التفكير النقديّ ـ محمد باقر الصدر أنموذجاً

25 مايو 2016
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
455 زيارة

التفكير النقديّ ـ محمد باقر الصدر أنموذجاً

تمهيد ــــــ

سنفتح في هذا المقال نافذةً صغيرة، نستلهم من خلالها من منهج الشهيد محمد باقر الصدر رضوان الله عليه نَمَطاً في التفكير، وأسلوباً في قراءة الأمور. وسأحاول أن أعالج قضيّة تتعلّق بالتفكير. وسأفترض أنّ التفكير يتنوَّع إلى مجموعة أنواع، دون أن يكون هذا التنويع ناشئاً من قسمةٍ منطقيّة. وسأقرأ فكر السيد الصدر من خلال هذه الأقسام.

 

التفكير، من التنظيم إلى الفهم إلى النقد ــــــ

ينقسم التفكير ـ بنحوٍ ما ـ إلى:

1ـ التفكير المنظَّم؛ ويقع في مقابله التفكير العشوائي.

2ـ التفكير التفسيريّ أو الفهميّ، القائم على الشرح والاستيعاب؛ ويقع في مقابله التفكير المجتزأ أو الناقص، العاجز عن الفهم.

3ـ التفكير النقدي بأنواعه المتعدِّدة، التي سنشير إلى بعضها إنْ شاء الله.

النوع الأوّل: التفكير المنظَّم (أزمة العشوائيّة) ــــــ

التفكير العشوائي هو تفكيرٌ شائع حتّى بين الناس الذين يُعَدّون الأشدّ ذكاءً في العالم. ولا حاجة لقراءة علم النفس، ولا الدراسات الحديثة، لفهم ذلك، بل يمكن أن نلمس مثل هذا التفكير في حياتنا اليوميّة. وجوهر هذا التفكير هو القفز من مكانٍ إلى مكان، وربطُ ما لا يرتبط، والانتقال من نقطةٍ إلى نقطة أخرى من دون وجود ترابط وتسلسل بين النقطتين.

وهذا يشبه ما تحدَّث عنه الفلاسفة والمتكلِّمون ممّا أسمَوْه (الطَّفْرة)، حين قالوا بأنّ النملة لا يمكن لها الانتقال من النقطة (أ) إلى النقطة (ج)، من دون المرور بالنقطة (ب)، كأنْ تقفز قفزاً مثلاً بهذا المعنى للقفز.

ورغم شدّة الذكاء الذي يتمتَّع به بعض الناس، إلاّ أننا نلاحظ عندهم غياب المنهجة، وحضور البعثرة مكانها.

وكثيراً ما يكون ذلك في الخطباء الدينيّين والسياسيّين، وعند المشتغلين بالثقافة الإعلاميّة. فهم لا يضعون جسوراً بين الأفكار، ليكوِّنوا منها صورةً، لينتقلوا من مكانٍ إلى مكان بطريقةٍ منطقيّة، عبر جسرٍ يتمّ العبور منه إلى الضفّة الأخرى.

إنّهم عشوائيّون في التفكير. إنّهم يفتقدون الترابط والتراتبيّة، ورؤية العلاقات بين الأفكار بشكلٍ صحيح، فيختزلون، ولا يُشْبعون الموضوعات سيراً، وينتقون ما يريدون بطريقةٍ مقصودة أو غير مقصودة.

يقولون: إنّ العلاّمة الطباطبائي صنَّف كتاب (بداية الحكمة) وفق أساسٍ مفاده: إنّ كلّ مسألةٍ لاحقة تُبْنى على المسألة التي سبَقَتْها. وإذا صحّ هذا الأساس في كلّ المسائل فهو تفكيرٌ بالغ التنظيم، ولا يقوم على أيِّ عشوائيّةٍ؛ لأنّه يبني الأساس الثاني على الأساس الأوّل، وهكذا الثالث والرابع، حتّى يُنهي بناءه الفلسفي بطريقةٍ بارعة.

إذا راجعنا إنجازات السيد الشهيد محمد باقر الصدر في كلِّ أعماله العلميّة، وحتى شبه العلميّة ـ نظير: الإنجازات التي لا تحمل الطابع التخصُّصي ـ، فسوف نجد عنده سمةً هائلة في عمليّة التنظيم والخطو بشكلٍ تدريجي من فكرةٍ إلى فكرة أخرى، بناءً على ترابطٍ وثيق وقريب بين الفكرتين، دون قفزٍ أو اختزال.

نحن نعيش اليوم وسط ثقافة شعبيّة ومنبريّة وكتابيّة، بل حتّى وفق ثقافة نخبويّة، مليئة بالعشوائيّة.

