الصيرورة المذهبية في إيران

31 ديسمبر 2014
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1٬177 زيارة

الصيرورة المذهبية في إيران

إستراتيجية السلطة في العصر الصفوي

ترجمة: محمد عبدالرزاق

Converting Persia: Religion and power in Saved Empire,

Rulatardi Abisaab,

  1. Btauris; London, New York, 2004 XN + 244ISBN. 186064970X

الأعمال العلمية حول الهجرة العاملية في العصر الصفوي ـــــــ

لا شك أن العصر الصفوي واحدٌ من أبرز العصور الإسلامية في إيران، وتنبع أهميته من جهتين: الأولى بوصفه مرحلة استبدال مذهب التسنّن بالتشيع، والثانية وفرة المصادر التاريخية حوله، فعلى الرغم من طبع ونشر العديد من مؤلفات تلك الفترة إلاّ أنه لا يزال هناك كم ليس بالقليل من النسخ والمخطوطات التي باتت بحاجة إلى جهود كبيرة من أصحاب الشأن لإخراجها، ومع كثرة الدراسات حول التاريخ السياسي والاقتصادي للعصر الصفوي([1]) إلاّ أن الاهتمام بالجانب الديني يعدّ من القضايا حديثة العهد، ومن ذلك محاولات رسول جعفريان التي جُمعت مؤخراً في ثلاثة أجزاء بعنوان (صفوية در عرصه دين، فرهنك وسياست ـ قم 1379. ش/2000م)([2]).

ولعلّ إعراض الباحثين عن هذا الجانب عائد إلى عدم توفر معرفتهم بالمصادر الفقهية، والأهم من ذلك كون غالبية تلك المصادر مخطوطات يصعب التعامل معها. مع هذا كلّه نحن اليوم أمام نتاج وافر من التحقيق والتأليف في تاريخ ومتغيرات العصر الصفوي الدينية ([3]).

ولعلّ مقال «هجرة علماء جبل عامل إلى إيران»، لآلبرت حوراني (1993م) هو أوّل دراسة مختصّة على هذا الصعيد أثارت اهتمام المعنيين بالدراسات الصفوية([4]). وقد باتت مسألة هجرة علماء جبل عامل إلى إيران في العصر الصفوي محوراً أساسياً لتسليط الضوء على بلورة وانتشار التشيع آنذاك. ويظهر أن مجهود (علي مروة) في كتابه: التشيع بين جبل عامل وإيران (لندن، 1987م) هو أول كتاب تناول ـ بشكل مستقل ـ هجرة علماء جبل عامل إلى إيران والكشف عن دورها في التحولات الدينية التي شهدها العصر الصفوي، وهنا تكمن أهمية هذا المصدر، أما من حيث المحتوى والمضمون فلم يكن بالمستوى المطلوب.

أما أهم دراسة أجريت حول هجرة علماء جبل عامل إلى إيران، فهي بلا شك كتاب (الهجرة العاملية إلى إيران في عصر الصفوية) ـ بيروت، دار الروضة، 1410هـ للكاتب والعالم اللبناني السيد جعفر المهاجر، وقد ظلّت بصمات كتابه تتجلى تباعاً في المؤلّفات اللاحقة([5]).

وفي إيران أيضاً، اتخذ عنوان الهجرة ـ حسب معلوماتي ـ موضوعاً لرسالتين في الماجستير: إحداهما لمحمد علي رازنهان، والأُخرى لمهدي فرهاني منفرد. وقد نشرت دراسة فرهاني منفرد تحت عنوان (مهاجرت علماى شيعة از جبل عامل به إيران در عصر صفوية)، في منشورات أمير كبير، طهران، 1377ش/1998م.

أما على صعيد دراسات المستشرقين، فقد اعتنت هي الأُخرى بهذا الموضوع عقب صدور مقال آلبرت حوراني؛ فبدأها (أندرو نيومن) في رسالة تخرّجه المفصلة حول نزاع الإخباريين والأصوليين في الفكر الإمامي، فأفرد باباً خاصاً لذلك النزاع في العصر الصفوي، واستعرض من خلاله قضية هجرة علماء جبل عامل إلى إيران. وفي مقال مستوحى من الرسالة ذاتها اعتبر الكاتب المحقق الكركي (940هـ) واحداً من أبرز فقهاء جبل عامل الوافدين على إيران. ثم جاء من بعده (دون ستوارت) ووجّه له نقوداً على بعض آرائه في معرض دراسته لموضوع تبلور الفقه الإمامي ودور هجرة فقهاء جبل عامل إلى إيران في ذلك، وأردف تباعاً نقوداً أُخرى في بعض المقالات المنشورة.

يضاف إلى ذلك أحدث دراسة صادرة في هذا المجال وهي أطروحة الدكتوراه للسيدة (رولا جوردي أبيساب)، من منشورات تايوريس، وهي الأطروحة التي ستكون محور بحثنا الحالي.

الفصل الأول: تبلور العلاقة الصفوية بالفقهاء ـــــــ

يبدأ فصل الكتاب الأول بعد مقدمة قصيرة (ص1 ـ 5) بعنوان الفقهاء وملوك الصفوية: عصر الصفوية وهجرة الفقهاء العرب (ص7 ـ 30) مستعرضاً مراحل تأسيس الدولة الصفوية ودور الشاه إسماعيل الأوّل (907 ـ 930م) هـ في هذا الباب (ص7 ـ 15).

لقد اتبعت الكاتبة الترتيب التاريخي للأحداث ومن خلاله رصدت حياة وأدوار أهم فقهاء ذلك العصر؛ فشرعت في الفصل الأول بالحديث عن المحقق الكركي واصفةً إياه بمخترع الشيعة، وهو اللقب الذي أطلقه مناوئو التشيع([6]). والكركي هو أول الوافدين من جبل عامل على الدولة الصفوية في بداية ظهورها، ولد في (كرك نوح) بقرب بعلبك في بيت عرف بالعلم والفقاهة، وبدأ درسه على ابن خاتون العاملي وعلي بن هلال الجزائري (909 أو 915هـ)، بالإضافة إلى جملة من علماء أهل السنّة في مصر والشام والعراق.

