مفطِّريّة تعمُّد البقاء على الجنابة حتّى الفجر

26 مارس 2017
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
167 زيارة

مفطِّريّة تعمُّد البقاء على الجنابة حتّى الفجر

قراءةٌ نقديّة

الشيخ يوسف علي سبيتي(*)

 

تمهيد

  القدر المتيقَّن من الأدلة أن الطهارة من الجنابة شرطٌ في صحة الصلاة؛ بدليل آية الوضوء([1])، وخاصّة أن غسل الجنابة ليس واجباً نفسياً، بل هو واجبٌ غيري.

والقدر المتيقن من الأدلة أن الجنابة العمدية النهارية مبطلة للصوم.

أما تعمد البقاء على الجنابة إلى الفجر فالروايات متعارضة، حيث دلَّت مجموعة من الروايات على المفطرية، ودلت مجموعة أخرى على عدم المفطرية.

وهذه محاولةٌ لعلاج هذا التعارض، ومعرفة حقيقة مفطّرية تعمد البقاء على الجنابة. مع الإشارة إلى أن الفقهاء حملوا روايات عدم المفطرية على التقية؛ والسبب هو قول علماء أهل السُّنَّة بعدم المفطّرية، كما سوف يتبين في مطاوي هذا البحث.

وقبل البدء بتفصيل البحث لا بُدَّ من القول: إن ما يقتضيه التحليل العقلي هو أن الأثر المعنوي للجنابة لا يضرّ بالصوم. ويعضد هذا التحليل العقلي ما رواه أبو سعيد القمّاط([2])، في صحيحه، عن الإمام الصادق×، أنه سُئل عمَّنْ أجنب في أول الليل في شهر رمضان فنام حتّى أصبح؟ قال: لا شيء عليه؛ ذلك أن جنابته كانت في وقت حلال([3]).

والروايات في هذا الموضوع على طوائف:

الأولى: الروايات الدالّة على المفطّرية

ـ ما رواه الطوسي بسنده عن أبي بصير، عن أبي عبد الله×، في رجل أجنب في شهر رمضان بالليل ثم ترك الغسل متعمداً حتّى أصبح؟ قال: يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكيناً…([4]).

ـ ما رواه الطوسي أيضاً بإسناده عن سليمان بن جعفر المروزي، عن الفقيه× قال: إذا أجنب الرجل في شهر رمضان بليلٍ، ولا يغتسل حتّى يصبح، فعليه صوم شهرين متتابعين، مع صوم ذلك اليوم…([5]).

وهذه الروايات تشير إلى وجوب الكفّارة، ووجوب قضاء ذلك اليوم. وهي الروايات التي اعتمد عليها المشهور للقول بالمفطّرية. قال السيد محمد العاملي: «هذا هو المشهور بين الأصحاب»([6])، وقال في الجواهر: «المشهور بين الأصحاب شهرةً عظيمة كادت تكون إجماعاً»([7])، وقال السيد الخوئي: «على المعروف والمشهور، بل ادُّعي عليه الإجماع في كلمات غير واحد»([8]).

 

الثانية: الروايات الدالّة على عدم المفطّرية

ـ صحيحة العيص بن القاسم([9])، أنه سأل أبا عبد الله× عن الرجل ينام في شهر رمضان، فيحتلم، ثم يستيقظ، ثم ينام قبل أن يغتسل؟ قال: لا بأس([10]).

ـ ما رواه الصدوق في المقنع، مرسَلاً عن حمّاد بن عثمان([11])، أنه سأل أبا عبد الله× عن رجلٍ أجنب في شهر رمضان، وأخَّر الغسل إلى أن طلع الفجر؟ فقال: كان رسول الله| يجامع نساءه من أوّل الليل، ثمّ يؤخِّر الغسل حتّى يطلع الفجر، ولا أقول كما يقول هؤلاء الأقشاب: يقضي يوماً مكانه([12]).

