32]).
وفي صورة كهذه تبدو ظاهرة القمع، قمع علماءَ اللغة العربية في تناولهم للنص، وما يعطيه خلاف المبرّد والزمخشري في قولـه تعالى: ((لكنّ البرّ))([33]) من دلالات.
وأمام هذه الصورة التي يرسمها جولدتسيهر عن البدايات الأولى للتفسير عصر الصحابة وقريب منه تستوقفنا ملاحظة ناقدة، ذلك أننا لا نملك عن تلك الحقبة الزمنية ـ ونحن نتماشى هنا مع جولدتسيهر نفسه ـ معلومات واضحة على هذا الصعيد وما أشبهه، وبالتالي فالشواهد التي ذكرها لا تصنع قناعةً بوجود عامل موضوعي، زائد على عامل منطقي مترقّب يمكن تقديمه كافتراض ومن ثم الدفاع عنه، ألا وهو عدم تشكيل القرآن وتنقيطه، وتعدّد لهجات العرب، كيف أخذ جولدتسيهر بهذه الشواهد رغم أنه لم يرها إلا في الكتب التي ظهرت في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري وما بعده، وهو نفسه لا يجد في هذه الكتب نقلاً دقيقاً وصحيحاً؟!
إن جولدتسيهر مطالب بتفسير تبنّيه لهذه المجموعة من الشواهد التاريخية رغم تحفظه الشديد على ما ينقل عن تلك الحقبة عن رسول الله 2، ومن ثم نستطيع أن نجد ما يعزز احتمال اختلاق هذه النصوص من الفئات المتصارعة التي ظهرت لاحقاً.
متى ظهرت الخلافات الفقهية الحقيقية حول الوضوء والمتعة وغيرها؟
بل متى ظهر الخلاف الكلامي حول شخصية النبي 2 وصفات الله سبحانه؟ أليس من المنطقي اكثر افتراض أن الاجيال اللاحقة هي التي اخترعت هذه النصوص عن الصحابة سيما فترة التحزبات التي طالت القراءات لتنتصر لعقائدها واتجاهاتها الفقهية والكلامية؟ هل يعتقد جولدتسيهر أن الخلاف في نسبة التعجّب إلى الله كان يمكن أن يشق طريقه في النصف الأول من القرن الهجري الأوّل، واكثر من ذلك، هل كان في وعي تلك المرحلة ظاهرة بهذه السعة لاسقاط العقديات والفقهيات على النص القرآني؟ واذا كان هذا الاحتمال موجوداً، أفلا يكون الاحتمال الآخر أكثر منطقية وأكثر انسجاماً مع الاصول المنهجية التي سار ويسير عليها المستشرقون ومنهم جولدتسيهر؟
بهذه الاستفهامات، ربما أمكننا التشكيك في الصورة التي قدمها جولدتسيهر عن بدايات التفسير الأولى، مستبعداً تفسير ابن عباس ونصوصاً للصحابة (قصّة آية الكلالة الواردة في سورة النساء: 176)([34]) ترجّح ان عمليات التفسير الأولى كانت تتجه نحو فهم بعض المفردات غير الواضحة لدى كل العرب فضلاً عن غيرهم، وهذا ما يوضح أسباب الظهور المبكر لعلوم غريب القرآن والحديث في الوسط الاسلامي، كما ان هذا هو ما يفي بالتحليل المنطقي لتلك الحقبة، فإن اتساع رقعة الإسلام وحكومته يفرض طبيعةً تعدداً في قراءة النص القرآني لعدم كونه منقطاً ولا مشكلاً، كما يفرض استفهامات أوّلية وبدائية عن مفردات جديدة على المسلمين الجدد، بعيداً عن خلافات فكرية عميقة تدعو إلى إسقاط على النص.
 
التفسير والمكوّنات الأولى، اشكالية العقل والنص الثاني
يشرع جولدتسيهر متخطياً مرحلة البدايات الأولى للتفسير مع القراءات، بتحليل مفترق الطرق الذي دخله التفسير بعد ذلك، ويؤكّد على أنّ حركة التفسير كان ينظر إليها في البداية بعين الريبة، وأن الوعي الجاد كان يتراجع عن إقداماته خوفاً ومهابة([35]).
ويعتقد جولدتسيهر بعودة سياسة محاربة التفسير (الذي يقصد به استخدام العقل في فهم النص القرآني دون مرجعية من نص مأثور) إلى زمن عمر بن الخطاب مستشهداً بقصته مع صبيغ([36]) وشواهد أخرى عن تلك الحقبة([37])، لكن جولدتسيهر يقرّ بتجربة تفسيرية يقيمها من جهة على منهج خرافي أسطوري مستقى من أهل الكتاب مع سوء فهم وخلط بيّنين، أدّيا إلى ظاهرة القصاصين في المجتمع الإسلامي([38])، فيما يبنيها من جهة ثانية على النصّ المأثور عن النبي 2 والصحابة، ففي بدايات القرن الثاني الهجري كان الصحابة مرجعاً تفسيراً([39]).
وبهذا يبدو التفسير بعلم، هو التفسير بالمأثور، ومن ثم هو لا حرية التفسير في الإسلام إلى زمن الطبري الذي قدّم بداية محاولات خجولة جسّرت بين التفسير بالمأثور والتفسير العقدي، الأمر الذي جعله يبدو في غاية الأهمية عند جولدتسيهر([40]).
وتأسيساً على ما تقدّم، يلاحظ جولدتسيهر أن المأثور في تفسير القرآن لم يكن واحداً، وبهذا يحق له الجمع بين استنتاجين: أحدهما: ان التفسير العلمي هو التفسير بالمأثور وثانيهما: إن التفسير بالمأثور كان مضطرباً سنداً وخاضعاً لموجات عاتية من الجعل والتكذيب والاختلاق([41])، وبهذين الاستنتاجين لن يكون التفسير بعلم غير الاعتماد على مصدر موثوق هو الأخبار التي عرفت حالها([42]).
هذه هي الصورة ـ ببالغ الايجاز ـ التي يرسمها جولدتسيهر لتلك الحقبة، ولدى تحليل هذه الصورة تستوقفنا أمور:
أولاً: كيف اعتقد جولدتسيهر بامتداد تاريخي لمحاربة التفسير إلى زمن عمر بن الخطّاب، رغم أن النص والشواهد التي تؤكد هذا الامتداد تبدو واضحة التوظيف من الجماعات التي قال جولدتسيهر إنها حاربت التفسير في أواخر القرن الأول الهجري وما بعد؟ فلماذا لم تكن هذه الشواهد مختلقة ونحن ما زلنا نحكي عن معركة آراء حول مشروعية التفسير في الحقبة الثانية؟
وعليه، يفترض أن نغض الطرف عن مرحلة الصحابة في أنها حاربت التفسير أو لا، خصوصاً وفقاً للمنحى المتردّد عموماً إزاء أخبار تلك الحقبة كما يراه جولدتسيهر.