تقول الكاتبة: «كان الكركي تواقاً للدخول في بلاط إسماعيل الأوّل، وهو في ذلك من القلّة القليلة بين علماء جبل عامل المهاجرين إلى إيران، ذلك أن غالبية علماء الشيعة ـ لاسيما في العراق ـ كانت ترفض التعامل مع الشاه إسماعيل الأول، حتّى وإن ادّعى كونه من أحفاد الإمام الكاظم×» (ص15). وتعلّل ذلك للرؤية السياسية لدى علماء الشيعة والرافضة للاعتراف بكل حكم أو نظام سياسي لأن ذلك من مختصات إمام العصر المغتصبة، وهذا كلام صحيح إلاّ أن المؤآخذ عليها هو قولها بمخالفة علماء الشيعة في المناطق الأُخرى كالعراق للتعاون مع الدولة الصفوية، في حين لم يكن هناك عالم بارز في العراق سوى الشيخ إبراهيم بن سليمان القطيفي (بعد944هـ). ثم إن مسألة التعاون مع السلطة في زمن الغيبة لم يكن متفقاً عليها بين سائر العلماء العامليين، بل كان منهم من يعارض ذلك أيضاً ويرفض الاتصال بالدولة الصفوية([7]).

وقد جاء حديث الكاتبة عن حياة المحقق الكركي السياسية (ص16 ـ 20) مماثلاً لما تناقلته الكتب الأُخرى من الإشارة إلى أوّل لقاء جمع بين المحقق والشاه إسماعيل الأوّل في مدينة إصفهان([8])، وعلى الصعيد الفقهي تناولت الكاتبة جملة من آراء المحقق الفقهية كرأيه في صلاة الجمعة ووجوبها التخييري (ص20 ـ 22)([9]) ومشروعية الخراج (ص22 ـ 24)([10]) بالإضافة إلى موقفه من التصوف وكتابه المفقود (مطاعن المجرمية في رد الصوفية) (ص24 ـ 26)([11]). وله أيضاً بحث مختصر في موضوع السبّ يضاف إلى كتابه في هذا الباب أعني (نفحات اللاهوت في لعن الجبت والطاغوت)([12]) (ص26 ـ 27).

كان من أهم المواضيع التي تناولتها (أبيساب) ترجمة الكتب الدينية إلى اللغة الفارسية ـ سواء في الفقه والتفسير أو الحديث والكلام … ـ وهنا تكمن حلقة الوصل بين فقهاء جبل عامل والمجتمع الفارسي في الدولة الصفوية. فكما ذكرت الكاتبة (ص27) لم يكن العلماء المهاجرون ـ وعلى رأسهم الثلاثة الأبرز في نصف القرن الأول من عمر الدولة: المحقق الكركي، وعلي بن هلال المعروف بمنشار الكركي (984هـ)، وحسين بن عبدالصمد الحارثي (984هـ) ـ على معرفة باللغة الفارسية تمكّنهم من تأليف الكتب بها، بل كان ذلك يقع على عاتق تلامذتهم الإيرانيين([13]). وذكرت الكاتبة كتاب ألفية الشهيد الأول أنموذجاً للكتب المنقولة إلى الفارسية، وهو من أبرز الكتب المتداولة في تلك الفترة، وذكرت أيضاً علي بن حسن الزواري (حي في 947هـ) بوصفه أحد ألمع المترجمين، وهو من تلامذة المحقق الكركي، حيث قام بترجمة العديد من المؤلّفات العربية([14]).

الفصل الثاني: «المجتهدون، سلطة مطلقة» ـــــــ

وهو في حقيقته عبارة عن قراءة تحليلية لحياة الحسين بن عبدالصمد الحارثي. بعد استعراض موجز ورصين لحياة هذا العالم العاملي (ص32 ـ 33) أيضاً تتناول الكاتبة ـ بالبحث والتحليل ـ رسالة الحارثي المختصرة «مناظرة مع بعض علماء حلب في الإمامة» وهذا العنوان حسب النسخة المتوفرة في مكتبة المرعشي النجفي ضمن المجموعة (1161)، (ص32 ـ 35) وكان موضوع الرسالة الأصلي عبارة عن نقاش دار بين الحارثي وأحد علماء دمشق 951هـ حول مسألة التولي والتبري، وقد نشرت قضا جاب نقداً رائعاً عليها قبل عدة سنين لم تطلّع عليه الكاتبة. بعد ذلك يصل الدور لرسالة أُخرى للحارثي هي (مسألتان) (ص35 ـ 37) فتنال ما نالته سابقتها من تحليل وملاحظات هامة، وسبق أن شرح (دون ستوارت) في بحث علمي قيّم رسالة للحارثي بعنوان «العقد الحسيني» كاشفاً عن مسائلها الدقيقة، وفي الرسالة نقود على المحقق الكركي، وعالم شاب معاصر هو مير حسين بن حسن الكركي (1001هـ)، وهو حفيد المحقق لابنته.

وقد ضمنت السيدة أبيساب حديثها عن آثار الحارثي الفقهية ردوده على بعض آراء المحقق الكركي (ص35 ـ 37). فمثلاً يخالف الحارثي رأي المحقق في نوعية وجوب صلاة الجمعة وقال بتعيّنه، وفي مسألة تعيين قبلة أهل العراق وخراسان كتب أكثر من رسالة يناقش فيها ما ذهب إليه المحقّق.

وتعد رسالة «العقد الحسيني» من رسائل الحارثي المهمة، حيث تشير غالبية المصادر ـ وكما هو رأي الكاتبة أيضاً ـ إلى أن الحارثي كتبها محاولةً منه في معالجة اضطرابات الشاه طهماسب النفسية. وقد استعرضت الكاتبة الجانب الفقهي للرسالة (ص39 ـ 41) وهو ما تناوله بشكل مفصل (ستوارت) في مقال ذكرناه آنفاً([15]).

وتستعرض الكاتبة في خاتمة حديثها عن الحارثي المناصب الحكومية التي شغلها بعد عزله من منصب شيخ الإسلام في قزوين حوالي (970هـ)، متتبعةً في السياق ذاته المعلومات المتوفرة حول حياته من عام 970 وحتى وفاته عام 984 (ص39 ـ 41).

