أبجدية العنف يين هواجس الوجود و السلطة

25 ديسمبر 2017
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
969 زيارة

أبجدية العنف يين هواجس الوجود و السلطة

إيمان شمس الدين

تخشى أمريكا من نظرية التآكل التي تعرضها للتهديد الوجودي، وهاجس الوجود خلق لديها سعي مستديم ودؤوب لتجاوز هواجسها ، وتلاقى هذا الهاجس مع هواجس السلطة لدى كثير من أنظمة المنطقة، ووظفت أمريكا هواجس السلطة للتخلص من هاجسها الوجودي، وتحالفوا تحالف السيد مع العبد، تحالف المشغل مع العمال، تحالف كانت أمريكا فيها المشغل وأغلب الأنظمة في منطقتنا العمال في مهنة وظيفية قذرة، تم فيها بيع ثروات المنطقة وشعوبها بأبخس الأثمان .

لم تكن فلسطين هي البداية في هذا الصراع، بل هي نقطة الارتكاز و جسر التمكين الوجودي نحو هيمنة كاملة على العالم، فنحن نقطن في جغرافيا غنية بالتاريخ والثروات والحكايا الدينية التي تشكل جزء أصيل في عقيدة أمريكا الانجيلية، لكن هذه الجغرافيا الفسيفسائية تكتنز أشكالا من الشعوب، بين شرق أوسط محيط بفلسطين تعود جذوره لحضارات ثقافية ومعرفية ونضالية، و شعوب تعود في بنيتها لتشكلات قبلية سواء تركيبتها السكانية كتجمعات أو تركيبتها الثقافية كمسار حياة.

الدراسة السوسيولوجية لهذا التمايز كان له أثر كبير في تمكين الوجود الأمريكي في المنطقة.

خاصة في مناطق الثروات النفطية ذات الأهمية البالغة لأمريكا سواء كمصدر للطاقة، أو مصدر للثروة، أو معابر مرور للتحكم والسيطرة.

هذا فضلا عن سهولة السيطرة على هذه المنطقة ذات الجذور القبائلية في التفكير والإدارة لكثير من أنظمتها الحاكمة، رغم تاريخ بعض المناطق منها في العلم والحضارة وصناعة ثقافة وازنة في المنطقة، إلا أن الغلبة كانت للعقلية القبائلية التي تحالفت مع اسلام بداوة رازح تحت فهم قبلي للدين.

لعل أفضل ما يمكن أن يصف حالة أغلب شعوب هذه المنطقة وخاصة الخليجية منها ما ذكره المفكر الفرنسي “اتييان دو لا بواسييه”
في كتاب: العبودية الطوعية:

“عندما يتعرض بلد ما لقمع طويل تنشأ أجيال من الناس لا تحتاج إلى الحرية و تتواءم مع الاستبداد ويظهر فيه ما يمكن أن نسميه ( المواطن المستقر )
في أيامنا هذه يعيش المواطن المستقر في عالم خاص به
و تنحصر اهتماماته في ثلاثة أشياء:
1. الدين
2. لقمة العيش
3. كرة القدم
فالدين عند المواطن المستقر لاعلاقة له بالحق والعدل
وإنما هو مجرد أداء للطقوس وإستيفاء للشكل لا ينصرف غالبا للسلوك ..
فالذين يمارسون بلا حرج الكذب والنفاق والرشوة يحسون بالذنب فقط إذا فاتتهم إحدى الصلوات ….!
وهذا المواطن لا يدافع عن دينه إلا إذا تأكد أنه لن يصيبه أذى من ذلك …!
فقد يستشيط غضبا ضد الدول التي تبيح جواز المثليين بحجة أن ذلك ضد إرادة الله …
لكنه لا يفتح فمه بكلمة مهما بلغ عدد المعتقلين في بلاده ظلما وعدد الذين ماتوا من التعذيب، ويفعل الفاحشة والفساد فى بلاده جهارآ وبعذ ذلك يحمد الله.
لقمة العيش هي الركن الثاني لحياة المواطن المستقر..
فهو لا يعبأ إطلاقا بحقوقه السياسية ويعمل فقط من أجل تربية أطفاله حتى يكبروا ، فيزوج البنات ويشغل أولاده ثم يقرأ فى الكتب المقدسة ويخدم فى بيت الله حسن الختام .
أما في كرة القدم فيجد المواطن المستقر تعويضا له عن أشياء حرم منها في حياته اليومية ..
كرة القدم تنسيه همومه وتحقق له العدالة التي فقدها..
خلال 90 دقيقة تخضع هذه اللعبة لقواعد واضحة عادلة تطبق على الجميع…
المواطن المستقر هو العائق الحقيقي أمام كل تقدم ممكن
ولن يتحقق التغيير إلا عندما يخرج هذا المواطن من عالمه الضيق .. ويتأكد أن ثمن السكوت على الإستبداد أفدح بكثير من عواقب الثورة ضده”