ثانياً: ثمّة ما يوحي بالتناقض المنهجي عند جولدتسيهر، فقد أرتأى في دراسته الأولى أنّ ظاهرة القراءات لم تكن سوى نتاج تفسيري من جانب الصحابة، وهذا معناه أنّ الصحابة استخدموا فقهياتهم وعقائدياتهم لفرضها على النص القرآني على شكل قراءات، فكيف يمكن أن نجمع بين هذه المقولة، وبين الحديث عن تفسير عقدي مع الطبري، وندّعي بأن التفسير كان محارباً حتى ـ لا أقل ـ النصف الأول من القرن الثاني الهجري؟!
ثالثاً: لماذا أخذ جولدتسيهر بحادثة صبيغ ليتّهم عمر بن الخطاب بمعاداة التفسير، ولم يأخذ تلك الروايات التاريخية التي تفيد عن أسئلة وجهها عمر على الناس حول مفردة قرآنية أو آية مع ذكر جولدتسيهر لها([43])، وكذلك تلك التي يتراجع فيها عمر عن موقف فقهي أمام شخص آخر ـ حتى لو كان إمرأة ـ يقدم له آية في عمليّة تستبطن تفسيراً([44])؟
إن انتقاء النصوص التاريخية لا يقدّم صورة واضحة المعالم عن تلك الحقبة.
رابعاً: إذا كان الصحابة قد مارسوا عملية التفسير مسقطين عقائدهم وفقهياتهم فلماذا توقفت الظاهرة الى ظاهرة معاكسة في حقبة زمنية قصيرة، ومن قبل التابعين أنفسهم؟
وهذا الأمر وإن كنا نعتقد بإمكانه، غير أن جولدتسيهر مطالب في تحليله لتطوّر مسار التفسير بشرح هذه الظاهرة بصورة واضحة، فهذه ملاحظة غير ناقدة بقدر ما تشير الى نقص في عملية التحليل.
خامساً: مع الاعتقاد بأن إعادة تدوين الحديث بدأت مع عمر بن عبدالعزيز (99 ـ 101 هـ)، وأن العودة العملية للتدوين تأخرت عنه قليلاً على الصعيد الرسمي، ومع الاعتقاد بأن ظاهرة التدوين الشخصي كانت موجودة في القرن الهجري الأوّل ولم تكن مختصة بشخص أو شخصين، الا أن الطابع العام الغالب على الحياة العلمية للمسلمين كان حظر تدوين الحديث، والمفترض في عملية تحليل هذه الظاهرة أن تكون المرجعية لصالح النص القرآني وفقاً لفهم العرب (والصحابة اكثرهم).
على خط آخر، يمكن أن نفهم مرجعية الحديث في تفسير القرآن على رأس المائة الأولى وما قبله وما بعده بقليل، على أنه انبهار بعودة الحديث وهو انبهار مترقّب إلى عقود قليلة، ومن ثم كان من الأفضل أن يدخل جولدتسيهر هذه الظاهرة في تحليله كعنصر لإعادة الاعتبار الى الحديث، لتكون محاربة التفسير ظاهرة آنية وفقاً لما رسمه هو نفسه كما أشرنا، لا ليكون العقل مستبعداً إلى زمن المعتزلة، ومن ثم ليعطي الاعتزال طابع مجابهة النص، وتكون المحصلة تناقضاً تاريخياً بين النص والعقل.
سادساً: لا يمكن لأحد أن ينفي في أيّ دين من الأديان وجود تيارات نصيّة حرفية متزّمّتة محاربة للعقل، والأمر في الإسلام التاريخي كان كذلك، بعيداً عن تحديد التيار الغالب، لكن من المفترض تحليل الدوافع التي ادّت الى اتخاذ مواقف محاربة للتفسير (بعد افتراض ذلك) الامر الذي نجده في مجموعة أمور لعل اهمّها:
أ ـ المنحى الحرفي في العقل الديني في تعامله مع النص.
ب ـ محاربة ظاهرة القصّاصين من جانب الصحابة والتابعين حتى أزمنة متأخرة مع الغزالي والسيوطي وغيره، وقد أقرّ جولدتسيهر بمحاربة الصحابة لظاهرة القصّاصين([45])، وبالتالي فمن الممكن أن تكون محاربة التفسير محاربة لأبرز مظاهره التي تجلّت مع القصّاصين وغيرهم، وهذا معناه أن المحاربة التاريخية للتفسير آنذاك كانت حرباً على الأسطورة والخرافة، وجولدتسيهر يقرّ بأنّ التيار المحافظ حارب هو الآخر الأسطورة والخرافة الى جانب المعتزلة الذين أضفوا لباساً عقلانياً على الآيات الدالة على السحر والعين والجن وكرامات الأولياء([46]).
ج ـ مع الخوارج ـ كتيّار مذهبي لا سياسي فقط ـ ومن تلاهم من فرق واتجاهات بدت ظاهرة الاسقاط العشوائي على النص القرآني، ولعل التيار المحافظ شعر بفوضى التفسير فأراد إعادة تقنينه، فلم تكن ثمة وسائل عدا اللغة والنص الثاني للحصول على شيء موثوق، وإذا لم يكن النص الثاني موثوقاً عندنا بعد نقد داخلي وخارجي له استمر زمناً طويلاً، فإن الأمر لم يكن كذلك في تلك العصور وبهذا الوضوح حتى نحمّل قناعاتنا تلك الحقبة.
سابعاً: اعتقد جولدتسيهر بأنّ المكانة السامية المعطاة لابن عباس في تفسير القرآن، ليست سوى وهم صنع له فيما بعد([47])، وهدف جولدتسيهر من ذلك واضح، وهو إفراغ القرن الأوّل الهجري من ظاهرة التفسير، لأن المعروف أن التفسير المدوّن لم ينسب الى أحد عدا ابن عباس، فقد كتب يحيى بن يَعمر (م89 أو 90هـ) كتاباً اسماه: ((كتاب في القراءة)) وهو ليس تفسيراً، والعلوم القرآنية ظهرت بعده مع الحسن البصري (110 هـ) وزيد بن علي (122 هـ) وابن شهاب الزهري (124هـ)، واسماعيل بن عبدالرحمن السدّي (128 هـ) وعطاء الخراساني (135 هـ) وأبان بن تغلب (141 هـ) وغيرهم، ممن يعود إلى القرن الثاني الهجري.