وينبغي التنبّه إلى نمط التفكير العشوائي الذي نعاني منه جميعاً في ساحتنا العربيّة والإسلاميّة؛ حيث نلاحظ القفز من الخاصّ إلى العامّ، دون أن نلاحظ الآليّة التي سمحَتْ باستنتاج القاعدة الكليّة من شيءٍ محدود؛ وننتقل ـ نتيجة تشابهٍ بسيط ـ من موقف اتَّخذناه من (أ) إلى آخر يُراد لنا أن نتَّخذه من (ب)؛ ونحصل على يقينٍ من أشياء لا تُعطي الموضوعيةُ يقيناً منها.

إنّنا لو طالعنا المشهد الثقافي اليوم في ساحتنا العربية والإسلاميّة ـ سواء المؤيِّد أم المعارض ـ نجد هذه الظاهرة واضحة، حيث يُنتَقَل إلى نتيجةٍ من خلال معطىً أضيق دائرة من تلك النتيجة.

فيقول مثلاً: هناك مشاكل في الفقه الإسلاميّ، ويبدأ بسرد خمسين مشكلة مثلاً، وهكذا يقرِّر؛ جرّاء ذلك، نتيجة عامّة تفيد: بطلان الفقه الإسلاميّ، وعدم وجود جدوى وفائدة منه.

أو يلاحظ مجموعة مشاكل في الفكر العلماني فيتخذ قراراً بأنّه باطل، ومن ثم ينبغي شطبه من الجدارة الفكريّة.

إن مجرّد العثور على بعض الإشكاليّات في الفقه الإسلاميّ لا يعني ـ دائماً ـ الانتقال إلى قانون عام يقرّر خلو الفقه الإسلاميّ من المصداقيّة.

والمؤسف أنّ هذا الأمر هو ثقافةٌ شائعة اليوم، سواء في الإعلام المكتوب أم غير المكتوب، وفي المجلاّت والصحف والنَّشْريات، وفي الكتب والمصنَّفات، وحتّى في الحلقات البحثيّة.

وفي هذا السياق التنظيميّ لو أردنا الوقوف قليلاً مع السيد الصدر؛ لاستلهام هذه الخاصيّة التنظيميّة العلائقيّة بين الأفكار، للاحظنا أن خطواته كانت قصيرةً دون قفزٍ. وإذا أردنا أن نشبِّهه فهو نظير الشخص الذي يسير في الطريق حيث تكون الخطوة الثانية قريبةً من الخطوة الأولى. فهو لا يحاول القفز على المقدّمات؛ ليستعجل النتائج، بل إنّ خطواته متقاربةٌ، ولديه قدرةٌ متميّزة على تفكيك المعلومات والأفكار، والخطو بها شيئاً فشيئاً.

وسأعطي مثالاً واحداً ـ وبالإمكان استخراج نماذج أخرى من تراثه المنشور ـ: في حدود تتبُّعي المتواضع لم أجِدْ شخصاً فسَّر الاستقراء الأرسطيّ، وفكّك نظريّته ـ بصرف النظر عن موافقته في التفكيك ـ، بحيث جعل المجمل مفصّلاً، وجعل المدمج أمراً مفكَّكاً، وخطا مع قارئيه خطوةً خطوة، في عمليّة الوصول إلى النتيجة…، لم أجِدْ كالسيد الصدر& في القسم الأوّل من الأسس المنطقيّة للاستقراء. بل نحن لم نجد ذلك حتّى عند الأرسطيّين أنفسهم، بَدْءاً من أرسطو، ومروراً بالفارابي وابن سينا ونصير الدين، وانتهاءً بالمعاصرين له من الفلاسفة والمناطقة الأرسطيين.

إنّ قدرة الإنسان على تنظيم الأفكار ـ ولا يُكتفى بالذَّكاء والنباهة ـ، ووضع كلّ فكرةٍ في موضعها، هي قدرةٌ إضافيّة على الذَّكاء والمعرفة؛ لأنها تجعل الإنسان قادراً على الوصول بطريقةٍ منظَّمة إلى أفكاره.

ومن الضروري في ما أظنّ أن نستلهم هذا النمط التنظيميّ الهائل من السيد الصدر.

خُذْ كتاب التعارض من البحث الأصوليّ، ولاحِظْ القدرة التنظيميّة الهائلة على الخطو بخطواتٍ صغيرة، خطوةً تتبع خطوة؛ للوصول إلى النتائج.

وهذه القدرة يفتقدها خطابنا الدينيّ في أماكن كثيرةٍ؛ إذ سرعان ما نقفز ونعطي النتائج، دون أن نستلهم الخطوات بطريقةٍ أو بأخرى.

ما تقدَّم كان زاويةً من زوايا التفكير المنظَّم، في مقابل العشوائيّة في التفكير، التي تعشعش في ثنايا تفكيرنا كنُخَبٍ، على اختلافها فيما بينها.