ـ رواية إسماعيل بن عيسى([13]) قال: سألتُ الرضا× عن رجلٍ أصابته جنابة في شهر رمضان فنام حتّى يصبح، أيّ شيء عليه؟ قال: لا يضرّه هذا، فإنّ أبي× قال: قالت عائشة: إن رسول الله| أصبح جنباً من جماعٍ غير احتلام…([14]).

ـ صحيحة حبيب الخثعمي([15])، عن أبي عبد الله× قال: كان رسول الله| يصلّي صلاة الليل في شهر رمضان، ثمّ يجنب، ثمّ يؤخِّر الغسل متعمِّداً حتّى يطلع الفجر([16]).

يضع الحُرّ العاملي لهذه الروايات العنوان التالي «باب أن مَنْ أجنب ليلاً ونام ناوياً للغسل حتّى طلع الفجر صحّ صومه، وليس عليه قضاء، ولا كفارة»([17]). فهو يحمل هذه الروايات على النوم مع نيّة الغسل، كما هو واضحٌ من قوله في العنوان: «ونام ناوياً للغسل».

وهو حملٌ غير صحيح، وإنْ أحالنا في آخر الباب إلى البابين الخامس عشر والسادس عشر من نفس «أبواب ما يمسك عنه الصائم»؛ لأن الروايات في الأبواب الثلاثة ليس فيها ما يدلّ على «النوم مع نيّة الغسل»، إذا كان قصد الحُرّ العاملي جعل روايات البابين الأخيرين بمثابة القرينة على ما ذهب إليه من الحمل؛ لأنه لا السائل ولا الإمام× يشير إلى نيّة الغسل هذه. وهذا واضحٌ من خلال ملاحظة الروايات المتقدِّمة من هذه الطائفة.

وأيضاً روايات البابين المذكورين ليس فيها ما يدلّ على نية الغسل؛ ففي رواية الحلبي، عن الإمام الصادق×، يقول فيها: «إنه قال×، في رجل احتلم في الليل أو أصاب من أهله، ثمّ نام متعمّداً في شهر رمضان حتّى أصبح، قال: يتمّ صومه ذلك، ثم يقضيه….»([18]). فهي واضحة الدلالة على عدم الإشارة إلى نيّة الغسل، مع أنه ذكر تعمّد النوم، وهو أعمّ من النيّة وعدمها. وسوف يكون لنا موقفٌ من هذه الرواية عند الحديث عن وجوب القضاء فقط، من الطائفة الثالثة، فانتظِرْ.

وقد اعتبرها الشيخ الطوسي دليلاً على فتوى أستاذه الشيخ المفيد القائلة: وهنا أيضاً نجد أن الحكم معلَّق على نيّة الغسل، أي إذا لم يكن من نيّته الغسل ونام حتّى طلوع الفجر فعليه القضاء والكفّارة؛ لأنه من تعمُّد البقاء على الجنابة. وهذا لا قرينة تساعد عليه، فليس في الروايات ما يشير إلى هذا الأمر.

والملفت في هذه الروايات أن الإمام× ينسب هذا الفعل إلى رسول الله|. وقد تكون الرواية الأولى المشيرة إلى فعل رسول الله× تتنافى مع القول بوجوب صلاة الليل عليه([19])، أو كراهة البقاء على الجنابة طوال الليل، لكنْ تبقى صحيحة الخثعمي التي تشير إلى فعله| ذلك بعد إتيانه صلاة الليل، فتسقط المنافاة في هذه الحالة. وعلى أيّ حال إن مجموع هذه الروايات يشير إلى أن تعمُّد البقاء على الجنابة ليس من المفطّرات.

الثالثة: الروايات الدالّة على وجوب القضاء، دون الكفّارة

  ـ ما رواه الكليني بسنده الصحيح عن الحلبي، عن أبي عبد الله×، أنه قال في رجلٍ احتلم أو أصاب من أهله، ثمّ نام متعمداً في شهر رمضان حتّى أصبح، قال: يتمّ صومه، ثم يقضيه إذا أفطر من شهر رمضان، ويستغفر ربَّه([20]).

