جذور العنف في الإنسان نظرة سايكولوجيّة لتداعيات الحبّ والكراهية

ترجمة: محمد عبد الرزاق

 

تتكفل السطور القادمة ببيان ثلاث مسائل عامة.

وتتعلق الأولى منها بمقولة أن العنف ـ من الناحية الأخلاقية والسايكولوجية ـ متوّفر في «الحب» و«الكراهة» معاً. فليست الكراهة وحدها من ينتج العنف، أي «قساوة الكراهية»، بل لدينا أيضاً «قساوة الحب»، بمعنى العنف الناتج عن الحب. وإن كان الأمر هنا لا يخلو من التناقض «paradoxical»، حين نقول بأن الحب ينتج عنفاً. ونقصد من العنف في الحبّ لحاظين: الأول: هو ذلك العنف الذي يطرأ على الإنسان مع نفسه حين يحبّ، والآخر: هو العنف الممارس مع من يحبّ.

وتدور المسألة الثانية حول نوعي العنف، أي إننا نشاهد في التاريخ وفي أذهاننا نوعين للعنف: أحدهما: قساوة الكراهية، وهو الذي يكون منشؤه الأول الكراهية نفسها، من قبيل: ممارسات (استالين) و(بول بوت) وهتلر وصدّام، وهي ممارسات كانت تنبع في أصلها من صميم الكراهية. وأما النوع الآخر للعنف فهو الذي لم يكن مبدؤه الكراهية، وإنما هو قساوة الحب، لكنه انتمى إلى الجهل بحقائق العالم الإنساني، فتحوّل إلى عنف الكراهية، أي إنني أحببت ـ في البدء ـ محبوبي، وبما أنني كنت أجهل الحقائق الإنسانية تحوّل عنف الحب عندي ـ شيئاً فشيئاً ـ إلى عنف الكراهية.

نعم، ليس هناك فرقٌ بين هذين النوعين من ناحية النتائج والعواقب، بمعنى أن كليهما مدّمرٌ وفتّاك، سواء للعاشق أو المعشوق، وإن كان الدمار أكثر وقعاً بالنسبة إلى المعشوق.

أما المسألة الثالثة والأخيرة في هذا البحث فهي أن عنف الكراهية يتعارض مع «الحرية» و«العدل». وينبغي هنا التأكيد على نقطة هامة، وهي أنه لو سلمنا بنظريات البعض، أمثال: (آيزيا برلين)، القائل: «إن القيم الإنسانية لا تلتقي ـ في نهاية المطاف ـ مع بعضها البعض، فسنبقى نقول: إن عنف الكراهية منافٍ للحرية والعدل أيضاً ـ فإذا وافقنا على كلام (آيزيابرلين) ستكون فرضيتنا هي: «لا تلتقي الحرية ـ في نهايات مطافها ـ أحياناً مع العدل». وبعبارة أخرى ـ وحسب هذه الفرضية: لا خيار أمامنا ـ في مقام العمل أوالتنظير ـ إلا أن نقدّم الحرية قرباناً للعدالة، أو العكس. إذاً لو قبلنا بهذا الفرض ـ ولنا أن نرفضه أيضاً ـ، وسلّمنا بصحة كلام آيزيابرلين في وجود نوع من التنافر بين نهايات القيم الإنسانية، ومنها: العدل والحرية، يأتي الكلام عن مسألة أيّهما نقدّم على الآخر؟ وبعبارة أخرى: أمامنا من الأشخاص من نصطلح عليهم ـ مسامحةً ـ «اشتراكيين»، وهم يرون ضرورة ترجيح العدالة على الحرية إن تعارضا فيما بينهما، فنضحّي بالحرية. وإن أمامنا من نصطلح عليهم ـ مسامحة أيضاً ـ «ليبراليين»، ويقولون بضرورة التضحية بالعدالة من أجل بقاء الحرية.

وأقول: سواء كنا اشتراكيين أم ليبراليين، أي سواءً أخذنا جانب العدالة أو جانب الحرية، فإننا لابد أن نذعن بتنافر عنف الكراهية مع الحرية والعدالة معاً. وعليه لا نستطيع ممارسة عنف الكراهية، سواء كانت أفكارنا اشتراكية أو ليبرالية؛ لأن هذا العنف يخلّ بكلا المبدأين؛ أي إنه مخلٌّ بالحرية وبالعدالة معاً.

 

الفرق بين قساوة الحب وقساوة الكراهية ـــــ

تحتدم الآراء والنظريات ـ عبر التاريخ ـ حول المكان والزمان المناسبين في نيل الإنسان سعادته، وتحقيق مجتمعه المثالي. وتتفق تلك الآراء في ضرورة تقديم الإنسان الأفضل، والمجتمع الأسعد أيضاً. وكان البعض يظنّ أنه من الممكن صناعة هذا المجتمع بواسطة «الدين»، كما جاء البعض الآخر في عصر الحداثة وظنّ أن ذلك ممكن عبر نشر مفاهيم «الديمقراطية». وقال آخرون: إن وجود «منظمة اقتصادية عالمية» توزّع الثروات المادية وسبل المعيشة والرفاهية بين المجتمع بالتساوي هوالحل في تحسين الأوضاع.

وزعم بعضهم أن الحلّ يكمن فقط في نشر العلم، وتوسيع الجامعات، وإشاعة ثقافة التعليم.

