الفراغ وفقه أدلّة التشريع العليا

img

دراسة تقويميّة في نظريّة العلامة شمس الدين

حيدر حب الله([1])

تمهيد

يذهب العلامة الشيخ محمد مهدي شمس الدين (1936 ـ 2001م) إلى نظريّة تختلف وتشترك مع سائر النظريّات التي تطرح في مجال شموليّة الشريعة وكيفيّة تعاملها مع الثوابت والمتغيّرات، ولكي ندرس هذه النظريّة ونحاول تشريحها، لابد من تبيين معالمها الرئيسة، ثمّ التوقّف عندها بشيء من التحليل والتقويم.

المعالم العامّة لنظريّة العلامة شمس الدين

يمكن الحديث عن مجموعة أضلاع تشكّل مفاصل نظريّة شمس الدين هنا، وأبرزها:

1 ـ تنوّع الأدلّة الشرعيّة، وتنوّع الموقف من الفراغ التشريعي

يذهب الشيخ شمس الدين إلى أنّ الأدلّة الشرعيّة تنقسم ـ من حيث ما تعلّقت به ـ إلى قسمين أساسيّين:

القسم الأوّل: الأدلّة التي قامت على الأحكام الكلّية، كأدلّة العبادات وتفاصيلها، وأدلّة علاقات الأسرة والأحوال الشخصيّة وتفاصيلها، وأدلّة العلاقات الاقتصاديّة من بيوع وإجارات و.. وتفاصيلها، وأدلّة نظام المحرّمات والتروك من الزنا وشرب الخمر وغير ذلك.

ولعلّه يمكن اعتبار هذا القسم الذي ورد في كلام شمس الدين بأنّه الأدلّة الدالّة على الأحكام الأوليّة الكلّية في أصل الشرع.

القسم الثاني: المبادئ العامة والقواعد الشاملة التي لم تأت لبيان حكمٍ كلّي بالطريقة السابقة، بل جاءت لحالات معيّنة وردت عناوينها في أدلّة تلك المبادئ، وبعضها يختصّ بمجال معيّن فيما بعضها الآخر يستوعب مختلف مجالات الحياة، كقاعدة نفي الضرر والحرج، وقاعدة الميسور والمعسور، وقاعدة اليُسر، وقاعدة وجوب حفظ النظام ونحو ذلك.

ولعلّه من الممكن لنا أن نصنّف هذا القسم من القسمين اللذين ذكرهما شمس الدين على أنّه تعبير آخر عن الأحكام الثانويّة المنصبّة على العناوين الثانويّة، وفق اصطلاح الفقه المدرسي.

والفرق بين القسم الأوّل والثاني عند العلامة شمس الدين، أنّ القسم الأوّل يتعلّق بأفعال أو تروك، بينما القسم الثاني يتعلّق بحالات تعرض الفرد أو الأمّة في علاقتهما مع المجتمع والطبيعة والعالم. ولكن لا فرق بين القسمين في أنّهما سيقا على نهج القضيّة الحقيقيّة، وأنّهما معاً هما المجال الطبيعي لعمل الفقيه وللنشاط الاجتهادي.

في ضوء ذلك نسأل: هل توجد منطقة فراغ تشريعيّ تكون فيها موضوعاتٌ ليس لله فيها حكم؟

والجواب: أمّا على نظريّة المصوّبة بالتقرير الأشعري، فالفراغ التشريعي واقع؛ لأنّهم يعتبرون أنّ حكم الله فيما لا نصّ فيه هو ما أدّى إليه ظنّ المجتهد. وأمّا على نظريّة المخطّئة والتصويب المعتزلي فلا معنى للفراغ التشريعي، بل من أصولهم وجود قاعدة أنّ ما من واقعة إلا ولها حكم.

2 ـ الدوائر المتصوّرة أوّلياً لمنطقة الفراغ التشريعي

ولو حاولنا معرفة ما هي المجالات المتصوّرة لمناطق الفراغ التشريعي، فسنجد أنّها على أنحاء:

أ ـ نطاق الموضوعات والأفعال والتروك التي ورد فيها إلزام.

ب ـ النطاق المذكور الذي لم يرد فيه إلزام، بل كان مباحاً بالمعنى الأعم، وهذا قد يغيّر حكمه بتغيّر قيوده وشروطه، كما في حال صيرورته شرطاً في العقد حيث يصبح لازماً وهكذا.

ج ـ نطاق ما لم يرد له في الشرع عنوانٌ بخصوصه أو بما يعمّه، بل كان من المجهولات التي كشف عنها تطوّر الإنسان والمجتمع في الحياة، فهذا قد يدخل في أدلّة التشريع العليا، كالتسخير في العلاقة مع الطبيعة، والعدل في العلاقة مع الإنسان. إلا أنّ المبادئ التشريعيّة العليا لا تضع صيغاً تنظيميّة.

وبالتأمّل في هذه النطاقات الثلاثة، سنجد أنّ الأوّل منها ليس هناك معنى لفرض فراغٍ فيه؛ لأنّه قد شرّع فيه بعنوانه الأوّلي تشريعٌ فعلي، نعم قد تعرض عليه العناوين الثانوية فيتغيّر حكمه تبعاً للعنوان الثانوي الثابت في الشرع أيضاً، وعليه فلا معنى للفراغ هنا أساساً.

وأمّا الثاني منها، فقد حاول بعضٌ هنا ـ ويبدو أنّ شمس الدين يقصدُ السيدَ الصدر ـ جعله منطقة فراغ يرجع فيها إلى سلطة التشريع الاجتهادي التي تحكم فيه من غير مرجعيّة الأحكام الثانويّة، إلا أنّ هذا الكلام لا معنى له عند شمس الدين؛ لما سيأتي من أنّ «سلطة التشريع الاجتهادي» لا تسنّ القوانين دون مرجعيّة تشريعيّة في أصل الشرع.

وأمّا الثالث، أي نطاق المجهولات، فلو تأمّلنا فيه قليلاً، لعرفنا السرّ في عدم تعرّض الشريعة له بالعموم أو الخصوص، فإنّه أمرٌ لم يكن يعرفه البشر ولا يمكنهم التنبّؤ به، ولم تكن هناك حكمة في كشف الوحي عنه؛ لأنّ الحكمة تقضي بإطلاق العنان للبشر في تكوين اختياراتهم وعدم حصرهم في قوالب جامدة، فتركت لهم مجالاً في التطوّر في السيطرة على الطبيعة والذهاب في الفضاء.

لكن هل تخلّت الشريعة عن هذه المساحة حقاً؟

يرى العلامة شمس الدين أنّ مجال نطاق المجهولات هو كل تقلّبات الإنسان في غير مساحة العبادات؛ لأنّها توقيفيّة بكلّ تفاصيلها، وقد لوحظت فيها كلّ التغيّرات التي تطرأ على الحياة. إذاً فمجال الفراغ التشريعي الذي يقرّ بتوصيفه هذا العلامةُ شمس الدين، هو كلّ وضع جديد لم يرد فيه نصّ مباشر أو قاعدة عامّة من أوضاع البشر التي تحدث نتيجة للتطوّر ونموّ المعرفة والقدرة، ما يقتضي أشكالاً متطوّرة وجديدة من الضبط والسيطرة والتنظيم للمجتمع والإنسان.

ومن أمثلة ذلك تطوّر الطب وما فتحه على قضايا بيع الأعضاء والوصيّة بها أو التبرّع والتلقيح الصناعي، وأسلحة الدمار الشامل بأنواعها، وحكم السيطرة على الفضاء وبعض الكواكب، ودخولها في ملكيّة الدولة المسيطرة، وقضايا البيئة بمعناها الواسع، ومسألة الإسراف في استهلاك طاقات وخيرات الأرض، وقضايا النموّ السكاني وعلاقته بالتنمية وتنظيم النسل والتعقيم وحريّة الإنجاب إلى غير ذلك من أمثلةٍ وحالات.

هذا كلّه يفرض تنظيماً وسلطات تشريعيّة على المستوى الداخلي والدولي والإقليمي، وقد تكوّنت حقّاً هذه السلطات كوكالة الطاقة الذريّة، ومنظمة الصحّة العالمية، ومنظّمات حماية البيئة وغيرها، وهذه السلطات قيّدت حريّة البشر وألزمتهم بما لم يرد في النصوص.. إنّ هذه المجالات هي ما يسمّى بمنطقة الفراغ التشريعي.

3 ـ كيف يكون الاستنباط في نطاق المجهولات (الدائرة الثالثة)؟

لكنّ السؤال عند شمس الدين هو كيف يكون الاستنباط في هذه الدائرة؟ وما هي أصوله وأسسه؟

ولكي يجيب عن ذلك، ذكر شمس الدين أنّ الأحكام التي تنتج عن الاجتهاد في هذه الدائرة هي أحكام تدبيريّة، والمرجع فيها إلى الأسس والأصول العامّة للاستنباط بالنسبة للأحكام الإلهيّة، تماماً كما هي الحال في باب القضاء وفصل الخصومات حيث تنتج تلك الأسس والأصول العامة «الأحكام القضائية»، لكن هل تكفي الأصول العامّة للاستنباط لإدارة الاجتهاد في الأحكام التدبيريّة؟

يرى العلامة شمس الدين أنّنا بحاجة لمعايير أخرى أيضاً، وهي معايير تُستفاد مما يسمّيه شمس الدين بأدلّة التشريع العليا التي تمثل قواعد كلّية من ناحية ومن التجربة المعصومة في أحكامها التدبيريّة الخاصّة من ناحية أخرى في الحالات التي حصل فيها ذلك، كحالة الحُمر الأهليّة وغيرها، حيث نأخذ منطلق المعصوم في إصداره الحكم التدبيري ـ كما في عدم الإفناء للحيوان ـ لجعله قاعدة ومعياراً عاماً، وهذه المنطلقات والتعليلات التي تقف خلف الأحكام التدبيريّة للمعصوم ليست عند شمس الدين أحكاماً إلهيّة، ولا منشأ لأحكام إلهيّة، بل هي اُسسُ أحكامٍ شرعيّة تدبيريّة يرجع أمر النظر في موضوعاتها إلى المجتمع الإسلامي بخبراته وطاقاته. إنّها مبادئ منهجيّة.

عند هذا المفترق ينفصل شمس الدين عن غيره، فالشيخ شمس الدين يريد أن يقول بأنّ منطقة المجهولات لا نصّ فيها لا بعموم ولا بخصوص، ولكن في الوقت عينه توجد فيها مبادئ منهجيّة وضعتها الشريعة، لكنّ هذه المبادئ المنهجيّة لا نقوم نحن باستخراج حكم شرعي إلهي للمجهولات عبرها، كما يفعل الفقه المدرسي، بل نقوم بإنتاج أحكام زمنيّة تدبيريّة من خلالها، وتكون هذه الأحكام منتجةً من قبلنا عبر هذه المبادئ، فتنتسب الأحكام للشرع من جهة، لكنّها تدبيريّة بشريّة من جهة ثانية، هذا هو تمايز شمس الدين عن غيره.

لنأخذ مثالاً نطرحه نحن لتوضيح فكرة شمس الدين، وهو أنّ قضايا البيئة اليوم لا وجود لأحكام تنظيميّة لها لا بالخصوص ولا بالعموم في الشرع، وهذا إقرار قوي من فقيه شيعي إمامي بفكرة (ما لا نصّ فيه)، لكن هل هذا يعني أن نترك الموضوع؟ لا، إنّه يعني أنّنا نقوم برصد منهج النبيّ في إدارة الأمور وبرصد الأصول العامّة الدينيّة، مثل أصل التسخير والعدل وأمثالهما، فنقوم نحن البشر ـ بهدي هذه الأصول ـ بوضع صيغ تنظيميّة تدبيريّة لقضايا البيئة المعاصرة، وهذه الصيغ تكون من ناحية ذات روح شرعيّة من حيث كونها مستقاة من الأصول، ولكنّها ليست أحكاماً شرعيّة بالمعنى المتداول، لكونها صيغاً تنظيميّة بشريّة تدبيريّة زمنيّة، فالروح الشرعيّة تسري فيها، لكنّها ليست أحكاماً شرعيّة أوليّة أو ثانويّة، فكأنّ الشريعة وضعت في يدنا مبادئ وقالت لنا: سنّوا أنتم القوانين الزمنيّة في هدي هذه المبادئ.

