العلاقات الثقافية بين إيران والعالم العربي

7 ديسمبر 2014
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1٬225 زيارة

العلاقات الثقافية بين إيران والعالم العربي

الضرورات والحاجات والموانع

ترجمة: جهاد عبدالهادي فرحات

مدخل ـــــــ

الشيء الذي بقي غالباً دون ذكر في أبحاث كتّابنا كان تجارب الأمم التي كان لها في ماضيها وضعٌ مثل وضعنا، وأقامت ـ أسرع منّا ـ علاقةً مع ثقافة الغرب، وتلقت أسسه في بعض المواضع بنظرة أكثرَ نقديّةً، ويمكن للتعرّف على محاكمات ومواقف كتّاب هذه الأمم حول الحضارة والثقافة الغربيتين أن يعطينا ـ على الأقل ـ معياراً أكثر واقعية في هذا المجال، أفضل من تكرار كلمات شبنجلر وتوينبي وهايدغر وماركوزه وأمثالهم (حميد عنايت)([1]).

أول من التفت في إيران إلى ضرورة الارتباط الفكري والثقافي بالعالم العربي والتعرّف على التحوّلات المعرفية والعلمية في هذه البقعة من العالم، وكتب عنها هو <حميد عنايت>، والقول الذي ذكرته أعلاه يعكس ـ بشكل واضح ـ وعي هذا الباحث القدير والفقيد الإيراني لضرورة فتح علاقة مع العالم العربي، وحافزه على تأليف كتابه <سيرى در انديشه سياسي عرب/جولة في الفكر السياسي العربي>؛ فمن حين كتابة هذا الكتاب عام 1355ش/1976م وحتى اللحظة، مرّت أكثر من عشرين سنة، مع هذا كلّه يمكن القول بجرأة: إنّه لم يحصل سعيٌ جادّ من جانب الإيرانيين ـ نظريّاً وعمليّاً ـ لمدّ جسور التواصل مع الفكر العربي المعاصر.

إنّ أفضل وأوحد ترجمة تكشف النقاب عن عمل من أعمال أحد المفكّرين المجددين العرب ـ والذي يتحدث عن التجديد في الفكر العربي المعاصر ـ هي ما طبع تحت عنوان <روشنفكران عرب وغرب/المثقفون العرب والغربيون> لهشام الشرابي؛ فهذا الكتاب يحلّل الأفكار والحوادث التي وقعت ما بين عامي 1875 و1914م.

وتجدر الإشارة إلى أن كتاب حميد عنايت يتحدث عن الفترة الواقعة ما بين حملة نابليون على مصر والحرب العالمية الثانية، ولا يشمل ما وقع بعد ذلك، أمّا الأحداث الثقافية ومسلسل الأفكار والنظريات التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية، سيما ما استجدّ بعد سبعينيات القرن العشرين، فلا يوجد في متناول أيدي الناطقين بالفارسية أيّ مصدر يتحدث عنها، فهذه الخلفية وهذا الرأسمال المحدود هما كلّ ما نعرفه عن العالم العربي المعاصر.

 

لماذا القطيعة بين إيران والعالم العربي؟! ـــــــــ

والسؤال: ما هو سبب هذه الغربة والقطيعة والبُعد؟ وما هي العناصر المساعدة على نشوء هذا الواقع واستمراره؟ وإلى أيّ جزء من هويتنا وطبيعتنا يعود؟ ومن أيّ ناحية من نواحي أوضاعنا التاريخية والثقافية والحضارية والسياسية والاجتماعية ـ وربما ـ الاقتصادية ينبعث ويظهر؟.. هذه الأسئلة لا أعرف حقّاً الجواب عنها، ولم أجد ردّاً متكاملاً عليها.