ولم يكن سوى ابن عباس الذي نسبت اليه كما يذكر فؤاد سزكين كتب أربعة في القرآن هي: 1 ـ غريب القرآن 2 ـ مسائل نافع بن الازرق 3 ـ اللغات في القرآن 4 ـ تفسير ابن عباس([48])، ورغم تشكيك الدكتور حسن محمد تقي الحكيم (محقّق كتاب تفسير غريب القرآن لزيد بن علي) في تدوين ما نسب إلى إبن عباس على شكل كتاب([49])، وتشكيك بعض الباحثين المعاصرين في مكانة ابن عباس واعتبارها اختلاقاً عباسيّاً لمواجهة العلويين([50])، إلا أنّ الشيء الذي يمكننا استبعاده في ابن عباس هو الصورة المكبّرة له في النصوص التاريخية، والهالة الاسطورية التي نسجت حولـه، أمّا أساس تصدّيه للتفسير (دوّنت كتبه أو لا) فهو أمرٌ يحتاج التشكيك به الى شواهد أكثر لا مجال لبحثها هنا ومناقشتها، لا أقلّ من أنّ محاولات توظيف صغر سنّه زمن حياة النبي (ص) لا تنفع إلا في التوقّف قبال رواياته، لا تجريده من محاولات تفسيرية اعتمد فيها على العقل أو على لغة العرب وأشعارها.
 
الشيعة، الغلو، القرآن:
لم يحمل جولدتسيهر على فريق من فرقاء الفعل التفسيري في التاريخ الاسلامي بقدر ما حمل على الشيعة سيما الامامية الاثنا عشرية، ويبدو هذا واضحاً لكل من يطالع ((مذاهب التفسير))، “والعقيدة والشريعة” أيضاً.
والسبب الذي يمكن تفسيره لامتياز تعامل جولدتسيهر مع الطائفة الشيعية ربما نجده في:
1 ـ ضآلة وشحّ واضح في المصادر الشيعية عنده، إذ تكشف دارسته المخصّصة للفرق الدينية (والتي درس فيها الخوارج، والإماميّة الاثني عشرية، والاسماعيلية مركزاً على الثانية بحسب ما يفهم من سياق البحث ومصادره)، عن مصادر شيعية قليلة، فقد بدا “تفسير القمي” لعلي بن ابراهيم معتمداً عنده كعينة متقدّمة للتفسير الشيعي، كما بدا تفسير “الصافي” للمولى محسن المعروف بالفيض الكاشاني عينةً أخرى في الحقبة المتأخرة.
وإذا حلّلنا هذين الكتابين، ربما حقّ لنا تسجيل ملاحظات على منهج جولدتسيهر في التعامل مع التفسير الفِرَقي (الفرق الدينية)، ذلك أنّه:
أولاً: لماذا استحضر جولدتسيهر المصادر الروائية عند الشيعة كالقمي والصافي، مستبعداً المؤلّفات الشيعية التي ظهرت بين علي بن ابراهيم والفيض الكاشاني؟ وبالتالي ما هو المبرّر لاستبعاد تفسير مجمع البيان والتبيان وغيرهما من عملية الرصد؟ والحال أنّ جولدتسيهر استحضر تفسير الزمخشري إلى جانب الطبري في تحليلاته.
إن انتقاء التفاسير الروائية عملية غير مكتملة عندما نعرف أنّ الفرق الإسلامية ـ الشيعة والسنة منها ـ تعاملت ومنذ البداية مع الحديث الشريف تعاملاً نقدياً سنداً ومتناً، ومن ثمّ فاستحضار كلمات الطوسي والمفيد والمرتضى والحلّي.. كان أمراً ضرورياً أيضاً لتلمّس موقفٍ من التفسير الشيعي للقرآن، متجاوزين هنا الحديث عن اعتزال بعض العلماء الشيعة في الثقافة الغربية.
ثانياً: إن ((تفسير القمي)) الذي أكثر جولدتسيهر من الاعتماد عليه، يمثل ـ حتى في ثقافة علماء الشيعة فيما قبل القرن السادس الهجري ـ تياراً في التشيع حاربه تيار آخر قد يكون أكبر، وهذا معناه أن اختيار تفسير القمي ليس إلا معالجة لمدرسة التفسير عند تيار شيعي وسمه علماء شيعة آخرون بالغلو، ومعه، كيف يمكن تمثيل تيار متطرّف في فئة ما لتلك الفئة؟ ولماذا وقع الاختيار على تفسير القمي دون تفسير العياشي أو غيره رغم أنهما تفسيرين روائيين؟
ثالثاً: إن تفسير القمي غير قادر على تمثيل مدرسة التفسير الشيعية كما كان الحال مع المعتزلة في تفسير الزمخشري، وأهل الحديث في تفسير الطبري، والمتصوفة في تفسير ابن عربي، ذلك انّ هذا الكتاب ليس معلوم النسبة أساساً، فعلاوة على التشكيك في نصوصه على صعيد نسبتها إلى أئمة أهل البيت G، لا يعرف بالضبط من هو مؤلف الكتاب الحقيقي، هل هو علي بن ابراهيم بن هاشم القمي، أحد أكابر رجال الشيعة في القرن الثالث الهجري([51])، أو ابو الجارود زياد بن المنذر (القرن الثاني الهجري) الذي لا ينتمي إلى الطائفة الإمامية الاثنا عشرية (بل هو زيدي)([52])؟ أو هو خليط من تفسيرهما([53])؟
ووفقاً لذلك، كيف يتسنّى دراسة حركة التفسير في المدرسة الشيعية الإثنا عشرية اعتماداً على أثر تاريخي قديم لا يعلم مؤلّفه ولا تحدّد انتماءاته المذهبية؟
رابعاً: إن تفسير الصافي هو الآخر لا يمثل المدرسة الشيعية في التفسير، أي لا يمكن تصنيفه كمكوّن نهائي للتفسير الشيعي للقرآن على أساس تراكمات التفسير السابقة، لأن الفيض الكاشاني كان في قسم كبير من حياته أخبارياً، والمدرسة الأخبارية، مدرسةٌ تعتقد اعتقاداً راسخاً بالحديث، وتمنح عدداً كبيراً من النصوص الحديثية اعتباراً قويّاً، وإذا ما درسنا هذا الاتجاه الذي قاده محمد أمين الاسترآبادي (م 1036هـ) صاحب كتاب ((الفوائد المدنية)) الشهير، لوجدنا أنه تيار منبعث من ردة الفعل على تطوّرات مسار التفكير العقلاني عند الشيعة حتى القرن العاشر الهجري، ومعه فليس من المنهجي انتقاء تفسير ينتمي الى مرحلة ردّة الفعل التي ما لبثت أن انحسرت على يد الوحيد البهبهاني بعد مدة قصيرة نسبياً دون أن ندعي زوالها، وهذا ما يكشف عن خطأ أساسي في عملية انتقاء العيّنة التي يراد دراسة حركة التفسير على أساسها.