4 ـ من يملك سلطة التشريع الاجتهادي؟ وما هي هويّة الحكم المشرَّع من قبله؟

ووفقاً لهذه الخارطة التي صمّمها شمس الدين، يطرح تساؤلٌ جديد: من يملك سلطة التشريع الاجتهادي في مجالات الفراغ التشريعي؟

والجواب عنده هو المعصوم، لكن لا باعتباره نبيّاً يوحى إليه أو إماماً معصوماً، بل بما له من الولاية والحاكميّة والسلطة السياسيّة، تماماً كما خوّلته النصوص القرآنية سلطةً من هذا النوع في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ (النساء: 105)، فالنبيّ يحكم بما أراه الله، لكن مفهوم (ما أراه الله) لا ينحصر بالوحي بالشكل المتعارف بل هو أعمّ منه.

 وهذا المقدار من السلطة التشريعيّة واضح، لكنّ المسألة في من يملك سلطة التشريع في عصر الغيبة أو انقطاع الوحي النبوي أو ما يسمّيه شمس الدين في بعض كتبه بالزمن السياسي للأمّة؟

والجواب هو الفقيه الجامع للشرائط انطلاقاً من أدلّة حجيّة حكمه وفتواه، بلا فرق بين القول بولاية الفقيه أو ولاية الأمّة على نفسها، إلا أنّ حدود هذه السلطة للفقيه هل تختصّ بالموضوعات الخارجيّة (تحريم استعمال التنباك) أو تستوعب أيضاً مجال العلاقات (تحريم التعامل مع إسرائيل)، وتحديد الحريّات (الأوامر والنواهي في مجال قوانين البناء والسَّير والزراعة والتجارة والاستيراد والتصدير والإنجاب واستهلاك المياه وخيرات الأرض) والتصرّف في النفس (هبة الأعضاء، والعمليّات الجهادية الانتحاريّة) وغير ذلك؟

فإذا قلنا باستيعابها كانت سلطة الفقيه في منطقة الفراغ شاملة، وأمّا إذا حصرناها بالموضوعات الخارجيّة، مثل التصرّف في المياه والتنباك ونحوها، فتكون سائر الموارد من شؤون أهل الخبرة في المجتمع، فعليهم هم النظر في وضع صيغ تدبيرية تنظيميّة لها وفق الأصول المنهجيّة.

يجيب العلامة شمس الدين عن هذا السؤال المهم بأنّه:

أ ـ إذا بُني على نظريّة الولاية العامة للفقيه، فقد يقال بأنّ له سلطة التشريع في كلّ مساحات منطقة الفراغ، لكنّ الشيخ رحمه الله يتحفّظ في هذا المجال، ويرى أنّ مستند هذا القول هو أدلّة حجيّة القضاء والفتوى، والحال أنّ حيثيّة سلطة الفقيه هنا هي كونه ولي الأمر لا محض كونه فقيهاً، إلا إذا قيل بأنّه وليّ الأمر لكونه فقيهاً، فتكون له الولاية على التشريع لكونه فقيهاً، غاية الأمر أنّه ملزم بالرجوع إلى أهل الخبرة لتنقيح الموضوعات وغيرها.

ب ـ أما إذا بُني على ولاية الأمّة على نفسها ـ وهي النظريّة التي آمن بها شمس الدين في المراحل اللاحقة من حياته، حيث أقرّ هناك بأنّ الديمقراطيّة مشروعةٌ في عصر الغيبة دون عصر الحضور، فيما كان يؤمن في المراحل الأولى من حياته بالنظريّات التي كانت سائدة بين الحركات الإسلاميّة والمعتمدة على العقيدة لا على هوية الفرد وذاته، والرافضة للديمقراطية شكلاً ومضموناً([2]) ـ فللشيخ شمس الدين هنا تفصيلٌ: ففي مجال الموضوعات ومجال التصرّف بالنفس (بيع الأعضاء) تكون سلطة التشريع للفقيه، أما في مجال العلاقات (تحريم التعامل مع إسرائيل) والتنظيم وتحديد الحريّات (استيراد السلع وتصديرها، وإنجاب الأطفال) فمن يملك سلطة التشريع هو الأمّة عن طريق ممثليها بلا حاجة إلى الفقيه، وإن كان الأحوط الأولى أخذ نظره دائماً.

والفرق بين الحالتين أنّ التشريع في مجال الموضوعات والتصرّف في النفس من سنخ الحكم الشرعي الإلهي على الموضوعات المنصوصة، وغالباً ما يكون التشريع فيها من نوع الحكم الثانوي، على خلاف الحال في مجال العلاقات والتنظيمات، فهي أمور إجرائيّة ثبت من أدلّة التشريع العليا ولاية الناس على أنفسهم فيها حتى في عصر المعصوم كتنظيم المدن، وتنظيم السير، والمراعي، والسوق، وحفظ الثروات العامة للجميع وأمثال ذلك.

وإذا انتقلنا من تحديد من يملك سلطة التشريع للحديث عن نوعيّة الحكم المشرّع في دائرة الفراغ، نجد الاصطلاح الرائج اليوم عند بعضهم في تسميته بالحكم الولايتي أو الولائي؛ لأنّ مصدره مَنْ هو وليّ الأمر، وهذا ما يوافق عليه الشيخ شمس الدين ويراه مناسباً لنظريّته؛ لأنّه يربط السلطة بالولاية، لا بالنبوّة ولا بالإمامة ولا بالفقاهة، الأمر الذي ينسجم مع ما اختاره في تعيين من له السلطة على التشريع في مجال العلاقات والتنظيمات.

5 ـ سلطة التشريع الاجتهادي بين جعل القانون واكتشافه

لكن كلّ هذه المنظومة التي رسمها العلامة شمس الدين لم تُعفه من تحدٍّ أساس يواجهه، وهو الدور الذي يلعبه من يملك السلطة التشريعيّة هذه ـ سواء كان فقيهاً أم غيره ـ فهل دوره تشريعيٌّ بما للكلمة من معنى أو اكتشافيّ كما هي الحال في الفقيه مع الأحكام الأوليّة؟ وهل هو هنا مجتهد أو مستنبط فقط؟

القضية هنا تابعة للأصول التحتيّة:

أ ـ فإذا قلنا بالتصويب، ينبغي القول بأنّ الفقيه مشرّع وليس مكتشفاً، بل الأمر هنا أوضح؛ إذ الفقيه مثلاً يظنّ بالحكم في نطاق منطقة فراغٍ تشريعي حسب الفرض، فما أدّى إليه نظره يكون هو الحكم، والأمّة تجمع عبر ممثليها على الحكم فيكون إجماعها مؤسّساً للحكم بناءً على نظريّة الإجماع عند المذاهب.

ب ـ وأمّا إذا قلنا بالتخطئة، فهنا:

أوّلاً: إذا قبلنا الشموليّة المطلقة لقاعدة: ما من واقعة إلا ولها حكم، فلن يكون هناك فراغٌ تشريعي أساساً، وكلّ ما هنالك أنّ هناك فراغاً نصيّاً، إذ لن يكون هناك نصّ بالخصوص أو العموم شاملٌ للحالة التي نحن بصددها، ومن ثم ستكون وظيفة المجتهد في أن يجتهد في البحث عن الحكم الواقعي انطلاقاً من أدلّة التشريع العليا، وتكون وظيفته هذه داخلةً في نطاق حجيّة الفتوى ونفوذ حكم القاضي.

إلا أنّ هذا الاستنتاج يحذف من تصوّراتنا فكرة وليّ الأمر؛ لأنّ نشاط المجتهد هنا سيكون بوصفه فقيهاً فقط.

ثانياً: أما إذا رفضنا شموليّة القاعدة المذكورة، فإنّ سلطة التشريع ستمارس التشريع الحقيقي، غاية ما في الأمر أنّ هذا التشريع لن ينطلق من المصالح والمفاسد في نفس الأمر والواقع، لفرض عدم وجود حكم إلهي واقعي هنا، بل سينبعث مما توصّل إليه نظر المشرّع البشري، وقد يخطأ وقد يصيب.

ولكنّ الشيخ شمس الدين يحاول أن يحسم خياره انطلاقاً من أصلين اعتقاديّين: (لكلّ واقعة حكم، وتبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد)، بعد البناء على التخطئة، فيرى أنّ سلطة التشريع هنا مكتشفة ومستنبطة لأحكام الله الواقعيّة، ومن ثم فمن يقوم بهذا الدور هو الفقيه بوصفه فقيهاً، لا بوصفه وليَّ الأمر.

6 ـ المستند الديني لسلطة التشريعي الاجتهادي

وبعد رسمه لهذه الصورة، يحاول العلامة شمس الدين أن يبحث عن الدليل على سلطة التشريع الاجتهادي في منطقة الفراغ، فيرى أنّ بعضهم حاول جعل آية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ (النساء: 59) مستنداً لمنح الفقيه السلطة التشريعيّة فتجب له الطاعة لكونه وليّ الأمر، بعد ثبوت الولاية العامّة له.

ويناقش العلامة شمس الدين في هذا الاستدلال، بعد التنزّل عن نظريّة الولاية العامة للفقيه وشمول الآية لمطلق وليّ الأمر، بأنّ هذه الآية لا تدلّ على أزيد من ضرورة طاعة وليّ الأمر، سواء فيما أفتى هو به أم فيما أفتى به غيره وأمَرَ هو بمضمون ما أفتى به غيره، ومع ذلك يظلّ الصحيح عند شمس الدين أنّ الفقيه هو من له سلطة التشريع؛ انطلاقاً من التحليل المتقدّم لطبيعة هذه السلطة، فحيث كانت استنباطيّةً اكتشافيّة لم يكن معنى فيها إلا للفقيه أن يفقه ويجتهد، فيرجع إلى أدلّة الاجتهاد والفتوى ونحو ذلك.

7 ـ النظريّة ومبدأ مرونة الشريعة الإسلاميّة

ويختم العلامة شمس الدين اُطروحته هنا بمسألة مرونة الشريعة الإسلاميّة، فيرى أنّ الذهنيّة التي حكمت تفكير الإسلاميّين وبعض الفقهاء مؤخّراً هي ذهنيّة الرغبة في التوفيق بين الشريعة الإسلاميّة وواقع الحياة المعاصرة، ومن هذه الذهنية ذكروا أنّ مشروعيّة التشريع في منطقة الفراغ تجعل الشريعة مَرنة ومتكيّفة مع الحاجات المتجدّدة.

وينتقد شمس الدين هذا الكلام، فيرى أنّ أساسَه خاطئ من جهة، والحلّ الذي قدّمه غير صحيح من جهة ثانية:

أما خطأ الأساس؛ فلأنّ الشريعة لم توضع لتكيّف نفسها مع الواقع وتحاول تقبّل النمط الغربي في الحياة، فكأنّها تريد أن تجاري الواقع لا أن تقوم بتغييره، بينما الصحيح أنّ الشريعة تضع نظامها ليتمّ صوغ الواقع وفقاً لمفاهيمها لا العكس.

وأمّا خطأ الحلّ، فهو الاعتماد على فكرة منطقة الفراغ مع حصر السلطة التشريعيّة بالفقيه المتولّي للحكم، وهذا كلام غير صحيح؛ لأنّ فكرة منطقة الفراغ التشريعي بالمعنى الذي طرحه هؤلاء قد تبيّن عدم صحّتها وأنّ ثنائيّة الأحكام الأوليّة والثانويّة لا تختصّ بما جعلوه منطقةً للفراغ. كما أنّ حصرهم السلطة التشريعيّة بالوليّ الفقيه غير صحيح كذلك؛ لأنّ ما يقوم به ليس سوى إجراءات إداريّة وتنظيميّة لا أحكاماً شرعيّة بالمعنى المعهود، ولو كان فيها ما هو من سنخ الحكم الشرعي فإنّ شرعيّته لا تتوقّف على كون الفقيه المشرّع له حاكماً، بل يمكن أن يكون فقيهاً يُفتي فيأخذ وليّ الأمر فتواه ويُلزِم بالعمل بها.