وأزمع هنا تقديم هذه الفكرة، وهي أن الحل الوحيد في تأسيس المجتمع المثالي هو تحقيق نوع من «الحب اللانفسي والمؤثر في الوقت ذاته». فهذا الحلّ وإن كان أصعب السبل في الوصول إلى المجتمع المطلوب، إلا أنه السبيل الوحيد في تحقيق ذلك الهدف. أما السبل الأخرى المقدّمة فإنها على الرغم من إمكانية دمجها ضمن شروط تحقيق المجتمع المثالي، إلا أنها لا ترقى للنهوض مستقلّةً في إنجاز المهمة. لابدّ في تحقيق المجتع المثالي أن ننمّي ـ رويداً رويداً ـ نوعاً من الحبّ اللانفسي والمؤثّر في دواخلنا تجاه الإنسان الآخر، وأعني تحقيق حب لا يبنى على المنفعة الشخصية وإشباع الغرائز، بل يكون موجهاً إلى الخارج والآخرين. ومع أنه غير نفسي فهو مؤثّر ونشط في الوقت ذاته، فهو حبّ غير انفعالي، وبحاجة إلى ممارسات خارجية تحقّق مبتغاه. وبعبارة أخرى: هو الحب المصاحب للإحسان ومساعدة الآخرين.

يتفق الكثير من الباحثين في مجالات علم النفس الاجتماعي، والأخلاق، وعلم الاجتماع، والفكر السياسي، على مسألة واحدة، وهي ضرورة زرع هكذا حبّ في الإنسان؛ من أجل تحقيق المجتمع المثالي. فإذا أردنا أن ننظر إلى الآخرين بعين الغاية والهدف، وليس بعين الوسيلة والأداة، وإذا أردنا أن لا نتصوّر الآخرين جسوراً نعبر عليها لنحقق مآربنا، سنكون بحاجة إلى فكر يؤسّس على الإحسان الخارجي. إن حبّنا الداخلي للأفراد، والسعي وراء تحقيق هدفه، هو الذي يقول لنا: إنه لا مناص من أن نساعدهم مساعدة خارجية، تطلب ـ دون شك ـ عنصر التضحية والتنازل عن القدرة والثروة والمكانة الاجتماعية والشهرة وأمثال ذلك. ولن يكون التنازل عن هذه الرغبات محبّذاً لدى الإنسان العادي، وليس هناك أحدٌ مستعدٌّ لأن يضحّي بسهولة عن هذه الأمور من أجل مصلحة الآخرين. أنا بدوري أسمي هذا التذمّر من «الإحسان الصادر عن حبّ» بـ«القساوة في الحب». فحين نحب الآخرين سنواجه في الحياة مصاعب، وتقسو علينا. وهذا الحب الذي يقودنا إلى حياة قاسية مليئة بالصعاب لاشك أنه حب قاسٍ أيضاً.

 

التناقض واللاتناقض ــــــ

يؤمن أهل الرياضات الروحية ـ سواء المنتمون لها عملياً أو نظرياً ـ بجملة من الأمور المتناقضة، ويطلقون عليها اسم «التناقضات المعنوية». وهذه المتناقضات هي عبارة عن مشاهد معكوسة يمرّ بها أرباب البعد الروحي خلال حياتهم، عاجلاً أو آجلاً فهي قد تبدو متناقضة لدى غيرهم ممّن لم يدخل دوامة الحب وعالم المعنويات، لكنها في ذاتها ليست متناقضة أصلاً. وقد أحصى علماء الأخلاق والعرفاء والمهتمون بـ«علم النفس العرفاني» هذه التناقضات المعنوية، فكان من أبرزها: مقولة «السلم بالسيف»، حيث يحس إنسان البعد الروحي في مرحلة من حياته أنه لن يتمكن من تحصيل الهدوء إلا بالسيف. وقد تطرّق سيدنا عيسى× إلى هذا الجانب أيضاً. القضية المتناقضة الأخرى هي «الحياة في الموت»، ومفادها أنه لا يمكن أن تحيا حتى تموت، فلا حياة بلا موت. ومن التناقضات المشهورة أيضاً: قولهم: «حكمة الحمقى»، وذلك يعني أن للحمقى ضرباً من الحكمة والعقل، ما قد ينفع العقلاء أنفسهم. ومن ذلك أيضاً: «قوة الضعف»؛ إذ يقولون: إن العديد من نقاط ضعف الإنسان هي بمثابة نقطة قوّة لديه، ولولا نقاط الضعف هذه لما كانت لدى الإنسان أية قوة، فعدم هذا الضعف ضعفٌ في حدّ ذاته.

يضاف إلى هذه التناقضات أيضاً مقولة «قساوة الحب». فالحب للوهلة الأولى لا يمكن أن ينطوي على أي عنف وحدّة، لكن ـ حسب ما تقدم ـ هناك قيمة في تحمل هذا العنف في مقابل الإحسان إلى الآخرين. ويقابل قساوة الحب قساوة الكراهية أيضاً. وإذا كان موضوع العنف في الحب هو الشخص نفسه فإن موضوعه في الكراهية هو «الآخر» لا غير. فالعاشق يجلب المتاعب لنفسه؛ بسبب حبه الكبير ومودته للناس، وهذا هو معنى «قساوة الحب»؛ أي إنني أُضحّي بجميع رغباتي حبّاً للآخرين. فنفسها قساوة الحب تدعو الإمام علي× ليقول: «لو أحبّني جبل لتهافت»؛ أي إن أحبّ هذا الجبل الجماد مشاركتي حياتي التي أنا عليها سيتهاوى مثلي لا محالة. أو من قبيل ما تكرر في النصوص الهندية المقدّسة من أن >المرونة قاسية، لكنها تطبّب الحب<. وقد استعمل جلال الدين الرومي معنى قساوة الحب في شعره أيضاً:

بدأ العشق دماءً في دماء        فرمى كل دخيلٍ للوراء

ويقول حافظ الشيرازي:

لا ينال الصبّ حبّاً في النّعيم        منهج العشق شقاءٌ وهموم

إن هذا المعنى من «قساوة الحب» لهو شرط ضروري في الحياة الإنسانية. وهذه القساوة ـ بالطبع ـ لها ثمارها أيضاً. فبالتالي سيتحوّل الإنسان بداخله ـ رويداً رويداً ـ إلى إنسان آخر، وسيكون المجتمع ـ شيئاً فشيئاً ـ مجتمعاً سعيداً. فالقساوة في الحب ـ والتي تعني التخلي عن المسرّات والملذّات الشخصية ـ تمتد حدودها إلى مديات واسعة؛ نظراً لتعدّد ووفرة ملذاتنا. فلدينا رغبات جسدية؛ لأننا نمتلك جسماً، ولدينا رغبات ذهنية، لأننا نمتلك ذهناً أيضاً، وهكذا هي الملذات المعرفية؛ بداعي امتلاكنا عنصر المعرفة، والعاطفية؛ بداعي عواطفنا الجياشة، والمتطلبات؛ بداعي طلباتنا، وصولاً إلى الملذّات الاجتماعية؛ كوننا نعيش في محيط المجتمع. فإذا أردنا أن نفكّر بمستوى ملذاتنا الجسدية وعمقها سنفهم كم أن هذا النوع من التضحية والتخلّي عن الملذات كان واسع النطاق بما لا يحتمل أو يطاق.

 

مفهوم التضحية في أوروبا ــــــ

يستخدم الغرب مصطلح «SACRIFCE» بمعنى التضحية. كما يطلقون على الحياة الطاهرة المقدسة «SACREED»، وعلّلوا تسمية الحياة المقدسة بـ«SACREED» بأننا كثيراً ما نضحي فيها بشيء ما من أجل شيء آخر، فنتخلى عن ملذاتنا من أجل ملذات الغير، حتى نصل إلى السعادة النهائية، والتي هي عبارة عن حبّ الإنسان، ووضعه في حياة مليئة بالحقيقة والروحانية. وحين يدور الحديث عن معنى التضحية العميق هذا فلا شك في إمكانية التطرّق إلى «الشهادة» أيضاً؛ بوصفها ذروة القساوة في الحب؛ وذلك لأنني حين أغضّ الطرف عن وجودي، وأضحّي به من أجل راحة الآخرين، وأرتضى الشهادة نهايةً لي، فأنا بذلك سأكون قد بلغت أعلى مستويات القساوة في الحب. أما ناتج هذه المعادلة من التفاني فلن يقتصر على توفير راحة الآخرين فحسب، بل ستخلق في داخلي إنساناً آخر، وهو في إحدى معانيه ذلك الإنسان الطفولي القابع في دواخلنا، والمرادف لعودتنا إلى الطفولة والبراءة. إذاً فالشهادة في مثل هذه الذروة من العنف والقساوة هي أرقّ مبادرة يقدّمها الإنسان للإنسان الآخر. ومن المؤسف أن لا يفرّق البعض بين الشهادة بمعنى قساوة الحب وقساوة الكراهية. فقد فسّر العديد من زعماء المذاهب والأديان قساوة الحب بما يشبه قساوة الكراهية.

لقد هيّأ قادة الأديان والمذاهب لأنفسهم حياة قاسية من أجل راحة الآخرين. وما أغرب أن يفسّر البعض مجهودهم هذا بأنه محاولة منهم لتطويع الناس على أفكارهم وعقائدهم، وكأنهم يريدون استعباد الناس، وليس خدمتهم. ولا شك أن هذا المعنى يصبّ في صالح قساوة الكراهية، وليس الحب.

لا ينضوي مفهوم الشهادة وذروة القساوة والحب فيها ـ عند من ينزف دمه ـ إزاء ثمن ذاتي وغرض شخصي، بل هي ضرورة ملحّة يراها ذوو البصائر والروحانية وهم في قمة عشقهم للإنسانية.

 

قساوة الحب وأنماطها ــــــ

لقساوة الحب نوعان: الأول: هو تلك القساوة التي تطرأ حين أعشق الآخرين، فامارسها مع نفسي. فأنا حين أعشق الإنسان الآخر ـ سواء كان واحداً أم جمعاً ـ فإن أولى أنواع القساوة في مثل هذه الحب ستطرأ على العاشق نفسه، أي إنني حين أحبّ فلا شك أنني سأقسو قبل كل شيء على نفسي بمختلف الأسباب والذرائع. فعلى سبيل المثال: حين أحبّ شخصاً ما سيكون حزنه حزني، وألمه ألمي، وكلّما اشتدّ حبي له كلّما زاد الألم والعذاب، ولعل حبّي هذا يبلغ مبلغاً يكون فيه الألم أكثر وقعاً عليّ من صاحبه. ونقرأ في القرآن قوله تعالى: {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ}؛ إذ يخاطبهم القرآن، فيقول لهم: إن ما تقاسون منه قليلٌ، وما يقايسه هو كثيرٌ، أي يفكر النبي‘ بكم أكثر مما تفكّرون وتهتمون أنتم بأنفسكم. وهذا الاهتمام (sensitivity) لدى البوذا ومحمد بن عبد الله‘ وغيرهما كبير جداً. وعليه هم يعانون المحنة أكثر من الناس العاديين.

ثم إنني أنا العاشق لن أكتفي بالأماني في التقليل من آلام المعشوق، ولابد من التحرك في هذا الصدد. وهذا «التحرك» والمبادرة هي الألم الآخر المضاف إلى آلامي أنا؛ لأنني حين اعتزم التقليل من معاناته ستكون أمامي جملة من المشاكل والعقبات.

أما المسألة الثالثة فهي أن قابليتي محدودة في معالجة آلام الآخرين، وأقل بكثير مما هو مطلوب في معالجة آلام جميع الناس. وعليه أنا متأكّد دائماً، وحتى آخر عمري، من استحالة أن لا أرى أناساً يعيشون آلاماً ومحناً. وهذا الإحساس نفسه ـ بأن الألم والعذاب هو المصير التراجيدي للمعشوق ـ هو سبب في زيادة آلامي ومعاناتي أيضاً. وعليه ليس من شكّ في تعرضي للألم والعذاب بهذه اللحاظات الثلاثة إن أحببت الناس فعلاً. وهذا الألم والعذاب ينشأ من الحب نفسه. وهذا هو معنى ممارسة الحب القسوة معي أنا العاشق. وبعبارة أخرى: العشق جلاّد لسلوك العاشق، الذي لا ينفك خاضعاً تحت سوط عشقه.