2 ـ الموقف الغربي النمطي من الفرقة الشيعية، والذي أخذ به أخيراً الدكتور محمد عابد الجابري وآخرون، ثمة اعتقاد بغنوصية هذا المذهب، وأنه غارق في الخرافة والسخف، وأنّ اعتقاداته في أئمة أهل البيت G ومنظومته الكلامية لا يمكن تفسيرها على أساس عقلاني، اذن فهناك لا معقول شيعي، هناك تشيّع غنوصي أفرط في تعامله مع قضية أهل البيت G.
أ ـ ومع أننا لا ننكر وجود تيار داخل المذهب الشيعي ـ الى اليوم ـ يصح نعته بهذا الوصف، إلا أن تعميم الحكم على المدرسة الشيعية، أمرٌ يحتاج إلى قراءة شمولية لهذا المذهب، وهي قراءة يبدو أن جولدتسيهر لم يقم بها على صعيد ((مذاهب التفسير)).
إن استطلاعاً دقيقاً لمعركة الأفكار الشيعية ـ الشيعية فيما قبل القرن السادس الهجري، فضلاً عمّا بعده، يؤكّد وجود تيارات عقلانية واسعة في هذا المذهب، واذا كان الغلو هو لا عقلانية المذهب الشيعي فإن الشيخ الصدوق (م381هـ) صاحب إحدى الموسوعات الحديثية الشيعية الكبرى المتقدّمة، والمحسوب على تيار الحديث كان يعتزم تأليف كتاب مستقلّ للرد على منكري سهو النبي (ص) ناسباً إلى شيخه ابن الوليد القول بأن نفي السهو عن النبي 2 أوّل مراتب الغلو([54])، كما أن الشيخ المفيد (413هـ) إمام مدرسة العقل الكلامية عند الشيعة ينكر هو الآخر ما اصطلح عليه أخيراً بالولاية التكوينية، أمّا بنو نوبخت وغيرهم فيمكن تعرّف آرائهم بإطلالة سريعة على كتاب “أوائل المقالات” للشيخ المفيد نفسه، فقد رفض بنوبخت سماع الائمة كلام الملائكة([55])، وظهور المعجزات على أيديهم([56]) و…
وبصورة مختصرة، يشرح كتاب السيد حسين مدرسي طباطبائي وبشكل دقيق سير تطوّر الكلام الشيعي الى القرن الثالث الهجري، وهو شرح يؤكد تأكيداً قويّاً على أن الشيعة في القرون الأولى لم يكونوا يحملون تصوّرات شديدة التطرّف كما حصل عند بعض تياراتهم سابقاً([57]).
ب ـ واذا كانت الغنوصية والهرمسية هي الخلفية القابعة وراء كلمات جولدتسيهر في تحليله للتفسير الشيعي، فإن الاتجاه الصوفي الإسلامي لم يكن أقل من ذلك، فنظرية الحقيقة المحمّدية لم تكن أقلّ من التصوّرات الشيعية الهرمسية، ولم يكن التأويل سلاحاً شيعياً فقط، بل بدأته المعتزلة ـ باعتراف جولدتسيهر ـ في منزعها المجازي ليكمل الطريق فيما بعد ابن عربي في تفسيره.
وهذا يعني من الناحية المنهجية خطأ اقتطاع التيار الشيعي من السياق الصوفي والهرمسي العام الذي اجتاح الفكر الاسلامي عموماً، وهو تيار كان سيولد في المناخ الإسلامي شئنا أم أبينا، سواء وردته روافد مسيحية ويهودية وفارسية وهندية أم لم ترده، لأن العقل الديني ككل مهيء قبل كل شيء لنزعات روحانية عميقة.
وبهذا يبدو المسار الذي حكم دراسة جولدتسيهر لتجربة التفسير الشيعي، مساراً ملتبساً يعاني خطأ المصادر وصور نمطية لم تفر منها ـ عملياً ـ مذاهب أخرى.
 
الشيعة وإسقاط إثنينية الأنا والآخر على القرآن:
وفي نفس السياق، تأتي المقولة الهامة التي أثارها جولدتسيهر حول التفسير الشيعي، ثمة نزوع شيعي شديد لتحديد الأسماء في القرآن الكريم في سياق نظرية الاسماء المبهمة، فقد بدأت تجربة التفسير الاسلامي بإصرار على تحديد كلّ من كانت حوله اشارة في النص القرآني، والنبوي([58])، من هم الثلاثة الذين خلّفوا؟ من هو صاحب النبي في الغار؟ من هو الذي يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله؟ من هو الذي يعجبك قولـه في الحياة الدنيا؟ من هم المنافقون وما هي أسماؤهم؟ بل بلغ الامر حد السؤال عن اسم كلب أصحاب الكهف، وحية آدم، وحوت يونس و…
وقد سعى الشيعة لتطبيق كل المقولات الكلّية في القرآن على أئمتهم وأعدائهم، ليغدو النص القرآني مختصاً بمعركة الشيعة عبر الزمن، وهذه هي الملاحظة التي يسجّلها جولدتسيهر على التفسير الشيعي.
وتنبع هذه الملاحظة من طبيعة المصادر التي استقاها جولدتسيهر كما أشرنا آنفاً، وهي مصادر يتوقّع منها الإغراق في أمر كهذا، لكننا في المقابل لا نوافق على أن التفسير الشيعي كان كذلك، فتفسير الطبرسي والطوسي لم يشتملا على هذه الظاهرة المفرطة… وإن كانت الثقافة الشيعية الحديثية كذلك، وبذلك يمكن تأييد جولدتسيهر في رأيه هذا، إذا ما قلنا بأن تيارات داخل الشيعة فعلت ذلك.