ملابسات سعي الشاه إسماعيل الثاني لإحياء التسنّن في إيران ـــــــ

بعد ذلك، يدخل هذا الفصل موضوعه التالي: الأحداث السياسية التي أعقبت موت الشاه طهماسب (984هـ)، ومجيء إسماعيل الثاني (984 ـ 985هـ)، تحت عنوان سياسة الشاه إسماعيل في إحياء التسنّن وموقف علماء جبل عامل تجاهها (41 ـ 52)، وكثيراً ما يحظى عهد حكم إسماعيل الثاني وأحداث عصره باهتمام المؤرخين والباحثين؛ وذلك لتسليط الضوء على فكرة هذا الملك في إحياء مذهب التسنّن والبحث عن دلائل أو مبرّرات لمثل هذه المبادرة الغريبة. ويذكر أن إسماعيل الثاني كان قد وصل إلى الحكم بعد نزاع طويل بين أفراد الأسرة المالكة بعيد موت الشاه طهماسب، وتشير الكاتبة إشارة عابرة لبعض التعليلات منها: إن إدمان الشاه إسماعيل على المخدرات إبان اعتقاله في سجن «قهقهة» كان قد أفسد عليه عقله ليتخذ مثل تلك القرارات، وأضاف آخرون إلى ذلك وضعه النفسي الناجم عن مدّة اعتقاله الطويلة، ومعارضاته لسياسات والده في نشر التشيع (ص41). لكنّ واقع الأمر ـ كما تقول الكاتبة ـ أن هذه التعليلات لا تنهض بتبرير وتسويغ أعمال الشاه إسماعيل الثاني.

وتعلّل الكاتبة ـ نقلاً عن (رمرو) ـ ذلك بسعي الملك للحدّ من النفوذ المتنامي لعلماء الشيعة، ثم تذكر لذلك دليلين (ص42): أحدهما سياسات إسماعيل الثاني في التقرب من الدولة العثمانية اقتصادياً وسياسياً، والآخر معارضة بعض قادة القزلباش لسياسات الشاه الاقتصادية، الأمر الذي قادهم إلى تحريض العلماء ضدّه، من هنا كان يتخذ قادة القزلباش والعلماء سياسة اعتدال الشاه إسماعيل تجاه أهل السنّة ذريعةً لتوجيه انتقادهم له.

وعن تقييمها للأخبار الواردة عن عهد الشاه إسماعيل الثاني كتبت تقول: «حتّى تلك الأخبار التي وصلتنا عن مؤرخي البلاط لم تخلُ من الانحياز والتحريف فيما يخصّ سبب وفاة إسماعيل الثاني وطبيعة حكمه، حيث كان من الضروري أن تدوّن الأخبار حسب أهواء الحكّام الجدد وبأمرهم تصدر الوثائق الرسمية عن حياة ووفاة إسماعيل الثاني» (ص42) وتستدل الكاتبة على نظريتها هذه بانعدام الدليل الواضح لرغبة إسماعيل الثاني في إحياء مذهب التسنّن، وترى أن مساعيه تلك لا تعدو كونها محاولات للإصلاح في التشيع، وتحقيقاً لذلك كان يستعين بجملة([16]) من علماء السنّة في إيران كمير مخدوم الشريفي([17]).

ولا شك أن الشاه إسماعيل الثاني كان يفتقد الثقة الكافية في بعض أعضاء القزلباش لا سيما أمراء استاجلو، نظراً لمحاولاتهم السابقة في تنصيب أخيه حيدر ميرزا. كذلك يستبعد أن تكون محاولات إسماعيل الثاني مجرد إصلاح في التشيع وتقريبه من التسنّن، بل إن تقريبه لمير مخدوم الشريفي ومساعيه في خلق طبقة متنفّذة من علماء السنّة ودعم أهل السنة في قزوين، ذلك كلّه جاء إحياءً لمذهب التسنّن.

ثم عرجت الكاتبة للحديث عن مير مخدوم الشريفي (ص43 ـ 45)؛ حيث كان الشخصية الأبرز في التحولات السياسية إبان حكم الشاه إسماعيل الثاني، على قصر مدته. ومير مخدوم هو حفيد قاضي جهان السيفي الحسيني القزويني (974هـ)، الوزير الأعظم في عهد الشاه طهماسب، وكان يعتبر نسبه متصلاً بالسيد شريف الجرجاني (824هـ)، وقد أثبت مير مخدوم معلومات مهمة عن عهد إسماعيل الثاني في كتابه: النواقض في الردّ على الروافض، وإن كان ينبغي التشكيك في بعض إدعاءاته من قبيل تأثيره الواسع على الملك.

وتختم الكاتبة هذا الفصل من كتابها بنقل معارضات مير حسين الكركي لسياسات إسماعيل الثاني في دعم التسنّن (ص45 ـ 48)، وأخبار مقتله وتتويج محمد خدا بنده (ص48 ـ 52).

الفصل الثالث: الحياة الدينية في العصر الصفوي ــــــــ

بعد إلقاء نظرة سريعة على مسار تتويج الشاه عباس وسياساته في تأسيس جيشه الجديد تقليلاً لدور القزلباش، تدخل الكاتبة في صلب الحديث عن الحياة الدينية في ذلك العصر، فترصد تأثير الازدهار الاقتصادي والسياسي في هذه الحقبة على البعد الديني.

كان من جملة نشاطات علماء جبل عامل الأوائل ـ كالمحقق الكركي والشيخ الحارثي ـ تنشئة جيل جديد من علماء الشيعة الإيرانيين، الأمر الذي بدت ملامحه تتجلّى في عهد الشاه عباس من خلال أبرز النشاطات الفكرية آنذاك، وهو تدوين الشروح المختلفة على الكتب الأربعة: (الكافي، من لا يحضره الفقيه، تهذيب الأحكام، الاستبصار) وهو ما برع فيه العلماء العامليون أيضاً. وكان الحسين بن عبدالصمد الحارثي قد ألف في عهد الشاه طهماسب كتاب: وصول الأخيار إلى أصول الأخبار، وهو من أهم مصادر دراية الحديث في العصر الصفوي. هذا بالإضافة إلى جهود الحارثي في نشر آثار الشهيد الثاني (965هـ) الأمر الذي كان له تأثير كبير على دراسة نصوص الأحاديث والاهتمام بها. أما في عهد الشاه عباس فكان الشيخ البهائي والميرداماد في طليعة العلماء العامليين الذين كتبوا شروحاً على الكتب الأربعة، مضافاً لمجاميع أُخرى في علم الحديث والدراية، ويعتبر عمل البهائي والميرداماد من أهم الأعمال في حركة التأليف والشرح في مجال الحديث. على أن الشيخ البهائي كان الأكثر دوراً وتأثيراً، حيث خرّج العديد من الطلاب والباحثين في هذا المجال.