هذا كلّه فضلاً عن بناء حلّهم على نظريّة الولاية العامّة للفقيه، وأنّ الإسلام يتبلور ويتشكّل في «دولة»، مع أنّ هذه النظريّة غير صحيحة، فضلاً عن أنّ مرونة الإسلام لازمة ذاتيّة له، فهل إذا بطلت الولاية العامّة تفقد الشريعة مرونتها؟! ومن هنا نجد أنّ الشيخ شمس الدين يرى ـ في موضعٍ آخر([3]) ـ أنّه لا ضرورة لكون النظام أو الحكومة إسلاميّين، بل المهم عنده هو استمرار الإسلام في الأمّة مع وحدة الأمّة، وأنّ الدولة الإسلاميّة ليست سوى نتيج أو تجلٍّ ينبثق عن الأمّة في علاقتها بالإسلام وليست مفهوماً إسلاميّاً مستقلاً إلى جانب سائر المفاهيم.

وهذا التحليل يرجع بدوره إلى أنّ شمس الدين يحمل رؤية خاصّة لمقولة الأمّة في الاجتماع السياسي الإسلامي([4])، فهو من جهة يدعو الشيعة للتحوّل من فكرة الجماعة إلى فكرة الأمّة، ويعتبر الدولةَ من جهةٍ ثانية غير مقدّسة ـ باستثناء مفهوم حفظ النظام العام ـ بل هي خادم للمقدّس، بينما الأمّة مقدّسة في الإسلام، ومدار الإسلاميّة هو الأمّة وليس الدولة، ولهذا فهو لا يقبل بتعبديّة قضايا السلطة وغيبيّتها، وهو في الوقت الذي يقبل فيه أنّ المنظومة الإسلاميّة تتجلّى في نظام السلطة، لكنّه يرفض التفسير الهيجلي للدولة بوصفه الكلّي الذي يختزن كلّ قيمة الفرد وحقيقة وجوده، وأنّ الوجود القائم في الدولة هو الوجود المتعالي المقدّس، فالدولة بتعبير هيجل (1831م) هي الفكرة الإلهيّة أو الروح الأخلاقيّة كما توجد على الأرض.. إنّ شمس الدين يرفض هذا الكلام تماماً، ويعتبر أنّ المفهوم الهيجلي للدولة بعيدٌ عن الإسلام كلّ البعد([5]). ومن هذا كلّه نفهم كيف أنّ شمس الدين وفّق في بعض كتاباته بين وحدة الأمّة وعدم وحدة الكيان السياسي فيها([6]).

من هنا، ينبري العلامة شمس الدين لوضع صيغة بديلة لمسألة مرونة التشريع الإسلامي، فيقرّ بمبدأ المرونة ويراها ذات منشأ موجود في النصوص الرئيسة، مثل قوله تعالى: ﴿.. يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ..﴾ (البقرة: 185).

وأما تمظهرات المرونة، فهي عنده في:

أ ـ تقبّل الشريعة كلّ ما لا يتنافى معها ومع مبادئها وثوابت عقيدتها بصرف النظر عن مصدره.

ب ـ إنّها تحفّز على الحركة الإيجابية في العالم والطبيعة، وتحثّ على تقدّم الإنسان والمجتمع، ولا تمنع أيّ تقدّم حضاري لا يُعارض ثوابتها وعقيدتها، ويشهد لذلك أنّ المسلمين الأوائل انتقلوا بهذا الدين من البداوة إلى أرقى درجات الحضارة، دون أن يشعروا بأنّهم خالفوا الشريعة، ولم تصلنا تساؤلات أو شكوك منهم في هذا الموضوع.

ج ـ إنّ مرجع هذه المرونة أنّ طبيعة التشريع الإسلامي لا تقيّد حركة الإنسان ولا تصوغه في بوتقة ونمط واحد، بل تفتح له خيارات كثيرة.

د ـ إنّ نظام العناوين الأوّلية والثانوية من أهم نظم معالجة الحالات الطارئة، ومن أهمّ مجالاتها منطقةُ الفراغ التشريعي.

التدبيريّة النسبيّة بين الكتاب والسنّة والعبادات

هـ ـ والمسألة المهمّة هنا هي الإطلاق الأزماني الذي سار عليه الفقهاء والأصوليّون في التعامل مع السنّة الشريفة، حيث يقبل به العلامة شمس الدين لكنّه يرفض اعتباره مطلقاً بدوره، بمعنى أنّه لا يجري في كلّ نصوص السنّة؛ لأنّ قسماً وافراً منها جاء لمعالجة أوضاع محدودة أو خاصّة وجّه حولها السائلون أسئلتهم، فتعاطى معها الفقهاء بوصفها قوالب نهائية عامّة وجامدة ومطلقة فيما هي في واقعها نسبيّة بهذا المعنى.

إنّ شمس الدين يميل إلى أنّ النصوص النسبيّة هذه كثيرةٌ، وأنّ على الفقهاء أن يلاحظوا هذه النصوص بهذه العقليّة، ويسعوا لاكتشاف حقيقة الحال فيها من هذه الزاوية، فمجرّد وجود نصّ وصل إلينا بهذه الطريقة لا يخوّلنا أخذه قانوناً عاماً للأمّة في جميع الأزمنة والأمكنة، وبهذا تكون التشريعات التدبيريّة سياقاً أوسع من مجرّد نطاق المجهولات، بل هو سنّة سارت عليها النصوص الأولى في الشريعة في مساحة واسعة من الحياة وإدارتها([7])، فهي ـ بحسب تعبير بعض الباحثين([8]) ـ إسهام منقطع لا يختصّ بمجال الفقه السياسي، بل تأخذ منحى مغايراً يتمثل عبر سلسلة من الحلقات المتكاملة.

وفي الوقت الذي يجعل شمس الدين الدلالة اللفظيّة تارةً وطبيعة الحكم ومناسباته في الواقع تارةً أخرى، مرجعاً للكشف عن تدبيريّته، لكنّه يستثني من هذه الذهنيّة كلّها مجال العبادات الذي يراه ثابتاً حتى بتفاصيله، ويرى أنّ التعبّد في باب العبادات له معنى معقول على خلاف باب المعاملات الذي لا يُعلم ثبوت التعبّد فيه بهذه الطريقة، وهذا ما يفتح عنده الحديث عن إمكانيّة اكتشاف الملاكات في مجال غير العبادات على خلاف الحال في العبادات نفسها، ملتقياً في ذلك مع رؤية العلامة السيد محمد حسين فضل الله.

ويذهب العلامة شمس الدين في قراءته هذه إلى إخراج النصّ القرآني، فيتعامل مع نظريّة التدبيرية بوصفها نظريّة تتعاطى مع نصوص السنّة الشريفة، لهذا فهو ينحّي عملياً عن مجال الفهم التاريخاني والنسبي المذكور كلاً من مجال العبادات ومجال النصّ القرآني.

بهذه الطريقة، نجد أنّ الشيخ شمس الدين يؤمن بمبدأ شموليّة الشريعة من جهة، ويُخلص لأصول الاعتقاد الكلامي والأصولي عند العدلية أو مشهورهم من القول بالتخطئة وتبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد في المتعلّقات في الوقت الذي يؤمن بمرونة الشريعة وتكيّفها مع الواقع، لتكون نظريّته في منطقة الفراغ التشريعي وهيمنة العناوين الثانوية ونسبيّة جملة وافرة من الأحكام الواردة في السنّة الشريفة في غير العبادات، هي المعالم الرئيسة لمرونة الشريعة مقابل نظريّة صلاحيات وليّ الأمر التي طرحتها الكثير من التيارات الإسلاميّة([9]).

تأمّلات ومداخلات

مع نظريّة العلامة شمس الدين

ولتحليل هذه النظريّة التي قلّما حظيت بتحليلٍ وتفكيك من قبل العلماء والباحثين([10])، تستوقفنا مجموعة وافرة من النقاط، نتوقّف مع أهمّها في سلسلة من المداخلات التحليليّة والنقديّة:

المداخلة الأولى: موقع النظريّة بين اتجاهات الشمول القانوني (عناصر الامتياز والاشتراك)

من الواضح أنّ العلامة شمس الدين يلتقي في نظريّته هذه مع الاتجاهين السابقين، وذلك في أصل ثبوت شموليّة الأحكام الشرعيّة، حيث وجدناه يؤكّد على هذا الموضوع في أكثر من مناسبة، ويحاول تفادي الاصطدام بأصل الشموليّة وقاعدة التخطئة ومبدأ تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد، وهي الأصول الثلاثة التي يؤمن بها التوجّه السائد في الاجتهاد الإمامي.

كما بدا الشيخ شمس الدين واضحاً في اهتمامه برصد النسبة والتناسب بين الشريعة الشاملة التي يؤمن بها وبين إدارة المتغيّرات والمستجدات، فكانت محاولته هذه سعياً لرصد شكل هذه النسبة.

إلا أنّه مع ذلك وجدنا شمس الدين يختلف عن الاتجاهين السابقين تارةً، وعن أحدهما دون الآخر أخرى، ويمكن توضيح بعض هذا الاختلاف كالآتي:

أ ـ يختلف العلامة شمس الدين عن الاتجاه الأوّل في رفضه إحالة مرجعيّة منطقة الفراغ إلى وليّ الأمر، وبهذا اقترب من إحالة الموضوع إلى قواعد الاجتهاد ومرجعيّة الفقاهة أكثر من قواعد الإدارة ومرجعيّة الولاية، رغم بعض التهافت في اُطروحته مما سنأتي على ذكره قريباً.

ومن خلال هذه النقطة بدا شمس الدين يبحث عن حكم الله في منطقة الفراغ، ولا يبحث عن حكم وليّ الأمر بعد الفراغ عن حكم الله الذي هو الإباحة، كما في نظريّة الصدر أو غير ذلك.

ب ـ رغم بعض الاضطراب الذي سوف نشير إليه قريباً، لكنّ شمس الدين يتمايز عن الاتجاه الثاني ـ وكذا الأوّل ـ في طبيعة المرجعيّة الاجتهادية التي يؤول إليها الفقيه للوصول إلى حكم الله في منطقة الفراغ (المجهولات)، ففيما كان الاتجاه الثاني يعتمد في الغالب على المعايير المدرسيّة المتعارفة في الاجتهاد وعلى قواعد الأحكام الأوليّة والثانوية، انفصل عنه شمس الدين ليعتمد طريقة أخرى تماماً، وهي مرجعيّة أدلّة التشريع العليا إلى جانب المنهاج النبويّ التطبيقي في إدارة المتغيّرات وسنّ الأحكام التدبيريّة.

ج ـ يختلف شمس الدين عن الاتجاهين السابقين معاً في اعترافه الواضح ـ في تقديري ـ بمنطقة المجهولات التي يصفها بوضوح بأنّها المنطقة التي لا يوجد فيها نصّ عام ولا خاصّ. إنّ هذا الاعتراف بمنطقة (ما لا نصّ فيه) يشكّل خطوة لافتة من شمس الدين، تجعله يقترب كثيراً من فكرة عدم الشموليّة رغم إصراره الواضح على قاعدة الشمول، بل رغم اقترابه من الاتجاه الثاني في نفي إحالة منطقة الفراغ إلى مرجعيّة بشريّة، مما يُبديه متجاذباً وسطاً بين الشمول وعدمه، بل يدفع لشيء من الحيرة في توصيفه أو تصنيفه بين النظريّات السائدة.