وفي اعتقاد الكاتب، لا تنفع نظرية الجري والانطباق التي طرحها العلامة محمد حسين الطباطبائي، في حلّ مشكلة الروايات الواردة على هذا الصعيد.
إن تحديد الأسماء وبقية الظروف التي نزلت فيها الآية أمرٌ نافعٌ أحياناً لتحديد مدلول الآية نفسها، كما أنّ تحديد أن فلاناً هو أبرز مصاديق الآية أمرٌ هو الآخر، سيما بالنسبة للمتدين الشيعي ـ يشتمل فوائد عديدة، ذلك أنّ بيان أنّ أئمة أهل البيت G هم أبرز مصاديق بعض الآيات الحاكية عن المؤمنين والصالحين، وأن معادي رسول الله 2 وأهل بيته هم أبرز مصاديق الكفّار أو المنافقين أو الضالين أو الفاسدين أو … يساعد الإنسان الشيعي على فهم الظواهر التاريخية فهماً قرآنياً، وهذا الأمر لا يختص بالشيعي بل هو شامل لغيره أيضاً.
لكن المحاذير التي تفضي إليها هذه الطريقة، والتي يفترض معالجتها يمكن تلخيصها في أمورٍ لعل نظر جولدتسيهر كان إلى بعضها، وهي:
1 ـ تخلق عمليّة تطبيق الآيات على وقائع جزئية، سيما في الصدر الأوّل، ولو بمعونةٍ من روايات مأثورة، خلطاً بين تطبيق عام على حالة جزئية، وحصر العام بتلك الحالة في الذهن الجمعي، ذلك أن الآية ستغدو في اللاوعي عند تكرار الرجوع إليها متلاصقة والمدلول الجزئي الذي سبق تكوّنه في عملية التطبيق، حتى لو أقرّ الباحث من الناحية النظرية بمحافظة الآية على طابعها الكلي، ويخلق ذلك في الذهن الجمعي تلاصقاً بين الدال العام والتطبيق الجزئي، يحيل على المدى البعيد سهولة التعميم مرّة أخرى.
ويبدو ذلك جلياً ـ كمثال ـ في نصوص اشتهر تطبيقها على موردٍ معين، إذ يبدو من الصعب تفكيك مدلولها عن الحالة الجزئية التطبيقية أو سبب النزول، وهذا ما يفرض التأسيس لعمليات تطبيق أو تحديد تاريخي تجانب التورّط في أمرٍ من هذا النوع.
2 ـ قد تبدو نظرية التطبيق محاولة للتوفيق بين النص القرآني الذي كأنه تعمّد عدم ذكر أسماء أو مفردات صغيرة، وبين روايات أتت لاحقاً لتبني علاقة بين النص القرآني وتلك الوقائع أو الأسماء توظيفاً لهذا النص.
لكن هذه النظرية تُعاني من مشكلة ميدانية، تخلقها طبيعة النصوص الروائية التي أتت في هذا السياق، ذلك أنّ هناك فرقاً بين رواية تقول ـ مثلاً ـ عندما تمر على قولـه تعالى: ]وكونوا مع الصادقين [(التوبة: 119)؛ نحن الصادقون، وأخرى تقول: ((الصادقون نحن لا غيرنا، والله ما أرادت إلا نحن))، فإن اللسان الثاني يختلف عن الأوّل، فنظرية الجري والانطباق ربما تحتمل النص الأول، أمّا الثاني فهو ليس تطبيقاً بقدر ما هو دلالة، وان تحملت بعض النصوص الآتية على سياق النص الثاني ما يسمّى ((الحصر الاضافي)).
وبهذا تواجه النظرية إشكالية ميدانية تمتدّ لكمٍّ كبير من هذه النصوص، التي يفترض حينئذ التعامل معها على أساس علاقة محددة بين النص القرآني والآخر الروائي ربما تفضي إلى تنحية الروائي حينئذٍ انطلاقاً من ((كلّ حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف))([59]).
3 ـ وبالملاحظة الثانية، يمكننا توجيه دعوة لإعادة النظر الشاملة في مجمل نصوص التطبيق، لتفادي خلق حالة من النوع المسجّل في الملاحظة الأولى وذلك بنقد علمي موضوعي لأسانيد ومتون كل هذه الروايات وفقاً للمعطيات القرآنية والعقلية والتاريخية المؤكّدة، وسيفضي تعامل من هذا النوع إلى تخفيف هذا النسق من النصوص واستبقاء ما لا يخلق حالة مفرطة.
إننا نوافق جولدتسيهر في ملاحظتة الناقدة هذه من حيث المبدأ في الجانب المفرط، وإلا فإن تطبيق النص القرآني هو نفسه أمر مطلوب حتى في غير زمان صدر الإسلام، على أن لا تنتقل القداسة بشكل سلبي، ولا يفرط في الجزم بالتطبيق إلا حيث يفترض.
 
القرآن ومدرسة الإصلاح الإسلامية
يختتم جولدتسيهر دراسته حول مذاهب التفسير الإسلامي، بالحديث عن تجربة الإصلاح التي عاصرها، ويدرس هذه التجربة بمدرستيها: الهندية والمصرية مع سير سيد أحمد خان بهادر وأمير علي والافغاني وعبده ورشيد رضا وغيرهم.
وفي تحليله لدور الافغاني (1897 م) الذي يراه بداية محرّكات الإصلاح المصري([60])، وعبده (1905م) الذي يجد فيه المؤسّس الحقيقي للتجديد المصري([61])، يشرح جولدتسيهر تأثير هذه المدرسة الذي بدا واضحاً في “تفسير المنار” وحجم حضوره في الأوساط الإسلامية([62]).
وفي خطوة سبقت بحثه عن اصلاح مصر، يثير جولدتسيهر الاشكالية التاريخية، اشكالية النهضة، ضمن تساؤل: العلاقة بين الإسلام والتقدّم، كيف؟ وإلى أين؟
وأوّل ما يجذب جولدتسيهر، المقولة التي نظّرت لها مدرسة الاصلاح في الهند مع أمير علي وأحمد خان، انها العقل النسبي والنسبية، التي تحل التناقض، إلغاء مظاهر الإطلاق وفهم الاسلام بشكل نسبي متحرّك([63]).
أما على خط الإصلاح المصري فكانت مقولة عبده بإحداث فاصلة بين الدين ومجمل نتاج العلماء حولـه، اذ هو نتاج تاريخي خاضع لملابسات وظروف تاريخية([64]).