فمع تقادم الاستبداد تشكلت عقلية المواطن المستقر عند أغلب الشعوب، وتمت السيطرة على خياراتها واقتيادها بسهولة أكبر بدعاوى دينية تم توظيفها في كي وعي الشعوب، وبالتالي انقادت أغلب هذه الشعوب لضرورات حكامها دون خيار، هذه الضرورات كان أغلبها بيع ثرواتنا وكرامتنا لأمريكا والغرب، لتحقيق وجودهم وتمكينه في قبال تمكين سلطان هذه الأنظمة، وتغييب وجودنا وسحق معالمنا و طمس مستقبلنا تحت أنقاض الماضي.
حتى باتت الشعوب قابلة ومدافعة عن هذه الضرورات كخيارات حتمية لاستمرارها في وظيفة المواطن المستقر .
مكونات تداخلت بطريقة معقدة ووظفت هذا التحالف في بناء سلطتها، والتحالف مع حتى الشيطان لأجل وجودها في السلطة، وإدارتها لثروات الشعوب وفق إرادتها وتمكينها من الديمومة في الحكم.
إنها الخشية الوجودية من التآكل، الخشية من زوال السلطة، الخشية على الأموال والنفوذ والهيمنة والسلطة من تحكم اليوم منطقتنا، وأمام هذا الكم من الخشيات ترزح الشعوب تحت الاستبداد والقهر، والفقر والحروب واغتصاب الأرض والكرامة، بل ترزح تحت وطأة التخلف والجهل، وهيمنة البداوة كسلوك وفهم للدين والحياة والإنسان.
في أمريكا شكل الرأسمال اليهودي لوبيات استطاعت الوصول إلى أعلى موقع في السلطة، ووظفت المال حتى في صناعة القوانين، وفي الهيمنة على مؤسسات ومنظمات دولية وازنة وملزمة في قرارتها، لتصبح سلطة المال توظف السياسة والقانون في سبيل الهيمنة على العالم، والسيطرة على ممرات التجارة والطاقة والماء.
ترامب المدعوم من اللوبي الصهيوني نفذ وعده “القدس عاصمة الكيان الصهيوني” في قبال دعم اللوبي له، مخالفا القوانين الدولية، ومهددا من يصوت ضد قراره بقطع الدعم الأمريكي عنه في تحدي صارخ لمؤسسات عالمية، بل تصل الصلافة بالاحتفال بالقرار في البيت الأبيض في العيد اليهودي حانوكا وهن عيد الأنوار .

لقد شكلت اللوبيات الصهيونية قوة ضاغطة وصانعة للقرارات في سبيل هاجسها الوجودي الذي تقاطع مع الهاجس الوجودي لأمريكا، وكلا الهاجسين الطفيليين وظفا هاجس السلطة في منطقتنا لصالح تمكينهم وتحقيق نفوذ وهيمنة تكرس من وجودات كياناتهم المصطنعة.
فقد صدر قرارا دوليا من مجلس الأمن رقم 478: صدر في 29 أغسطس/آب 1980، يتضمن عدم الاعتراف بالقانون الإسرائيلي بشأن القدس، ودعوة الدول إلى سحب بعثاتها الدبلوماسية من المدينة.
أما قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة حول القدس:
181: صدر هذا القرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1947 ويعرف بـ”قانون التقسيم” حيث أقر تقسيم الأرض الفلسطينية إلى دولة عربية و دولة يهودية، مع وضع القدس وبيت لحم والأراضي المجاورة تحت وصاية دولية.
303: اعتمد هذا القرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1949 عقب حرب 1948، أولى الحروب العربية الإسرائيلية. أكد القرار أن الجمعية العامة لا تعترف بإعلان إسرائيل القدس عاصمة لإسرائيل.
2253: صدر في الرابع من يوليو/تموز1967، وفيه تأسف الجمعية العامة لقرار إسرائيل تطبيق القانون الإسرائيلي على القدس الشرقية، وترى ذلك غير شرعي.
ويأتي إعلان الرئيس الأمريكي ترامب مخالفا لكل هذه القرارات الصادرة من مجلس الأمن أو الجمعية العمومية للأمم المتحدة، وهو إن تم إقراره يضرب مصداقية هذه المؤسسات الدولية مما قد يدعو إلى فوضى دولية خارجة عن إدارة الضبط السياسي وهو ما قد يحدث تداعيات عسكرية مخلة بالأمن العالمي خاصة في منطقة الشرق الأوسط.
ففلسطين هي جسر العبور الذي يجمع الجغرافيا و حكاية التاريخ والأساطير الدينية، و هي وطن الديانات السماوية التي تعايشت عبر الزمن، وطن جمع خيرات كثيرة، خيرات السماء والأرض، بالتالي هي جغرافيا تشكل الصراع في منطقتنا، و هو الصراع الذي يبلغ اليوم ذروته في حكاية هواجس الوجود والسلطة.

تحرير فلسطين ليس فقط بالحجر والسكين والصاروخ، بل تحريرها يحتاج تحرر العقول والإرادات من كل هذه الهواجس المتحالفة ضد وجودنا كشعوب،ضد وجودنا الإنساني والقيمي، ضد مصيرنا بين الأمم.
التحرر اليوم يسعى ليكون على جبهات عدة:
داخلية: تحرر من أنظمة الفساد والتبعيات، وتحرير العقل من أغلال التخلف والجهل و الأغلال التي وضعت على عقولنا باسم الدين.
خارجية: التخلص من التبعيات الفاشلة المذلة، و توجيه خياراتنا نحو خطة شاملة للرفض والمقاومة والاكتفاء الذاتي.
المحاور اليوم باتت واضحة: محور الذي تتحالف فيه هواجس الوجود والسلطة، أمريكا والكيان الصهيوني والأنظمة العميلة العربية والإسلامية.
ومحور تتحالف فيه حركات التحرر والمقاومة والشعوب المناضلة لأجل حريتها ومستقبلها ومصيرها والدول الداعمة لخيارنا في الرفض والتحرير.

هي ليست أحلام وأمنيات صعبة التحقيق، بل كل ما تحتاجه إرادات حرة وتخلص من الوهم و التخدير الديني والسياسي والشعاراتي، والعمل في إطار الجماعة الصالحة بمعنى الجماعة التي تمتلك مقومات ذاتية وأهداف صالحة للنهضة.