وبهذا يميّز شمس الدين بين شموليّة الشريعة وشموليّة النصوص الصادرة، فضلاً عن الواصلة، ففي الوقت الذي يؤمن فيه بشموليّة الشريعة، غير أنّه ينفي بوضوح شموليّة النصوص الصادرة فضلاً عن الواصلة، وبهذا يقع في منطقة وسطى برزخيّة بين الشموليّين وغيرهم، وسوف يأتي الحديث عن مدى صحّة تصوّره هذا، فهل هو صحيح أو لا؟ بل هل هو منطقي أو لا؟

من خلال هذه النقاط، وبعض ما تقدّم وسيأتي، يتضح لنا موقع نظريّة شمس الدين، وتنجلي صورتها أكثر، استعداداً لتقويتها أو نقدها في المداخلات القادمة.

المداخلة الثانية: خطأ الربط بين الشموليّة ومبادئ التخطئة والتصويب

لقد اعتبر العلامة شمس الدين أنّ نظريّة المصوّبة تتضمّن الفراغ التشريعي الحقيقي خلافاً لنظريّة المخطّئة، بل من أصولهم قاعدة ما من واقعة إلا ولها حكم.. وهو بهذا يربط بين ثنائية التخطئة والتصويب من جهة وثنائية الشمول وعدمه من جهة ثانية. وهذا الربط الذي قدّمه الشيخ شمس الدين يُشبه ذلك الربط المستبطن في كلمات غير واحدٍ من العلماء من قبل، ممّن سبق أن ذكرنا بعض نصوصهم عند الحديث عن دليل الإجماع والتوارث على قاعدة الشمول التشريعي في الفصل الأوّل من هذا الكتاب، مثل المحقّق الخراساني([11])، والسيد محمّد باقر الصدر([12]).

وهنا، إذا قصد الشيخ شمس الدين ـ ومثله الخراساني والصدر ـ الرصدَ التاريخي لكلماتهم فلا شأن لنا به، رغم أنّه غير دقيق على طول الخطّ كما سنُلمح إليه قريباً، أمّا إذا قصد التحليل المفاهيمي لنظريّاتهم وإمكاناتها الذاتيّة، فما قاله شمس الدين وغيره ربما يمكن القول بأنّه غير واضح؛ لأنّ بإمكان نظريّة التصويب أن تتحمّل فكرة الشموليّة، عبر الاعتقاد بأنّ المصوِّب يعتقد أنّ حكم الله هو ما قاله المجتهد، والمفروض أنّ الله تعالى عالمٌ بما سيقوله المجتهد، فأيّ مانع أن يكون هذا حكمه من قَبْل لمن اجتهد فوصل إلى هذا، وأنّه ليس حكم من اجتهد فوصل إلى غيره؟

ولعلّ اصطلاح التصويب آتٍ عند بعضهم من إصابة الشيء فيتضمّن بذاته افتراض أنّ المجتهد قد أصاب الواقع دائماً، غاية الأمر أنّه لكي يتمّ الجمع بين تناقضات المجتهدين تمّت الصيرورة إلى افتراض تعدّد الواقع بتعدّد الاجتهادات، وهذا غير نفي الواقع من الأوّل، فنظريّة التصويب لا تستدعي بذاتها الفراغ التشريعي على طول الخطّ وحتى النهاية.

من هنا نرى الشيخ عبد العلي الأنصاري (1225هـ) صاحب فواتح الرحموت، يصرّح بوجود تيار يرى هذا، حيث يقول ـ وهو بصدد استعراض اتجاهات المصوّبة ـ: m.. وبعض منهم قالوا: الحكمُ من الأزل هو ما أدّى إليه رأي المجتهد، وعليه الجبائي من المعتزلة، ونسبته إلى جميع المعتزلة لم تصحّ، كيف والحُسن أو القبح عندهم في مرتبة الذات فما فيه حسنٌ واقعي هو الواجب لا يمكن أن يكون محرّماً، وما فيه القبح الواقعي فهو محرّم لا غير ولا ينقلب الحسن والقبح الذاتيان، وإذا كان كلّ مجتهد مصيباً فالحقّ عندهم متعدّد، فعلى كلّ من أدّى اجتهاده إلى حكم فهو الحكم، وإذا أدّى رأي آخر إلى آخر فهو الحكم عليه.. لكن اختلفوا في أنّ تلك الحقوق متساوية ـ كما هو الظاهر على ذلك التقدير ـ أو أحدها حقّ، وهو القول الأشبه..n([13]).

وهذا يعني أنّ نظريّة التصويب يمكنها ـ نظريّاً ـ أن تتكيّف مع شموليّة الشريعة ولا تؤمن بنظريّة الفراغ بالشكل الذي يناسب بنيتها الفكريّة، فكان يفترض أن يذهب شمس الدين نحو تحليل بِنية هذه النظريّة للوصول إلى إمكاناتها الذاتيّة وعدم نسبة نفي الشمولية إليها مطلقاً؛ ولذلك لم نقبل سابقاً ـ في الفصل الأوّل ـ باعتبار اتجاه المصوّبة كلّه خرقاً لإجماع المسلمين في قضيّة الشموليّة، فراجع.

إلا إذا قيل بأنّ أزليّة الحكم الإلهي يكن تصوّرها متعلّقةً بما وصل إليه ظنّ الفقيه، لكنّها لا تشمل ما لم يصل إليه ظنّ الفقيه، فقبل الاجتهاد ومن دونه لا معنى لوجود حكم إلا على التقرير المعتزلي ـ كما يقال ـ للتصويب، وهو التصويب بالحدّ الأدنى له كما سمّيناه من قبل، وبهذا تظلّ نظريّة التصويب الأشعري ـ كما تسمّى في بعض الأوساط ـ منسجمةً مع عدم الشموليّة.

أمّا على نظرية التخطئة، فإنّها بذاتها لا تستدعي الشمول؛ لأنّه من الممكن أن تكون الشريعة شاملة لتسعين في المائة من وقائع الحياة فقط، وأنّ هذه التسعين يجتهد الفقهاء فيها فيصيبونها وقد يخطؤونها.

وهذا يعني أنّ نظريّة شمول الشريعة سابقة في المرتبة على نظريّتي: التخطئة والتصويب، وليست من نتائجهما كما صوّره العلامة شمس الدين وغيره، أو على الأقلّ يمكن القبول بكلامه ـ جزئيّاً ـ في نظريّة التصويب دون التخطئة.

المداخلة الثالثة: مشكلة التضارب في دوائر الفراغ التشريعي الثلاث

صوّر لنا العلامة شمس الدين المجالات الممكنة أوّليّاً لمنطقة الفراغ التشريعي بأنّها الإلزامات والمباحات والمجهولات (مبادئ التشريع العليا)، معتبراً أنّ الإلزامات لا معنى للفراغ فيها، حيث قد تمّ التشريع فيها بعنوانها الأوّلي، نعم، قد تعرضها العناوين الثانويّة.

وهذا الكلام من شمس الدين فيه قدرٌ من الغموض؛ اذ كيف عرف أنّه لا فراغ فيها؟ وما معنى الفراغ عنده هنا عندما ينفي وجوده؟

إذا قصد من نفي الفراغ أنّ الأشياء بعناوينها الأوّلية التي تستدعي إلزاماً واقعيّاً قد تمّت تغطيتها بالإلزامات الصادرة من الشارع سبحانه وتعالى، فهذا صحيحٌ بعد إثبات قاعدة الشمول، لا أنّه بذاته ولكونه بالعنوان الأوّلي يكون صحيحاً؛ إذ كيف عرفنا الشمول فيها وانتفاء الفراغ؟

من هنا يبدو لي أنّ شمس الدين يريد بنفي الفراغ أنّ الصيغ التشريعيّة التي جاءت في قضايا الإلزامات لا تَدَع للمجتهد مجالاً لأن يمارس تقنيناً في داخلها؛ لأنّ الشريعة قدّمتها بعنوانها الأوّلي، لا أنّها وضعت صيغاً عامة فيما تركت التنظيمات لعقل المجتهد، كما هي الحال في نطاق المبادئ التشريعيّة العليا التي يضطرّ فيها الفقيه إلى تقديم صيغ تنظيميّة ذات طابع تقنيني.

وهذا المعنى الذي يقصده الشيخ شمس الدين هو الذي جعله يرفض منطقة الفراغ في دائرة المباحات، خلافاً لما فعله السيد الصدر، ولهذا حصر إطار التصرّف في دائرتي المباح والإلزام بالعناوين الثانويّة، خلافاً لدائرة الفراغ التي يرجع فيها إلى المبادئ التشريعيّة العليا.

إلا أنّ الشيخ شمس الدين يواجه هنا سؤالاً مركزيّاً، وهو أنّ الصيغ التنظيميّة التي سيقدّمها المجتهد في دائرة الفراغ (المجهولات) سوف تصادم إلزاماً أو إباحةً ما، فعندما نواجه قضايا النموّ السكّاني فنحن نفرض قوانين، وهذه القوانين تحدّ من الحريّات الشخصيّة بإقرار شمس الدين، وهنا نسأل: أليس الحدّ من هذه الحريّات تصرّفاً ـ في جوهره ـ بدائرة المباح الواردة في الشرع في أن يُنجب الإنسان ما يشاء من أطفال؟ أليست هي إلزاماً؟

إنّ هذا يعني أن الحادَّ من الحريّات هو العنوان الثانوي الذي له وحده الحقّ في تغيير المباحات والإلزامات عند شمس الدين، ومن ثمّ فهذا يفترض أنّ العنوان الثانوي هو المرجع في الحدّ من الحريّات في قضايا النموّ السكّاني، فلماذا جعله شمس الدين مستبعداً ليقدّم لنا المبادئ التشريعيّة العليا مرجعاً قانونياً للفقيه في مثل مجال النموّ السكاني؟!

ومن الممكن أن نجيب عن الشيخ شمس الدين هنا بأحد جوابين:

أ ـ إنّ أصل الخروج من دائرة المباح أو الإلزام إلى غيرها لا يكون إلا بالعناوين الثانويّة، لكنّ البديل لا يمكن صوغه في ضوء العنوان الثانوي، لعدم كفاية العنوان الثانوي في تقديم بدائل وصيغ قانونيّة متكاملة، الأمر الذي يضطرّنا إلى اعتماد المبادئ التشريعيّة العليا أساساً في تقديم الصيغ القانونيّة في دائرة الفراغ (المجهولات) بحسب تفسير الشيخ لها، وهذا ما يرفع الإشكالية المتقدّمة على طرح الشيخ شمس الدين.

ب ـ إنّ دائرة المجهولات توجد فيها أحكام شرعيّة وهي غير الإباحة، وكأنّنا نحرز ـ لسببٍ أو لآخر ـ أنّها ليست مشمولة للإباحة واقعاً، غاية الأمر أنّها غير منصوصة، ولكي نصل إليها نحن بحاجة لمرجع، وفي ظلّ فقدان النصوص نحن نقوم باعتماد المبادئ المنهجيّة الشرعيّة لوضع صيغ تنظيميّة من قِبَلنا، تتماهى مع الحكم الشرعي في الواقعة، ومن ثمّ فهناك حكم حقيقي في المجهولات لكن لا يوجد نصّ فيه، وطريقُ الوصول إليه ليست هي الأدلّة الشرعيّة الكليّة ولا الأدلّة المنصبّة على الحالات (العنوان الثانوية) بل المرجع هو المبادئ القانونيّة.