إنّ التفكير منظَّم الخطوات يحتاج إلى شخصٍ هادئ، غير مستعجلٍ، ولا متسرِّعٍ، ولا منفعلٍ، ولا مُسْقِطٍ للنتيجة على الدراسة والبحث، ولا يعتمد التكلُّف، ولا التأويل، ولا التطويع، ولا لَيَّ عنق الحقيقة.

هذه منطلقاتٌ تساعد الإنسان أيضاً على أن يخطو بهدوءٍ؛ كي يصل إلى النتائج.

وخلاصةُ ما أريد قوله: إنّ عشوائية التفكير قد تُفقد النقد قدرته على إصابة كبد الحقيقة، بل قد تفضي في بعض الأحيان إلى ضبابيّة الأفكار، والابتعاد عن جوهر الموضوع، وإرباك العمليات البحثية؛ بتطويل المسافات عليها.

 

النوع الثاني: التفكير الفهميّ ــــــ

في هذا النوع من التفكير هناك أشخاصٌ رأيناهم في عموم المحافل العلميّة لديهم قدرةٌ جيّدة على النقد والتحليل، لكنّهم لا يملكون تلك القدرة على فهم ما يقوله الآخر. وهذا الأمر فنٌّ من الفنون.

فمن الممكن أن يفكِّر الشخص، وينتج أفكاراً، لكنْ قد يكون عاجزاً عن فهم أفكار الآخرين.

ولو تأمّل الإنسان قليلاً لرأى كيف أنّه ربما يعاني من هذه المشكلة، وهي العجز عن فهم الآخر، وتحليل أفكاره، واستيعاب جميع جوانب رأيه. وهذا ما يؤدّي إلى الوقوع في أخطاء كبيرة؛ إذ غالباً ما يكون النقد قائماً أو منبعثاً من عدم وجود فهمٍ صحيح للآخر، ومن ثمّ يصبح نقداً خاطئاً، حتّى لو كان النقد يكشف عن توقُّدٍ ذهنيّ وذكاءٍ خاصّ.

أوّل مهمّةٍ في العمليّة النقديّة هي فهم الشيء المراد نقده. وقدرة الفهم والاستيعاب ليست أمراً في متناول الجميع، ولا سيَّما إذا كان الآخر لم يُجْلِ نفسَه ويوضِّحها. وفي مثل هذه الحال لا بُدَّ من الحفر والتنقيب؛ لاستجلاء مكنون أفكاره وشرحه وتحليله. وبعد كلِّ هذا تأتي عمليّة النقد أو الموافقة.

هناك أشخاصٌ تجدهم أقوياء في النقد، لكنّهم ضعفاء في الفهم. والعكس صحيحٌ؛ إذ هناك أشخاص أقوياء في الفهم، ولكنّهم عاجزون عن نقد ما يُطْرَح.

والجمع بين الفهم والنقد ليس أمراً بسيطاً. والغالب في حياتنا العلميّة هو الوقوع في أحد الخطأين؛ إمّا خطأ الفهم؛ أو خطأ النقد. وهي مشكلةٌ أساسيّة في هذا الإطار.

وإذا جئنا إلى السيد الصدر فيكفينا كاشفاً عن وجود تفكير استيعابيّ وفهميّ لنظريّات وأفكار الأخرين عنده قدرتُه على شرحها؛ فإنّ أهمّ علامةٍ دالّة على استجلاء فهم الطرف الآخر للأفكار والرؤى هي التمكُّن من شرح الأفكار وإيضاحها بتسلُّطٍ وهيمنة. وكما عبّر بعض أساتذتنا: إنّ أولئك الذين لا يتمكَّنون من إيضاح الفكرة متَّهمون ـ في الجملة ـ بأنهم لم يفهموا حتّى فكرتهم أيضاً، وأمّا أولئك الذين قدروا على طرح الفكرة بأسلوبٍ واضح وجليّ، وشرحوها باستيعاب، فهم يملكون ذلك العقل القادر على فهم الأشياء، واستجلاء عناصرها، وتحليل مفرداتها ومكوّناتها.

وإذا رجعنا إلى (فلسفتنا) و(اقتصادنا) و(الأسس المنطقيّة)، حيث شرح النظريّات الاشتراكيّة والرأسماليّة والوضعية، بحَسَب ما توفَّر عنده من مصادر، وكذا إذا رجعنا إلى موروثه الفقهي والأصولي، أقول: مراجعة ذلك تكشف بطريقةٍ جليّة عن القدرة الواضحة على فهم الآخرين، والقيام بشرحٍ وتحليل لأفكارهم، بطريقة ربما تكون أكثر من قدرة أصحاب الفكرة نفسها على شرحها وتحليلها وتفكيكها في بعض الأحيان. وهذه علامةٌ مهمّة لضمان سلامة التفكير.

