الاستشراق وتاريخيّة التفسير القرآني

16 يوليو 2009
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
2٬438 زيارة

الاستشراق وتاريخيّة التفسير القرآني

مدخل:
كثرت الدراسات المتّصلة بالاستشراق ونتاجات المستشرقين، وتنوّعت المواقف والآراء إزاءهم، بين أيديولوجي وآخر غير ايديولوجي، وانقسم الدارسون المسلمون (وغيرهم) لحركة الاستشراق إلى اتجاهات، رأى بعضهم فيه مؤامرةً استعماريّة تهدف الى التوسّع والسيطرة الغربية على العالم الإسلامي، ومن ثَم يجب اتخاذ موقف دفاعي إزاء هذه الحركة دون تمييز، مع اعتراف خجول بقدرها ودورها المعرفي على الصعيد الإسلامي، بل بلغ الامر حدّ اعتقاد مفكّر كبير من امثال مالك بن نبي أن الاستشراق قام بمؤامرته عن طريق تبجيل المسلمين أكثر.
أما الاتجاه الآخر فأفرط في التقديس والتبجيل إلى حدّ الحديث عن نتاج معرفي لموضوعات إسلامية لم يكن ليرقى إليه المسلمون أنفسهم، وأخذ الاستشراق شيئاً فشيئاً بالتحوّل إلى مرجعية طبعت بصماتها فيما بعد على تيارات ثقافية بكاملها داخل العالم الإسلامي، وبدت هذه التيارات ترجمةً شبه حرفية لكلمات المستشرقين([1]).
ويبدو أن البحث حول ظاهرة الاستشراق، وتعريفها، ومتى نشأت، هل في القرن التاسع الميلادي أو الثاني عشر أو الثامن عشر أو … وكذلك السياق السياسي الحضاري الذي نما فيه… كل ذلك يبدو خارجاً عن إطار بحثنا، ولكن كمقدمة لتحديد مناخ دراستنا هذه، يجدر التنبيه على أمر هو:
أ ـ الشيء المؤكّد أن الاستشراق ولد تحت تأثير سياق حضاري ـ ديني ـ سياسي في الغرب، أي تحت تأثير نمطيات القرون الوسطى عن الاسلام في العالم الغربي، وهي صور نمطية بالغة البعد عن الواقع في بعض الاحيان، ومشحونة بموقف عدائي أحياناً أخرى.
على خط آخر بدأ الاستشراق نشاطه في الغالب بدافع ديني بغية التبشير بالمسيحية في آسيا والعالم الإسلامي، وهو ما تؤكّده الدراسات التاريخية ـ الدينية ايضاً.
من جهة ثالثة، وظّف الغرب المستعمر تياراً كبيراً من المستشرقين في مؤسّساته خدمةً لمصالحه التوسعية، وشغل عدد كبير منهم مناصب هامة على هذا الصعيد.
هذا الثلاثي المتعاضد لا يمكن تجاوزه في قراءة الاستشراق وان كان من الخطأ البقاء فيه([2]).
ب ـ الخطأ الذي وقع فيه الباحثون المسلمون في حواراتهم الفكرية مع المستشرقين تمثل في عملية خلط أوراق، بمزج الدافع مع النتاج العلمي، وهو مزج ابتدأ من ذهنية الباحث المسلم نفسه والتي جعلته ينطلق دفاعياً متغافلاً حقائقَ كشفها المستشرق، وانتهت الامور بنتاج إسلامي جدلي سجالي مع المستشرقين، وهو نتاج أعاق استحضار المعطيات الاستشراقية لتساهم في تكوين داخلي للفكر الاسلامي الجديد، سيما بعدما اتضح لاحقاً صحة العديد من المقولات التي أثارها ذاك الجانب.
وهكذا بدت ـ كما يقول الدكتور أركون ـ موضوعات أيديولوجيا الكفاح هي المناخ الحاكم حتّى على كتّاب عرب من الدرجة الأولى من نوع عبدالله العروي وغيره، ذلك أنّ “كتاباتهم متأثرة بمناخ النضال ضد الاستعمار وضدّ الهيمنة أكثر مما هي حريصة على إعادة تفحّص ودراسة الموضوعات الأكثر عرضة للخلاف والجدل في المجال العربي والإسلامي دون تقديم أية تنازلات سواء على المستوى القومي أو الديني”([3]).