وفي مجمل تحليله لمسيرة الإصلاح، يخرج جولدتسيهر بما يلي:
1 ـ تقوم حركة الإصلاح على مبدأين:
أ ـ اللاتقليد.
ب ـ فتح باب الاجتهاد([65]).
2 ـ خضعت حركت الإصلاح لعناصر في مسار تكوّنها:
أ ـ نزعة ابن تيمية (م727هـ)، وبهذا التقت مع الوهابية في محاربة ظاهرة تقديس الأولياء وتأليه العظماء([66]).
ب ـ الفهم الخلقي والروحي للإمام الغزالي (م 505هـ)، وهو الذي نقد الاتجاه الصوري للعبادات، وكان سلاحاً قوياً ضد التيار المحافظ في القرن التاسع عشر والعشرين في نقده للاتجاه الحرفي([67])، وفي رفضه التقليد([68]).
ج ـ النموّ والتقدّم المطّرد للحياة (الغرب)، الذي ترك بصماته على مشروع الإصلاح الديني كلّه([69]).
ومن السياق الثالث تقيم مدرسة الاصلاح مواقفها على أساس القرآن، ويظهر التفسير العلمي، لأن القرآن لا يعارض العلم([70])، ورغم أن عبده لا يستسيغ التفسير العلمي (الذي بلغ درجاته المفرطة مع الطنطاوي) إلا أنّه كان يمارسه، وقد أشار جولدتسيهر الى ممارسات مدرسة الاصلاح لهذا التفسير([71]).
ومع اشارة من جولدتسيهر إلى رفضه هذا المنهج التلفيقي([72])، وهو رفض في محلّه من حيث المبدأ، إلا أنه يؤكد على اتساع مدياته من حدود العلوم الطبيعية إلى قضايا القانون والأسرة والاجتماع، مثيراً موضوع تعدد الزوجات كأنموذج([73]).
ومن هذه البنيات التي شادت عليها مدرسة الشيخ محمد عبده أركانها، شرع الاصلاحيون في تصفية حساباتهم الداخلية مع خصومهم انطلاقاً من القرآن والفهم الجديد له([74])، وبذلك حقّ لجولدتسيهر نعت تفسير الإمام عبده بالتفسير (الأيديولوجي) المذهبي([75]).
والمسحة العامة التي تحكم دراسة جولدتسيهر لمدرسة الاصلاح التي التقى بعضَ كبار رجالها شخصياً، تقوم على تشكيك في جدوى التوفيق بين القرآن والنتاج الغربي عموماً، مما يجعل جواب جولدتسيهر المطوي عن سؤال
النهضة سلبياً، حيث يشكك فيما أتى به أمير علي، وما قدّمته مصر من إصلاح ديني.
ورغم أنّ البحث كان توصيفياً بشدّة كبعض مباحثه حول التصوّف، إلاّ أن البنية الاساسية كانت ما أشرنا إليه وهي ما سنتوقف عنده قليلاً:
أولاً: إن تطبيق المنحى التاريخاني والاتجاه النسبي (بعيداً عن الترددات السلبية للمفردة) على التاريخ الإسلامي بما فيه الحقبة النبوية، ليس خاطئاً، لان هذا المنحى يتجاوز ـ وفق مدعياته ـ الحدود الجغرافية والتاريخية، وبالتالي يفترض تصحيح المسار الذي اتخذه عبده وامير علي و…، وإذا أردنا أن نبطل مقولتهما، لكان مشروع جولدتسيهر نفسه محلاً للتساؤل، لأنه يقوم على قراءة تاريخية لا تولي اهمية للمقدّس أو المتعالي، وهذا معناه أن مقولة النسبية والتاريخانية في قراءة الإسلام، مقولة سليمة فالنبي ـ كما عند جولدتسيهر ـ انسان بشر قنّن، ومن الطبيعي أن تكون هناك مساحة من تقنيناته ذات إطار زمكاني، وإذا كان لهذا الكلام رافضون فهم التيار المحافظ الذي سبق الافغاني نفسه، ومن ثم فتكون محاولة عبده وأمير علي وأحمد خان، محاولة فلسفية إنسانية سليمة قبلها جولدتسيهر فلسفياً، سواء فسرنا تطبيقهم لها على الإسلام بأنه ذو أغراض دينية أو لا، فهذا أمرٌ يمس النوايا التي لا تُلزم النتائج العلمية النظرية.
ثانياً: وفي نفس السياق تأتي مقولات اللاتقليد وفتح باب الاجتهاد و… فهي مظاهر إنسانية لا تخصّ الإسلام، وإذا ما أُريد رفع هذه المبادئ لكانت قراءة جولدتسيهر نفسه خاطئة لانها اجتهادية لا تقليد فيها والمناهج العلمية أمور بشريّة لا تحتاج لتأسيس ديني.
ثالثاً: إن فتح باب الاجتهاد ورفض التقليد ليس ظاهرة غربية حتى نشكّك في إمكانية استيرادها بدعوى المنفصل الثقافي، بل عرفها التاريخ الاسلامي عند الشيعة على بعض الصعد وعند الغزالي باعتراف جولدتسيهر، مستبعدين المعتزلة والفلاسفة والمتصوّفة، وهذا معناه وجود عمق استراتيجي تاريخي لهذه المقولات، واذا ما كانت هناك موائز فهي في السعة والشمولية والمدى، ومن ثم فلا يصح سلب امتياز ثقافي من الدائرة الإسلامية بحجّة ان الشكل المتطوّر لهذا الامتياز جاء من الغرب، وإذا كان تيار الفقهاء قد حارب حركة البحث الحرّ في التاريخ الإسلامي فهذا لا يعني فقدان الامتداد التاريخي، لأن واحدة من الأخطاء التي وقع فيها الباحث الغربي والدارس الإسلامي المحافظ على السواء هي اعتقاد أن الفقه والفقهاء هم من يمثل الدّين لا غير.
ومعنى هذا أنّ محاربة الإسلام الرسمي لبعض مظاهر حريّة التفكير الديني لا يفترض فهمه موقفاً إسلامياً يملك امتداده الاستراتيجي بقدر ما يعبّر عن صراع مدارس كان لتيار التفكير الحر ـ مع المعتزلة ـ دور السيطرة فيه على الإسلام الرسمي في بعض الحقبات الزمنية (العباسيّة).