ـ ما رواه الكليني أيضاً بسنده عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، عن أبي الحسن×، قال: سألتُه عن رجلٍ أصاب من أهله في شهر رمضان أو أصابته جنابةٌ، ثمّ ينام حتّى يصبح متعمِّداً؟ قال: يتمّ ذلك اليوم، وعليه قضاؤه([21]).

ـ ما رواه الكليني أيضاً بسنده عن سماعة بن مهران قال: سألتُه عن رجلٍ أصابته جنابة في جوف الليل في رمضان، فنام وقد علم بها، ولم يستيقظ حتّى يدركه الفجر؟ قال: عليه أن يتمّ صومه، ويقضي يوماً آخر([22]).

ونُسب إلى ابن أبي عقيل والمرتضى القول بوجوب القضاء فقط، دون الكفارة([23]). ويرجِّح صاحب المدارك رأي ابن أبي عقيل؛ بسبب ضعف سند روايات الطائفة الأولى، «فيشكل التعويل عليها في إثبات حكم مخالف للأصل»([24]). والأصل الذي قصده هو عدم المفطّرية؛ لأن الجنابة حصلت في الليل، فمع الشكّ في المفطرية الأصل عدمها.

وقد يكون أحد أسباب وصف روايات هذه الطائفة بضعف السند وجود سليمان بن حفص المروزي في إحدى هذه الروايات. ففي مواضع أخرى من كتابه يصف سند الروايات التي فيها سليمان هذا بقوله: «وهي ضعيفة السند؛ بجهالة الراوي»([25])، وهو سليمان بن حفص، وليس سليمان بن جعفر، كما ذكر صاحب الوسائل. ويرجِّح السيد الخوئي أيضاً الاسم الأول؛ لأنه الموافق للتهذيب([26]). والرجل فعلاً مجهول الحال، ليس له ذكر عند النجاشي، والطوسي، لا في الفهرست ولا في الرجال.

نعم، رواية أبي بصير المتقدِّمة كلّ رواتها ثقات؛ فإن طريق الشيخ الطوسي إلى الحسين بن سعيد صحيحٌ، كما حقَّقناه في محلّه.

وكذلك أبو بصير الوارد في الرواية المراد به خصوص الثقة، وإنْ تعدَّد الرجال المكنّون بهذه الكنية، كما حقَّقناه في محلِّه أيضاً.

يبقى الكلام في إبراهيم بن عبد الحميد الأسدي، فهو وإنْ لم يذكر النجاشي في حقِّه توثيقاً([27])، إلاّ أنه لم يذكر في حقّه ذمّاً. وعليه فهو لا يعارض توثيق الطوسي له، فقد قال في الفهرست: «ثقةٌ، له أصل»([28]).

فالرواية صحيحة السند.

وفي الواقع لا يوجد غير هاتين الروايتين المتعلِّقتين بموضوع الطائفة الأولى. فهل تكفي هاتين الروايتين لمعارضة روايات الطائفة الثانية، حيث لا يبقى في البين إلاّ رواية واحدة؟

 

موقف الشيخ الطوسي من الطوائف الثلاثة

ينقل الشيخ الطوسي فتوى أستاذه الشيخ المفيد المتعلِّقة بالجنابة ليلاً، والتي يقسِّم فيها حال المكلَّف إلى ثلاثة أقسام:

الأول: «مَنْ أجنب فنام على نيّة أن يغتسل قبل الفجر، فاستمر به النوم إلى طلوع الفجر، فليس عليه قضاء، ولا كفارة»([29]).

ويعتبر الشيخ الطوسي أن روايات الطائفة الثانية تدلّ على هذا القسم. وهذا يعني أن المكلَّف إذا كان من نيَّته الغسل، فنام، فلا شيء عليه؛ أما إذا لم يكن من نيَّته الغسل، فنام حتّى الفجر، فعليه القضاء والكفارة؛ لأنه من تعمُّد البقاء على الجنابة.

وهذا التفصيل لا دليل عليه من الروايات نفسها، ولا من غيرها. فلا قرينة تدل عليه.