والذي رأيته أن بعض الباحثين يتناول ـ لدى تحليله ضرورة الارتباط والتواصل مع العالم العربي ـ الخلفية التاريخية المشتركة بين العرب والإيرانيين، وعندما يتعرض لتشريح عوائق هذه العلاقة، يثير موضوع الذهنية السلبيّة لدى الإيرانيين تاريخياً تجاه العرب وبالعكس. لكنّني أعتقد بأن هذه الأمر والبحث عن حلّ هذا المشكل في أزقّة التاريخ الضبابية، يبدو غير صحيح بل لا يوصلنا إلى شيء، فضرورات الارتباط والعلاقة إن أُخذت بمعناها الحديث تجاوزت هذا العامل وأسقطته؛ فالثقافات والأمم والنُخَب في تواصلها وتعاملها وتبادلها بحاجة إلى محفزات ومبرّرات أكثر شفافية وعينية وقرباً؛ وعلى هذا الأساس، نجد أن العامل التاريخي لا يمكنه أن يحرّك باتجاه التعرّف على ثقافات الآخرين وأفكار الأمم الأخرى، كما لا يمكنه أن يمنع عن ذلك.

تهدف هذه المقالة المتواضعة إلى تعداد بعض الضرورات والموانع التي تراها في طريق بناء العلاقة الثقافية بين العالمين: الإيراني العربي، وتفكّك عناصر النقص الذي تواجهه الثقافة الإيرانية في هذا الخصوص، وكذا العلماء الإيرانيون، وهي تأمل أن تشكل لُبنة ومساهمة في جبران هذا النقص، مع إقرارها سلفاً بأن هذا الأمر لا يحصل سوى بجهود جماعية وجمعية متكاملة؛ إذ النشاطات الفرديّة ـ مهما كانت قيّمة ومؤثّرة ـ لا يمكنها أن تحدث تغييراً أساسياً في هندسة الوضع القائم.

1 ـ العلاقة الثقافية بين إيران والعرب، الضرورات والحاجات والمبرّرات ـــــــ

1 ـ 1 ـ الضرورات النظرية: ـــــــ

1 ـ 1 ـ 1 ـ إنّ الجدل بين الإيرانيين والعرب على إطار (المرجع) و (المبنى) قديمٌ وواسع، وقد بدأ السباق بينهما لكسب انحصار المرجعية الفكرية منذ أن تجاوز الإسلام المنطقة العربية وانتشر في إيران، وقد نتج عن ذلك أحياناً افتراقٌ أو تمايز بين الإسلام الإيراني والإسلام العربي، أي القراءة الإيرانية للإسلام والقراءة العربية له. ويبدي العرب عدم رضاهم عن كون أكثر العلماء المسلمين من غيرهم، بل أجانب عن الثقافة والقوميّة العربية؛ فهذا ابن خلدون يقول: «من الغريب الواقع أن حَمَلة العلم في الملّة الإسلامية أكثرهم العجم.. إلا في القليل النادر، وإن كان منهم العربي في نسبته فهو أعجميٌّ في لغته ومرباه ومشيخته، مع أنّ الملّة عربية وصاحب شريعتها عربي»([2]). وقد اضطرّهم هذا الأمر إلى أن لا يقصّروا في نسبة ما يمكنهم نسبته من أفكار وعلماء إلى القوميّة العربية.

ومن هذا الطرف، نجد الإيرانيين أيضاً ـ بالرغم من جذبهم للكثير من الثقافة العربية في ذواتهم حينما قبلوا الإسلام من دون أن يشعروا، وأيضاً قبولهم للّغة العربية لغةً علميّة ـ لم يكونوا يظهرون أيّ اهتمام بالعلماء والميول الفكرية والقراءات التي كانت تظهر في المناطق العربية الخالصة، بل ولم يكونوا يروها على ذلك المستوى من الإحكام والفائدة، انظروا على سبيل المثال كيف أنّ ابن رشد لم يشقّ طريقه إلى المحافل العلميّة والحوزات الفلسفية الإيرانية! وكيف كان يُظّن دائماً بأنه الأقل قدراً والأدنى مقاماً من ابن سينا! وكيف كان يُنْظَر بازدراء إلى آرائه ونظريّاته الفكرية!