ج ـ أدّى المنحى الدفاعي الاسلامي الى غياب قراءة المنهج لصالح قراءة المفردات المثارة، فقد صدمت الباحث المسلم قضايا التشكيك في النص القرآني والإطاحة بقيمة السنّة النبويّة، فنسي مناقشة المنهج وأخذ بالدفاع عن السنة وتبرءة ساحتها من أي نقص، وهو أمرٌ صحيح لا غبار عليه، لكن الأهم منه كان مناقشة المنهج، وهي مناقشة ضاعت في طيّات مناقشة المفردات.
انطلاقاً من مجموع ذلك، كان الهدف من هذه الدراسة وقفة منهجية بالدرجة الأولى ـ دون نسيان التفاصيل أحياناً ـ لقراءة سجّلها أحد أهم المستشرقين، وهو المستشرق المجري المعروف أجناس جولدتسيهر (1850 ـ 1921م) وهي قراءة اخذت شهرتها كونها تعلّقت بواحد من أهم الجهود الإسلامية ألا وهو تفسير النص القرآني، وهي القراءة التي استبطنها كتابه ((مذاهب التفسير الاسلامي)) الذي ألّفه في أواخر حياته ليكون واحداً من مجموع ما يربو على بضع مئات.
ولم يكن جولدتسيهر مجرّد عابر على الفكر والتراث الاسلامي، بل كان خبيراً بما يفترض به معرفته على أكثر من صعيد دون أن نأخذ بجامعيّته، فقد كان عارفاً باللغات التركية والفارسية والعربية، وكان خبيراً بالتراث اليهودي المتشدّد ومعايشاً له في بعض مراحل حياته، كما درس علم مناهج نفسيّة الشعوب (البليونتولوجيا)([4]).
لقد كسب جولدتسيهر شهرته كباحث في الشؤون الإسلامية عبر كتابه ((الظاهريين: نظام تعلّمهم وتاريخهم)) (1884م)([5]).
وقد برز بتحقيقاته حول تاريخ الإسلام وعلوم المسلمين، وكانتعنده مكتبة تزيد على الأربعين ألف مجلد([6])، حتى وصفه بعض الباحثين بالضليع غزير الانتاج([7])، وقد تعدّدت كما أشرنا المواقف الإسلامية من الاستشراق، فتيار متشائم منه رافض له، يرى فيه اساس حركة القراءة الجديدة للنص القرآني في العالم العربي من طه حسين وحتّى نصر حامد أبو زيد([8])، أو يرى في تقريظه للفكر والتاريخ الاسلامي سمّاً أشد فتكاً في المسلمين كما أثاره مالك بن نبي([9])، معتبراً أدب الفخر والتمجيد الذي نشأ في القرن التاسع عشر، على أثر ما نشره علماء مستشرقون أمثال دوزي عن الحضارة الإسلامية، حقنة اعتزاز يحاول المسلم عبرها التغلّب على مركب النقص الذي عنده([10])، هذا التيار في مقابل تيار يرى في الاستشراق ظاهرة صحية يجب أن نستفيد منها مستبعداً كل المواقف الايديولوجية والحضارية والسياسية، وهو تيار برز فيه نجيب العقيقي وغيره([11]).
وعلى أثر هذه المواقف، جاءت مواقف متضاربة من جولدتسيهر نفسه، فبعد أن شهد له نجيب العقيقي بالبعد عن الهوى([12])، اعتبره عبدالرحمن بدوي غير أمين ولا منصف مع إقراره بأنه أكثر اعتدالاً من غيره([13])، أمّا عبدالجبار الرفاعي فأكّد لـه دوراً هاماً في تكوين فكرة اقتباس النبي عن غيره من اليهود([14]).