ويتعلّق القسم الثاني من قساوة الحب بالمعشوق نفسه؛ أي إن العاشق ـ وعلاوة على ما يتحمّله من ألم ومعاناة ـ قد يتسبب في معاناة وألم معشوقه أيضاً. فلو أن الشخص أصبح «إنساناً مثالياً» سيطلق على «رغباته» اسم «المصلحة». ولا نعني بالإنسان المثالي ما يصطلح عليه في العرفان أو الأدب بالإنسان الكامل، وإنما هو عند فلاسفة الأخلاق ذلك الإنسان الذي يمتلك جميع المعلومات اللازمة في اتخاذ القرار. فلماذا لا يرغب الطفل في تنظيف أسنانه؟ لأنه لا يمتلك المعلومات اللازمة عن فوائد ذلك ومضار تركه. أما لو فرضنا أن والده يصرّ على أن ينظّف الطفل أسنانه قبل النوم؛ فذلك لأنه على اطّلاع على كل تلك المعلومات المتعلقة بالموضوع. إذاً فالإنسان المثالي في الأخلاق هو الذي يدرك أبعاد ما يقوم به وما يتركه من الأفعال. ومن يمتلك تلك المعلومات يكون كلّ ما يرغب فيه منها هي مصلحته فعلاً؛ أي إن مصلحته هي رغبته، ومضارّه هي كل ما يكره. إلا أنّ أكثرنا نحن البشر لسنا مثاليين، وبالتالي لطالما كانت رغباتنا في جهة، ومصلحتنا في جهة أخرى.

المثال الآخر لذلك هو حين أمنع ولدي من مشاهدة التلفاز ليلة امتحانه، وآمره بملازمة حجرته؛ ليدرس ويحضّر للامتحان؛ أي سأمنعه من متابعة فيلم محبّذ لديه. فلا شك أن هذا العمل سيزعجه كثيراً؛ لأنه مخالف لرغبته الذاتية. وإذا ذهب إلى حجرته قد يشتكي أباه في نفسه، ويلومه ألف مرة. ففي هذا المثال ما الذي سوّغ لي العمل على خلاف رغبة ولدي؟ إنه وجود معلومات وأدلة أدركها أنا، وقد غابت عنه. وعليه لا مناص من أن أفترض أيضاً أنه لو علم بها في حالاته المثالية لكان قراره كقراري الذي فرضته عليه تماماً، لكنه حالياً لا يمتلك هذه المعلومات. لعل أبرز ما يمكن أن يقال في التفريق بين «الرغبات» و«المصلحة» هو أن الأولى لا تصب في مصلحة المرء دائماً، فهي المعادل الدائم للمصلحة فقط بالنسبة إلى الإنسان المثالي الذي يدرك كل ما ينتج عن عمله. وأيضاً يمكن أن يقال في التفريق بين المفردتين: إن استعمال «الرغبات» يأتي في إطار «الرغبات الآنية الزائلة»، أما «المصلحة» فهي «الرغبات طولة الأمد». وإن كنت أرجّح التعبير الأول؛ لأدلة لا مجال لبحثها هنا، لكن الثاني جيّدٌ أيضاً. هذا يعني أن لدينا رغباتٍ قصيرة الأمد ورغبات طويلة الأمد. فمثلاً: لو قرّر الطبيب قطع عضو من بدني فرغم أن قراره لا يروق لي أبداً لكنه يمثّل مصلحتي في الأمد البعيد. إذاً وكأني قد فرقت هنا بين الرغبات والمصلحة بواسطة مفاهيم «طويلة الأمد» و«قصيرة الأمد». وهنا نقول: إن الإنسان إذا أحبّ شخصاً آخر فلن يهتمّ برغباته أو مكروهاته، بل عليه أن يراعي في ذلك «مصلحته ومفسدته». ولهذا نرى الوالد منزعجاً لانشغال ابنه بالتلفاز، فيجبره على الذهاب إلى الغرفة، حتى وإن كان ذلك لا يروق للولد. لكن هذا الوالد نفسه لن ينزعج كثيراً لو رأى صبيّاً من الصبيان يفعل ذلك، رغم كونه عالماً أيضاً بتفاصيل الأمور؛ وذلك لأنّ حبّه لولده أكبر بكثير من حبّه لصبي آخر؛ وعليه سيكون تصرفه أكثر قسوة مع ابنه. ولو أن الولد سأل أباه: لماذا لم تنزعج حين سمعت بفلان قد رسب في الامتحان، ولم تصرخ في وجهه وتوبّخه، كما تفعل معي؟! فسيكون ردّ الأب: ذلك لأنني أحبّك أكثر منه.

هذا يعني أنني حين أحبّ ولدي سأقسو عليه وقساوتي هذه لا تشمل من لا أحبّه، أو من أحبه أقل من ولدي. إذاً فقساوة الحب تنبثق من حرص العاشق على مصلحة معشوقه. وبما أنه يبحث عن هذه المصلحة سيضطر لأن يقسو عليه.