وقد ذكرت هذا الافتراق بين القراءتين للتراث الفكري قديماً؛ لأقول: إنّ هذا الافتراق لا يزال باقياً على قوّته، بالرغم من كل التحولات العظيمة التي حصلت في المنطقتين، والمناهج الجديدة التي قدّمت لقراءة التراث، ولا يزال يمكن القول بأن هناك تمايزاً بين القراءة الإيرانية والقراءة العربية في هذا المجال، وهذا الامتياز جدّيٌ وعميق وليس ناتجاً عن صدفة أو رغبة، بل الحقّ أنه يرجع إلى اختلاف الوضعية الثقافية والتاريخية والاجتماعية والسياسية بين الإيرانيين والعرب.

ثراء مدارس الفكر العربي المعاصر ـــــــــ

وهناك ثلاث قراءات في الفكر العربي المعاصر: القراءة التقليدية، والقراءة الأيديولوجية، والقراءة النقدّية، ولا شك أنّ المعرفة الدقيقة بهذه القراءات الثلاث ـ خاصة النقدية منها ـ تجعل جدّية ارتباطنا بالعرب ترتدي ثوبَ الضرورة واللزوم، فكلّ قراءة من هذه القراءات في العالم العربي لا تقبل مقارنتها من ناحية شمولها وعمقها بالقراءات الإيرانية، هذا إن فرض وجود قراءات معادلة لها في إيران؛ فالدراسات والكتابات كثيرة جداً في هذا المجال، كما أنّ تعداد وتنوّع وكثرة المناهج والعُدد المعرفيّة المستخدمة في قراءة التراث يوقع الإنسان في العجب والذهول، وتظهر بوضوح في هذه القراءات الوجوه والزوايا المختلفة للتراث القديم، وكل قراءة منها لها تقييمها وقراءتها ونقدها للقراءات الأخرى، وأساليبها أيضاً في الكشف عن جهات النقص والضعف وجهات القوّة والصحّة فيها، وبغض النظر عن القراءات الإنسانية والوجودية والماركسية والهيغلية والوضعية والبنيويّة والشكلية والهرمنوطيقية.. وغيرها من أساليب قراءة التراث، توجد قراءات نقديّة أخرى أبدعت بنفسها ـ بعد تقييمها الطرق الحديثة للعلوم الإنسانية ونقدها ـ طرقاً ووسائل جديدة لإعادة قراءة التراث وتقييمه.

فالحقّ أنه لا يمكن غضّ الطرف عن هذا الرأسمال الفكري العظيم الذي حصلنا عليه هذه المرّة بهمّة الآخرين، أعني الثقافة والفكر العربي المعاصر، ولا تجاوزه والاستغناء عنه.

1 ـ 1 ـ 2 ـ نقف نحن والعرب على هامش الحداثة، وقد فقدت ثقافتنا وحضارتنا القديمة طاقتها وقدرتها في مقابل الحضارة الغربية المعاصرة، وهذا ما اضطرّنا إلى أن نضع نصب أعيننا دائماً النتاج الفكري والثقافي الغربي، وأن نسعى إلى هضمه والاستفادة منه. طبعاً هذا السعي لا يحصل إلا بقراءة خاصّة للجهات المختلفة لهذه الحداثة. والعرب يختلفون عنّا كثيراً من هذه الجهة أيضاً بسبب معرفتهم الأقدم والأقرب والأعمق بالحداثة؛ إذ النفوذ الذي لاقاه الفكر الحديث هناك لم يلقه في بلدنا وبين أدبائنا والعاملين في الحقل الثقافي عندنا. وفي هذا المجال نلاحظ:

أولاً: إنّ عملية انتقال العلوم والآداب والفنون والثقافة الغربية عن طريق الترجمة والنشر والإجراء العملي قد حصلت عند العرب بشكل واسع ومنظّم.

