أحكام الردّة قراءة أصولية في فقه الإمام الخوئي

19 سبتمبر 2012
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1 زيارة

مؤشرات عامة في سمات البحث العلمي عند الإمام الخوئي
ربما يحتاج البحث الأكاديمي حول مفكر أُصولي في موضوع ما، كتحديد القراءة الأُصولية، التعريف بسيرة وشخصية ذلك الفقيه، وحيث إنّ موضوعنا حول الإمام السيد أبي القاسم الخوئي، فلابد من تحليل المكونات العلمية لعقليته الفقهية، لكن لأننا نتحدث عنه في وسط عرف الإمام الراحل أكثر من معرفته البديهيات فصار نافلة بحثية، لكن يبقى كثير العارفين بتكونات الإمام الخوئي& يحتاجون لتحليل النص الفقهي الاستعانة بتكون الشخصية الفقهية للإمام(1) .
لذلك نجمل القول في ذلك: فقد برع الإمام : برع في علوم عديدة، فتدارسها وترك عليها أثراً بارزاً من الإبداع والتطوير، ومنها إعادة هيكلية (علم الرجال) بعد أن محّص أُصوله بلا زمن معين ولا مرحلة بعينها، ووصل بها إلى تأسيس المباني والقواعد الكبرى وعند ذلك رجحها بعد أن أثبت اعتبارها وأقام الحجة عليها، وبذلك أعاد لعلم الرجال (روحه العلمية) فازدهر هذا العلم من جديد، وسدّ فراغاً كان يتضاءل في مناهجه وحقوله، ومما لا شك فيه أنّ هذا العلم من مقومات الاجتهاد ومعداته الكبرى، لذلك ربطه الإمام الراحل بخط يتوازى مع الفقه والأُصول، وأزال القطيعة المعرفية بينهما، على أني أظن أنّ تلك القطيعة كانت بسبب صعوبة الإحاطة بعلم الرجال وعدم إخضاعه لمنطق وقواعد عقلية الاجتهاد، ولا يزال البعض يدرسونه دراسة مبنائية(2).
 ثم إنّ الإمام الراحل هذب إلى جانب ذلك، بتقريراته الرفيعة المستوى علم الأصول وعالج بقواعده التي هذبها مختلف الموضوعات الفقهية، ولاسيما المستحدثات الفقهية، فهو إذن مبدع مؤسس في المجالين على اختلافهما، ثم إنه وضع أُسساً منهجية نظرية لتفسير القرآن الكريم ـ في سفره النفيس (البيان)، وطبق ذلك على مواضيع عدة أبرزها موضوع النسخ في القرآن الكريم، فقد كان هذا موضوعاً قد كثر فيه السجال، وعلى منواله نسج تلاميذه وغيرهم ممن شع عليه علمه، مثل أُستاذنا الدكتور الزلمي الذي لم يختلف معه إلاّ في مسألة واحدة(3) هي آية النجوى.    
ومن أبرز مؤشرات بحث الإمام الراحل أنه ربط علم الرجال والسيرة الرجالية ربطاً علمياً لم يكن معروفاً من قبل، على أني أتمنى أن يواصل البحث في علم الرجال، بعد أن أزال الإمام الخوئي كل معوقات البحث فيه، ففتح سبله للباحثين من مراهقي الاجتهاد. ومما يؤسف له أنّ من مظاهر بحث حوزاتنا الموقرة أنها لا تواصل البحث تراكمياً، فقد وضع مثلاً الإمام محمد باقر الصدر أساسيات علم اقتصاد إسلامي، ومصرف إسلامي، وأعاد إلى طاولة البحث منهجية برهانية لدارسة التاريخ إلاّ أننا لم نواصل البحث في هذه المجالات، ومثل ذلك لم يواصل العلماء البحث في علم الرجال على منهج الإمام الخوئي& فيما بعد ـ على ما اطلعت عليه ـ مع قلة اطلاعي.
واعتقد أنّ كتابه «معجم رجال الحديث» يحتاج حالياً إلى فريق عمل من المؤرخين لإثراء هذا التأسيس المعرفي المبدع؛ لكي تثبّت فيه المعلومة التاريخية عن السيرة والحدث وعصر الراوي، لكي تتضح معالم التموضع في حيثيات التعديل أو التضعيف؛ لأنّ الكتاب اعتمد على الرافد الرجالي فقط، مما أفقده ما يكمّله من الرافد التاريخي، ويحتاج لإبراز المفاهيم والقواعد الجديدة في بحث الإمام الراحل التي سطّرها بتواضع العلماء في ثنايا المعجم، مستقلة عن الكتاب بما يحقق عندنا قواعد جديدة للدراية، ولاسيما أنه قد برهن على أنها مقاييس برهانية للتوثيق والتعديل، فما اكثر ما نسف مما عرف في هذا العلم لضعف حجته أو لوجود ما يخالفه، فالوكالة عن الإمام× عند السيد الخوئي لا توجب التوثيق، وتوثيقات المتأخرين لا قيمة لها إذا كان للقدماء رأي في الراوي، وما أكثر ما كشف من اتحدوا في الاسم والكنية مما أغفله باحثون كثيرون، وعلى تلك القواعد أبرز رأيه في عدم صحة العمل بالشهرة مطلقاً، واختار لابدية الإحالة على السند الممحص، وتقاطع تماماً ـ وهو هنا أكاديمي بارع ـ مع من يرى قطعية صدور الكتب الأربعة، الذي لا تزال قطعية الصحاح مشكلة فكرية ومنهجية كبرى لم يستطع أن يعالجها أهل الصحاح (ونشهد أنه قد كثر الخلاف بينهم).
لقد نقل الإمام الراحل القواعد البرهانية من علم الأُصول إلى علم الرجال، فلم  يساوِ بين موثق بدلالة المطابقة، وبين الموثق بدلالة الالتزام، أمّا في التضمن فقد وثق على أساسها أسناد كامل الزيارات الذي عرفت أنّ الإمام رجع عن رأيه في أواخر عمره الشريف، مما يؤكد علمية العقل الاجتهادي عنده، ولو يعرف الناس كم بني من فروع على توثيق أسناد كامل الزيارات لعرفوا الشجاعة العلمية للإمام& وتقواه مجتهداً أكبر حينما يتوصل إلى إعلان التنصل عن رأي منهجي له آثار كبيرة مثل كامل الزيارات(3). كان قد مضى على تبنيه له عشرات السنين ولم تخالجه أدنى درجة من الخوف، وهو يبطل رأي من يرى صحة روايات الكافي مطلقاً في وسط عصفت به «قيم التقليد» ولم يتناوله خوف في موضوع الشك في نسبة كتاب ابن الغضائري إليه، وما في هذا النفي من فوائد كبرى ومع ذلك ـ وفي المقابل ـ ولأجل ألاّ ينسد باب العلم ـ قال بحجية خبر الواحد وحجية الظواهر، مما يكشف لك ذلك التعادل والوسطية والتوازن المدهش في فكره العلمي، ولعل هذه إطلالة سريعة على مزايا العقل الاجتهادي لمرجع أتباع أهل البيت^ وأخيراً يقرر الباحث أنّ الإمام الخوئي الذي تميزت مرجعيته بكثرة من تتلمذ عليه حتى وزّع علمه في الآفاق، فمتى تجد عملاقاً في العلم فإنه يقول لك: إنه تتلمذ على يده&، ولقد كان بودي أن أدرس ك