 
قداسة النص القرآني وقيمة السنّة النبويّة:
وقبل الشروع في مطالعة تجربة جولدتسيهر في دراسة التفسير الإسلامي تجدر الإشارة إلى أساسين معرفيين يجب تجاوزهما في إطار النقاش معه وهما:
1 ـ من الضروري معرفة طبيعة العلاقة التي تحكم جولدتسيهر ـ وعموم المستشرقين ـ بالنص القرآني، ذلك أنه نص غير مقدّس، ومن هنا تتولّد قراءة منفصلة عن النص وتداعيات الاعتقاد به، وهي قراءة نفتقدها نحن المعتقدين بقداسة هذا النص عموماً، فحينما نجد نوعاً من التناقض بين آيتين فإن الخلفيات العقائدية والمعرفية تشكل ضمانة لرفع هذا التناقض، الأمر الذي لا يفترض بنا توقّعه ممن لا يضع هذه الخلفيات أساساً لنشاطه التفسيري كما عند جولدتسيهر.
وعلى الخطّ نفسه، يفترض ملاحظة السياق الذي تولّد في احضانه التفكير الاستشراقي عند جولدتسيهر على صعيد قراءة النص الديني، فقد جاء جولدتسيهر عقب مخاضات ومفاصل في قراءة نص الكتاب المقدّس بدأت من تحليل مصادر وكتّاب التوراة مع باروخ اسبينوزا (1632 ـ 1677م)، مروراً بشلايرماخر (1768 ـ 1834م) وصولاً حتى غادامر (2002م)، وهذا السياق يحاول أن يتعامل مع الكتاب المقدّس كنص بشري، فماذا يفترض بنا أن نتوقع منه في تعامله مع القرآن الكريم؟!
وهنا يبدو خطأ المصادرة، التي نستخدمها كثيراً في مناقشة المستشرقين ومنهم جولدتسيهر، وكأننا نتعامل مع باحث يعتقد ـ كما نعتقد ـ بقداسة هذا النص أو ذاك، كما ومن هنا يبدو الخطأ الشائع الذي يحاول أن يسدّ الباب على جولدتسيهر أو غيره عن طريق التأكيد على وجود الظاهرة عينها في التوراة والانجيل، وكأن جميع المستشرقين متعبّدون كلاسيكيّون في ديانتهم الأم، أو كأننا ما زلنا نناقش رجال الدين المسيحيين في القرون الوسطى.
2 ـ ما هو موقف جولدتسيهر من السنّة النبويّة؟
حصيلة ما يراه جولدتسيهر في كتابه ((دراسات محمّدية))، وما يفهم أيضاً من كتابيه ((العقيدة والشريعة)) و((مذاهب التفسير))، هو أنّ السنّة ـ لا أقل أغلبها ـ إنما هي نتاج تطوّرات الاجتماع والدين عند المسلمين في القرون الأولى، وليست نصوصاً مأثورة عن النبي 2، وبعيداً عن تقييم هذا الموقف تجاه السنّة، وهو موقف ذهبت إليه جماعات قليلة في التاريخ الاسلامي، كما يفهم من كلام الشافعي (م 204هـ) في “الأم”([15])، ونادت به بشكلٍ أو بآخر بدرجة أو بأخرى بعض الشخصيات في العصر الحديث من محمد توفيق صدقي، إلى قاسم أحمد وغيره.
إلا أنّ محاكمة جولدتسيهر في مذاهب التفسير، بعيداً عن نظرياته النقدية في ((دراسات محمّدية)) فعل خاطئ، ومن هنا سوف نتجاوز هذا الجانب، وننشغل بما يتصل بالنص القرآني بشكل أبرز:
 
التفسير وأزمة المرجعيات المسقَطة:
يحاول جولدتسيهر في كتابه ((مذاهب التفسير الإسلامي))، تقديم قراءة تاريخية تحليلية لمسيرة التفسير الإسلامي للنص القرآني، ابتداءً من المراحل الاولى التي أعقبت وفاة النبي 2، وصولاً حتى مرحلة التحديث الإسلامي مع الافغاني وعبده وأمير علي و…
ويخضع جولدتسيهر في مجمل نشاطه في هذا الكتاب الفعل التفسيري لقواعد البحث التاريخي النقدي والتوصيفي معاً، محاولاً استخلاص نتائج بدت لنا، أنها الفرضيات المسبقة التي قام عليها الكتاب نفسه.