وتذكر الكاتبة (ص59) أن عصر الشاه عباس شهد تدوين أول رسالة في النزاع بين الإخباريين والأصوليين من قبل العالم العاملي الحسين بن شهاب الدين الكركي (1076هـ/1656م) وعنوانها «هداية الأبرار إلى طريق الأئمة الأطهار» أيضاً تحدثت الكاتبة في مقدمة الفصل عن الشيخ البهائي وسيرته الذاتية (ص59 ـ 61).

لقد وفر حكم الشاه عباس ـ بدليل توجهاته وأهدافه ـ المساحة الكافية لكي يمارس العلماء دورهم في المجال الفكري والاجتماعي، من هنا تنطلق الكاتبة لتصف ذلك بسياسة استقطاب الشاه عباس للوسط الديني (61 ـ 68)، مستعرضةً في السياق ذاته أدوار الفقهاء السياسية في حلّ النزاعات الداخلية عندما كان الشاه عباس يرسلهم لمختلف المناطق في دولته، أو آرائهم الفقهية كطهارة ذبيحة أهل الكتاب، وردودهم على كتابات المبشرين المسيحيين في إيران.

وتعكس منظومة البهائي «موش وكربه» الاتجاه المنتقد لأداء الحكومة (ص68 ـ 70)، وكثيراً ما أثار اهتمام الباحثين هذا الموقف السلبي للبهائي تجاه مسألة الانخراط في الشأن السياسي.

ويتناول هذا الفصل أيضاً علماً آخر هو الفيلسوف والفقيه ميرداماد (1041هـ ـ 1632م) (ص71 ـ 72)، وهو حفيد المحقق الكركي لابنته التي تزوّج بها مير شمس الدين محمد الاسترآبادي، وقد ذكرت الكاتبة نبذة عن حياته ونظرياته الفكرية وآرائه الفلسفية (ص72 ـ 79).

لقد أنتجت المواجهة بين علماء المسلمين والمبشرين المسيحيين في عهد الشاه عباس مجموعة كبيرة من الكتب والرسائل([18]). وكان أحمد بن زين العابدين العلوي العاملي (1054هـ/1644م) أبرز المتصدّين لهذه الحركة؛ حيث كان له كتابان في هذا الباب، كتب الأول منهما في (1030هـ/1620م) والثاني في (1032هـ/1622م)، وجاء الكتابان ردّاً على المبشر المسيحي الشهير (جيرو خاوير) (Jeroe yavier) في لاهور عندما قدّم كتابه (مرآة الحق) هديةً لجهانكيرز وتضمن ـ مضافاً للدفاع عن المسيحية ومعتقداتها ـ انتقادات لآراء المسلمين في المسيحية. وكان (خاوير) قد نشر سابقاً كتابين هما: قصة المسيح وقصة القديس (Saint Pierre)، بأساليب مبسطة شرح فيهما معتقدات المسيحيين. وترى الكاتبة أن لمؤلفات أحمد العلوي مزية أُخرى هي التوجيه الفكري للشعب في مواجهة البرتغاليين. ويشير العلوي في مقدمة كتابه الأهم (مصقل الصفا) إلى رؤياه في المنام وأمر إمام العصر له بتأليف الكتاب، متطرّقاً لبيان موقف الإسلام من المسيحية حسب ما جاء في النصوص الإسلامية المعتمدة (ص80 ـ 81).

وتختم الكاتبة هذا الفصل بذكر عالم آخر وفقيه لامع في سماء عصر الشاه عباس، أعني الشيخ لطف الله الميسي (1032هـ/1622 ـ 1623م) الذي بنى له الملك مسجداً في إصفهان عرف باسمه. ومن بين كل المواضيع المتعلقة بهذا العالم ركّزت الكاتبة على رسالته «الاعتكافية» (ص81 ـ 87).

الفصل الرابع: بداية الانهيار الصفوي ـــــــ

بدأت شمس الازدهار الاقتصادي والقدرة العسكرية تأفل شيئاً فشيئاً على عهود الملوك الذين أعقبوا عباس الأول، حيث لم يقدّر لهم الحفاظ أو تعزيز ما وصل إليهم من العهد السابق، فمثل عهد الشاه صفي الأول (1038 ـ 1053هـ) والشاه عباس الثاني (1053 ـ 1077) بداية انهيار الدولة الصفوية، وهذا ما كان موضوع الفصل الرابع (ص89 ـ 120)، حيث تناولت الكاتبة في مطلعه التقهقر الاقتصادي للدولة الصفوية (ص91 ـ 95)، ثم تطرّقت لذكر أبرز الفقهاء العامليين في ذلك العصر أمثال: علي بن محمد بن حسن بن زين الدين الشهيدي (4 ـ 1103هـ/1691م) صاحب الكتاب المعروف بالدر المنثور من المأثور وغير المأثور([19])، والشيخ الحر العاملي (1104هـ/1639م) صاحب كتاب أمل الآمل في ذكر علماء جبل عامل (ص95 ـ 96). وقد شهدت هذه الحقبة ظهور علماء مرموقين من داخل إيران، فبدأت الكاتبة حديثها عنهم بالفقيه البارع مير علاء الدين حسين المعروف بخليفة سلطان (1064هـ/1654م) (ص99 ـ 101)، وكان الموضوع الآخر في هذا الفصل هو نهوض الإخباريين بوجه الدولة واستفحالهم وعنونته الكاتبة بـ: مجابهة الأصوليين (ص105 ـ 112)([20]).