طبعاً، لا أنفي أنّ السيد الصدر قد تكون التبست عليه مجموعةٌ من الأفكار التي طرحها الماركسيّون وغيرهم، لكنّنا نتكلَّم في الجوّ العام لكتاباته. فأرجو التنبُّه لهذا الأمر.

من هنا؛ ولكي تنتظم عمليّة التفكير، لا بُدَّ من استلهام المنهج الفكريّ المنظَّم من هذا الرجل العظيم، في مقابل العشوائيّة الضاربة في أوساط الكثيرين في العالم الإسلاميّ.

كما نستلهم منه أيضاً قدرة الفهم التي تحتاج إلى الصبر وعدم الاستعجال. ففي كثيرٍ من الأحيان نجد أنّ أشخاصاً كُثراً يعلِّقون على أفكار بعضهم ببعض التعليقات الكاشفة عن عدم قراءتهم، أو عدم فهم ما قاله الآخرون؛ جرّاء الاستعجال في الفهم. وهذه نقطةُ عيبٍ كبيرة جدّاً ومعقّدة.

وأعتقد أنّ هذه الخصلة عند السيد الصدر ـ وهي القدرة على البيان النابعة من القدرة على الفهم ـ يمكن أن تكون مُلْهِماً لنا في سبيل تطوير طرائق تفكيرنا، أو بتعبيرٍ أدقّ: لتجويد طرائق تفكيرنا في هذا الإطار.

 

النوع الثالث: التفكير النقديّ أو بصيرة النقد ــــــ

التفكير النقديّ هو التفكير الذي ينبني على عدم التقليد، فأولئك الأشخاص الذين اعتادوا في حياتهم على أن يجعلوا عقولهم مقلِّدة لا يعرفون التفكير النقديّ في شيءٍ، بل من الصعب عليهم أن ينقدوا ذلك الذي قلَّدوه، ونقدُهم لغيره عادةً ما يكون تقليداً لمقلَّدهم في النقد. وأساس التفكير النقديّ هو التحرُّر من سلطةٍ فكريّة أقوى تهيمن على الإنسان، ومن ثَمّ فالخطوة الأولى هي أن يتجرّأ على توجيه السؤال العلميّ لهذه السلطة نفسها. وإذا لم يملك الإنسان هذه الجرأة ـ والتي هي بُعْدٌ تربويّ نفسي ـ فإنه لن يوفَّق في ممارسة أيّ تفكيرٍ نقديّ. نعم سيوفَّق رُبَما للدفاع عن فكرةٍ، لا في نقدها. وكثيرون في الساحات العلميّة يجيدون عمليّة الدفاع عن هذا المفكِّر أو الفقيه أو العالم أو ذاك، وعن هذه الدولة أو تلك، وعن هذا التنظيم السياسي أو ذاك، ولكنَّهم لا يجيدون نقدهم ونقد أفكارهم. فالدفاع يشبه النقد، لكنَّه يختلف عنه بخيطٍ رفيع.

التفكير النقديّ تفكيرٌ رافض للتقليد، ويطمح لتوجيه أسئلةٍ. وهو بطيء التصديق في الوقت نفسه؛ فإنّ الإنسان الذي يمتلك تفكيراً نقديّاً تجد التصديق عنده متأخِّراً؛ لأنّ الأفكار حين تأتي إلى ذهنه سوف تخضع لمعالجةٍ وتصفية، وكأنَّه يضعها في حقلٍ حراري أو إشعاعي معيَّن، ثمّ بعد ذلك تأتي مرحلة التصديق بها. فحين يسمع خبراً أو قصّة أو حادثة، أو يُنْقَل له كلامٌ، أو يرى فكرةً، فهو متريِّثٌ في الاقتناع بها، وبطيء التصديق، بخلاف المقلِّد، الذي هو سريع التصديق للجهة التي يقلِّدها عادةً. وهذه نقطةٌ مهمّة في هذا الموضوع.

وبعد إيضاح هذا المستوى لا بُدَّ من الحديث عن المستويات والدرجات التي تكون فيه؛ إذ تُطرح مستويات ثلاثة للتفكير النقدي، لا بُدَّ من استعراضها؛ لملاحظة أنّ السيد الصدر في أيِّ درجةٍ منها:

 

المستوى الأوّل: النقد السطحيّ ــــــ

المستوى السطحيّ في التفكير النقديّ ـ ولا نقصد بكلمة (السطحيّ) التقليل من شأنه، بقدر ما نريد توصيفه فقط ـ هو النظر الشكلانيّ للقضيّة. وإذا أردتُ أن أعطي مثالاً قريباً منّا يمكن الحديث عن بعض المناقشات الجامعيّة للبحوث، فمع احترامي لكلّ المناقشين في بحوث تخرُّج الماجستير والدكتوراه، نجد بعضهم أحياناً يقدِّمون اعتراضات سطحيّة وشكليّة هي جزءٌ من وظيفتهم، كاعتراضهم على استخدام هذه المفردة أو تلك، وعلى عدد الكلمات الموظَّفة في هذا العنوان أو ذاك، وعلى الشؤون الصياغيّة والشكليّة والأسلوبيّة والطباعيّة ونحو ذلك. فالطابع العامّ على الاعتراضات والنقديّات التي تقدَّم في أمثال هذه البحوث هو السطحيّة، ومعالجة الشكل والظاهر.