وتبدأ عملية القراءة التاريخية من عملية قياسية، يضع فيها جولدتسيهر التفسير القرآني في طرف يواجهه في الطرف الآخر مدارس الفكر الديني التي ظهرت في الإسلام، فبعد فصلين يتعرّض فيهما لمراحل التفسير الأولى والتفسير بالمأثور، يعالج جولدتسيهر التفسير على ضوء: 1 ـ العقيدة. 2 ـ التصوّف الإسلامي. 3 ـ الفرق الدينية (الشيعة والخوارج). 4 ـ حركة التحديث الاسلامي، التي ابتدأت بمدرستي الهند ومصر.
وهذا البناء المنهجي الذي تقوم عليه دراسة جولدتسيهر هذه، يخضع عملية التفسير لعلاقة استهلاكية، يصرّف فيها الفعل التفسيري عبر الزمن الإسلامي نتاج جدليات الفكر والعقيدة عند المسلمين.
وهذا هو المكوَّن التحتي الايبستمي الذي يشيد جولدتسيهر عليه دراسته، وهو ما يضم قراءته هذه الى المنهج العام الذي سار عليه، ألا وهو ـ كما يقول يوهان فوك([16]) ـ تطبيق المنهج التاريخي على الإسلام بمجموعه، وفهم الإسلام كظاهرة تاريخية حضارية.
لم يدرس جولدتسيهر تجربة التفسير الإسلامي، دراسة داخليّة مستقلّة، بقدر ما درسها على ضوء معطيات النتاج الإسلامي العام، وتبدو هنا الفرضية المسبقة التي سار عليها في دراسته، وهي تتلخّص في أنّ التفسير الإسلامي عملية ليست ذات مصداقية قياساً بأوّليات منهج ما، وإنما هي إسقاطات العقل الإسلامي المتماوج في مساراته على نصٍّ تبديه التعرية غير ذي بال، ألا وهو النص القرآني، وهذا معناه بالتالي، افتقاد التفسير مرجعيته في النصّ المفسَّر نفسه، وأيلولة هذه المرجعية الى الخلفيات الفكرية والثقافية للمفسِّر الإسلامي عموماً.
وهذا هو ما يستوحى من مجمل النسيج العام الذي يحكم هذه الدراسة، كما هو ما يبرز جلياً في النص الأوّل من الكتاب حيث جاء: ((كذلك يصدق على القرآن ما قاله في الإنجيل العالم اللاهوتي التابع للكنيسة الحديثة: پيتر فيرنفلس Peter Werenfels: كلّ امرئ يطلب عقائده في هذا الكتاب المقدّس وكلّ امرئ يجد فيه على وجه الخصوص ما يطلبه))([17]). واستنتاجاً مما تقدّم، واستتباعاً له نخرج بما يلي:
أولاً: إفراغ العملية التفسيرية من المصداقية المنهجية عدا ما يسميه جولدتسيهر التفسير السطحي البسيط([18])، والاستعاضة عن ذلك بمرجعيات تقع خارج مناخ الفعل التفسيري، وتكوّن علاقةً ما معه.
ثانياً: إسقاط بعض أحدث نظريات الهرمنيوطيقا على النص الإسلامي، وهي التي لا تعطي أهمية للنص بقدر ما تعطيه لقارئه، وعلى هذا قام حكم جولدتسيهر على التفسير الإسلامي.
ثالثاً: افتراض مصادرة مسبقة تقوم على بساطة المحتوى القرآني، وهي مصادرة كان جولدتسيهر قد أسّس لها في كتابه ((العقيدة والشريعة في الإسلام))([19]). وتختصر هذه المصادرة في أن النص القرآني لا يحتوي على كثير معطيات، وأن الافكار البسيطة المتفرّقة التي بثها محمد بن عبدالله في كتابه هذا لا تعدو مجرّد قفزات طفيفة بالنسبة للمجتمع العربي آنذاك، وأن جهود العلماء والفقهاء والمفسّرين.. المسلمين هي التي أعطت لمتفرّقات محمد طابع نظام مكتمل ومتناسق([20]).