ثانياً: يتقدّم العرب علينا جدّاً في مجال التقييم والنقد وإعادة خلق الأفكار وإبداعها. وقليلاً ما نجد مفكّراً غربياً أصيلاً لم تنقل أهم أعماله إلى العربية مع إعادة قراءتها وكتابة الكثير من التحليلات والدراسات حولها. والمهم هنا أنّ العرب في تلقّي المفاهيم الغربية واستيعابها لا يكتفون بتعلّمها، بل يطبّقونها أيضاً؛ وعلى هذا الأساس يمكننا أن نشاهد النتائج المعرفية والعمليّة للتعاليم والمفاهيم الغربية ضمن طبيعة أخرى وفي مناخ تقاليد مختلفة، كما يمكن عبر ذلك اختبارها أيضاً؛ وعليه فالتعرف على قراءة بل قراءات أخرى للحداثة ناشئة عن رؤية ثقافية غير حديثة هو عامل آخر يضطرّنا إلى مدّ جسور الارتباط الجادّ والحقيقي مع العالم العربي في المجال الثقافي والفكري.

1 ـ 1ـ 3ـ ونتيجةً لهذا كلّه، نجد الأيديولوجيات الغربية قد تقدّمت في العالم العربي بخطى أقوى وأسرع، واستطاعت أن تبني أنظمةً فكريّة قويّة في الساحة العربية، وأن تقيم ـ على مستوى العمل ـ أبنية سياسية محكمة. من هذه الجهة، يمكن تسمية العالم العربي بالمختبر الصغير للأيديولوجيات؛ فإضافةً إلى الأيديولوجيات الغربية ثمّة أيديولوجيات إسلامية أيضاً تنشط بصورة مختلفة في كل مكان من العالم العربي، والجميع ـ ابتداءً من السلفية ووصولاً إلى أيديولوجيا اليسار الإسلامي ـ لهم تأثير واسع وكبير في تحريك الأحزاب والمجموعات والميول الفكريّة المختلفة للمسلمين باتجاه العمل السياسي.

إنّ دراسة هذه الأيديولوجيات من الناحيتين: النظرية والعملية، والاعتبار من حالات انحطاطها ورقيّها وظهورها وانهيارها يمكن أن يساعد ـ إلى حدّ بعيد ـ المفكّر الإيراني على فهمها وتقويمها، سيما وأن هناك تشابهاً كبيراً حالياً بيننا وبين العرب في المجالات الثقافية والاجتماعية، وفي الوضعية التاريخية.

1 ـ 1 ـ 4 ـ تعرّضت اللغة العربية خلال أكثر من مائة عام من الاحتكاك القريب والعميق مع العالم الفكري الحديث، إلى تحوّلات وتغيّرات عظيمة؛ ومن الواضح أنه لا يمكن ـ لهضم الأفكار الحديثة ومن ثمّ نقدها ـ أن تبقى اللّغات القديمة ـ ومن جملتها الفارسية والعربية ـ على ذاك البناء الصياغي واللّغوي العتيق نفسه، ومن هذه الجهة فإنّ تحديث اللغة بالنسبة للثقافة التي تسعى إلى فهم الحداثة وإدراكها مهمٌ وضروري جداً. وهكذا فإنّ في تجربة العرب في تحديث لغتهم الكثير من الكلمات والنصائح لنا، وهذا بنفسه عاملٌ آخر يرشد رجالات الفكر في إيران إلى ضرورة فتح قنوات التواصل مع الثقافة العربية المعاصرة؛ فتفعيل جهاز الاشتقاق العربي وكسر البناء القواعدي وإبداع مفردات جديدة إتكاءً على التراث اللغوي والأدبي العربي القدير و.. ذلك كلّه يشكل قسماً من طرقهم العمليّة في تحديث اللغة العربية.

إنّ البحوث والدراسات التي قدّمت حول ضرورة تحديث اللغة العربية، وقبل ذلك حول إمكان هذا الأمر الهام، والإمكانات الذاتية للّغة العربية كي تتجدّد وتتطوّر، وسقف قدراتها لجذب المعاني والمفاهيم الحديثة وغير ذلك.. هذه الدراسات وصلت إلى حدّ تحدّث بعضهم عن ضرورة علمنة اللغة العربية (Secular)، وقد وصلوا في هذا المجال أيضاً إلى نتائج موفّقة. إنّ إبداع لغة علميّة وفنيّة ـ وهي مشكلتنا منذ القدم ويُظن أنها ستبقى دوماً كذلك ـ يمكن بلا شك أن يتمّ بشكل أسهل وأدقّ عبر الاطلاع على تجربة مماثلة، كما أنّ أخذ العِبَر من نجاحات الآخرين وإخفاقاتهم سوف يمنعنا عن السقوط في الحفر أو الابتلاء بالدخول في الطرق المسدودة ويفتح أعيننا على أُفق جديد.