وهنا يحقّ لنا طرح سؤال على الشيخ شمس الدين يتصل بالجوابين معاً؛ وذلك أنّه إذا لم يصدر الحكم من الشرع أصلاً ـ وكذلك لم تصدر الصيغة التنظيميّة التي هي فعل قانوني ـ حيث لا نصّ فيه باعترافه هو بنفسه، فما هو الموجب لإلزامنا بهذا الحكم غير الصادر بعدُ عن الشريعة حتى نذهب لاكتشافه عبر المبادئ المنهجيّة وأدلّة التشريع العليا؟ وأيّ شريعةٍ هذه ترى مصلحةً في عدم الكشف عن بعض أحكامها، ثم تُعلن هي بنفسها أنّكم ملزمون بالعمل بهذه الأحكام التي لم نكشفها لكم، بمعنى أنّنا لم نُصدرها في نصوص أو رسائل، فضلاً عن أنّها لم تصل إليكم؟! وما معنى كمال الشريعة بوفاة النبيّ؟! ولماذا لا تكون قاعدة البراءة ساريةً هنا تماماً كأيّ حكمٍ واقعي غير منكشف لنا، خاصّة وأنّ بعض أدلّة البراءة الشرعية مثل عدم التعذيب قبل إرسال الرسل (الإسراء: 15)، وكذلك عدم الإضلال قبل بيان ما يتقون (التوبة: 115)، بل حتى حديث الحجب وأنّه قد وضع عن العباد ما حجب الله علمه عنهم، وغير ذلك، يتناسب جدّاً مع حيثيّة عدم الصدور، فضلاً عن أنّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان ألصق بعدم صدور البيان من عدم وصوله. وهل هناك علمٌ إجمالي خلف هذه القضيّة هو الذي منع عن جريان البراءة، الأمر الذي لم يوضحه لنا شمس الدين أبداً في مقاربته هنا، وستأتي الإشارة إليه من قبلنا؟ ولماذا لا نقول من الأوّل إنّ هذه المساحة المسماة بالمجهولات لا حكم لله فيها قد صدر بعد، ومن ثم فهي فارغة فراغاً حقيقيّاً نهائياً إلى أن يأتي فيها حكم الله بطريقةٍ من الطرق؟ ومن دون هذه الحال نحن غير ملزمين بأيّ قانون إلهي في المجهولات، ولنا أن نرتّب أوضاعنا فيها بما لا يعارض الشرع.

إنّ الجمع بين عدم صدور النصوص ـ وليس عدم وصولها فقط ـ وبين الشموليّة يحتاج لمقاربة معقولة، وهذا يعني أنّ على شمس الدين أن يبيّن لنا أنّ عدم صدور نصّ لا يعني عدم صدور الحكم، فالحكم قد صدر لكن لا عبر النصوص بل عبر العقول، وهذا ما سيفتح أمامه تحدّياً كبيراً في شرح هذه المقاربة، بل سوف يوقعه مرّةً أخرى بما وقع فيه أمثال الشيخ عليدوست من الاعتقاد بأنّ الشريعة على طول الخطّ الزمني ما تزال تصدر عبر عقولنا التي تستقي من المبادئ القانونية المُلْهِمَة الروحَ؛ لتصوغ القانون وفقاً لذلك! أو أنّ على شمس الدين أن يُقنعنا بأنّ أدلّة التشريع العليا كافية في صدق عنوان الصدور، ومن ثم لم يكن ينبغي له أن يعلن صراحةً فقدان النصوص، بل كان الأنسب به أن ينوّع النصوص هذه المرّة!

ولا بأس أن نضيف هنا أنّ شمس الدين في بيانه لنظريّته في مرونة الشريعة يشير إلى أهميّة العناوين الأوليّة والثانوية التي يرى أنّ من أهمّ مجالاتها منطقة الفراغ التشريعي، وهذا إذا قصد به الإطلاق فقد ناقض كلّ كلامه السابق؛ إذ لو اُديرت منطقة الفراغ بالعنوان الثانوي فلا فرق بينها وبين دائرة المباحات التي تُدار بالعنوان الثانوي حسب رأيه، وهذا يعني أنّ شمس الدين قد عاد إلى النظريّة المدرسيّة ولم يقدّم جديداً، إلا فيما قلناه سابقاً من تخريجٍ لكلامه بأنّ أصل الخروج من الحكم الأوّلي يكون بالعنوان الثانوي، ولكنّ قوانين مرحلة العنوان الثانوي تكون بمبادئ التشريع العليا.

المداخلة الرابعة: هل تحلّ المبادئ التشريعيّة المشكلةَ بعد سحب صفة الإلهيّة عنها؟!

يذهب العلامة شمس الدين إلى مرجعيّة مبادئ التشريع العليا في نطاق المجهولات، ويراها مبادئ منهجيّة وليست أحكاماً إلهيّة أو منشأ لأحكامٍ إلهيّة، بل هي أسسٌ لأحكام شرعيّة تدبيريّة حيث يسنّ المجتمعُ في ضوئها ما يراه مناسباً، وقد افترض شمس الدين بهذه الطريقة أنّه أعطى منطقة الفراغ مرجعيّتها التشريعيّة من أصل الشرع على خلاف نظريّة الفراغ للسيد الصدر وأمثاله، وافترض شمس الدين أيضاً أنّه بهذه الطريقة زالت مشكلة الفراغ وعدم الشمول في الشريعة التي أقرّ بها أيضاً.

لكنّ هذا الكلام يواجه ـ في تقديري ـ ملاحظات:

الملاحظة الأولى: عندما يقدّم لنا شمس الدين مبادئ منهجيّة بالمعنى الذي ذكره، ثم نقوم نحن بسنّ القوانين التدبيرية.. كيف لا تكون الشريعة ناقصة؟!

لقد أقرّ شمس الدين بعين ما قاله النقّاد على التشريع الإسلامي من أنّه غير قادر على مواكبة المستجدات، فأطلق بعض العناوين التي اعتبرها مبادئ تشريعيّة، ثم منح سلطة التشريع لغير الله والمعصوم، وفي الوقت عينه جعل الشريعة شاملةً دون أن يفسّر لنا وجه الشمول هذا!

فإذا لم تكن المبادئ التشريعيّة أحكاماً إلهية أو منشأ لأحكام كذلك، فهذا يعني ـ بشفافيّة ـ أنّ الله وضع للبشر بعض الأصول العامّة وأوكل إليهم مهمّة سنّ القوانين في دائرة المجهولات في هدي هذه الأصول، وهذا معناه أنّ البشر يمارسون على الدوام فعل القانون وليست الشريعة، فكيف كانت الشريعة شاملةً وليس فيها شيء لم تقم بتغطيته؟!

لقد افترض شمس الدين أنّه بوضعه المبادئ العليا يضفي طابعاً دينياً على الموضوع، مع أنّ السيد الصدر وغيره قد تحدّثوا عن أن وليّ الأمر يسنّ القوانين في هدي المؤشّرات الشرعيّة ومصالح الدين التي يفهمها من الكتاب والسنّة، فلم يختلف شمس الدين عن الصدر كثيراً هنا.

أضف إلى ذلك أنّ تغيير توصيف هذه الأحكام من الأحكام الشرعيّة الإلهيّة إلى الأحكام الشرعيّة التدبيريّة، كما فعل شمس الدين، لا يغيّر من واقع المشكلة القائمة شيئاً؛ وذلك أنّ هذا التوصيف يذكّرنا بتوصيف أمثال الشيخ ناصر مكارم الشيرازي لقوانين الدولة بأنّها مجرّد مقرّرات إجرائيّة، وقد سبق أن توقّفنا مع هذا النمط من قراءة الجهود التشريعيّة للدولة، لكنّ الشيرازي لم يخلع صفة الحكم الشرعي على المقرّرات الإجرائيّة، بل نسبها لوليّ الأمر وخلع عنها صفة القانون، فأراح نفسه منها بهذه الطريقة، بينما شمس الدين ظلّ مقيّداً نفسه بالصفة الشرعيّة لهذه الصيغ التنظيميّة، ولهذا اعتبر أنّ سلطة التشريع العليا هي سلطة اكتشافيّة، في حين لم يعتبر الشيرازي سلطةَ وضع المقرّرات الإدرايّة سلطةً تشريعيّة اكتشافيّة، وبهذا ضاعف شمس الدين من الضغط الذي سوف يواجهه؛ إذ صار عليه أن يجيبنا بأنّه إذا كانت الشريعة كاملةً شاملة فلماذا يطلب من المجتمع نفسه أن يقوم بسنّ الصيغ التنظيميّة؟ وكيف نجمع بين قيام الشريعة باعتماد هذه الصيغ وبين كون هذه الصيغ مجرّد محاولات بشريّة؟!

الملاحظة الثانية: إنّ ما سمّاه الشيخ شمس الدين بمبادئ التشريع العليا، مثل مبدأ حفظ النظام، ومبدأ الأخوة الإسلامية، ومبدأ الدفاع عن المجتمع الإسلامي، ومبدأ عدم إفناء الحيوان، ومبدأ الحفاظ على الطبيعة وغير ذلك.. لماذا لم يعتبره أحكاماً إلهيّة وإنّما اعتبره مبادئ منهجيّة؟ وبكلمة أخرى: لماذا سلب شمس الدين عن هذه المبادئ صفتَي: الأحكام، والإلهيّة؟

لو أنّ الشيخ شمس الدين اعتبرها أحكاماً إلهيّة ذات طابع قواعدي، لكان الأمر أسهل له، حيث سيمكنه اعتبار مساحاتها داخلةً في ضمن ما أسّسته الشريعة، ومن ثم تكون التقنينات البشريّة مجرّد وسائل وصيغ تنظيميّة لتنفيذ هذه الأحكام الإلهيّة، وسيكون الشيخ شمس الدين مندمجاً هنا مع النظريّة المدرسيّة أو على أبعد تقدير مع نظريّة المرجعيّة الإنسانيّة المساعدة، وإذا كان شمس الدين يريد بذلك جعلها أساساً لسنّ قوانين فإنّ جعلها أحكاماً لا ينافي جعلها في الوقت عينه أصولاً تحتيّة يمكن بناء صيغ مختلفة للوفاء بها والاستجابة لمتطلّباتها، وإذا كانت طبيعتُها الإمضائيّة في الغالب هي المانعُ، فهذا يعني أنّ على شمس الدين أن يُخرج من دائرة الأحكام كلَّ الأحكام الإمضائيّة، وليس خصوص الأحكام التدبيريّة وفقاً لتصنيفه المتقدّم للأحكام.

أعتقد أنّ الشيخ شمس الدين أدرك أنّه لو جعلها أحكاماً لصارت الصيغ التنظيميّة مجرّد تطبيقات لها، مع أنّه يعي تمام الوعي بأنّ الصيغ التنظيميّة ليست مُخْرَجات مباشرة لهذه الكليّات والقواعد القانونيّة، بل هناك فاعل قوي مشارك هنا وهو الإنسان الذي يقوم بوضع الصيغ التنظيميّة. لقد اكتشف شمس الدين ـ وقبله تيار المرجعيّة الإنسانيّة المساعدة ـ أنّ مشاركة الإنسان في صنع القانون لا ينبغي إنكارها، لهذا لم يقدر على اعتبار الصيغ القانونيّة منكشفةً في النصوص أو حتى في أدلّة التشريع العليا، ولكي يجمع بين كلّ هذه المعطيات وقع في كلّ هذه المشاكل.

المداخلة الخامسة: اضطراب النظريّة في من يملك سلطة التشريع في الدوائر الأربع

لقد قدّم لنا الشيخ شمس الدين أربعة مجالات لنطاق منطقة الفراغ هي: الموضوعات، والتصرّف بالنفس، والتنظيمات، والعلاقات، وجعل الأولى والثانية تحت سلطة الفقيه فيما جعل الثالثة والرابعة لممثلي الأمّة، مبرّراً بأنّ الأولى والثانية تشريعها من سنخ الحكم الشرعي الإلهيّ، وغالباً ما يكون تشريعها عبر العناوين الثانويّة، فيما الثالثة والرابعة مجرّد صيغ تنظيميّة إجرائية ثبت فيها ولاية الناس على أنفسهم.