الثاني: «أن ينتبه في الليل بعد النوم الأوّل، ثمّ نام ثانياً، ونوى أن يغتسل قبل الفجر، واستمرّ به النوم إلى طلوع الفجر، فعليه القضاء، دون الكفارة»([30]).

ويدل عليه ـ بحَسَب الشيخ الطوسي ـ، بالإضافة إلى روايات الطائفة الثالثة، صحيحة ابن أبي يعفور قال: قلتُ لأبي عبد الله×: الرجل يجنب في شهر رمضان، ثم يستيقظ، ثم ينام حتّى يصبح؟ قال: يتمّ صومه، ويقضي يوماً آخر؛ وإنْ لم يستيقظ حتّى يصبح أتمَّ يومه ولا شيء عليه([31]).

وهذه الرواية أيضاً لا قرينة فيها على نيّة الغسل؛ لأن الاستيقاظ أعمّ من نية الغسل وعدمها.

الثالث: «فإنْ نام ثالثاً فعليه القضاء والكفّارة»([32])، أي نام ثالثاً بعد الاستيقاظ الثاني.

ويدلّ على هذا الحكم ـ بحَسَب رأي الشيخ الطوسي ـ روايات الطائفة الأولى، مع أن الروايات خالية من هذا التفصيل الذي أشار إليه الشيخ المفيد.

والروايات التي تفصِّل بين الاستيقاظ وعدمه قد تكون بمثابة الطائفة الرابعة، وإنما لم نعنونها كذلك لإبراز موقف الشيخ الطوسي، تبعاً لأستاذه الشيخ المفيد؛ إذ لعله أوَّل مَنْ أشار إلى هذا التفصيل. وهذه الروايات قد تكون أيضاً بمثابة القيد للروايات الأخرى التي لا توجب القضاء، ولا الكفارة. لكنْ حيث إن تلك الروايات يذكر فيها الإمام× أنّ فعله هذا كان في وقتٍ حلال، كما صرَّحت بذلك صحيحة أبي سعيد القمّاط المتقدِّمة، فهي بمثابة التعليل لعدم المفطِّرية. ويقوّي هذا التعليل احتمال عدم المفطرية؛ كونه أثراً معنوياً عنيتُ الجنابة. فكأنَّ الإمام× يريد تقوية احتمال عدم المفطّرية من خلال هذا التعليل. بالإضافة إلى أن روايات عدم المفطرية أكثر عدداً، وأصحّ سنداً. وما يهمُّنا في المقام هو الحمل على التقيّة، الذي كان السبب في إعراض المشهور عن روايات عدم المفطّرية. لذا فإن البحث سوف يتركَّز على محاكمة الحمل على التقيّة هذا، الذي فتح بابه الشيخ الطوسي، حيث ذكر في كلّ باب من أبواب الفقه في كتابه «التهذيب» الروايات المتعارِضة، ثمّ كان الحمل على التقيّة هو أحد طرق معالجة هذا التعارض.

 

الحمل على التقيّة

حُملت روايات الطائفة الثانية على التقية؛ كونها معارضة لروايات الطائفة الأولى والثالثة. والقرينة على هذا الحمل بنظرهم هو استشهاد الإمام× بقول عائشة، ونسبتها هذا الفعل إلى رسول الله|([33]).

فلا بُدَّ من ملاحظة الحمل على التقية، وهل يتناسب مع استشهاد الإمام بقول عائشة، ما قد يقوي حجّة الخصم ورأيه في هذا الحكم، مع ما لها من المكانة الخاصّة؟ مع أن صحيحة الخثعمي تنسب هذا الفعل إلى الرسول|، وأنه كان يفعل ذلك بعد صلاة الليل.

يناقش السيد الخوئي في دلالة صحيحة الخثعمي؛ فإنّ مضمونها غير قابل للتصديق؛ والسبب في ذلك، كما يقول الخوئي: «إن التعبير بـ «كان» ظاهر في الاستمرار والدوام… ولا شكَّ في أنه أمرٌ مرجوح على الأقلّ»([34]).