1 ـ 2 ـ الضرورات العمليّة: ـــــــ

1 ـ 2 ـ 1 ـ إن الاشتراك في الفكر والميول والحياة والأخذ والعطاء المستمر بين النُخب الفكرية الإيرانية والعربية ومعرفتهم العميقة بالتراث والثقافة القديمة والتوجهات والنظريات الجديدة لكل منهما.. يمكنها أن توجد قاعدة قويّة للفكر الواقف على حاشية الحركة الفكرية الحديثة، وهذه القاعدة العربية ـ الإيرانية القائمة على منبسط من الفكر والثقافة ستكون قادرة على تولّي مشاريع مشتركة عظيمة وإيصالها إلى أهدافها، تلك المشاريع التي تعبّر عن نتاج نظريات وتوجّهات مختلفة وذات أهداف واحدة. وهذه الفرصة المباركة سوف تفسح المجال أمام النُخب العربية والإيرانية للبدءِ بسعي جدّي ومهم وواسع لإيجاد حلول للمشكلات المبتلى بها لدى كلا الطرفين.

1 ـ 2 ـ 2 ـ انعدام حرية التعبير داءٌ مشترك بين المفكّرين الإيرانيين والعرب؛ فمحنة نصر حامد أبو زيد في مصر ومحنة قسم من المتنوّرين الدينيين في إيران، وأساليب الحظر والقيود التي فرضت عليهم، والتجربة القاسية التي واجهها المفكّرون من الطرفين في مواجهتهم للتقاليد التراثية و.. كان لها صدى عالمي، وهي شاهد على حقيقة هذا المدّعى. ولا شك في أنه يجب على المفكّرين من الطرفين أن يشدّوا الهمّة ويعقدوا العزم لرفع هذا المعضل؛ فعلاج هذا الداء ينبغي تلمّسه من الداخل، وعقد الأمل على معجزة هطول المطر من سماء الصحراء لن يجد سوى الخيبة.

إنّ الارتباط الثقافي والاتصال بين نُخبِ كلتا الملّتين يمكنه أن يضع الأساس لسدّ عظيم يقف أمام هذه المشاكل العملية الضاغطة على مفكّريهما، كما يمكن ـ بالانسجام والتواصل والاهتمام والمشاركة والعمل ـ إعادة الحقوق الإنسانية المهدورة لرجال الفكر والثقافة وإحيائها من جديد.

ويمكن أن نضيف إلى هذا السجل، أزمة المرأة في إيران والعالم العربي، وأيضاً وضع برنامج لتأمين حقوق المرأة في كلتا المنطقتين، ووضع نهاية للامتناع النظري والمنع العملي المتعدّد الأشكال في هذا المجال.

2 ـ العلاقة الثقافية بين إيران والعرب، الموانع والعوائق والعقبات ـــــــ

2 ـ 1 ـ العوائق النظرية: ـــــــ

2 ـ 1 ـ 1 ـ ثمّة ثنائيات متضادة تهيمن على فكرنا، تفرض رغبة في أحد طرفيها ورفضاً في طرفها الآخر، فالتقابل بين الديني والعلماني والقديم والجديد وغير ذلك من الثنائيّات يقع في هذا السياق المتسلّط على فكرنا ووعينا.

ويعتقد تقليديّونا أن ما ينفعهم هو إقامة علاقة مع المثقفين الدينيين العرب، وبعبارة أدقّ (علماء الدين)، أمّا الاطّلاع على طروحات العلمانيين العرب وطريقة تفكيرهم فيبدو ـ من وجهة نظرهم ـ عديم الفائدة، من هنا يظهرون الاهتمام بعددٍ من الأشخاص مثل محمد عبده، بينما لا يلتفتون إلى قافلة عظيمة من المفكّرين الآخرين وينسبونهم إلى العلمانية بما لها من مفهوم خاطىء في أذهانهم، كما ويعتبرون الاقتراب من هؤلاء أمراً مذموماً لا فائدة فيه، باعتبار أنّ أفكارهم خطرة ومسمومة. يضاف إلى ذلك وجود نقص أو تشوّه في فهمهم لنظريات وأفكار العلماء التقليديين أو الدينيين العرب، ففهمهم لهم يقوم على أساس غير صحيح.