وهذا الذي قدّمه الشيخ يحوي بعض المفارقات، فإذا كانت هذه الأربعة هي منطقة الفراغ حسب الفرض، ومنطقة الفراغ تكون المرجعيّة فيها للأصول العامّة للاستنباط إلى جانب المبادئ العليا للتشريع، فكيف تارةً جعل العبرة بمنصب الولاية دون النبوّة والإمامة والفقاهة، وأخرى فصّل بين الدوائر الأربع فأعطى اثنين لمنصب الفقاهة، واثنين لمنصب الولاية، وثالثة يرجع الحكم إلى الفقيه كلّياً دون تفصيل، بل اعتبر سلطة التشريع كلّها للفقيه..؟! إنّ هذا الاضطراب والتشويش ملاحظٌ على نظريّة الشيخ شمس الدين في هذا الموضوع.

المداخلة السادسة: مفارقة كشف الحكم الواقعي من خلال المبادئ التشريعيّة

عندما سأل الشيخ شمس الدين نفسه سؤالاً عن وظيفة من يملك سلطة التشريع، هل هي الاكتشاف أو التقنين؟ اعتبر أنّه بناء على التخطئة وقاعدة الشمول اللتين يؤمن هو بهما، يفترض القول بالاكتشاف، غاية الأمر أنّ هذا الاكتشاف لا يكون عبر نصّ شامل بالعموم أو الخصوص، بل السعي لمعرفة الحكم الواقعي عبر أدلّة التشريع العليا.

هذا الكلام يبدو لي في غاية الالتباس؛ فإذا حذفنا النصوص في دلالاتها العامّة والخاصّة وأخذنا المبادئ التشريعية العليا التي لم يعتبرها شمس الدين ضمن دائرة النصوص الدالّة ولو بالعموم على منطقة الفراغ، ثم آمنّا ـ كما أقرّ شمس الدين نفسه ـ بعدم معرفتنا بالمفاسد والمصالح الواقعيّة للأحكام، والمفروض أنّنا نقول بالتخطئة، فكيف السبيل إلى الحكم الشرعي الواقعي؟! كان مهماً لو قدّم لنا شمس الدين صورةً واقعية ـ ولو عبر مثال ـ لكيفيّة الوصول إلى الحكم الشرعي الواقعي بالاجتهاد الاكتشافي في هذه الحال وفي ظلّ هذه الظروف، وليس فقط في كيفيّة التقنين البشري.

ثم كيف اعتبر شمس الدين وظيفة الفقيه هنا هي اكتشاف الحكم الشرعي الواقعي مع أنّه في البحث نفسه اعتبر قوانين منطقة الفراغ تدبيرات وقَبِلَ بتوصيفها بأنّها أحكام ولايتيّة لأنّها نتيجٌ للولاية والحاكميّة، وهو مصطلح يقف في مقابل الأحكام الإلهيّة. والملفت أنّ مبادئ التشريع العليا عنده ليست أحكاماً إلهيّة ولا منشأ لأحكام إلهيّة، ثم هو يرى أنّ الفقيه يريد منها الوصول إلى الحكم الشرعي الواقعي! وإذا قصد من كلمة (الشرعي) هنا ما يقابل غير المشروع، لا ما يندرج في الشريعة، عاد إشكال عدم الشموليّة المتقدّم.

أعتقد أنّ هناك تشويشاً كبيراً في هذا الموضوع يحتاج إلى مزيد من الاشتغال والتحليل، وكأنّ نقطة الارتكاز تكمن في أنّ شمس الدين بخلعه صفة التدبير على الحكم أو على الصيغ التنظيميّة، تصوّر أنّه حلّ المشكلة؛ فالتدبير صفة ذات صلة بالإدارة والولاية، ولهذا فالحكم ولائي، لكنّ هذا لا ينفعنا في شيء، فما دامت الوظيفة اكتشافيّةً فهذا يعني أنّنا بتنا مطالبين بالمزيد من الشفافيّة: هل الصيغة التنظيميّة نفسها التي تتسم بالتدبير الزمني تمثل جزءاً من أصل الشرع أو لا؟ وهذا السؤال تواجهه الاتجاهاتُ الثلاثة هنا.

وعندما نقول ذلك لا نكون مضطرّين لافتراض أبديّتها؛ لأنّ كون شيء جزءاً من الشرع لا يفرض التأبيد بالضرورة، كيف والأحكام المنسوخة حتى في القرآن الكريم تمثل جزءاً من الشرع، غاية الأمر أنّ الشرع يمكن أن ينقسم إلى قسمين: أحكام تعالج قضايا مستقرّة إلى يوم القيامة، وأحكام تعالج قضايا مؤقّتة ربما انتهى وقتها وحلّت مكانها قضايا أخرى جعل لها الشرع أحكاماً أخرى، فليست في هويّة الحكم الشرعي صفة التأبيد ولا هي جزء من تعريفه، بل ليس في هويّة الحكم الإلهي صفة التأبيد، بل كلّ شيء ممكن هنا، وعليه فمجرّد القول بأنّها أحكام تدبيريّة لا يُلغي كونها أحكاماً إلهيّةً ما دمنا نريد الوصول إليها بالاكتشاف، فهي أحكام إلهيّة لتدبير لحظتي الحاضرة، وليس لتدبير قضيّة ما على طول الخطّ الزمني، وحتى نفكّ عنها صفة الإلهيّة لابدّ من رفع خاصية الاكتشاف هنا، والاعتراف بأنّها بشريّة تستجيب للقواعد الشرعيّة ولا تعارضها وتأتي في سياق منسجم مع روحها وأغراضها وغاياتها، فهذا التعبير أكثر وضوحاً ومطابقةً للواقع، لكنّ شمس الدين تحذّر من مثل هذه التعابير؛ كي لا يصطدم ـ فيما يبدو ـ مع عدم شموليّة الشريعة، ولو أنّه أنكر من الأوّل شموليّة الشريعة لكان ذلك أسهل عليه وأقرب.

هذا ما كنّا نقوله سابقاً عند مناقشة أنصار نظريّة المرجعيّة الإنسانيّة المساعدة، حيث بيّنّا بأنّ مفهوم الحكم الولائي إذا اقتصرنا في تفسيره على كونه مجرّد تقديم صياغة ملزمة ويكون الملزَم به شيئاً هو موجود مسبقاً في أصل الشرع (إنشاء إنفاذ)، فلا مشكلة؛ لكنّ الحكم الولائي بهذا المفهوم لا ينفع أنصار نظريّة المرجعيّة الإنسانيّة المساعدة ولا أمثال العلامة شمس الدين هنا، وإذا قصد بالحكم الولائي سلسلة قوانين يتمّ إنشاؤها بشريّاً تخدم القضايا الإنسانيّة والدينيّة العامّة، فأصل وجود الحكم الولائي في منظومة الحياة النبويّة وما بعد النبويّة هو إقرار بعدم شموليّة الشريعة.

المداخلة السابعة: سؤال الحجيّة وذهنية العقل الانسدادي في حلّ مشكلة (ما لا نصّ فيه)

بعيداً عن هذا كلّه، وما دام لم يعد بين يدي الشيخ شمس الدين سوى مجموعة من المبادئ المنهجيّة، دون وجود عمومات أو غيرها، فإنّ من حقّنا أن نسأل الشيخ رحمه الله: أليس من المنطقي أن نقول بأنّ مرجعنا في الاكتشاف للحكم هنا هو عقولنا فقط وحصراً، تحت مظلّة مبادئ التشريع العليا؟ واستتباعاً لذلك كان يفترض أن يُكمل الشيخ مسيرة بناء نظريّته بأن يحدّثنا عن حجيّة هذا الطريق للوصول إلى معرفة الحكم الشرعي في غير المنصوص، فأنصار نظريّة المرجعيّة الإنسانيّة المساعدة قدّموا دليلهم عبر نصوص وجوب إطاعة وليّ الأمر، وأنصار الاتجاه المدرسي قدّموا أدلّتهم كما رأينا، بينما العلامة شمس الدين يتوصل اكتشافيّاً لحكم الشريعة في غير المنصوص بطريقة لم يشرح لنا فيها دليل حجيّتها واعتبارها المنطقي أو الشرعي!

فإذا كان يرى أنّ العقل الإنساني يحصل على يقين بموقف الشرع في هذه الحال، والحجيّة لليقين، فهذا يبدو غريباً على إطلاقيّته، فكيف يكون لدينا يقينٌ بأنّ كلّ الصيغ التنظيميّة التي نتوصّل إليها في إدارة متغيّراتنا ومستجدّاتنا نحصل عليها باليقين والقطع بالحكم الشرعي؟! إنّ هذا يوجب الوصول اليقيني إلى الشريعة عند شمس الدين في دائرة غير المنصوص أكثر منه في دائرة المنصوص، وهذه مفارقة غير معهودة ولا متوقّعة عمليّاً! وهي تحتاج لتفسير، وما هي المبرّرات الموضوعيّة للحصول على هذا اليقين والبشرُ يختلفون في تقديم صيغهم القانونية التنظيميّة ويتناقشون فيها دوماً، الأمر الذي يترقّب معه كثرة حصول الظنّ؟

وإذا لم يكن لدينا يقين فما هو دليل حجيّة هذا السبيل الظني غير المؤكّد للوصول إلى الشريعة؟ فهل هو القياس أو الاستصلاح الظنيّين (ولا نتكلّم عن اليقينيَّين)؟ وما هو دليل حجيّتهما عنده وهو فقيه إمامي لا يؤمن بالقياس، وإن كان يرى أنّ الاستصلاح تعبيرٌ آخر عن آليّات موجودة في الفقه الإمامي؟ حسناً فليدلّنا عليها لنرى كيف يمكن من خلالها الوصول للصيغ التنظيميّة بالاكتشاف للحكم الشرعي الواقعي! وإذا كان شيئاً آخر غير القياس فما هو؟

أظنّ أنّ أفضل الطرق ـ لكي يصل الشيخ شمس الدين لمراده ـ هو دليل الإنسداد في دائرة المجهولات غير المنصوصة، فهذا الدليل يعطيه حجيّة الظنّ هنا إذا تمّت مقدّماته، ولكنّ الشيخ لم يُشر إليه لا من قريب ولا من بعيد، بل لم يُشر لتحدّيات سؤال الحجيّة أصلاً؛ بيد أنّه سبيل ممتاز للوصول إلى حلّ يُخرج الشيخ شمس الدين من سؤال الحجيّة، حيث ربما يمكننا القول بأنّ عناصر هذا الدليل تامّة هنا حتى لو لم تتمّ في حجيّة مطلق الظنّ، وهو مبنيّ على مقدّماته. ونحن في محلّه ناقشنا تمام مقدّمات دليل الانسداد الذي كان يستهدف إثبات حجيّة مطلق الظنّ([14])، لكن هل يمكن تصوّر صحّتها في دائرة المجهولات (غير المنصوص) خاصّة أو لا؟

إنّ الأخذ بالمنطق الانسدادي في دائرة المجهولات مبنيّ على افتراض أنّ الأحكام الشرعيّة الواقعيّة في هذه الدائرة موجودة وأنّها تدخل في عهدة المكلّفين ويلزمهم إفراغ ذممهم تجاهها، وهو ما كنّا ناقشناه آنفاً، لكن لو غضضنا الطرف عن هذه المناقشة، فهل يمكن فتح باب الانسداد هنا أو لا، بعد العلم ـ ولو عبر كليّة قاعدة الشمول التشريعي ـ بوجود أحكام إلزاميّة في دائرة المجهولات؟

يمكن صياغة القضيّة بالقول بأنّنا نعلم علم اليقين بوجود أحكام شرعيّة في دائرة المجهولات، وليس لنا سبيل إليها لا بالعلم ولا حتى بطريق ظنيّ معتبر اعتباراً خاصّاً، لفرض فقداننا غالباً السبل المتعارفة في الوصول إلى الحكم حيث لا نصّ، كما أنّه لا يمكن إجراء البراءة على طول الخطّ الزمكاني عن كلّ هذه الصيغ التنظيميّة الشرعية التي تغطّي التحوّلات الزمكانيّة، والمفروض أنّ الاحتياط فيه الكثير من العسر والحرج، فلم يَبقَ سوى ترجيح الظنّ على الوهم المرجوح، وبهذا ينفتح أمامنا سبيلٌ للوصول إلى أحكام الله في دائرة الفراغ (المجهولات)، وهو اعتماد ما نصل اليه بالظنّ الآتي من أيّ سبيل، فالدولة أو الأمّة تقوم بوضع سلسلة قوانين تراها الأفضل لإدارة القضايا الحادثة، ثمّ يحصل ظنّ بأنّ هذه الصيغ القانونيّة هي المرادة إلهيّاً، والظنّ حجّة هنا بدليل الانسداد، فتكتسب هذه الصيغ حجيّتها وتكون ملزمة شرعاً.