لأجل ذلك حمل السيد الخوئي هذه الرواية على التقيّة، جاعلاً الاستشهاد بقول عائشة في الرواية الأخرى ظاهراً في التقية([35])، بالإضافة إلى موافقتها ـ أي الصحيحة ـ لمذهب العامّة ـ أهل السُّنَّة ـ؛ لأن المتسالم عليه بينهم جواز البقاء على الجنابة عامداً([36]). وممَّنْ حملها على التقية؛ للسببين المتقدِّمين، صاحب الجواهر([37]). وجعل الحر العاملي الحمل على التقيّة أحد وجوه علاج التعارض بين الروايات، من دون ذكر السبب([38]).

وبغضّ النظر عن صحّة نسبة هذا الفعل إلى رسول الله|، وأنه كان مداوماً على البقاء على الجنابة بعد صلاة الليل إلى طلوع الفجر، أو حكاية هذه النسبة إلى عائشة، كدلالة على التقيّة، فإنّ هذا الأمر محلّ نظر؛ إذ كيف يمكن الاستشهاد بما تقوله عائشة ثمّ حمله على التقية، مع أن الخصم يجعل أحد أدلّته على فتواه بعدم مفطّرية البقاء على الجنابة هو قول عائشة، بل رفضها لما نُقل لها عن أبي هريرة؟ وما نُقل عن أبي هريرة أيضاً قد يكون فيه إشكالٌ من جهة أنه محكيٌّ عن مروان بن الحكم، وسوف تأتي الإشارة إلى هذا بعد قليل، فانتظِرْ، إلاّ أنّه محكيّ بطرق أخرى([39]).

وكيف كان فإن الاستشهاد بقول عائشة لا ينسجم مع الحمل على التقية؛ فإن هذا تقوية لرأي الخصم. مع أن روايات عدم المفطّرية غير منحصرة بما حُكي عن عائشة، فهناك صحيحة العيص بن القاسم، الدالّة صريحاً على عدم مفطّرية تعمد البقاء على الجنابة، وصحيحة أبي سعيد القمَّاط المتقدّمة.

يضاف إلى ذلك كلّه أن هذه الروايات موافقة لصريح القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ…﴾، الشامل بإطلاقه لآخر جزء من الليل القريب من الفجر، أي قبل طلوع الفجر وإنْ لم يَسَع الوقت للغسل. ومع توافق روايات عدم مفطّرية تعمد البقاء على الجنابة مع الكتاب الكريم فالترجيح لهذه الروايات؛ لموافقتها للكتاب، وهذا بحسب الميزان الذي وضعه الإمام الصادق×.

والملفت أن السيد الروحاني، مع اعترافه بأن التعارض مستحكم بين روايات عدم المفطّرية وروايات وجوب القضاء والكفّارة، يرجِّح الثانية؛ لشهرتها فتوائياً بين الأصحاب. وبهذه الشهرة يقيّد إطلاق الآيتين([40]).

وهذه النتيجة غير علمية؛ لأنه بعد هذا التعارض المستحكم، وكون الآيتين مطلقتين، لا معنى لتقييدهما بالشهرة الفتوائية؛ لأن العلاج العلمي لهذا التعارض هو التساقط، والعودة إلى الآيتين، وخصوصاً أن الروايات النافية للقضاء والكفارة موافقة للكتاب، ولا يضرّ موافقتها لرأي علماء وفقهاء أهل السُّنَّة.

 

رأي أهل السُّنَّة

وهنا لا بُدَّ من استعراض رأي علماء أهل السُّنَّة؛ لمعرفة حقيقة رأيهم، وهل أن الروايات السابقة النافية للمفطرية موافقة لرأيهم أم لا؟

قال النووي في المجموع ـ حاكياً لرأي الشافعية ورأي الصحابة والتابعين ـ: إذا جامع في الليل، وأصبح وهو جنبٌ، صحّ صومه، ولا شيء عليه… وبه قال جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم. وممَّنْ قال به: عليّ بن أبي طالب وابن مسعود وأبي ذرّ([41]) وزيد بن ثابت وأبو الدرداء([42]) وابن عبّاس وابن عمر وعائشة وجماهير التابعين، والثوري ومالك وأبو حنيفة وأحمد؛ وخالف في ذلك أبو هريرة والحسن وطاووس وعروة بن الزبير([43]).