 

قساوة الكراهية وأنماطها ــــــ

وهي على نوعين: أحدهما: تلك القساوة التي يكون منشؤها الكراهية ابتداءً؛ والآخر: هو القساوة التي ليست الكراهية مصدرها الأول، بل بدأت من الحب، ثم تحولت إلى الكراهية؛ بسبب الجهل بالطبيعة الإنسانية. وليس أنواع الأول ـ المنطبق على استالين وأمثاله ـ غرض بحثنا، بل نحن هنا في صدد فهم كيفية تحوّل الإنسان العاشق للآخرين من قساوة الحب ـ شيئاً فشيئاً ـ إلى قساوة الكراهية. فهذا النمط الثاني هو مورد ابتلائنا هذه الأيام. فلو فرضنا أنني أحبكم فهذا يعني أن أحرص على مصالحكم، وليس على رغباتكم، ثم حين أقسو عليكم ستجابهونني وترفضون ذلك. فمثلاً: حين أجبر ولدي على الذهاب إلى الغرفة سيقف في وجهي، ويرفض لو كانت لديه القدرة على ذلك، لكنه لو لم يُبْدِ شيئاً فذلك لعجزه فقط، غير أنه قد يلعنني في داخل نفسه، بمعنى أن الشخص المقابل سيبدي رفضه ومجابهته لي ـ سواء كانت مجابهة جسدية أو ذهنية أو نفسية ـ على الرغم من حبي له، والتفكير بمصلحته.

فإن شئت إلغاء هذا الصدام تحتم عليّ أن اتخذ أحد هذين السبيلين. وكلاهما غاية في الصعوبة والعسر. وسأتحمل أنا العاشق مشقات مضاعفة ومتاعب عديدة إن أقدمت على ذلك. فالسبيل الأول هو أن أفعّل «القدرة الاستدلالية»، أو كما يعبر (راسل) «القوة المقنعة»، لديّ، فأقدّم للمخاطب ـ المعشوق ـ براهين تقنعه بصواب عملي. إذاً هنا لابدّ لي من إعمال قدراتي المقنعة، فإن نجحت ستتّحد رغبات المعشوق مع مصلحته؛ لأنه استطاع أن يؤمن بي، لكن عملية الاستدلال تبقى أمراً صعباً للغاية. فأصعب ما يمكن أن يمرّ به الإنسان هو إقناع الجاحد بقضية ما عبر عملية البرهنة، أو تفنيده وتجريده من عقيدةٍ ما. وهذه أصعب تجربة يخوضها المرء في علاقاته الاجتماعية. من الممكن طبعاً أن يشارك هذه العملية جملة من العناصر الأخرى. لكن الصعوبة تكمن أكثر فيما إذا كنت في صدد إنجاز المهمة عن طريق القدرة الاستدلالية بمفردها. فلو استطعنا بالبرهنة إقناع شخص بأن (أ = ب)، أو سلبنا ذلك ممّن اعتقد به سلفاً، وأثبتنا له بأن (أ ب)، فإننا سنكون بذلك قد أنجزنا فتحاً كبيراً.

وتأسيساً عليه إذا أردنا دمج مصلحة المعشوق مع رغباته فعلينا أوّلاً أن نبرهن له على ذلك، الأمر الذي يتطلب ـ بلا شك ـ عناءً كبيراً ـ ومن أجل ذلك لابدّ أن يتوفّر في العاشق ـ علاوة على حماسة الحب ـ أمران: أحدهما: المعلومات الواسعة؛ والآخر: القدرة الخارقة على التفكير. لكن يمكن أن لا تتوفر هذه الضروريات في العاشق، بالرغم من صبابته وهيامه. وفقدان هذين العنصرين سيقودني إلى الفشل في إقناع المعشوق بواسطة الاستدلال، وبالتالي سيبقى هو متمسكاً بموقفه ضدّي.

أما السبيل الثاني ـ وهو صعبٌ كسابقه ـ فهو أن أغيّر في «كيان» معشوقي؛ أي أنقله إلى مرحلة يفهم فيها كلامي دون الحاجة إلى الاستدلال. يقول الشاعر: «أتسألني عن العشق؟ فكن مثلي وتحترق»، ومعناه: إنك إن لم تعشق كما عشقت أنا فلن تدرك معنى العشق، حتى وإن برهنت لك ذلك ألف مرة، أما إذا كنت عاشقاً مثلي فلن تحتاج إلى دليل أبداً. وعليه ما دمت لم تعشق بعد فلن يجدي معك الاستدلال نفعاً. فإن كنت أنا العاشق لا أجيد واحداً من هذين الأمرين ـ الاستدلال أو التغيير في الكيان ـ، وبقيت قساوتي معكم في مرحلة الحب، باحثاً عن مصلحتكم، دون أن أتمكن من إثبات مورد المصلحة عبر إحدى هاتين النافذتين، فسأبقى أقودكم بخلاف رغباتكم شمالاً وجنوباً. وهذا ليس محبَّذاً لديكم أبداً. فإن كانت لديكم القدرة والاستطاعة وقفتم في وجهي، ورفضتم قراري. فقد يكون الأطفال عاجزين عن الصدام مع الأبوين، لكن هذا المفهوم لا يصدق على شعب بأكمله. فالشعب ـ بلا شك ـ يستطيع مجابهة شخص واحد. فإذا فرضنا أنه الشخص الطامح إلى تغيير شعب ينطلق من مبدأ قساوة الحب ستتحول بدورها تدريجياً إلى قساوة الكراهية. والشعب من وجهة نظره غير قابل للترويض والامتثال المباشر. وصاحب هذا النوع من التفكير لن يلقي اللوم ـ يوماً ـ على نفسه، فهو كالذي جهل غباءه، ولم يعلم بأن الرقص مستحيل على القطّة، ولن تتعلمه أبداً. ولهذا أشرنا في مطلع البحث إلى أن قساوة الحب المصاحبة للجهل بالوقائع البشرية ستتحول إلى قساوة الكراهية. وفي هذا المثال يجهل هذا الشخص بواقع تركيبة (anatomy) القطة، وطبيعة جسمها العصيّ على الرقص، أي هو يجهل حقيقة من حقائق عالم القطط، وبالتالي سيغضب على قطته، دون الالتفات إلى كونها غير مذنبة أبداً، وأن الذنب ذنبه هو؛ كونه لا يعلم بعجز القطة عن الرقص.