ومن الواضح أنّ هذا الانسداد هنا ليس هو الانسداد الكبير الذي طرحه علماء أصول الفقه؛ لأنّ المفروض أنّ باب العلم والعلميّ في غير دائرة المجهولات ـ وهي مساحة واسعة ـ منفتحٌ، كما أنّه ليس هذا الانسداد على غرار الأشكال الأخرى لتطبيق الانسداد الصغير، مثل الانسداد في دائرة الأخبار الموجودة في الكتب الحديثيّة، بل هو نوعٌ آخر من الانسداد الصغير الخاصّ بدائرة المجهولات، وهو غير منحلّ بالعلم بالتشريعات في دائرة المنصوصات؛ لأنّ الدائرتين منفصلتان عن بعضهما، والوصول إلى أحكام دائرة المنصوصات لا يُلغي بقاء العلم الإجمالي بالأحكام الملزمة في دائرة المجهولات، ومن ثمّ فنحن أمام انسداد صغير يحظى بمنطقيّة عالية.

وبهذا كلّه يمكن تكييف موقف شمس الدين في عدم أخذه بالأصول العمليّة في دائرة المجهولات؛ حيث قد يلاحَظ عليه بأنّ نظريّته غريبة عن مناخ أصول الفقه الإمامي الذي يعتقد أنّ النصوص التي بين أيدينا وما نملكه من مستندات قانونيّة للاجتهاد الشرعي قادر على تغطية مجالات الحياة، من خلال ثنائي الأدلّة الاجتهادية والفقاهتيّة أو الأدلّة المحرزة والأصول العمليّة؛ فإذا كانت الأمارات لا تغطّي الوقائع فإنّ الأصول العمليّة تغطّيها طبقاً للتقسيم الرباعي الحاصر لهذه الأصول في الاجتهاد الإمامي (البراءة والاحتياط والاستصحاب والتخيير)، فلماذا تجاهل الشيخ شمس الدين الأصول العمليّة من حساباته كونها تنتج أحكاماً ظاهريّة على غرار الأمارات؟! وما هو موقفه من هذا النسق الاجتهاديّ؟

أعتقد أنّ شمس الدين كان يسير خلف الأدلّة المحرزة، ولم يأخذ بالحساب مسألة الأصول العمليّة، وعلى هذا الصعيد تكون خطوته متقدّمةً؛ لأنّ الفقهاء حتى في العصر الحديث استطاعوا الإحساس بالإطلاقات والعمومات التي تستوعب الوقائع الحادثة والنوازل الطارئة، واستطاعوا ـ من وجهة نظرهم ـ العثور على أدلّة محرزة تستطيع أن تطلّ بهم على قضايا البيئة وأسلحة الدمار الشامل وكثير غيرها، ويبدو أنّ شمس الدين قطع الطريق على هذه المحاولات باعتباره الظواهر مستجدّةً لم تلاحظها النصوص أساساً، فكأنّه يرى النصوص منصرفةً عن هذه النوازل الجديدة، لكنّه في الوقت عينه لم يذهب خلف الأصول العمليّة دون أن يفسّر لنا ذلك، ولعلّ دليل الانسداد يمكنه أن يفسّر خطوة الشيخ شمس الدين.

واستتباعاً لما تقدّم؛ يُطرح تساؤل هنا، وهو أنّ الصيغة التنظيميّة المختارة بالظنّ وفقاً لحجيّة الظنّ الانسدادي هل تحتاج للفقيه في مقاربة القضيّة أو لا؟

إنّ المفترض ـ وفقاً للصورة التي قدّمها شمس الدين عن إشكاليّة الموضوع ـ أن لا تكون هذه الصيغة حكراً على الفقيه؛ لأنّ المفروض أنّ دائرة المجهولات ليس فيها نصّ، وأنّ تقديم الصيغ القانونيّة فيها ليس شأناً فقهيّاً، بل هو شأن خبروي تابع لخبرة الواضعين لهذه الصيغ بقضايا العصر، وهذا ما ينتج هنا نتيجةً مغايرة للنتيجة المألوفة في دائرة المنصوصات، وهي أنّ عملية الوصول إلى الحكم الشرعي في دائرة المجهولات تقع مركّبةً من جهود الفقيه وغير الفقيه؛ لأنّ الفقيه عليه أن يراقب الصيغة التنظيميّة المظنونة من حيث انسجامها مع الشرع ومع دائرة المنصوصات، في الوقت الذي يقوم غير الفقيه ـ بما هو غير فقيهٍ ـ بوضع هذه الصيغ تبعاً لمتطلّبات العصر واللحظة الحاضرة، ومن ثمّ فالوصول لحكم الله في المجهولات يتطلّب شخصيّتين: فقهيّة لضمان انسجام الصيغة مع المبادئ المنهجيّة من جهة والدائرة المنصوصة من جهة ثانية؛ وغير فقهيّة، تسعى لتكوين الصيغة التنظيميّة بمراقبة الواقع والحاجات الزمكانيّة، ومن الممكن أن تجتمع الشخصيّتان في إنسانٍ واحد على سبيل الفرض، لكنّها عادةً ما تكون متغايرة.

وينتج عن هذا أنّ الأحكام الشرعيّة في دائرة المجهولات يتمّ الاجتهاد فيها عبر الاجتهاد الفقهي وغير الفقهي معاً.

ويبقى أنّ حجيّة الظنّ الذي حصل عليه واضعو القانون بعد التأكّد من عدم مخالفته للشرع، هل تكون ملزمةً لأفراد الأمّة أو لا؟ وإذا كانت ملزمة فما هو المبرّر؟ هل هو قانون الولاية، أو هو إمضاء الفقيه على الصيغة التنظيميّة وحصول الظنّ له بها بعد طرحها، أو صيرورة المرجع المقلَّد ـ إذا صحّ التعبير ـ هو المجموع المركّب من الفقيه وغير الفقيه بحيث يقلّد المكلّف كلاً من القانونيِّ ـ واضعِ القانون ـ والفقيهِ الذي يعلن عدم مخالفة هذا القانون للشرع المنصوص أو غير ذلك؟ سلسلة من الأسئلة والمستتبعات تحتاج نظريّة شمس الدين للجواب عنها لو ذهبت خلف دليل الانسداد في دائرة المجهولات غير المنصوصة. وسوف يأتي منّا الحديث عند عرض نظريّتنا آخرَ هذا الكتاب عن مثل هذه التفاصيل، فانتظر.

المداخلة الثامنة: التباسات في مفهوم مواكبة العصر والتوافق معه

لاحظ الشيخ شمس الدين على الإسلاميّين وبعض الفقهاء في العصر الأخير أنّهم لهثوا خلف التوفيق بين الشريعة وواقع العصر، معتمدين نظريّة الولاية في سدّ ثغرات منطقة الفراغ، مُعيباً عليهم الأساس والحلّ معاً كما تقدّم.

وبصرف النظر عن صحّة هذا الاتهام للإسلاميّين جميعهم من الناحية التوثيقيّة، إلا أنّ حديث شمس الدين عن مجاراة الواقع وتبريره مقابل تغييره لا يصحّ على عمومه؛ لأنّه ليس المقصود بواقع العصر وحاجاته تلك العادات والثقافة والتقاليد والمسلكيّات التي أتت المسلمين من الغرب فقط، بل هناك عنصر آخر لهذا الواقع يجب أن تتكيّف الشريعة معه، بمعنى أن يكون لها موقفٌ عقلائي فيه، فالغرب لم يأتنا بمجموعة من الثقافات فقط، بل أتى معه بالتطوّر التقني والمعلوماتي الذي أفرز دخول الإنسان في العصر الصناعي والعصر المعلوماتي، وهذا ما أدّى إلى تطوّر الآلة والطب ووسائل الاتصال وطرق الحصول على المعلومات ووسائط النقل وغيرها، وهذا الواقع الجديد حتى لو رفضه المسلمون في بلدانهم إلا أنّهم غير قادرين على تجاهل وجوده في العالم، بل كيف يعقل أن يرفضه المسلمون أساساً في وقت يقول الشيخ شمس الدين بأنّ الإسلام يحثّ على العلم والحركة الإيجابيّة تجاه الكون والطبيعة، فالإسلاميّون رأوا استحالة رفض الواقع الجديد، منطلقين من نفس منطلقات الشيخ شمس الدين في الإيمان بالتطوّر والافتخار بأنّ الإسلام لم يعارض خروج العرب من نمط حياة بدائيّ إلى حياة متطوّرة ورقيّ علمي لا سابق له في تاريخ الإنسانيّة. إنّ هذه المنطلقات اعتبرها الإسلاميّون وبعض الفقهاء أساساً في قبولهم بأصول التحوّل في الحياة اليوم، ومن ثمّ أرادوا التكيّف مع ما قبلوه وقبله شمس الدين معهم.

إنّ النقطة الجوهريّة هي أنّ واقع العصر ليس ـ فقط ـ الثقافات والأخلاقيّات التي أتت من الغرب، بل هو قبل ذلك نظامُ الحياة الصناعية وما بعد الصناعيّة الذي أولدته تطوّرات العلوم الطبيعيّة والإنسانية في العالم، فمن لديه موقفٌ من واقع العصر فليكن له موقف هنا، وتلك الأمثلة التي أعطاها شمس الدين للتحدّيات الجديدة كلّها إفراز لتطوّر الحياة، لا لنمط الحياة الغربيّة بالضرورة، مثل النموّ السكاني الذي بات أحد نتائج تطوّر الطب وعلوم الصحّة والحياة، وكذلك التلقيح الصناعي، وأسلحة الدمار الشامل، وبيع الأعضاء، والسيطرة على الفضاء، وقضايا البيئة الناتجة عن التطوّر الصناعي، وقضايا الاستهلاك لثروات الطبيعة الناتجة من تطوّر الآلة، فضلاً عن قضايا أخرى كثيرة.

والخلاصة: إنّ التكيّف مع العصر له معنيان: سلبي وإيجابي، فأمّا السلبي فهو عيش عقدة النقص أمام كلّ ما يأتي من الغرب من ثقافات ومسلكيّات وقناعات في قضايا الإنسان وهويّته وحياته، وأمّا الإيجابي فهو ما يفرزه التطوّر الطبيعي للعلوم البشريّة، إلا إذا كان للفقه موقفٌ سلبي من العلوم وتطوّرها، وإذا كان هناك موقفٌ أخلاقي فإنّ شمس الدين لم يُظهره لنا في نظريّته هذه، بل بدا قاصداً الوصول إلى صيغ تنظيميّة في مخرجات الحضارة الحديثة، وليس الوصول إلى صيغ إلغائية لهذه المخرجات.

إنّنا نؤمن بمبدأ المعرفة للتغيير لا للتبرير، لكنّ هذا أمرٌ يختلف عن التحوّل الطبيعي للحياة.

وبعد أن يخطّئ شمس الدين هؤلاء في أساسهم، يرى أنّ حلّهم غير صحيح؛ لأنّ منطقة الفراغ لا تختصّ بالوليّ الفقيه؛ إذ ما يقوم به ليس سوى إجراءات إداريّة وتنظيميّة وليست أحكاماً شرعيّة، وهذا يناقض ما قاله شمس الدين من قبل من أنّ الفقيه في منطقة الفراغ يقوم بالكشف عن حكم الله الواقعي، ويناقض ما قاله أخرى من حمل مهمّة منطقة الفراغ على ظهر الفقيه تارة وعلى ظهر الوليّ أخرى، والتفصيل بين الدوائر ثالثة.