لقد مهد الاهتمام بالحديث الطريق أمام انتشار آراء الأخبارية لا سيما مساعي عبدالله بن حسين التستري (1021هـ/1621م) في هذا الجانب؛ فكتب محمد أمين الأسترآبادي (1036هـ/1626 ـ 1627م) كتابه: الفوائد المدنية، يشرح فيه الفكر الأخباري ويردّ بشكل لاذع على الاتجاه الأصولي([21]). وكانت أفكار الاسترآبادي تلقى استحساناً من بعضهم نظراً للأجواء السائدة آنذاك؛ لذا نجد جملة من العلماء أيدوا فكره وألفوا كتباً يعترف بها أمثال: الملا محمد محسن الفيض الكاشاني (1090هـ/1679م)، والشيخ الحر العاملي والحسين بن شهاب الدين الكركي.

مرّةً أُخرى أثير موضوع وجوب صلاة الجمعة في زمن الشاه عباس الثاني في مؤلّفات بعض العلماء كمحمد باقر السبزواري (1090هـ/1671م) شيخ الإسلام بإصفهان، والفيض الكاشاني، حيث قالا بوجوبها العيني. واستتبع ذلك رسائل أُخرى تقصّتها الكاتبة في محله (ص114 ـ 118)، ثم أتت على نهاية هذا الفصل بموضوع معارضة العلماء للتصوف والصوفية (ص114 ـ 118)، مستعرضةً في هذا السياق المواقف المتباينة للعلماء تجاه هذه القضية، ونقلت هنا عن عبدالحسين زرين كوب في كتابه (جستجو در تصوف إيران) قوله: إن غالبية علماء الصوفية البارزين لم يعرفوا بالتصوف، ثم ناقشت ذلك في ضوء مؤلفات السيد نعمة الله الجزائري (1112هـ) لا سيما كتابه: الأنوار النعمانية.

الفصل الخامس: عهد النهاية ـــــــ

أما الفصل الأخير من الكتاب، فقد اختصّ بدراسة أوضاع الدولة الصفوية في عقودها الأخيرة؛ فبعد وفاة الشاه عباس الثاني (1077هـ/1666م) بدأ حكم الشاه صفي ميرزا الثاني المعروف بالشاه سليمان (1105هـ/1694م) ليمتدّ عشرين عاماً من التقهقر والانهيار التدريجي للصفويين. ويمكن أن نطلق على هذه الفترة اسم عصر المجلسيَين: محمد تقي (1070هـ) ومحمد باقر (1110هـ) اللذين يمثلان تيار الأخباريين المعتدل. وكالسابق بدأت الكاتبة هذا القسم بذكر رسائل صلاة الجمعة المدونة في هذهِ الفترة (ص124 ـ 126)، وكما أسلفنا كان هذا العصر عصرَ المجلسيَّين لذا لم يكن بدعاً من الكاتبة أن تخصّص شطراً من بحثها للحديث عن محمد باقر المجلسي (ص126 ـ 128). وإن كان حرياً بها أن تخصّص جانباً آخر من حديثها تذكر فيه والده محمد تقي بشكل مستقل، على أنها تطرقت له وذكرت بعض علاقاته بعلماء عصره في غضون حديثها عن الإبن. والمعروف عن محمد تقي المجلسي نزعته الصوفية، ولا يكاد يخلو هذا الخبر من الصحة؛ بدليل استنكار ابنه والتصدّي لتكذيبه دفاعاً عن والده.

لقد حظي كتاب بحار الأنوار باهتمام كبير من قبل الكاتبة باعتباره المؤلَّف الأبرز لمحمد باقر المجلسي، على أنها لم تشر إلى مساهمة علماء صفويين آخرين في تأليفه تحت إشراف المجلسي (ص129). فهناك أقسام عديدة من الكتاب أنجزت بُعيد وفاته كالإجازات التي استكمل عملها تلميذه (الأفندي).

ثم بحثت الكاتبة في حياة فقيه آخر لهذا العصر هو الشيخ الحر العاملي (ص130 ـ 132). أما بالنسبة لمسائل النقاش في ذلك الوقت فقد ركّزت على مسألتين كانتا حديث الساعة آنذاك أعني قضية ذكر اسم الإمام صاحب الزمان بين الجواز والمنع (ص132 ـ 133) والخلاف حول استعمال التبغ (133 ـ 134). وقد شكّلت القضية الأكثر سخونة في النصف الثاني من عمر الدولة الصفوية. وقد روى لنا عبدالحي الرضوي الكاشاني (بعد1141هـ) المعروف بانتقاداته للعصر الصفوي وصاحب كتاب حديقة الشيعة، انتشار استعمال التبغ والتنباك آنذاك. وقد استعرض كل من السيد نعمة الله الجزائري في الأنوار النعمانية (ج4، ص54 ـ 60) والأفندي في ترجمته للشيخ علي نقي كمرائي في رياض العلماء وحياض الفضلاء (ج4، ص273 ـ 276) جملة من آراء الموافقين والمخالفين لاستعمال التنباك وأدلتهم في ذلك. وقدّم جعفريان فهرسة شاملة بالرسائل المدونة في العصر الصفوي حول هذا الموضوع([22]). يذكر أن هذا الموضوع كان محلّ نقاش عند أهل السنّة أيضاً. ولم تطبع من تلك الرسائل سوى رسالة الحر العاملي وهي في الأصل مختصر لرسالة الكمرائي([23]).

كان الصدام بين الفقهاء والمتصوفة قد بلغ ذروته في العهد المتأخر للدولة الصفوية؛ لذا نجد الكاتبة أولت اهتماماً واسعاً بكتاب الشيخ الحر العاملي (الإثني عشرية في الردّ على الصوفية) (ص134 ـ 137).