وإزاء هذه الزاوية من بنية مشروع جولدتسيهر يمكن تسجيل ملاحظات:
1 ـ ما هي المشكلة إزاء نصٍّ، يوظفه أكثر من طرف في خدمة أفكاره ومصالحه؟ واسترجاعاً، هل يمكن وجود نص (مقدّس أو غيره) لا يخضع لهذه الظاهرة؟ فضلاً عما إذا حصل أن وجد نصّ كهذا؟
ما نريد التأكيد عليه هو: إن طبيعة اللغة تستبطن أوضاعاً كهذه، بمعنى أنها لا تأبى التطويع الذي يقنع صاحبه بصحة ما يفعله، وهذا معناه أن خضوع النص القرآني لهذه الظاهرة ليس أمراً جديداً، أو ذا أهمية، حتى تنبني عليه نتائج بالغة.
المفترض ـ عطفاً على ما تقدم ـ أن يؤسّس جولدتسيهر للنص القرآني نفسه، ويشرح نظريته فيه من حيث منهج تفسيره، ما دام يقرّ بأن في هذا النص محتوى ينتسب لصاحبه ـ أيّاً كان ـ وعقب ذلك يصح قياس تجربة التفسير الإسلامي على هذا المنهج الذي اختزله جولدتسيهر في كلمة ((التفسير السطحي البسيط))، ومن دون ذلك لا يحق لنا نعت تجربة التفسير بالإسقاط، أو دراستها على ضوء المعطيات الخارجية كالتصوف والعقيدة، والخروج بنتائج بهذه الاهمية، محاولين إسقاط تجارب التفسير كلّها بهذه الكلمة البسيطة وإلغاء قيمتها.
2 ـ ثمّة قضية ثنائيّة الطرف، ففهم النصّ يبتلي أحياناً بالاسقاط، فيوحي للمنهجيين أن وسيلة الخروج من عمليات التطويع هي افتراض خلاء في الذهن القارئ، وتشيّد على ضوء ذلك معادلة تقول: كلّما عدنا إلى بساطة العقل المعاصر للنص (القرآني مثلاً) كلّما نجحنا في ملامسة روح النص، وكلّما اثقلت كاهلنا معارفنا المنفصلة كلّما تورّطنا في تطويع وإسقاط.
هذه المعادلة صحيحة إلى حد كبير جداً، لكن عنصراً آخر يجب أن لا يغيب عن الذاكرة، ألا وهو أن بساطة المدلول بالقياس الى المفردات والتراكيب، لا تعني بساطته بالقياس إلى نفسه، وحينما يكون كذلك فهذا يفسح في المجال لاقتحامات دلالية في النص لا يرقى إليها إلا القادر على ملامسة عمق المدلول نفسه، وهذا أمرٌ وجداني ملموس، فاللغة العربية هي اللغة والمفردات هي المفردات بيد أن قوّة النص في درجة معطياته المختزنة فيه إنما تنبع من مزدوج التركيب وما يتصل به، والمضمون وما يستدعيه، فكثيراً ما يجرّ المضمون استدعاءات لا يجد المتكلم ضرورة لتسجيلها في الكلام اتكاءاً على ادراك الطرف الآخر لها، وهذا الإدراك يقوم ـ فيما يقوم عليه ـ على مدى معرفة الطرف الآخر أساساً بالمناخ الفكري لمدلول كهذا، وما لم يستقر القارئ في هذا المناخ الفكري فمن العسير عليه حينئذ كشف خبايا النص، وهذا هو ما يميز النصوص العلمية عن بعضها البعض.