من جهة أخرى، نجد الحداثويين عندنا ـ تبعاً لثنائية الجديد والقديم ـ يظنّون أنه لابدّ من تعلّم الأفكار الحديثة فقط، أمّا الأفكار والثقافات القائمة على حاشية الحداثة فهي مثلنا مبتلاة بالمشاكل والأزمات الناشئة من صدمة الحداثة ولا تملك شيئاً مهمّاً تعلّمه للآخرين. إنّها الحداثة ـ وليس الثقافات ـ التي ابتلينا بمقتضياتها وأثارت أمامنا التحديات، فمسألتنا هي الحداثة لا العالم العربي ولا أيّ مكان آخر.

وهذا الكلام رغم أنّ فيه شيئاً من الحقيقة، إلاّ أنه ليس صحيحاً بالمطلق؛ فبناءً على الضرورات التي ذكرناها لابدّ من فتح الأبواب وإقامة العلاقات النظرية والعملية، وهو أمرٌ كما يستدعي تخطّياً للأيديولوجيات، كذلك يطالب بكسر مجمل تلك الثنائيات المهيمنة.

2 ـ 1 ـ 2 ـ أشرنا فيما سلف إلى أنّ الجدال حول إطار (المرجع) و(المبنى) بين الإيرانيين والعرب كان ولايزال موجوداً، وهو جدال ينتهي بنا إلى الابتلاء بوهم التقدّم والنرجسية القومية والمذهبية واللغوية، كما يفضي إلى قراءاتنا للتراث والحداثة. إنّ الاطّلاع على القراءة العربية الحديثة والقراءة العربية التقليدية ليس له تلك الأهميّة، والاختلاف في الخلفيات الثقافية بيننا (العرب وإيران) يتطلّب أن تكون لنا قراءتنا للتراث، كما أنّ قدرتنا على التعرف المباشر على الأفكار الحديثة تجعلنا في غنىً عن الاطّلاع على القراءات الأخرى.

هذا ما يعتقده جمعٌ من الإيرانيين والعرب، ووراء هذا الاعتقاد ورسوخه: أولاً: وهمٌ قديم عن احتكار المرجعية الفكريّة، وثانياً: نظرٌ إلى العالم بمنظار قومي أو لغويّ أو طائفي ضيّق، وثالثاً: عدم اهتمام بمتطلّبات المرحلة التاريخية الجديدة، وهذه الأمور مجتمعةً تعمل دائبة على زعزعة أساس العلاقة بيننا.

2 ـ 1 ـ 3 ـ العائق الرئيس في وجه العلاقة الفكرية بيننا هو تصوّراتنا النمطية عن العالم العربي، فأكثر محافلنا العلميّة لا تعرف مفكّراً أكثر تجدّداً في العالم العربي من محمد عبده وسيد قطب، وليس عندها أيّ معرفة ـ حتى إجمالية ـ بأي اتّجاه آخر في العالم العربي غير حركة الإصلاح والسلفيّة. وهو ما يعود إلى تقصير وسائل الإعلام العلميّة والثقافية في تسليط الضوء على الأحداث والمجريات الفكرية والثقافية في العالم العربي، وإلى الفقر في الكتابات والبحوث المعنيّة بهذا المجال، إنّ هذه الخارطة الجامعة والحديثة عن بنية الحداثة العربية يمنع من تنظيف مرآة أذهاننا من الصور القديمة للثقافة العربية.