ومن هذا النوع من النقد ما نسمِّيه بالنقد الجُملي، وهو نقدٌ شاع في الفترة الأخيرة، حيث يتمّ أخذ جملةٍ من نصٍّ طويل أو من مشروع فكري، ثمّ تقديم المشروع الفكري على أنّه هذه الجملة، وحصر العملية البحثيّة والتحليليّة فيه بهذه الجملة أو تلك!

 

المستوى الثاني: النقد الموضعيّ ــــــ

تدخل العمليّة النقديّة في بعض الأحيان في مرحلةٍ أعمق، سنطلق عليها: «مرحلة النقد الموضعي»، أي تأخذ جزءاً من الفكرة أو النظريّة، وتبدأ بتسليط الضوء عليه، وكأنَّما تشرِّحه، كما يمارس الطبيب الجرّاح ذلك، أو تأتي بجزءٍ من نظريّةٍ في علم أصول الفقه أو الفلسفة أو علم الكلام الجديد مثلاً، ثمّ يُصار إلى تسليط الضوء عليه بطريقةٍ ممتازة، ونقده.

 

المستوى الثالث: النقد البنيويّ ــــــ

نعني بالنقد البنيويّ أنّ الباحث يأخذ جسم النظريّة والفكرة بشكلٍ عامّ بعين الاعتبار، وبعد ذلك يوجِّه سهام النقد إليه، فيدَّعي أن هناك مشكلةً تعتري هذه النظريّة أو الفكرة من أقصاها إلى أقصاها. ففي بداية الأمر يتمّ تلقّي الرؤية بشكلٍ كامل، ليتحوَّل بعد ذلك إلى عمليّة نقدها، أو يتمّ تلقّي مدرسةٍ فكريّة كاملة ومن ثمّ يقدِّم النقد لمجموعها، لا أنّه يمارس النقد لجزئيّة هنا أو جزئيّة هناك فقط، بل النقد يوجَّه إلى الخارطة والهيكليّة العامّة، والنسيج الحاكم، والبنية التحتيّة، والمسار العامّ، لهذه المدرسة أو هذا الاتجاه والرؤية.

وإذا حلَّلنا نمط النقد ومستواه عند السيد الصدر فسنراه يتراوح في الغالب ويتأرجح تارةً بين النقد الموضعي والنقد البنيويّ. فحين كان يناقش كان يناقش مدارس فكريّة، وهو أمرٌ ليس بالسهل على الإطلاق، فقد يكون في متناول الإنسان مناقشة فكرة معيّنة أو نظريّة خاصّة، لكنّ مناقشة مدرسة فكريّة تتألَّف من مجموعة هائلة من الأضلاع ليس بالأمر الهيِّن، بل يحتاج إلى جهدٍ أكبر في العمليّة النقديّة؛ حتّى يتمكَّن الباحث من النجاح في ذلك.

وأعتقد أنّ السقف الذي عالجه السيد الصدر في تفكيره النقديّ كان انطلاقاً من النقد السطحيّ، مروراً بالموضعيّ، ووصولاً إلى النقد البنيويّ، وذلك حين نقد الاتجاهات الماركسيّة في الاقتصاد، والمادِّيين في الفلسفة، والمدارس المنطقيّة في علم المنطق. فنحن أمام رجل لا تقف انتقاداته أو نقديّاته عند أفكار داخل أطرٍ، كما هو الحال الغالب عندنا حين ننتقد فكرةً لنصير الدين الطوسي أو المحقِّق النائيني مثلاً، حيث تعجّ بهذا الحال المنظومة الإسلاميّة، وإنَّما قدَّم الصدر نقداً للمدارس والرؤى بشكلٍ كامل، وهذا الأمر ليس بالشيء الهيِّن، بصرف النظر عن مدى نجاحه في نقديّاته.

إنَّنا بحاجةٍ إلى استلهام عمليّات النقد عنده، وتخطّي الجانب السطحيّ إلى الجانب الموضعيّ، وتخطّي الجانب الموضعيّ أيضاً إلى الجانب البنيويّ، فنقرأ المدارس قراءةً بنيويّة.