هناك العديد من الشواهد التاريخية التي تروي لنا قصص الأشخاص الذين بدأوا من نقطة حب الإنسان، ولم يكترثوا برغباته، بل عكفوا على تحقيق مصالحه، لكنهم حين بلغوا حيّز التنفيذ لم يتمكنوا من إقناع المقابل بمصلحته، لا عن طريق قدرة الاستدلال، ولا عن طريق إيجاد التحوّل في الكيان والذات. وبالتالي مارسوا العنف والقسوة مع الناس. وهذه القساوة في المرحلة الحالية هي قساوة حبّ، لكن الخطاب بعد وقوع المجابهة والتصادم صار يصف هؤلاء الناس بالكائنات اللعينة، التي جئنا من أجل تحقيق صالحها، لكنها تمرّدت علينا، ومنعتنا عن ذلك. هكذا يستمر الخطاب الجديد حتى يصل إلى التشكيك في «نطفة» هؤلاء، أو «لقمتهم»؛ أي إما أن يكون خبث السريرة، أو فعل الدسيسة، أو…. وسيعتري هؤلاء الأفراد وتطرأ على قلوبهم قساوة الكراهية حين يواجهون حقيقة أن الناس ليسوا كما كانوا هم يتمنّون، بمعنى أن الحب الذي قادهم في اليوم الأول نحو القساوة تحوّل إلى دائرة الكراهية، ومنها إلى إعمال العنف والقسوة؛ أي سيسعون في إرغام الناس على السير وفق ما يرسمون لهم، الأمر الذي لابد علينا من الاهتمام به جيداً. طبعاً ليس لأننا سنكون في يوم من الأيام رؤساء في الدول، بل المسألة ترتبط أيضاً بعلاقاتنا مع الأولاد والزوجة والأصدقاء والتلميذ والأستاذ وكل من نتعامل معه خلال حياتنا اليومية. فحين أروم اصطحابك ـ حبّاً فيك ـ إلى طريقي يتعين عليّ التسلّح بهذه السبل؛ أي القدرة على الاستدلال؛ أو التغيير في الكيان والتركيبة، وإلا فإنك لن تتبعني إلا إذا كنت عاجزاً عن صدّي، وستصدّني بمجرد تمكّنك من ذلك. وهذا الصدام سيقلّل في داخلي حبّي ـ رويداً رويداً ـ ويزيد من بغضائي. وبمرور الزمن سأكون كارهاً لكلّ البشر. وهذا واقع شهده التاريخ مراراً وتكراراً. فلطالما تحوّل «المصلحون المحسنون» إلى «مستبدّين محسنين» بمرور الأيام؛ بسبب جهلهم بتفاصيل الواقع الإنساني، أو التحوّل من «مستبدّ محسن» إلى «مستبد شرير»؛ لأن كل من يلاقي مقاومة من الآخرين سيمتلئ قلبه حقداً عليهم.

لقد ذكرت في مناسبة سابقة أن هذا الموضوع مدروس في علم النفس التجريبي، فرع السايكولوجيا الاجتماعية. كما أن التاريخ أيضاً يدلّل على وجوده، أي يمكن إثباته من خلال المنهج التاريخي، أو عبر منهج العلوم التجريبي الإنسانية؛ أي عن طريق سايكولوجيا الاجتماع. ونستنتج مما مضى أن لا خيار أما الإنسان إلا أن يتسلّح بأحد هذين العنصرين، أو كليهما، إذ أراد تجنّب الصدام مع الآخرين، واستجابتهم لمصالحهم. وبعبارة أخرى: إما أن تكون له القدرة على التأثير في الآخرين، فيغيّر في كيانهم. ولهذا أشكال وأساليب مختلفة، أو أن يبقى يعوِّل على القدرات الاستدلالية والبراهين. لكن هل سينجح هكذا نوعٌ من قساوة الكراهية؟

أعود إلى مثال الابن لأتخذ نافذةً أطلّ من خلالها على القضايا الأخرى. فإن كنت فعلاً محبّاً لولدي فلا شك في أن ألاحظ دائماً مصلحته بالدرجة الأولى، وليس رغباته. لكن يبقى هناك أمران أيضاً، إذ يتوجّب عليّ ـ إن كنت صادقاً في حبّي لولدي حين أقسو عليه بداعي المصلحة ـ إحراز فرضيتين: الأولى: أن أتيقن تماماً كون عملي هذا يصبّ في مصلحته. لكن من أين جئت بهذه الفرضية؟ وخذوا بعين الاعتبار مثال تنظيف الأسنان، فلماذا أقسو على ولدي هنا؟ لأنه لا يدرك هذه المصلحة حتى سنّ العاشرة، ولابد لي من إجباره على ذلك. إذاً كيف أسمح لنفسي أن أمارس هكذا قسوة مع ابني؟ بدليل ما حصل لديّ من يقين عن طريق العلم الآفاتي التجريدي (objective)، أي العلم الحاصل عن طريق إحدى فروع الطب، الذي نصّ على أن تنظيف الأسنان ضروري للطفل. وهذا هو مطلوب مني، لا اليقين الأنفسي / الذهني (subjective)، وهو يقين ذاتي في داخل أفكاري الخاصة؛ لأن الشخص قد يؤمن في داخله بخرافة ما، ويعدّها من يقينه الذهني. وعليه لابد من اليقين التجريدي، المشتمل على الدراسات التجريدية. وبعبارة أدق: الدراسات المنهجية؛ لكي تثبت لنا وجود المصلحة فعلاً. إذاً أولى فرضياتنا تقضي بأنه ليس من الحق الاعتقاد بالمصلحة لمجرد اجتهادي الشخصي؛ بل لابدّ أن تخضع لإثباتات علمية تجريبية أيضاً، وإلا قد أجبر ابني على استعمال فرشاة الأسنان لسنوات طويلة دون أن يكون في ذلك فائدةً له، بل قد تضره أيضاً، وسأكون مخطئاً طيلة هذه المدة.