واضحٌ من هذا النصّ العدد الكبير من الصحابة القائلين بعدم المفطّرية. والملفت في ذلك نسبة هذا الأمر إلى أمير المؤمنين×، مع أنه لم ترِدْ رواية عن أحد من الأئمة× تكذِّب هذه الدعوى، كما هي العادة في مثل هذه النسبة. والملفت كذلك أن عروة بن الزبير، الذي عادةً ما يروي روايات خالته عائشة، كان مخالفاً لها في هذا الحكم.

يضاف إلى ذلك كلّه أن عائشة وأمّ سلمة([44]) ردَّتا على أبي هريرة روايته عن رسول الله|: «مَنْ أصبح جنباً فلا صوم له»، الذي رواه أحمد بن حنبل ومسلم([45]). وقد حاول البعض تبرير رأي أبي هريرة بأنه في أوّل الأمر كان الجماع محرَّماً في الليل في شهر رمضان، فمن ثم نسخ، ولم يعلمه أبو هريرة، فكان يفتي بما علمه حتّى بلغه النسخ فرجع([46]). وخالف أبا هريرة أيضاً عبدُ الله بن عمر([47])، وبعد أن بلغه اعتراض عائشة ادَّعى أن الذي كان قد أبلغه ذلك الفضل بن العباس([48]).

وقال ابن عبد البرّ في الاستذكار: «…فالذي عليه فقه جماعة الأمصار بالعراق والحجاز القول بحديث عائشة وأمّ سلمة عن النبيّ، أنه كان يصبح جنباً، ويصوم ذلك اليوم. وهو قول عليّ وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبي الدرداء وأبي ذرّ وعبد الله بن عمر وابن عباس، ومن الفقهاء الأئمة بالأمصار مالك وأبو حنيفة والشافعي والثوري والأوزاعي والليث([49]) وأصحابهم وأحمد [ابن حنبل] وأبو ثور([50])…. وعن إبراهيم النخعي وعروة بن الزبير وطاووس أن الجنب في رمضان إذا علم بجنابته فلم يغتسل حتّى يصبح فهو مفطرٌ، وإنْ لم يعلم حتّى يصبح فهو صائمٌ. وعن الحسن البصري وسالم بن عبد الله أنهما قالا: يتمّ صومه ذلك اليوم، ويقضيه، إذا أصبح فيه جنباً»([51]).

هذا النصّ أيضاً يبيِّن الآراء المختلفة لتعمّد البقاء على الجنابة، وأن الأكثر على عدم المفطّرية، مع نسبته ذلك إلى أمير المؤمنين× أيضاً، مع ذكره للرأيين المخالفين، وهما: المفطّرية، ووجوب القضاء فقط.

والحاصل ممّا تقدم أن هذه الأكثرية للقول بعدم المفطرية لا تعني قوّة الحمل على التقية:

أـ إن الروايات المروية عن الإمام الصادق× الموافقة لرأي الأكثرية موافقة أيضاً لإطلاق الكتاب الكريم، ولا ضير في توافق الروايات مع رأي الأكثرية ما دام أن الإمام الصادق× قد جعل موافقة الكتاب هي الميزان لقبول الروايات.

ب ـ إن استشهاد الإمام× بقول عائشة يضعِّف من احتمال التقية؛ لأن في هذا الاستشهاد تقوية لرأي الخصم، ولا يعقل أن الإمام من جهة يتّقي الرأي الأكثري، ثم يستشهد بقول عائشة، وكان يمكنه الاكتفاء بذكر الحكم الشرعي، من دون هذا الاستشهاد.