نتائج الكتاب ـــــــ

خلصت الكاتبة من فصول كتابها الخمسة إلى القول بضرورة وجود سبب مقنع لاهتمام الدولة الصفوية بعلماء جبل عامل (ص139 ـ 145)، فأشارت في غضون ذلك إلى حاجة الدولة الملحة إلى نظام ديني شيعي يكون قادراً على نشر التشيع والدفاع عنه إلى أقصى مدى ممكن، وكانت إيران تفتقد ذلك النموذج الموجود في جبل عامل، هذا بالإضافة إلى سطوة المتطرفين من القزلباش، لذا لم يكن أمام الصفويين إلاّ اختيار طريق جبل عامل، فعلماؤه وحدهم كانوا قادرين على ملء الفراغ الأيديولوجي في هذه الدولة.

ملحقات الكتاب، ملاحظات نقدية ـــــــ

هناك ثلاثة ملحقات للكتاب (ص147 ـ 173): الأول فهرسة بالعلماء المهاجرين إلى إيران خلال الأعوام 1501 ـ 1736م (147 ـ 152). والثاني جدولة بالمناصب الإدارية لأولئك العلماء المهاجرين خلال أربعة عصور (ص153 ـ 155)، أما الثالث فهو فهرسة طويلة لمؤلفات العلماء العامليين مرتّبةً حسب مواضيعها (ص156 ـ 172) مع الاكتفاء بذكر أسماء بعض الكتب ومؤلفيها دون استيعاب جميعها. بينما كانت الفهرسة الأولى مرتبة وفقاً لتواريخ وفيات العلماء العامليين (ص216، هامش 1) فجاء فيها ذكر 158 فقيهاً مهاجراً من جبل عامل، وقد وضعت علامة خاصة أمام أسماء أولئك الذين لا تتوفر أسباب واضحة في هجرتهم إلى إيران (ص216، هامش 2).

لكن يمكن التعليق على هذه الفهرسة بثلاث ملاحظات:

أولاً: فيما يتعلق بتواريخ بعض الأسماء، مثلاً جاء تاريخ وفاة علي بن الحسن المعروف بابن العودي الجزيني في (962هـ/1554م)، في حين أن هذا العالم الفقيه من تلامذة الشهيد الثاني وتوفي بعد عام من استشهاده في (965هـ) وكتب كتاب: (بغية المريد في كشف أحوال زين الدين الشهيد).

ثانياً: تكرار بعض الشخصيات بأسماء مختلفة، من قبيل الحسين المجتهد (1001هـ/93 ـ 1592م) وهو الاسم الآخر للحسين بن الحسن الكركي (ق10هـ/ق16م) (ص147).

ثالثاً: سقوط أسماء أُخرى من الإحصاء، وهو أمر عائد للمصادر المأخوذ عنها، فمثلاً لم يدخل في الفهرسة بعض أبناء مير حسين الكركي وأحفاده ممن شغلوا منصب شيخ الإسلام بقزوين حتّى أواخر الدولة الصفوية.

ترتيب المصادر ـــــــ

وتتكوّن من عدة أقسام (ص221 ـ 233)، يبدأ أولها (ص221 ـ 222) بالنسخ المخطوطة والآثار غير المنشورة علماً أن بعضها نشر منذ فترة طويلة ولم تطّلع عليه الكاتبة، من قبيل كتاب (نفحات اللاهوت في لعن الجبت والطاغوت) للمحقق الكركي الذي اعتمد في طباعته على نسخته الخطية في مكتبة المجلسي، المجموعة 1703، وكتاب (مناظرة مع بعض علماء حلب في الإمامة) للحسين بن عبدالصمد الحارثي([24]) وهناك قسم منها نشر حديثاً، أمثال: البلغة في بيان إذن الإمام في شرعية صلاة الجمعة، للحسن بن علي الكركي (المجموعة 4697/مكتبة المرعشي)؛ رسالة في (تطهير) الحصر والبواري وسهم الإمام؛ (مسألتان) (مكتبة المجلسي، برقم 1836)؛ والاعتكافية للطف الله الميسي (مكتبة الروضة الرضوية، المجموعة 2344).

لقد فصل في ترتيب المصادر بين المصادر الأصلية (ص222 ـ 226)، والدراسات (ص226 ـ 232)، والمؤاخذة الوحيدة في هذا الباب هي إدراج التاريخ العباسي أو روزنامه ملا جلال في قسم البحوث والدراسات الحديثة (ص230) في حين أنه من المصادر القديمة. وجاء ذكر رسائل الماجستير والدكتوراه غير المنشورة في قسم مستقل بذاته (233). أما التعليقات والهوامش فجاءت منفردةً عن متن الكتاب (175 ـ 219).

إن الميزة الوحيدة التي اتصف بها الكتاب هي قراءة الهجرة العاملية في إطارها السياسي ـ الاقتصادي إبان العصر الصفوي دون أن يأتي بالجديد المبتكر في هذا المجال، فغالبية بحوثه جاءت مقتبسة ـ نوعاً ما ـ من بحوث ومقالات رسول جعفريان.

الهوامش

(*) باحث في التراث الإسلامي، ومتخصّص في دراسة الفرق والمذاهب.

([1]) للوقوف على مجموع تلك الدراسات كاملةً ـ إلى حد ما ـ مع مصادرها عن العصر الصفوي، انظر: جهانبخش ثواقب، تاريخ نكاري عصر صفوية وشناخت منابع ومآخذ، شيراز 1380ش/2001م.

([2]) يمكن الاطلاع على قسم من المقالات المنشورة في هذا الكتاب في نتاجي المؤلف السابقين: دين وسياست در عصر صفوي، وعلل برافتادن صفوية.

([3]) وإليك أبرز تلك الكتب:

Albert Hourani, Frorom Jabal Amil to Persia, Bsoas, 1986, pp.133 140; Andrew J.New mon, the Myth of the elerical Migration to safavid Iran: Arab shii opposition to Ali ol- karaki and safwid shiism’’, Die Weltdes Islams 33 (1993), pp.112; Devin J.Stewart, “Noteson the Migration of Amili Scholars to safavid Iran” Journal of Neer Eastern Stadies, 55 (1996), pp 81-103; Rulajurdi Abisaab, “The ulama of Jabl Amil in safarid Iran, 1501-1136: marginality migration and social change”, Iran Studies, 27 (1995), pp.103 – 122.