ومن هنا تكون فرضيتنا الأولى أنه يمكن القسوة على المحبوب إذا كان هناك دليل علمي يدعم الفكرة. أما الفرضية الثانية فهي أنه لي إعمال القسوة في الأمور التي لا يؤثّر فيها عنصر الرغبة في الامتثال على النتائج والمعطيات، وهو من قبيل: مثال الطفل وفرشاة الأسنان، فإن نتيجة العمل الإيجابية محرزة، سواء كان الطفل راغباً في نصيحة أبيه أم غاضباً عليه، أي سواء كان شاكراً له أم معترضاً عليه، ففي كلتا الحالتين النفسيتين يؤدي الامتثال غرضه بالكامل. بل حتى أولئك المجبرون بالقوة على تنظيف أسنانهم سيحقّقون نتائج إيجابية أيضاً. إلا أن الوظائف ليس دائماً على هذه الشاكلة. فهل نتائج الصلاة ـ مثلاً ـ ستكون بالحاصل نفسه؟ أي هل تتساوى نتائج المصلي الراغب والمرغم معاً؟ هنا ندرك أن الأمور على نمطين: أحدهما: يأتي بالنتائج، سواء كان طوعاً أم كراهية؛ والآخر: لا يحقّق هدفه إلا إذا كان عن رغبة وطواعية. وعليه ينبغي لي التنبّه إلى مسألة هامّة جداً، وهي أنه يحق لي ممارسة القسوة إذا كانت نتائج عمل الطرف المقابل محرزة، سواء كان يؤدّيه عن رغبة أم كراهية، وعن حب أم بغضاء. ومعلوم أن الأعمال ليست هكذا دائماً. فأولئك الذين تتجه قساوة حبهم نحو الكراهية ـ رويداً رويداً ـ لا يهتمون ـ بطبيعة الحال ـ بالفرضيتين السابقتين، أي إنهم يرغمون الناس على أداء بعض الأفعال، بزعم وجود المصلحة، إلا أنه لا وجود لدليل ملموس يؤكّد ذلك. ثم إنهم يرغمون الناس في موارد لا تحقّق نتائجها المطلوبة إلا إذا كانت عن رغبة، بعيداً عن الإجبار.

من هنا يتحتم على الذين يريدون الإبقاء على قساوة الحب الاهتمام بهذا الجانب، وأن يراعوا في قساوتهم على المحبوب هاتين الفرضيتين في تحصيل اليقين؛ أي يتيقنون أوّلاً: من صحة تشخيص المصلحة، ويتجنبون الوقوع في الخطأ؛ وثانياً: أن يجبروا الطرف المقابل على أمور تنتج في حالة انعدام الرغبة.

نعود مرة أخرى إلى مثال الصبي الذي منع من مشاهدة التلفاز ليلة امتحانه. فلو دققّنا فيه وجدناه أبعد حدوداً من مثال الأسنان والفرشاة؛ لأن الأخير نافعٌ حتى في حالة انعدام الرغبة والرضا. لكننا حين نحرم ابننا من التلفاز، ونرغمه على ملازمة حجرة الدراسة فإنّنا لن نحقق بالضرورة النتائج المرجوة؛ لأنه هنا سيعيش صراعاً داخلياً يفقده التركيز المطلوب في التحضير للدرس بشكل جيد. ويدنينا هذا المثال من ظاهرة النمط الثاني المتقدّم، الذي لا يحقّق النتائج على الرغم من إعمال القهر والإجبار. فلو أنني أجبرتك على إقامة الصلاة أو الصيام بالقوة، مع التسليم ـ مبدئياً ـ بتحقق الفرضية الأولى، وإحراز المصلحة بالدليل الملموس، إلا أن هذا النوع من الأفعال لا يكون مجدياً دون حصول الرغبة والرضا. وعليه لا ينبغي لنا إجبار الآخرين على أداء مثل هذه الأمور؛ لأننا إن مارسنا القسوة هنا سنكون قد أجبرنا المقابل على فعل ما لا يحب ويرغب من جهة، ولن يكون الفعل نافعاً له من جهة أخرى. فلا رغباته تحققت في الواقع، ولا مصلحته أحرزت. وهذا ما لا يراعيه أولئك الذين تتحول قساوة الحب عندهم إلى قساوة الكراهية.

إذا أردنا دمج هذين الموضوعين في نقطة واحدة قلنا: إنه لابد من تقديم الدليل الملموس على حضور المصلحة من جهة، كما لابد أن يكون هذا الدليل «منهجياً» من جهة أخرى. ووفقاً لهذين الأمرين لابدّ أن نقول: إن الدليل المنهجي في قساوة الكراهية استبدل بالدليل «الأيديولوجي». وبعبارة أخرى: ليس في قساوة الكراهية دليل يمكن إثباته بمنهج البحث (method)، أي بما أن أيديولوجيتي هي هذه إذاً فعليك التسليم بها.