في بعض الأحيان يطالع الإنسان مقالاتٍ أو بحوثاً متعلِّقة بنقد مدارس فكريّة أخرى، لكنّه يكاد الشعور بشيءٍ من الإحباط؛ وذلك لأنّ هذا الشخص الذي يقوم بعمليّة النقد يمارس نقداً موضعيّاً لمدرسةٍ، وهذا الشيء غير منطقيٍّ، كما أشرنا قبل قليل. فنقد الرأي الفقهي في مسألةٍ تفصيليّة في باب الطهارة أو في باب العقوبات الجزائيّة، أو نقد آليّة اعتمدوها في فقه النكاح والطلاق، لا يعني صحّة تسميته بالنقد البنيويّ، أو نقد المدرسة وأصول التفكير. والخلط بينهما أدّى ببعض كُتَّابنا إلى أنَّهم حين يكتبون في نقد المدارس يستخدمون هذه الطريقة، بحيث ينظر إليهم الآخرون بنظرةٍ سطحيّة؛ لأنّ هذا لا يشكِّل نقداً مدرسيّاً، بقَدْر ما هو نقدٌ محدود الدائرة.

 

مجالات التفكير النقديّ، من الآخر إلى الذات ــــــ

وإذا تجاوزنا مستويات النقد، التي نستلهم من السيد الشهيد مستوياتٍ عميقةً فيها، ندخل في مجالاته. فغالباً ما نقدِّم النقد للآخرين، بمعنى أن يكون نقدُنا لغيرنا، وهو أمرٌ سهل. ولو أردتُ أن أحفر قليلاً فإنّ نقد الآخرين يعزِّز الذات، ومنسجمٌ مع الأنانيّة والذاتيّة، ولا أقول: هي ذاتيّةٌ، بل أقول: إنها تصلح للانسجام مع الذاتيّة؛ لأنّ من طبع الإنسان ورغبته أن يُسقط الآخر، لكنْ من الصعب أن يرغب في نقد ذاته، فنقدُ الذات فيه جهاد مع النفس، وفيه محاربة للأنا في هذا الإطار.

وإذا رصدنا السيد الصدر سنجده اشتغل على الملفَّيْن معاً (نقد الآخر؛ ونقد الذات). والقسم الثاني يحتاج إلى محاربة للأنا؛ لأنَّك تقوم في نقد الذات بمحاربة ذاتك للوَهْلة الأولى. فحين يقوم السيد الصدر بنقد الأمّة الإسلاميّة فهو ينتقد ذاته الجماعيّة، وحين ينتقد المؤسَّسة الدينيّة فهو ينتقد ذاته أيضاً، وحين ينتقد الحركة الإسلاميّة فهو ينتقد نفسه أيضاً، وحين ينتقد الحوزات العلميّة فهو ينتقد نفسه أيضاً، وكذا البرامج التعليميّة.

إنّ عمليّة نقد الذات تحتاج في بعض الأحيان إلى جهاد. فمن السهل عليَّ أن أنتقد الآخر، لكنّ من الصعوبة بمكانٍ أن أنتقد ذاتي؛ بل أحياناً نجد أنّ نفس هذا النقّاد حينما يصرف نظره تلقاء نفسه تتعطَّل آليّاته العقليّة النقديّة، فيكون الأمر صعباً عليه، وكأنَّما وضعت القيود في يدَيْه، فعقلُه لا يقدر على ممارسة عمليّة النقد الرائعة التي كان يمارسها ضدّ الآخرين؛ لأنّ الأنا هنا تدخل بقوّةٍ، من حيث شعر أم لم يشعر، ونقد الأمّة والحوزة والمرجعيّة ومناهج التعليم والحركة الإسلاميّة وغير ذلك هو جزءٌ من عمليّة نقد الذات.

وكما استخدم هذا الشهيد الكبير هذا المزدوج من نقد الآخر ونقد الذات، نحن اليوم أيضاً مطالبون باستلهام هذا المنهج، في أن لا نجمد على نقد الآخر، فلا نرى هذه الذوات التي ربما تكون خاطئةً، كما لا نجمد على نقد الذات؛ كي لا نغرق أيضاً في عمليّة إحباطٍ غير سليمة.

 

أخلاقيّات النقد عند السيد الصدر ــــــ

سأكتفي في الحديث عن أخلاقيّات النقد عند السيد الصدر بأمرين، من باب التذكير، وهما واضحان: «الموضوعيّة»؛ و«الأدبيّة».