ونتيجة هذا الكلام هنا، أن فهم النص القرآني (طبعاً بدرجةٍ من الفهم) ليس حكراً على المعاصرين لصدوره حتى تكون درجة استيعابهم لهذا النص هي المعيار الذي تحاكم على اساسه تجارب التفسير الإسلامي اللاحقة، وهذا ما يقودنا إلى تسجيل الملاحظة المنهجية الثانية على جولدتسيهر في أحكامه التعميمية على تجربة التفسير، ذلك أن المفترض فتح الباب لمحاكمة التفسير الاسلامي بمراحله على ضوء إمكانية أوّلية للتصحيح، حتى يأتي ما يؤكّد استعصاء النص عن كل هذه التفاسير، فهذه ليست مصادرة مسبقة، بقدر ما يفترض أن يضعها جولدتسيهر نتيجة، وهو ما لم يفعله، إذ لم يكلّف نفسه، عناء ـ ولو محاولة واحدة ـ لتصحيح أداء تفسيري لتيار التصوّف أو التشيع أو التحديث أو … وإنما افترض من البداية ـ والحال أنه بصدد دراسة التفسير فعلاً دراسة معيارية توصيفية معاً ـ خواء كل هذه التفاسير، ولا جدوائيتها.
واستنتاجاً، تعد المرجعيات المنفصلة التي استعرضها جولدتسيهر سلاحاً ذا حدين، فهي من جهة أدوات إسقاط كما درسها هو نفسه بحقّ، وفي نفس الوقت مرجعيات ملامسة للمضمون القرآني سيما التصوّف منها.
والحصيلة، أنه لم يكن من الصحيح استخدام منهج التحليل التاريخي للأفكار كمنهج وحيد معياري (لا فقط توصيفي) فيما يخص تفسير القرآن، بل ثمّة مناهج لا يخلو استحضارها من إبداء معطيات قد تعدّل من الصورة التي خرج بها جولدتسيهر.
ولا نقصد بذلك تخطئة جولدتسيهر فيما قام به من عمل جبّار، وإنما مضاعفة الأدوات المنهجية لممارسة قراءة شاملة لتجربة استمرت مئات السنين.
 
القراءات والتفسير القرآني:
يبدأ جولدتسيهر رحلة التحليل في مذاهب التفسير الإسلامي من عصر الصحابة الذين عاصروا النبي 2 وخلفوه من بعده الى عدةٍ من العقود.
ولم يجد جولدتسيهر أمامه بذوراً بدائية لعملية التفسير القرآني في تلك الحقبة تنبؤه عن منهج أو آليات أو أنماط أوّلية عدا ظاهرة القراءات فيما يبدو، فركّز عليها بوصفها مظهر التفسير القرآني في مراحله الأولى صدر الإسلام.
ولسنا نستهدف في تقييم تحليل جولدتسيهر هنا الدفاع عن النص القرآني الذي يؤكّد (جولدتسيهر) على أن ظاهرة القراءات تحكي عن وجود اضطراب في نصّه([21])، بقدر ما يعنينا ربطه بين القراءات والتفسير.
يخضع جولدتسيهر ظاهرة القراءات لتحليل يخرج فيه بنتيجتين كحصيلة لمجمل كلامه:
1 ـ الأساس العربي لظاهرة القراءات، فالنص العربي ـ ومنه القرآني ـ لم يكن مشكلاً ولا منقطاً، وعليه فقد كان يتحمّل اكثر من وجه([22]).
2 ـ العوامل الموضوعية لتكوّن ظاهرة القراءات، وهذا ما يسهب جولدتسيهر في شرحه وحشد الشواهد التاريخية له، نذكر منها:
أ ـ آية الوضوء (المائدة:6) التي أخضعت في التاريخ الإسلامي لتوليد قراءات (الكسر والفتح لرؤوسكم) نتيجة تأثير الفقه على النص القرآني، ومعنى ذلك أن ظاهرة القراءة المتعدّدة كانت سلاحاً ابتكره المتخاصمون في الفقه حول آية الوضوء لتأكيد كل طرف لمدّعاه([23]).
ب ـ آية المتعة (النساء:24)، التي زادت بعض القراءات جملة ((إلى أجل مسمّى)) فيها تأكيداً للعامل الموضوعي([24]).