2 ـ 2 ـ العوائق العملية: ـــــــ

2 ـ 2 ـ 1 ـ مشكلة اللغة في علاقتنا بالعرب مشكلةٌ جدّية؛ فحالة تعليم اللغة العربية في إيران لا تفسح المجال إطلاقاً أمام إقامة ارتباط بالثقافة والفكر العربيين؛ ذلك أنّ المواد التي تسمّى بالأدب واللغة العربية والتي تدرّس بشكل عمومي ابتداءً من المرحلة الابتدائية أو بشكل تخصّصي في فرع اللغة والأدب العربي في الجامعات.. هذه المواد في أفضل أشكال نجاحها لا تفيد إلاّ في قراءة بعض النصوص القديمة والقرآن والسنّة، ولا يمكنها إطلاقاً أن تفتح الطريق إلى الساحة المعاصرة للثقافة العربيّة، كما أنّ مراكز تعليم اللغات عندنا تبدي بخلاً في تعليم اللغة العربية.

وهناك أيضاً مشكلة أخرى يعاني منها قلائل في إيران يمكنهم التعرّف على الثقافة العربية المعاصرة وقراءة نصوصها الفكرية، وهي عدم استطاعتهم الوصول إلى الكتب الموجودة في هذا المجال؛ لأنها لم تجد سبيلاً لها إلى إيران حتى في معارض الكتاب الدولية، والناشرون العرب أيضاً يمتنعون عن جلب هذه الكتب بالرغم من الإقبال عليها في السوق الإيرانيّة، وهكذا يحصل الجهل ويشمل مختلف المجالات من مطبوعات وكتب وأعمال فنيّة وعلميّة.

كما أنّ أدباءنا ونخبنا هم ـ في الغالب ـ غرباء عن اللغة العربية المعاصرة، حتى أنهم إذا أرادوا مثلاً قراءة كتاب لأحد المفكّرين العرب أو أرادوا أن يستخبروا عن الأوضاع الفكرية المعاصرة لتلك الديار، فإنهم يقومون بذلك عبر وسيط وهو لغة ثالثة. وهذه الحالة موجودة بعينها أيضاً في العالم العربي فيما يخصّ الوضع الثقافي الإيراني. إنّ اللغة والثقافة الوسيطة ـ وهي إمّا الإنجليزية أو الفرنسية ـ لا يمكنها أن تجعل العلاقة شفافةً وعميقة، بل إنّ الكثير من المكوّنات الأساسية والرئيسة للفكر العربي المعاصر لن تتمكّن من العبور عبر هذه المصفاة ـ أي اللغة الوسيطة والثقافة الواسطة ـ بل إنّ هذه الوساطة سوف تخلق نوعاً من الجهل المركّب أو المضاعف.

2 ـ 2 ـ 2 ـ ووفق ما تقدم، نعلم ـ إجمالاً ـ الوضع الفعلي للترجمات التفنّنية؛ فما يصدر في هذه الأيام من ترجمات لبعض النصوص الفكرّية العربية المعاصرة ـ بشكل كتاب أو مقالة ـ مع كونه قليل العدد، يعاني من ضعفين أساسيين: أحدهما عدم المعرفة باللغة العربية المعاصرة، وثانيهما الجهل بروح الفكر العربي المعاصر وروح فكر كلّ واحد من مفكّريه.

ويمكن أن نلاحظ في هذا المجال الكتب التي تترجم لأركون وتطبع؛ حيث نجدها بتمامها إمّا غير دقيقة ولا مفهومة أو أجنبية عن روح أفكاره وأساسيات أعماله. وهذه المشكلة جدّية، ولا يمكن علاجها دون سعي جمعي لإعطاء ترجمات صحيحة ودقيقة وسهلة لنصوص الدرجة الأولى من الفكر العربي، وكذلك الحال بالنسبة للنصوص الفارسية وترجمتها للعرب.

ولا يوجد في متناول أيدينا أيّ نصّ فارسي معتبر لأيّ من العلماء التقليديين مثل محمد عبده، أو المثقفين ما قبل السبعينات مثل طه حسين وزكي نجيب محمود، أو أتباع الفكر النقدي في السبعينات وما بعدها([3]).