من النادر أن تجد شخصاً حينما يناقش فكرةً يتماهى مع خصمه، حتّى تظنّ أنّ هذا الشخص مقتنعٌ بها، بل يختلق لها الأدلّة والوجوه والاعتبارات، ثمّ يقوم بعد ذلك بالنَّقْد. وهذه هي قمّة الإنصاف والموضوعيّة. فعلى الباحث أن يتماهى مع الأفكار، حتّى لو كانت من أكثرها بُعْداً عن فكره، وعليه تقمُّص شخصيّة الخَصْم، ثمّ التفكير لمصلحته، ثمّ تقديم أقصى ما يمكن تقديمه، وبعد ذلك يعود لممارسة عمليّةٍ نقديّة.

وهذا الأمر ليس بسيطاً، وإنَّما يحتاج إلى تربيّة روحيّة وأخلاقيّة، وإيمانيّة أيضاً، في كيفيّة ممارسة هذا النوع من النقد. ولا نحتاج إلى شواهد حينما نطلق هذه الادّعاءات؛ لأنّ الجميع قد لاحظ منجَزَ هذا الرجل الكبير، وإنَّما نريد أن نستجمعها؛ لنستلهم منها.

أمّا أدبيَّته وهدوء لغته، فهو ليس رجلاً متوتِّراً فاقداً لأعصابه، وليس رجلاً متعثِّراً في مشيته، فيشعرك كأنَّه يملك الساحة؛ نظراً لثقته بنفسه التي يملكها. والنقد الأدبي هو نقدٌ منطلق من ثقةٍ بالذات، أمّا النقد الهائج المنفعل فقد يأتي أحياناً من الخوف وعدم الوثوق من صحّة النقد. فعلى الباحث التنبُّه إلى الثقة بنفسه، وعدم تعنيف الآخرين جرّاء فقدانها. كما وعليه أن يقدِّم رؤيته وانتقاداته بطريقةٍ هادئة، شاعراً أنّ الميدان ميدانه. وفي حالة عدم ثقته بنفسه وبفكره بطريقةٍ علميّة لا ينبغي له الدخول إلى الميدان، فيوتِّر الساحة.

نحن محتاجون اليوم أن نستلهم من هذا الرجل الكبير أخلاقيّة النقد في بُعْدَيْها: الموضوعيّ المميَّز جداً؛ والأدبيّ المميَّز كذلك. وهناك فرقٌ بين الخطابات التَّعْبَويّة والخطابات الفكريّة. ونقلُ الخطاب التَّعْبَويّ إلى الفكر كارثةٌ في كثيرٍ من الأحيان، كما أنّ نقل الخطاب الفكري أحياناً إلى الخطاب التَّعْبَويّ فيه كوارث. فنحن نحتاج حقّاً إلى هذا الفصل بطريقةٍ وبأخرى.

 

مخاطر النَّقْد وهواجسه ــــــ

هناك مشكلتان في التفكير النقديّ:

المشكلة الأولى: أن يعيش التفكير النقديّ رغبةً في النقد لشهوة النقد؛ فهناك أناسٌ يمتلكون شهوة النقد كما هي شهوة الطعام والشراب والجاه والسلطة والشهرة، فتتملَّكه هذه الشهوة، لتصبح عقدةً ووسواساً في داخله. ورغم أنّ التفكير النقدي هو وعيٌ وبصيرة؛ لأنه قائم على رفض التقليد، إلاّ أنّ شهوة النقد ليست وَعْياً، وإنّما هي عجزٌ عن تقبُّل الحقيقة في بعض الأحيان، وغشاءٌ حاجب بين الإنسان وبين الحقيقة. فنحن لا نريد مفكِّراً مسلِّماً دائماً، ولا مفكِّراً متمرِّداً دائماً، وإنَّما نريد مفكِّراً مستعدّاً لقبول الحقيقة، ومستعدّاً في الوقت عينه للتمرُّد على ما يراه باطلاً، أمّا أن يعيش عقدة النقد بشكلٍ دائم فهي مشكلةٌ كبيرة في هذا الإطار.

المشكلة الثانيّة: الإحجام عن النقد لعُقْدة النقد أيضاً؛ فكثيرون منّا لا يريدون النقد ويهابونه ويرفضونه وينأَوْن بأنفسهم وبالآخرين عنه؛ لأنّ النقد مُخيفٌ بالنسبة إليهم، ولا سيَّما إذا طال الذوات الشخصيّة والسياسيّة والاجتماعيّة والفكريّة والدينيّة، فيصبح الإنسان رافضاً للنقد؛ لأنّه عقدةٌ ومخيف ويوجب التوتُّر، ولأنّنا لم نتربَّ على ثقافة النقد، علماً أنّ الموضوع ليس فكريّاً هنا، وإنَّما هو تربويٌّ بامتيازٍ.