بل إنّ اعتبار شمس الدين المرونة لازمة ذاتيّة للإسلام، ومن ثمّ فلا يمكن بناؤها على نظريّة ولاية الفقيه، إذ لو بطلت ولاية الفقيه لبطلت مرونة الإسلام التي هي لازمة ذاتية له.. هذا الاعتبار غير مقنع؛ لأنّ معناه أنّ نظريّة المرونة يجب حتى تصحّ أن تتكيّف مع كلّ النظريات الفقهيّة وتنتجها جميعُ النظريّات الفقهيّة، مع أنّ هذا الكلام غير دقيق ولا يوجد ملزمٌ منطقي له، فقد بنى شمس الدين نفسه نظريّة المرونة على نظام العناوين الأوّلية والثانويّة، وحاول أن يبنيها على فكرة السنّة التدبيريّة، مع أنّ الفكرة الثانية قضيّة يخالفها مشهور فقهاء الإسلام لو أخذت بعرضها العريض.

بل قد يقول أنصار الولاية العامة للفقيه بأنّهم حيث لم يجدوا مرونة الإسلام إلا في ظلّ نظريّتهم كشف ذلك عن صحّتها وضرورتها، وكان بنفسه مؤشراً لصوابها.

المداخلة التاسعة: نقد تحييد القرآن والعبادات عن الفهم التاريخاني

إنّ نظريّة زمكانية نصوص السنّة غالباً يستثني منها شمس الدين نصّ القرآن تارةً([15]) والعبادات اُخرى([16])، وهذا الاستثناء غير واضح على ما بحثناه في موضعه.

أمّا عدم وضوح استثناء نصّ القرآن الكريم؛ فلأنّه لا يوجد دليل يمنع شمول التاريخيّة لبعض أحكام القرآن الكريم، بل الدليل على العكس من ذلك، وهو وجود النسخ في القرآن الكريم، بناء على ثبوته، ولعلّ ما دفعهم لذلك تارةً مرجعيّة نصّ القرآن وكونه الكتاب الخالد للمسلمين، وأخرى ما دلّ في النصوص على أنّ القرآن حيّ لا يموت بموت من نزلت فيهم الآية، وثالثة بجعل القرآن مرجعاً لتقويم السنّة، ومع تاريخيّته يسقط عن معياريّته في تصحيح الأحاديث.

ولكنّ هذه المبرّرات الثلاثة تفترض تاريخيّة نصّ القرآن كلّه، بمعنى انتهاء أمده، وهذا ما لا يُطرح هنا ولم يطرحه شمس الدين في السنّة نفسها، بل المقصود أن يُفتح النصّ القرآني على مجال التاريخيّة في باب الأحكام في الجملة، وهذا لا يضرّ بخلود هذا الكتاب بعد أن لم يضرّ النسخ بذلك، كما لا يضرّ بحياته تماماً، لاسيما لو فهمنا التاريخيّة بمعنى أوسع من انتهاء أمد الأحكام، ولا يضرّ بمعياريّته؛ لأنّها فرع دلالته. وقد فصّلنا الكلام في هذا الأمر في بعض كتبنا([17]).

واما استبعاد العبادات من الدائرة الزمكانيّة، فلم نجد له منطلقاً فلسفيّاً، وقد تحدّثنا عن هذا الموضوع في محلّه أيضاً([18])، فما الذي يميّز العبادات بعد أن كان ثبوتها بالسنّة القولية والفعليّة والتقريرية على نسق ثبوت قضايا غير عباديّة؟! بل يمكن القول: إنّ القضايا غير العباديّة التي تعرّض لها القرآن الكريم كثيرةٌ، يفوق عدد آياتها آيات العبادات، من الجهاد والحرب والسلام والنكاح والطلاق والدَّين والعقود والتجارات وفصل الخصومات وغير ذلك.

أ ـ فإذا كانت المفاضلة النصّية هي معيار الثبات العبادي، فإنّ الأمر ليس كذلك.

ب ـ وإذا كانت سيرة المسلمين وعملهم، فهذا لا ينفي التغيّر عند ظهور موجبه؛ لأنّه لم يظهر موجبُه في القرون الأولى.

ج ـ وإذا كان المرجع هو غياب الرؤية حول أسرار تشريع العبادات على خلاف المعاملات، فهذا وإن صحّ في الجملة، لكنّ الكثير جداً من القضايا المعامليّة تظلّ هي الأخرى مجهولة الملاك والسرّ، لاسيما قضايا الطلاق والعدد والحدود وحجم العقوبات فيها، وفي المقابل فإنّ العبادات نفسها أيضاً تقبل في الجملة التفسير العقلاني المحتمل على غرار المعاملات، كما فعل العرفاء والأخلاقيّون والمتصوّفة وبعض الكتّاب المتأخّرين في العالم الإسلامي، ولا نريد أن نطيل.

بل حتى لو فرضنا أنّنا أدركنا ـ باستقراء أحكام العبادات ـ أنّها كلّها غير تاريخيّة، فهذا لا ينتج الملازمة والضرورة، بل هو ينتج ذاته فقط، ويحتاج لإثبات ذاته بالتفصيل الجزئي.

نكتفي بهذا القدر من تحليل ونقد نظريّة العلامة محمّد مهدي شمس الدين، وبهذا نكون قد استعرضنا الاتجاهات الأساسيّة للخطّ الذي يؤمن بالشموليّة المدرسيّة من جهة، وفي الوقت عينه يقدّم رؤيته لتصوير هذه الشموليّة تصويراً معقولاً بما يتوافق ويحقّق إدارة المتغيّرات وتغطية المستجدات.

 ___________________________________

([1]) هذا البحث جزءٌ من كتاب (شمول الشريعة: 414 ـ 445)، من تأليف حيدر حبّ الله، دار روافد في بيروت، الطبعة الأولى، 2018م.

([2]) حيث ذكر الشيخ شمس الدين في كتابه (نظام الحكم والإدارة في الإسلام: 182 وغيرها) في الطبعة الثانية التي صدرت عام 1991م، أنّه غيّر نظره في الأسلوب الديمقراطي في عصر الغيبة، انطلاقاً من نظريّته الجديدة في ولاية الأمّة على نفسها، كما يصرّح في الطبعة الجديدة للكتاب (ص 136) أنّ مسألة الإمامة هي في الأصل ذات صلة بكيان الأمّة وبالجانب التشريعي للإسلام، وأمّا صلتها بالسياسة والتنظيم والحكم فهي من الدرجة الثانية؛ ومن هنا يرى شمس الدين أنّ هذا هو السبب في أخذ النصّ والعصمة شرطاً في الإمام في عصر الحضور، فراجع.

هذا، وعلينا التأكيد على أنّ فكر الشيخ محمّد مهدي شمس الدين قد مرّ بمراحل وتطوّرات وتغييرات مهمّة، خاصّة بين حقبتيه النجفية واللبنانيّة، وأنّ فترة الثمانينيّات والتسعينيّات من القرن العشرين هي من أكثر الفترات التغييريّة خصوبةً عنده. ومن الجيّد هنا مراجعة ـ على سبيل المثال ـ ما كتبه الدكتور حسين رحال حول بعض جوانب هذه القضيّة في كتابه: محمّد مهدي شمس الدين، دراسة في رؤاه الإصلاحيّة: 60 ـ 69 وغيرها.

([3]) انظر: في الاجتماع السياسي الإسلامي: 14 ـ 21.

([4]) يحارب شمس الدين السياسات التي دمّرت في المسلم شعورَه بالانتماء للأمّة وخلقت فيه شعوراً بالانتماء للجماعة أو الطائفة أو المذهب، كما يعتبر وحدة الأمّة من المقدّسات المتعالية التي تستطيع التقدّم على الكثير من الأحكام الشرعيّة التفصيليّة، رافضاً إدراجها في السياسات، بل هو يقترح إدراج مادّة الأمّة الإسلاميّة في مناهج التعليم الابتدائي وصولاً للجامعي؛ لتكريس علاقة المسلم بالأمّة. انظر في هذا كلّه: حواره مع مجلّة الكلمة، العدد 5: 124 ـ 125؛ وكذلك كتاب: دراسات ومواقف في الدين والسياسة والمجتمع 3: 255، 265 ـ 268؛ وراجع: زكي الميلاد، الفكر والاجتهاد، دراسات في الفكر الإسلامي الشيعي: 149 ـ 154؛ وفرح موسى، الشيخ محمّد مهدي شمس الدين بين وهج الإسلام وجليد المذاهب، دراسة تحليل ومقارنة: 373 ـ 388.

([5]) انظر: شمس الدين، المقدّس وغير المقدّس في الإسلام، مجلّة المنطلق، العدد 98: 9 ـ 10، 13؛ وراجع: هيجل، محاضرات في فلسفة التاريخ 1: 104. ومن المعروف أنّ جورج فيلهلم هيجل من المنحازين لفكرة الدولة واعتبارها روح الجماعة وأنّ الحريّة لا تكون إلا فيها، ولا تتحقّق الذات الإنسانيّة إلا في الدولة وروحها.

([6]) انظر: شمس الدين، في الاجتماع السياسي الإسلامي: 290.

([7]) انظر: شمس الدين، مقاربات في الاجتهاد والتجديد، مجلّة المنطلق، العدد 112: 49 ـ 50.

([8]) انظر: علي فياض، نظريّات السلطة في الفكر السياسي الشيعي المعاصر: 282.

([9]) لمراجعة نظريّة شمس الدين كلّها في منطقة الفراغ وشموليّة الشريعة، انظر له: الاجتهاد والتجديد في الفقه الإسلامي: 103 ـ 129، 204 ـ 205؛ ومقالته: مجال الاجتهاد ومناطق الفراغ التشريعي، مجلّة المنهاج، العدد 3: 7 ـ 31؛ والاجتهاد والحياة، حوار على ورق: 16 ـ 17، 37 ـ 38.

([10]) إنّه لمما يؤسف له أنّ الحوزات والمعاهد والجامعات الدينيّة ـ حتى عند الشيعة فضلاً عن غيرهم ـ لم تهتمّ، كما ينبغي، بالإنتاج العلمي للعلامة شمس الدين، بل بقي مغيباً لأسباب عديدة لسنا بصددها الآن، ومن هنا نحن نأمل أن يتمّ تداول أفكاره وقراءاته الاجتهاديّة أكثر داخل الحرم الحوزوي والجامعي بالتحليل أو التفكيك أو النقد أو التقويم أو الإضافة أو التأييد.

([11]) كفاية الأصول: 469.

([12]) انظر: بحوث في علم الأصول 4: 216.

([13]) فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت في أصول الفقه (المطبوع على هامش كتاب المستصفى للغزالي) 2: 618.

([14]) راجع: حجيّة الحديث: 678 ـ 706.

([15]) ذهب إلى هذا الرأي آخرون غير الشيخ شمس الدين أيضاً، مثل الشيخ محمد جواد اللنكراني، فانظر: دور الزمان والمكان في علم الفقه، مجلة فقه أهل البيت، العدد 53: 154.

([16]) ذهب إلى هذا الرأي أيضاً السيد كمال الحيدري، فانظر: نظريّة دور الزمان والمكان في الاجتهاد الفقهي، مجلّة فقه أهل البيت، العدد 54: 130 ـ 131؛ وإن كانت بعض محاضراته خلال السنوات الأخيرة تعطي انطباعاً في عدوله عن هذا الرأي، والله العالم.

([17]) انظر: حيدر حبّ الله، حجية السنّة في الفكر الإسلامي: 669 ـ 672.

([18]) انظر: حيدر حب الله، دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر 2: 503 ـ 507.

الكاتب حيدر حبّ الله

حيدر حبّ الله

مواضيع متعلقة

اترك رداً

downloadfilmterbaru.xyz bigoporn.club bok3p.site sablonpontianak.com