رابعاً: إننا نوافق جولدتسيهر على ملاحظته الناقدة للمشروع التوفيقي بين الدين والعلم في تلك الحقبة، لان تلك التجربة كشفت عن اسقاطات مفرطة وتطويع هائل خضع له النص الديني الإسلامي عموماً، الأمر الذي انكشف فيما بعد ـ ومعيارياً ـ خواء كثير منه، وأنه كان من الناحية النفسية والاجتماعية رد فعل لا أكثر، إلا أن ذلك لا يعني عدم إمكانية مزاوجة بين العلم ـ بمعناه الواسع ـ والدين بمعنى النص، ذلك أن إدخال العلم عنصراً في فهم النص وتقييمه يتساوى فيه نقد النص وتأييده، وإذا كان هناك من حق في فهم النص ونقده وفقاً لمعطيات العلوم الحديثة كما فعل كلّ المستشرقين والغرب أيضاً، فإن النتائج يجب أن لا تكون شرطاً مسبقاً لجواز استخدام هذه العملية، والأهم في الأمر هو تجنب عملية إسقاط مسبقة على النص سواءٌ كانت لصالح النص أو ضدّه.
والمعنى الذي نرومه هو أن استدعاء معطيات العلوم الطبيعية والإنسانية لفهم النص ومحاكمته عندما توضع ضوابط لعلاقة النص بخارجه ليس امراً سلبياً ما دام الموقف محايداً، وإذا أراد جولدتسيهر أن يفرغ النص القرآني من مداليل علمية طبيعية أو أراد الاسكندراني أو طنطاوي إغراقه في هذه المداليل فهذان موقفان مسبقان، لا يفترض تحميلهما على مبدأ علاقة النص بالعلم ليدّعي تعارضهما أو عدم تعارضهما، لأن تعارض العلم والدين لا يأتي من معطي قبلي أوّلي دائماً بقدر ما يحتاج الى معطى نهائي يفترض استنطاقه للنص سلفاً.
 
 
*     *     *

 

 

الهوامش:

 

 

[1] ـ نميل إلى ملاحظة القارئ للنموذج النقدي الذي سجله الدكتور حسن حنفي على الدكتور هشام جعيّط في كتابه “الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي”، وهو يخص مرجعية الاستشراق عند جعيّط، أنظر دراسات فلسفية في الفكر الإسلامي المعاصر (1)، دار التنوير، بيروت، الطبعة الثانية، 1995م، خصوصاً ص227 ـ 228.
[2] ـ اُنظر حول هذا السياق، وملابسات الحقبة القروسطية، كتاب الإسلام والمسيحية من التنافس والتصادم إلى الحوار والتفاهم، أليكسي جورافسكي، ترجمة خلف محمد الجراد، نشر دار الفكر والفكر المعاصر، بيروت ودمشق، الطبعة الثانية، 2000م، ص33 ـ 103، وأنظر أيضاً مكسيم رودنسون، تراث الاسلام، سلسلة عالم المعرفة، 233، ترجمة د. محمد زهير السمهوري، ود. حسين مؤنس، ود. إحسان صدقي العمد، الطبعة الثالثة، 1998م، ج1: 31 ـ 93، وأيضا بالفارسية كتاب “نكرشي تاريخي، رويا رويي غرب با اسلام” للدكتور جهان بخش ثواقب، نشر مركز انتشارات دفتر تبليغات اسلامي، الحوزة العلمية، قم، الطبعة الاولى، 2000م، ص189 ـ 334، خصوصاً 253 ـ 268.
[3] ـ محمد أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ترجمة هاشم صالح، نشر مركز الإنماء القومي والمركز الثقافي العربي، بيروت والدار البيضاء، الطبعة الثالثة، 1998م، ص248.
[4] ـ يوهان فوك، تاريخ حركة الاستشراق، تعريب عمر لطفي العالم، نشر دار قتيبة، بيروت دمشق، الطبعة الاولى، 1996م، ص243.
[5] ـ م. ن: 246.
[6] ـ نجيب العقيقي، المستشرقون، دار المعارف، مصر، ج3: 906.
[7] ـ انظر عبدالحميد صالح حمدان، طبقات المستشرقين، مكتبة مدبولي، مصر، ص115.
[8] ـ عبدالحميد بن محمد ندا جعرابة، المدخل إلى التفسير، مكتبة الزهراء، القاهرة، الطبعة الاولى، 1996م، ص306 ـ 309، وممن اتخذ موقفاً سلبياً عبدالجبار الرفاعي، مجلة رسالة القرآن، العدد 11، 1413 هـ، ص181 ـ 182، وكذلك الكاتب الايراني مسعود ربيعي آستانه، مجلة پژوهشهاي قرآني (بحوث قرآنية)، العدد 27 ـ 28، 2001م في مقالته حول رجيس بلاشير، ص391، ويبرز في هذا السياق الكاتب الفلسطيني ادوارد سعيد ـ وإن بنمط تحليل مختلف ـ في كتابه الهام “الاستشراق، المعرفة السلطة، الإنشاء”، دار الكتاب الإسلامي، إيران، الطبعة الثالثة، ترجمة كمال أبو ديب.
[9] ـ مالك بن نبي، القضايا الكبرى، إنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي الحديث، ص167 ـ 198، وقد أخذ بهذا الرأي العديد من بينهم الباحث الجزائري محمد بشير الهاشمي مغلي، أنظر مجلّة المنهاج، بيروت، العدد 18، 239 ـ 252، ولـه أيضاً في العدد 15 من المجلة نفسها، ص94 ـ 107 والعدد 16، ص76 ـ 87.
[10] ـ م. ن: 171.
[11] ـ لاحظ نجيب العقيقي في كتابه الهام المستشرقون، ولاحظ حول هذا الجدل، مجلة المنهاج العدد 19، حوار مع المؤرخ نقولا زيادة، والدكتور أحمد حطيط والدكتور محسن صالح، ص293 ـ 335.
[12] ـ نجيب العقيقي، المستشرقون، مصدر سابق، ص906.
[13] ـ عبدالرحمن بدوي، الدفاع عن القرآن ضدّ منتقديه، مكتبة مدبولي الصغير، مصر، الطبعة الأولى، الفصل الخامس (اجناس جولدتسيهر وتشابهاته الخاطئة بين الاسلام واليهوديّة)، لاحظ ص75 ـ 82.
[14] ـ مصدر سابق: 189 ـ 190، وتجدر الاشارة الى نقد الشيخ محمد الغزالي لكتاب ((العقيدة والشريعة))، كما يذكره الدكتور عمر بن ابراهيم رضوان في كتابه “آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره، دراسة ونقد”، دار طيبة، الرياض، ط1، 1992م، ج1: 162.