آلبرت حوراني، «مهاجرت علماى شيعة از جبل عامل به إيران»، كيهان فرهنكي، ترجمة مرتضى أسعدي، السنة الثالثة، العدد 8، آبان 1465، ص13 ـ 16؛ دون، جي ستوارت، «نكاتي درباه مهاجرت فقهاي عاملي به إيران در عهد صفوية» كتاب ماه دين، ترجمة محمد كاظم رحمتي، العدد / ن 56 ـ 57 (خرداد ـ تير (1381ش) 82 ـ 99؛ ديولاجوردي أبيساب، «علماي جبل عامل در دولت صفوية، نقش حاشيه أي يا مهاجرت وتحول إجتماعي»، حكومت إسلامي، ترجمة مصطفى فضائلي، السنة الثالثة، العدد الأول، ربيع 1377 ش، ص208 ـ 240 وقد حذفت جوانب من أصل المقال في هذه الترجمة.

([4]) A.Hounani, “From Jabal’ Amil to Persia,” Bulletin of the school of oriental and Afnican Studies 49, 1986, pp.133 -140..

([5]) على الرغم من قيمة الكتاب العلمية ومجهود السيد المهاجر في ذلك، إلاّ أن مضمون الكتاب لم يخضع لدراسة فاحصة، ولسنا هنا بهذا الصدد إنّما للتنبيه على ذلك وحسب. وقد ختم المؤلف كتابه بفهرسة بأسماء الفقهاء المهاجرين إلى إيران لم تخلُ من بعض الأخطاء كتكرار الكاتب بعض الشخصيات لعدم اطلاعه بحيثياتها، أمثال السيد حسين بن حسن بن جعفر الكركي (1001هـ) حفيد المحقق الكركي (المهاجر، ص245)؛ حيث عرفه أولاً باسم السيد حسين بن حسن الكركي المقيم في إصفهان، وأنه قلّد منصب الصدر في عهد ثلاثة ملوك صفويين، ثم ذكر بعد ذلك اسم أمير السيد حسين بن حسن الكركي على أنه فقيه آخر من المهاجرين، وذكر أيضاً آخرين لا ينطبق عليهم مفهوم الهجرة العاملية إنما هم عامليون بالنسبة فقط، من قبيل حفيد الحسين بن عبدالصمد الحارثي (984هـ) أعني الحسين بن عبد الصمد بن الحسين بن عبدالصمد الحارثي فهو ووالده من مواليد إيران (246، 253) وليس من الصواب عده في العلماء المهاجرين. وهكذا بالنسبة لآل الأعرجي المنتسبين للمحقق الكركي عن طريق المصاهرة (أحفاده لابنته)، أعني أبناء مير حسين الكركي وكلهم من مواليد إيران أيضاً. باستثناء مير حسين الكركي فرحلته من جبل عامل معلومة لدى الجميع (أقام في أردبيل)، إبان حكم طهماسب. إذاً لابدّ من إجراء بعض التعديلات على هذه الإحصائيات. هذا وكان السيد فرهاني (ص94) وصفت كل (ص147 ـ 148) قد نقلا عن المهاجر تلك المعلومات دون التنبه إلى قسمها.

([6]) يعدّ كتاب محمد الحسون (حياة المحقق الكركي وآثاره) (قم 1423) أشمل تحقيق وأهم مصدر حول حياة هذا الفقيه الكبير. ويقع الكتاب في اثني عشر جزءاً شرح المؤلف في الأوّل منها تفاصيل حياة المحقق السياسية، وفي الثاني دراسة فاحصة في مؤلفاته، أما الأجزاء الأُخرى فقد نشر فيها الحسون آثار المحقق وكتبه.

([7]) راجع في موقف المحقق من الدولة الصفوية: محمد الحسون، في حياة المحقق وآثاره 1: 482 ـ 488)؛ حيث يذكر الحسون أن المحقق اعتبر الملك الصفوي في رسالته (الخراجية) واحداً من سلاطين الجور.

([8]) أُنظر: علي حسين الجابري، الفكر السلفي عند الشيعة الاثني عشرية (بيروت ـ باريس 1977، أوفسيت قم 1409هـ): 256 ـ 262. وجاءت غالبية استنتاجات الجابري متهوّرة، استند فيها على كتابات كامل مصطفى الشيبي. ومن ذلك إدعاؤه معارضة أكثر العلماء الشيعة للكركي (ص257) في اتجاهاته الفقهية والسياسية. أما القطيفي الذي له بعض المعارضات على آراء المحقق الفقهية، فهو لا يرقى لمستوى المحقق وليس من طبقته العلمية، وأخفق الجابري كثيراً عندما أفرط في الثناء على علميته ومكانته. وفي معرض حديثه عن آراء الكركي كتب يقول: (ص258 ـ 259) «ويبدو أن الشيخ الكركي على رأي الشيبي قد أفرط في تأييد مستحدثات الدولة الصفوية بحيث وافق على أمور لا تجوز في الشرع الموافقة عليها، كلها أو بعضها» (ص258)، وواضح للعيان أن الجابري لا يمتلك خلفية عن الفقه الإمامي، فما اعتبره مستحدثاً عند الكركي هو مما قال به السابقون لزمنه. وتكفينا مجرد المقارنة بين آرائه وآراء العلامة الحلي للتثبت من مستوى اطلاع الجابري على فقه الشيعة.

نعم، نحن لا نعدم أن للكركي آراءً خاصّة به، لكنها لم تأت تقرباً للدولة الصفوية وإرضاء لها. من قبيل قوله بجواز السجود على المفخور من التراب، أو تجويز تعظيم الشاه والأمراء إذا كان بنية الاحترام وحسب.

ولمراجعة المسألة الأولى، أُنظر رسالة المحقق «السجود على التربة المشوية» المنشورة ضمن كتاب (حياة المحقق الكركي وآثاره) 4: 223 ـ 244. ويذكر الحسون أن القطيفي خالف المحقق في هذه المسألة. ولمحمد باقر المجلسي تعليق لافت حول سبب نزاع القطيفي مع المحقق الكركي، فانظر: الأفندي، رياض العلماء وحياض الفضلاء، ج1، في ترجمة إبراهيم بن سليمان القطيفي.