ج ـ وعلى غرار الفقه، كان الكلام أيضاً، فقد اخضعت آيات من نوع
((فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين))(العنكبوت:3)(
[25])، و((بل عجبتَُ ويسخرون))(الصافات:12)بضم التاء أو فتحها([26])، وآيات المائدة (المائدة:112 ـ 115)([27])، وهكذا كان تعظيم النبي 2 وتبجيله عاملاً موضوعياً آخر ساهم في انتاج قراءات جديدة للنص القرآني([28])
وبهذا حاول جولدتسيهر أن يثبت القول بأنّ القراءات كانت تفسيراً للقرآن لا محاولةً لقراءته فحسب كما توحي به الاتجاهات المدرسية، والنتيجة المستدعاة تلقائياً هنا تعود إلى النص القرآني نفسه، إذ سيغدو نصاً غير ملزم بصيغته إلى الحد المتصوّر، ومعنى ذلك وجود حرية فردية تفسح المجال لتعديله([29]) وفقاً لفهوم المفسّرين، وهذا هو المطلب الأساسي، ونتيجته ظهرت اتجاهات ثلاثة ازاء هذا النص وحرفيّته، أخذ أحدها بمبدأ الحرية الكاملة في تعامله مع النص، وكان ابن مسعود اشد من أحدث تغلغلاً في تغييرات النص القرآني([30])، فيما بدا الآخر متحفظاً جداً مثّله علي C، ليعتدل فريق ثالث لتولّد وسطيته هذه علم القراءات فيما بعد بشكل رسمي انطلاقاً من حديث ((الأحرف السبعة))([31]).
وبهذا نجح جولدتسيهر في إسقاط نمطيات الاستشراق على ظاهرة القراءات، إذ بدا الفريق الأوّل ثائراً متحرّراً عقلانياً، فيما مثل الفريق الثاني التيار المحافظ المتشدد، ليوضع فريق الاعتدال كفئة هدفت وقف تدهور النص في الوسط الاسلامي([32]).
وفي صورة كهذه تبدو ظاهرة القمع، قمع علماءَ اللغة العربية في تناولهم للنص، وما يعطيه خلاف المبرّد والزمخشري في قولـه تعالى: ((لكنّ البرّ))([33]) من دلالات.
وأمام هذه الصورة التي يرسمها جولدتسيهر عن البدايات الأولى للتفسير عصر الصحابة وقريب منه تستوقفنا ملاحظة ناقدة، ذلك أننا لا نملك عن تلك الحقبة الزمنية ـ ونحن نتماشى هنا مع جولدتسيهر نفسه ـ معلومات واضحة على هذا الصعيد وما أشبهه، وبالتالي فالشواهد التي ذكرها لا تصنع قناعةً بوجود عامل موضوعي، زائد على عامل منطقي مترقّب يمكن تقديمه كافتراض ومن ثم الدفاع عنه، ألا وهو عدم تشكيل القرآن وتنقيطه، وتعدّد لهجات العرب، كيف أخذ جولدتسيهر بهذه الشواهد رغم أنه لم يرها إلا في الكتب التي ظهرت في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري وما بعده، وهو نفسه لا يجد في هذه الكتب نقلاً دقيقاً وصحيحاً؟!
إن جولدتسيهر مطالب بتفسير تبنّيه لهذه المجموعة من الشواهد التاريخية رغم تحفظه الشديد على ما ينقل عن تلك الحقبة عن رسول الله 2، ومن ثم نستطيع أن نجد ما يعزز احتمال اختلاق هذه النصوص من الفئات المتصارعة التي ظهرت لاحقاً.
متى ظهرت الخلافات الفقهية الحقيقية حول الوضوء والمتعة وغيرها؟
بل متى ظهر الخلاف الكلامي حول شخصية النبي 2 وصفات الله سبحانه؟ أليس من المنطقي اكثر افتراض أن الاجيال اللاحقة هي التي اخترعت هذه النصوص عن الصحابة سيما فترة التحزبات التي طالت القراءات لتنتصر لعقائدها واتجاهاتها الفقهية والكلامية؟ هل يعتقد جولدتسيهر أن الخلاف في نسبة التعجّب إلى الله كان يمكن أن يشق طريقه في النصف الأول من القرن الهجري الأوّل، واكثر من ذلك، هل كان في وعي تلك المرحلة ظاهرة بهذه