ج ـ إن صحيحة أبي سعيد القمَّاط تعلِّل عدم المفطّرية «بأنه قد أجنب في وقت حلال». وهذا التعليل أيضاً لا يتناسب مع الحمل على التقية؛ لأن في هذا التعليل تقوية لعدم المفطّرية. وكذلك الأمر كان يمكن للإمام أن يكتفي بذكر الحكم الشرعي لهذا الموضوع، من دون ذكر التعليل الذي يعطي القوّة لهذا الحكم. ألا يمكن أن يكون الإمام× في مقام الاحتجاج على أصحاب الرأي المخالِف الذين قد يستهجنون هذا الحكم، من أن الرسول كيف يبقى على الجنابة إلى طلوع الفجر، مع تمسكهم بما كان قد رواه أبو هريرة؟ فأين صلاة الليل الواجبة عليه بنصّ القرآن؟([52])، مع أن صحيحة الخثعمي أوضحت أنه كان يفعل ذلك بعد أدائه صلاة الليل. وهذا يبعِّد الإشكال السابق.

 

الهوامش

(*) باحثٌ وأستاذٌ في الحوزة العلميّة. من لبنان.

([1]) وهي قوله تعالى في سورة المائدة: 6: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا…﴾.

([2]) قال النجاشي في الرجال: 149، رقم 387: «خالد بن سعيد… كوفي، ثقة، روى عن أبي عبد الله(ع)… له كتاب». مؤسّسة النشر لجماعة المدرسين، قم، إيران.

([3]) الحر العاملي، وسائل الشيعة 10: 57، باب 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، ح1.

([4]) وسائل الشيعة 10: 63، باب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، ح2.

([5]) المصدر السابق: 63 ـ 64، ح3.

([6]) مدارك الأحكام 6: 75، تحقيق مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، قم، إيران، ط1، 1415هـ.

([7]) محمد حسن النجفي، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام 16: 236، تحقيق عباس القوجاني، دار الكتب الإسلامية، طهران، إيران، ط2.

([8]) كتاب الصوم 1: 175.

([9]) قال في حقِّه النجاشي في الرجال: 302، رقم 824: «…كوفي، عربي، يكنى أبا القاسم، ثقة، عين، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن موسى(ع)…».

([10]) وسائل الشيعة 10: 63، ح2.

([11]) قال النجاشي: حمّاد بن عثمان الفزاري، وأخوه عبد الله ثقتان، رويا عن أبي عبد الله(ع)، وروى حماد عن أبي الحسن «الكاظم» والرضا(ع). ومات حماد بالكوفة سنة تسعين ومائة.

وقال الطوسي: حماد بن عثمان الناب، ثقة جليل القدر. ويفترض الخوئي اتحادهما.

(انظر أدلته في معجم رجال الحديث 7: 225. وانظر ترجمته في رجال النجاشي: 143، رقم 371، وفهرست الطوسي: 115).

([12]) وسائل الشيعة 10: 57 ـ 58، ح3.

([13]) لم يترجم له النجاشي، ولا الطوسي. واعتبره الخوئي من المجاهيل. معجم رجال الحديث 4: 77 ـ 78.

([14]) وسائل الشيعة 10: 59، ح6.

([15]) قال في حقِّه النجاشي في الرجال: 143، رقم 368: «حبيب بن المعلل الخثعمي المدائني، روى عن أبي عبد الله، وأبي الحسن الكاظم والرضا(عم)، ثقة، ثقة، صحيح، له كتاب…».

([16]) وسائل الشيعة 10: 64، ح5.

([17]) وسائل الشيعة 10: 57.

([18]) وسائل الشيعة 10: 63، ح1.

([19]) جواهر الكلام 16: 238.

([20]) وسائل الشيعة 10: 63، ح1.

([21]) وسائل الشيعة 10: 62، ح4.

([22]) وسائل الشيعة 10: 62، ح5.

([23]) العلامة الحلّي، مختلف الشيعة 3: 407، مؤسسة النشر التابعة لجماعة المدرسين، قم ـ إيران، ط1، 1413هـ؛ والسيد محمد العاملي، مدارك الأحكام 6: 76.

([24]) مدارك الأحكام 6: 76.

([25]) المصدر السابق 4: 479 ـ 480، و5: 114، و8: 199.