([9]) للاطلاع على البحوث الفقهية حول صلاة الجمعة في العصر الصفوي والرسالة المدونة في هذا الباب أُنظر: رسول جعفريان، نماز جمعة در دوره صفوي؛ صفوية در عرصة دين فرهنك وسياست 1: 251 ـ 333.

([10]) للاطلاع على هذا الموضوع وسائر الرسائل المدونة في هذا الباب أُنظر: رسول جعفريان، «زيده منابع فكر وفقه سياسي در دورة صفويه»؛ صفوية در عرصه دين فرهنك وسياست 1: 164 ـ 183.

([11]) للتحقيق في نزاعات المتصوفة والفقهاء إبان العصر الصفوي أُنظر: رسول جعفريان، «رويا رويي فقيهان وصوفيان در دوره صفوي؛ صفوية در عرصه دين، فرهنك وسياست 2: 515 ـ 604. وقد أثبت جعفريان في هذا الجزء رسالة «أصول فصول التوضيح» وهي مناظرة بين محمد تقي المجلسي. (1070هـ) وملا محمد طاهر القمي (ج2، ص605 ـ 658).

([12]) لهذا الكتاب أكثر من طبعة، كان آخرها ضمن مجموعة محمد الحسون، حياة المحقق الكركي وآثاره 5: 329 وما بعدها. وللكركي رسالة أُخرى عنوانها: تعيين المخالفين لأمير المؤمنين، لم تذكرها السيدة أبيساب. وقد ورد نصّ الرسالة في كتاب الحسون أيضاً ج5: 317 ـ 327.

([13]) ومن ذلك رسالة «أنيس التوابين» الفقهية لتلميذ المحقق الكركي (حافظ الكاشاني) كتبها بالفارسية وفقاً لآراء أستاذه الفقهية. وللاطلاع على نصها راجع: حياة المحقق الكركي وآثاره 6: 463 ـ 496.

([14]) تجد الاحصائية الكاملة لتلامذة المحقق الكركي في: حياة المحقق الكركي وآثاره 2: 121 ـ 162؛ وفيما يخصّ ظاهرة ترجمة النصوص العربية إلى الفارسية في العصر الصفوي انظر: رسول جعفريان، جنبش ترجمة متون ديني به پارسي ونقض آن در ترويج تشيع در دوره صفوي؛ صفوية در عرصة دين فرهنك وسياست 3: 1097.

([15]) لهذه الرسالة أهمية بالغة في درك العلل الحقيقية لامتعاض الحارثي من الدولة الصفوية وهجرته في أواخر حياته إلى البحرين، وقد علل الجابري ـ نقلاً عن علي الوردي ـ تلك الرحلة برغبة الحارثي في الزهد والتصوف، بعد أن اتهمه بالازدواجية، فانظر: الفكر السلفي: 266 ـ 267.

([16]) ومن أبرز تلك المصادر التي لم تذكرها الكاتبة في بحثها عن عصر الشاه إسماعيل الثاني (تراجم الأعيان من أبناء الزمان) للحسن بن محمد البوريني (963 ـ 1024هـ)، وقد تضمن الكتاب تراجم لعلماء السنّة الساكنين في الشام إبان الحكم الصفوي، وفي هذه التراجم معلومات مهمة ونادرة أحياناً حول أولئك العلماء المهاجرين إلى تلك البلاد. وقد نشر صلاح الدين المنجد الكتاب في جزئين (دمشق، 1959 ـ 1963م). وكان ممّن وردت لهم تراجم في الكتاب: مير مخدوم الشريفي (ج2، ص52 ـ 56)، والشاه إسماعيل الثاني (ج2، ص57 ـ 60)، وخان أحمد الجيلاني (ج1، ص156 ـ 158)، والسيد شرف الدين الحسني ـ من أشراف السنّة ـ (ج2، ص237). أيضاً يروي لنا الكتاب أشعاراً بالفارسية لجملة من الشعراء المقيمين في الشام، كذلك ثمة تقرير للبوريني حول ملابسات موضوع بايزيد ابن السلطان سليمان القانوني الذي فرَّ إلى إيران في زمن الشاه طهماسب (ج2، ص167 ـ 169 ، 171 ـ 175)، مع ذكر أقوال أحد مرافقيه الفارين إلى الشام (ج1، 234 ـ 238).

([17]) لقراءة هذا الموضوع من منظار أهل السنّة في تلك الحقبة راجع: نجم الدين الغزي، الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة 3: 135 ـ 136، تحقيق: جبرئيل سليمان جبود (بيروت، 1979)؛ وهو مصدر لم ترجع إليه الكاتبة في بحثها للموضوع.

([18]) للاطلاع على مصادر هذا الموضوع انظر: رسول جعفريان، أدبيات ضد مسيحي در دوره صفوية؛ صفوية در عرصه دين فرهنك وسياست 3: 965 ـ 1000.

([19]) يغلب على هذا الكتاب القيّم طابع السجال الرجالي والحديثي، ومع أهميته لم يصدر حتّى الآن دراسة مستقلة.

([20]) على الرغم من مراجعة الكاتبة لأهم المصادر الأصلية عن الأخباريين إلاّ أنها أغفلت الدراسات الحديثة في هذا المجال، أعني كتاب الفكر السلفي عند الشيعة الاثني عشرية، علي حسين الجابري (بيروت ـ باريس 1977)، وقد رصد الجابري إحياء الحركة الأخبارية في العصر الصفوي ودور كتاب الاسترآبادي في ذلك.

([21]) حول آراء الاسترآبادي راجع: الجابري، الفكر السلفي: 277 ـ 321.

([22]) «تتون وتنباكو در دوره صفوي، مع رسالة الشيخ الحر العاملي»؛ صفوية در عرصه دين فرهنك وسياست (قم 1379ش) 3: 1145 ـ 1146.

([23]) المصدر نفسه 3: 1148 ـ 1153.

([24]) نشرت هذه الرسالة تحت عنوان: المناظرة، بتحقيق شاكر شبع، قم، مؤسسة قائم آل محمد، 1412هـ وفقاً لسبع نسخ خطية. ويجرني موضوع طبع هذا الكتاب وإعلامي به إلى تذكر المحقق البارع السيد محمد رضا الجلالي والثناء عليه.