 

تنافر قساوة الكراهية مع الحرية والعدالة ــــــ

نذكِّر في القسم الثالث من بحثنا بأن قساوة الكراهية بنوعيها ـ سواء التي كانت منذ البداية قساوة الكراهية أم تلك التي بدأت قساوة حبّ، ثم تحوّلت إلى كراهية ـ على تنافر دائم مع كلّ من «الحرية» و«العدالة». وبعبارة أخرى: إن لقساوة الكراهية بكلا نوعيها عواقب وخيمة للغاية، إلا أن عواقب النوع الثاني أكثر وخامة؛ لأنه قد يكون بالإمكان في النوع الأول صدّ المقابل عن ممارسة العنف، وذلك في حالة تغلبنا عليه. فمثلاً: حين يكون هتلر في السجن يبقى محافظاً على هتلريته، لكنه لا يمتلك القدرة على ممارسة العنف، وهكذا لا يقوى صدّام السجين على العنف أبداً. وعليه ثمة سبيل في ردع المقابل عن ممارسة العنف. أما بالنسبة إلى النمط الثاني من قساوة الكراهية فقد يبقى الشخص مصرّاً على رأيه حتى النهاية؛ لأن الكراهية عنده نابعة من الحب، وبالتالي لن يتخلى عن واقعه أبداً. وبعبارة أخرى: نحن في هذا النمط أمام حالة ذاتية نفسانية، ولذا من الصعب جدّاً تجريد هذا الشخص عن دواخله وذاتياته، قياساً بتجريده عن قدراته المادية الخارجية.

هنا يتضح لنا التنافر القائم بين قساوة الكراهية والحرية؛ لأن كل إنسان ـ وبطبيعة تركيبته النفسية ـ لا يحبّذ الحدّ من حرياته بلا مبرّر. فلا تحديد الحرية مقبول لدينا نحن البشر، ولا تهديدها. ولابد أن نقول ـ حسب رؤية جون ستوارث ميل وغيره ـ: إن قبولنا بالحرية هو من الدرجة الأولى، أما إذا قبلنا يوماً بتحديدها فسيكون قبولنا من الدرجة الثانية. إذاً فتركيبتنا النفسانية ذات طبيعة متحرّرة. ومن هذا المنطق فإن الشخص الذي يحاول أن يمارس معي القساوة؛ بذريعة المصلحة، ويتلاعب بمصيري كيف يشاء، هو في الواقع يحدّ من حرّيتي بفعله هذا.

ويتضح مع ذلك أيضاً التنافر بين قساوة الكراهية والعدالة؛ لأنني حين أطالب ولدي بتنظيف أسنانه فيطالبني بتعليل وسبب ملموس لذلك، ولا أقدّمه له، فقد ينبري لي قائلاً: أنا أيضاً لا أملك دليلاً على ضرورة تنظيف الأسنان. وعليه اتركا ـ أنت وأمي ـ هذا العمل إلى الأبد. أي لا يملك الأب أو الابن الدليل على مدعاهما. فما هو الدليل على ضرورة امتثال الابن لأبيه؟ ولماذا يكون الأب هو الممتثل لمقولة ابنه؟ أليست قاعدة الترجيح بلا مرجّح تتعارض مع أصل العدالة؟ فإذا كان كلامي وكلامك بلا دليل فلماذا أتبعك أو تتبعني؟

مثال آخر أكثر دقة ـــــ

إذا كان (x) و(y) بمستوى واحد من الإبستمولوجيا، بأن تكون قوة أو ضعف دليل كل واحد منها بمستوى الآخر، أو أن يكون كلاهما مفتقراً إلى الدليل من أساسه، ففي هذه الحالات الثلاث يكون اتباع أحدهما للآخر ترجيحاً بلا مرجح، أي سواء كان «x» تابعاً لـ«y» في حالة انعدام الأفضلية المعرفية لدى «y»، أو كان «y» تابعاً لـ«x» والأخير لا يملك أيّ تفوق على الأول. وتشير جميع نظريات العدالة المختلفة إلى أن الترجيح بلا مرجح ليس عدلاً أبداً. وعليه فلو قال لي أحدهم: اتبعني من أجل مصلحتك، التي تجهلها، ولا أملك دليلاً ملموساً على إثباتها، سأقول له: افعل عكس ذلك، واتبعني أنت. فإذا لم يكن ممكناً تقبّل الكلام بلا إثبات فلماذا ينبغي عليّ الانصياع بكلامك؟ وإذا كان يصح تقبّله هكذا فلم فلا تسمع كلامي وتمتثل أمري؟ إن هذا البرهان في الواقع ذو حدين «dilemma»، أي ليس بإمكان كلا الجانبين تعليله وإثباته. وعليه أرى أن الاشتراكيين، وكذا الليبراليين، غير قادرين على ممارسة قساوة الكراهية. وبعبارة أخرى: إنها تتنافى كلياً مع الأسس النظرية لكلام المذهبين. لكن الغريب أننا نرى البعض يرفض هذه الحقيقة السايكولوجية، سواء أصحاب قساوة الكراهية ابتداءً أم أولئك التي ابتدأوا بقساوة الحب ثم تحولت إلى كراهية؛ أي حين يطلب منهم الإفصاح عن المغزى، وتقديم الدليل، يرفضون الاستجابة. وإذا كنا نلاحظ أن جميع الدكتاتوريين عبر التاريخ لا يفصحون إذا تكلموا فإن ذلك ليس صدفة أبداً؛ لأن وضوح الكلام يعرّض المتكلم للنقد والاستفسار. وعليه يحاول الدكتاتور الإبهام في كلامه؛ تجنّباً للنقود اللاذعة.

 

«ثنائية» باهظة الثمن ــــــ

بما أن قساوة الكراهية تتعارض مع كلّ من العدالة والحرية، وبما أن قساوة الحب في أكثر حالاتها تستحيل إلى قساوة كراهية، إذاً علينا أن نبقى حذرين دائماً، فلا نميل إلى تقديس العنف والقسوة من جهة، ولا ننجرّ وراء استخدام العنف من أجل المقدّسات، فإنّ العملة الرائجة هذه الأيام هي ثنائية: «اللجوء إلى العنف في الدفاع عن المقدسات»، و«اللجوء إلى التقديس في تبرير العنف».

الكاتب د. مصطفى ملكيان

د. مصطفى ملكيان

مواضيع متعلقة

اترك رداً

downloadfilmterbaru.xyz bigoporn.club bok3p.site sablonpontianak.com