نحن نحتاج إلى أن يكرَّس هذا الأمر في مدارسنا الدينيّة والعصريّة منذ اللحظة الأولى التي يدخل فيها الحوزويّ والجامعيّ قاعات التعليم؛ لكي يتربَّى على ثقافة أن لا تتملَّكه شهوة النقد، ولا شهوة التقليد، وهي ثقافة تجعله متحرِّراً من عقدة نقد الذات، ومن أن يكون محبطاً أو فاقداً للثقة بالنفس.

 

النوع الرابع: التفكير البدائليّ، أو عقليّة البحث عن حلٍّ ــــــ

بعد هذا الاستعراض الموجز لأقسام التفكير ومجالاته، وطرح بعض التفصيل حول التفكير النقديّ، وما له من مصائر ونتائج ومجالات وحدود وأخلاقيّات ومخاطر، علينا التذكير بالتفكير البدائليّ الذي وجدناه عند الشهيد الصدر. فالنقد في بعض الأحيان كافٍ لوحده، كما إذا سار الإنسان فوجد حَجَراً في وسط الطريق، فالمطلوب منه في هذه الحالة إزالة هذا الحَجَر لفتح الطريق، وليس المطلوب منه الإتيان بحَجَرٍ بديل! لكنّ التفكير النقدي لوحده يصبح هدّاماً في بعض الأحيان إذا لم يُرْفَق بالبدائل. فنحن بحاجةٍ اليوم في ساحتنا الإسلاميّة إلى نوعين من التفكير النقديّ:

1ـ تفكيرٌ نقديّ يزيل الأحجار من الطرقات، أو يخفِّف الحمولات التي تئنّ منها السفينة المشرفة على الغَرَق وسط البحار، وهي الأحجار والحمولات التي تؤثِّر على نموّ وتطوّر الأمة الإسلاميّة، سواء أكانت أحجاراً فكريّة أم اعتقاديّة أم فقهيّة أم نفسيّة أم اجتماعيّة أم عرفيّة… فهنا يكفي إزالتها ووضعها جانباً، لتأخذ الحياة مجراها الطبيعي التكاملي.

2ـ تفكيرٌ نقديّ يرفع المشكلة ويضع البديل معاً، ولا يعيش رغبة النقد فقط لأجل النقد. فالنقد ليس للنقد، وإنَّما للتغيير والإصلاح وتحسين الأمور والتصويب، وقد يحتاج النقد إلى الخطوة اللاحقة، وهي وضع البدائل. وهذا ما فعله السيد الصدر حينما كان ينتقد المدارس الأخرى؛ حيث كان يضع بديلاً. ففي الفصل الأوّل والثاني من (اقتصادنا) حينما انتقد المدارس الأخرى تجده قد وضع في الفصل الأخير البديل، وفي (الأسس المنطقيّة للاستقراء) حينما انتقد المدارس التجريبيّة والعقليّة والوضعيّة وضع بديله المتمثِّل بالمذهب الذاتي للمعرفة. وهذا البديل جدُّ ضروريٌّ في بعض الأحيان.

 

البدائليّة من رحم الرساليّة ــــــ

إنّ مشكلة البعض من نقّادنا اليوم أنّهم لا يحملون هَمَّ وضع البديل، وكأنَّهم غير معنيّين بهذا الموضوع. وهنا تأتي خاصية الرساليّة في هذا الرجل. فالرساليّ لا يتلذَّذ بسقوط المبنى، وإنَّما يصبح سعيداً ببنائه مرّةً ثانية بنحوٍ أفضل. وكثيرون كانت عندهم إرادة النقد كيف ما كان، لكنَّهم افتقدوا هِمَّة صناعة البديل، سواء كان بديلاً موضعيّاً أم جذريّاً؛ لأنّ وضع البديل أصعب من النقد أحياناً؛ فمن السهل أن تهدم بناءً، لكنْ من الصعب أن تقوم بتشييد بناءٍ آخر.

 

كلمةٌ أخيرة ــــــ

أعتقد أنّ الاستلهام من هذا الشهيد الكبير، من تفكيره المنظَّم، وفهمه الواضح للآخرين، ومن قدرته النقديّة الممنهجة والصحيحة، ومن رؤيته البدائليّة التي لا تقف عند حدود تهديم ما عند الآخرين، ومن أخلاقيّاته…، من جميع هذه الأمور يمكن استلهام الكثير؛ لإحياء هذه المسلَّمات في حياتنا اليوميّة، وفي محافلنا العلميّة والدينيّة، إنْ شاء الله تعالى.

 

الهوامش:

(*) محاضرةٌ ألقيت في المؤتمر الأوّل للسيد الشهيد الصدر، في مدينة قم الإيرانيّة، بدعوةٍ من مكتب الشهيد الصدر الثاني، بتاريخ 5 ـ 5 ـ 2013م. مع بعض التصرف والتعديل، ثم نشرت في مجلة نصوص معاصرة، العدد: 38 ـ 41، في بيروت، لعام 2015 ـ 2016م.