ومن هذا الجانب أيضاً، نجد أنه لم تنقل إلى العربية كتابات المثقّفين والمفكّرين الإيرانيين، ما عدا بعض كتابات الشهيد مطهري والدكتور علي شريعتي والتي يغلب على أكثرها الجانب الأيديولوجي([4]).

2 ـ 2 ـ 3 ـ من جملة عوائق العلاقة الثقافية بين الطرفين انعدام المراكز والنوادي الثقافية لإقامة المؤتمرات واللقاءات الفكرية بين النُخب الإيرانية والعربية في كلا المنطقتين، وإيجاد مثل هذه المراكز سيكون له دور مؤثّر في الصداقة الإيرانية العربية.

ويمكن من خلال العرض المباشر للبضائع الفكرية والثقافية والفنية والأدبية في هذه المراكز وأيضاً إقامة محافل ودّية للفكر والحوار وتبادل وجهات النظر.. يمكن استئصال مجموعة عظيمة من التصورات السلبية والفارغة، وتقويم الكثير من الانحرافات والنواقص لدى كل من الفريقين العربي والإيراني في نظرته للآخر.

2 ـ 2 ـ 4 ـ يرجع السبب الهام المعيق لإيجاد مثل هذه المراكز إلى التأثير الأيديولوجي والسياسي على العلاقة بين إيران والدول العربية، فالطرفان ليس لهما سياسة واحدة في هذا المجال، إلا أنّنا نجد أن الدول العربية وإيران تفضلان أن تتمّ الاتصالات الفكريّة والثقافية من خلال قنواتهما الرسمية وتحت مراقبة الجميع بالسوية.

إنّ ما يغني هذه العلاقة ويوسّعها وينوّعها ويجعلها منتجةً هو إخراجها من إطار الدول والسياسات والأفكار الحاكمة عليها وعن رقابتها في هذا المجال. وقد أثبتت التجربة أنّ رسمية العلاقات الثقافية والنخبوية وغيرها لم تحقق الكثير من الفائدة لهذه الدول نفسها، ولا ساعدتنا في الوصول إلى الأهداف المنشودة([5]).

أخيراً، إننّي مؤمن بأن عدد الضرورات والعوائق أكثر بكثير ممّا ذكرته هنا، ومعتقدٌ بأهمية البحث في هذا المجال، وأرى أنّ هذا الملف مفتوح دائماً.

أتمنى أن تكون هذه المقالة مجرّد مدخل للشروع في هذه الملفات في إيران.

الهوامش

(*) باحث يعمل في معهد واشنطن في أوروبا، كان من المساهمين الأساسيين في ترجمة أفكار مثل محمد أركون إلى الفارسية، له كتابات عديدة.

([1]) حميد عنايت، سيرى در انديشه سياسى عرب: 15، الطبعة الثالثة.

([2]) مقدمة ابن خلدون: 747، الباب الرابع من الكتاب الأول، الفصل الثالث والأربعون.

([3]) يمكن في هذا المجال الإشارة إلى ترجمة عباس توسلي لأحد كتب أركون التي نشرت من قبل (مركز نشر الثقافة الإسلامية)، وأيضاً إلى ترجمة حوار هاشم صالح مع أركون من قبل المستشارية الثقافية الإيرانية في لبنان. وقد نُشرت في الأعداد الأخيرة من مجلة نامه فرهنك، وأُعيد نشرها في العدد الأخير من مجلّة قبسات.

([4]) بمناسبة الكلام عن الترجمات السيئة، نشير إلى ترجمة كتاب (نكاه شكسته) لداريوش شايكان إلى اللغة العربية من قبل دار الساقي، تحت عنوان (النفس المبتورة)، وهي ترجمة جماعية، إلا أنها سطحية وعجولة، وبسبب الأغلاط الكثيرة فيها لا يمكن بوجهٍ إطلاق اسم (الترجمة) عليها.

([5]) مثال هذه التجربة مؤتمر (العلاقات الإيرانية العربية بين سبل الحاضر وآفاق المستقبل) المعقود في قطر سنة 1995م؛ حيث كان قالب الحضور الإيراني فيه حكومياً رسمياً، رغم أنّ هدف منظّميه كان إيجاد مناخ غير رسمي.