[15] ـ ابن ادريس الشافعي، كتاب الأم، دار المعرفة، لبنان، ج7: 273 ـ 278، والباب تحت عنوان: “باب حكاية قول الطائفة التي ردّت الأخبار كلّها”.
[16] ـ يوهان فوك، تاريخ حركة الاستشراق، مصدر سابق ص243.
[17] ـ أجناس جولدتسيهر، مذاهب التفسير الإسلامي، ترجمة الدكتور عبد الحليم النجّار، دار إقرأ، بيروت، الطبعة الثالثة، 1985م، ص3.
[18] ـ م. ن.
[19] ـ العقيدة والشريعة في الإسلام، دار الرائد العربي، بيروت، ترجمة وتعليق: محمد يوسف موسى وعبدالعزيز عبدالحقّ والدكتور علي حسن عبدالقادر، طبعة مصوّرة عن طبعة دار الكتاب المصري، (1946)، خصوصاً ص33.
[20] ـ العقيدة والشريعة في الإسلام، مصدر سابق، ص35 ـ 36.
[21] ـ مذاهب التفسير الاسلامي، مصدر سابق، ص4 ـ 6.
[22] ـ م.ن: 8 ـ 9.
[23] ـ م. ن: 14 ـ 15.
[24] ـ م. ن: 23.
[25] ـ م. ن: 35.
[26] ـ م. ن: 33.
[27] ـ م. ن: 36.
[28] ـ م. ن: 40.
[29] ـ م. ن: 48.
[30] ـ م. ن: 61.
[31] ـ م. ن: 52 ـ 53.
[32] ـ م. ن: 59 ـ 65.
[33] ـ م. ن: 66 ـ 67.
[34] ـ أنظر حول تفسير الآية وما جرى بين عمر بن الخطاب وحذيفة بن اليمان كتب التفاسير، منها جامع البيان، أبو جعفر الطبري، دار الفكر، لبنان، 1988م، م4، ج6، ص 42 ـ 43.
[35] ـ م. ن: 73.
[36] ـ م. ن: 73.
[37] ـ م. ن: 74 ـ 75.
[38] ـ م. ن: 75 ـ77.
[39] ـ م. ن: 80 ـ 82.
[40] ـ م. ن: 106 ـ 120.
[41] ـ م. ن: 80 ـ 82 و104.
[42] ـ م. ن: 104.
[43] ـ م. ن: 93.
[44] ـ ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، الطبعة الأولى المصحّحة، 1999م، ج1: 141.
[45] ـ م. ن: 76 ـ 77.
[46] ـ م. ن: 163 ـ 168.
[47] ـ م. ن: 94.
[48] ـ تاريخ التراث العربي، فؤاد سزكين، نقله إلى العربية: د.محمود فهمي حجازي، نشر مكبة المرعشي (اوفست)، إيران، الطبعة الثانية، 1412هـ، ج1: 66 ـ 68.
[49] ـ تفسير غريب القرآن، الشهيد زيد بن علي، تحقيق: حسن محمد تقي الحكيم، الدار العالمية، لبنان، الطبعة الأولى، 1992م، ص11 ـ 14.
[50] ـ أنظر كأنموذج، كتاب “تدوين السنّة”، إبراهيم فوزي، دار رياض الريّس للكتب والنشر، بيروت، الطبعة الثاثة، 2002م، ص229 ـ 231.
[51] ـ أنظر حولـه أبو العباس النجاشي، رجال النجاشي، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين، إيران، الطبعة الخامسة، 1416هـ، رقم 680، ص260، وكذلك الفهرست للشيخ الطوسي، منشورات الشريف الرضي، إيران، ص 89، ومعجم رجال الحديث، السيد أبو القاسم الخوئي، نشر مدينة العلم، إيران، ج11: 193 ـ 210، رقم: 7816.
[52] ـ رجال النجاشي، مصدر سابق، ص170، رقم: 448، والفهرست، مصدر سابق، ص 72 ـ 73، رقم: 293، ومعجم رجال الحديث، مصدر سابق، ج7: 321 ـ 327، رقم: 4805.
[53] ـ راجع حول هذا الموضوع دروس الشيخ مسلم الداوري، أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق، بقلم محمد علي علي صالح المعلّم، 1416هـ، ص 163 ـ 180.
[54] ـ يقول الشيخ الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه: “وكان شيخنا محمد بن الحسن بن الوليد رحمه الله يقول: “أول درجة في الغلو نفي السهو عن النبي (ص)…” وأنا احتسب الأجر في تصنيف كتاب منفرد في إثبات سهو النبي (ص) والردّ على منكريه إن شاء الله تعالى”، أنظر الكتاب المذكور، تحقيق علي أكبر غفاري، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، إيران، الطبعة الثانية، 1404هـ، ج1: 360.
[55] ـ أوائل المقالات، من سلسلة مصنفات الشيخ المفيد، نشر المؤتمر العالمي بمناسبة ذكرى ألفية الشيخ المفيد، الطبعة الأولى، 1413هـ ج4: 70.
[56] ـ مصدر نفسه: 68.
[57] ـ “مكتب در فرايند تكامل”، فارسي، حسين مدرسي طباطبائي، ترجمة هاشم إيزدپناه عن اللغة الانجليزية، وهو كتاب يتسم باستقصاء مميّز ومنهج تاريخي معاصر.
[58] ـ مذاهب التفسير الاسلامي: 323.
[59] ـ الشيخ الكليني، الكافي، تحقيق علي أكبر غفّاري، نشر دار الكتب الإسلامية، أخوندي، الطبعة الثالثة، 1388هـ ، ج1: 69.
[60] ـ مذاهب التفسير الاسلامي: 348.
[61] ـ م. ن: 350.
[62] ـ م. ن: 351 ـ 352.
[63] ـ م. ن: 337 ـ 338.
[64] ـ م. ن: 353.
[65] ـ م. ن: 355 ـ 357.
[66] ـ م. ن: 363 ـ 367.
[67] ـ م. ن: 368.
[68] ـ م. ن: 369.
[69] ـ م. ن: 367.
[70] ـ م. ن: 376.
[71] ـ م. ن: 376 ـ 383.
[72] ـ م. ن: 376 ـ 377.
[73] ـ م. ن: 387 ـ 389.
[74] ـ م. ن: 391 ـ 392.
[75] ـ م. ن: 392.