([26]) معجم رجال الحديث 9: 250؛ الطوسي، تهذيب الأحكام 4: 212، ح617.

([27]) رجال النجاشي: 20، رقم 21.

([28]) فهرست الطوسي: 41.

([29]) تهذيب الأحكام 6: 210 ـ 211، تحقيق: حسن الخرسان، دار الكتب الإسلامية، طهران، ط4.

([30]) تهذيب الأحكام 4: 210.

([31]) تهذيب الأحكام 4: 211.

([32]) تهذيب الأحكام 4: 210.

([33]) الخوئي، مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم 1: 177؛ جواهر الكلام 16: 238.

([34]) مستند العروة الوثقى: 177.

([35]) المصدر نفسه.

([36]) المصدر السابق: 178.

([37]) جواهر الكلام: 238.

([38]) وسائل الشيعة 10: 65.

([39]) سنن النسائي 2: 177، تحقيق: عبد الغفّار سليمان البنداري ـ سيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، ط1، 1411 ـ 1991.

([40]) محمد صادق الروحاني، فقه الصادق 8: 132 ـ 133.

([41]) جندب بن جنادة، صحابي جليل، من حواريّي أمير المؤمنين عليّ×، مات في زمن عثمان بعد أن طرده إلى الربذة، قديم الإسلام، أسلم قبل الهجرة، اعترض على معاوية بناءه قصر الحمراء. (ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق 66: 174 وما بعدها).

([42]) عامر أو عويمر بن مالك قيس، من الخزرج، له صحبة، توفي في خلافة عثمان بن عفان، سنة اثنتين وثلاثين للهجرة. (المزي، تهذيب الكمال 22: 475، 469 ـ 470).

([43]) النووي، المجموع 6: 307 ـ 308.

([44]) هند بنت أبي أمية، وأسم أبيها سهل، إحدى زوجات النبي|، أمّ المؤمنين، تزوجها رسول الله| في السنة الثانية للهجرة بعد معركة بدر، توفّيت سنة 59 للهجرة، وقيل: سنة اثنتين وستين، وقيل: سنة أربع وستين. (الرازي، الجرح والتعديل 9: 464؛ المزي، تهذيب الكمال 35: 317 ـ 319).

([45]) مسند أحمد بن حنبل 2: 249، دار صادر؛ سنن النسائي 2: 176، باختلافٍ يسير.

([46]) موطّأ مالك 2: 162، تحقيق: تقي الدين الندوي، الترقيم آلي بحسب الموسوعة الشاملة الإلكترونية؛ البيهقي، معرفة السنن والآثار 7: 132، الترقيم آلي بحسب الموسوعة الشاملة الإلكترونية.

([47]) سنن النسائي 2: 177.

([48]) ابن الأثير، جامع الأصول من أحاديث الرسول 6: 4567، الترقيم آلي بحسب الموسوعة الشاملة الإلكترونية؛ سنن النسائي 2: 179.

([49]) ليث بن سعد بن عبد الرحمن، أبو الحارث المصري، ولد سنة أربع وتسعين، وتوفي سنة خمس وسبعين ومائة. أوّل رحلته إلى المدينة ومكة سنة ثلاث عشرة ومائة، فسمع من عطاء والزهري. (الرازي، الجرح والتعديل 7: 179 ـ 180؛ ابن حِبّان، الثقات 7: 360 ـ 361).

([50]) إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان، أبو ثور الكلبي، البغدادي الفقيه. كان أوّلاً يتفقه بالرأي ويذهب إلى قول أهل العراق، حتّى قدم الشافعي بغداد، فاختلف إليه أبو ثور، ورجع عن الرأي إلى الحديث. ولد سنة سبعين ومائة، توفّي سنة أربعين ومائتين. (الذهبي، سير أعلام النبلاء 12: 73؛ المزي، تهذيب الكمال 2: 82 83).

([51]) ابن عبد البرّ، الاستذكار 3: 290، تحقيق: سالم محمد عطا ـ محمد علي عوض، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 2000م.

([52]) وهو قوله تعالى: ﴿وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ (الإسراء: 79).