أخلاق المعرفة الدينية

15 مايو 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
1٬181 زيارة

أخلاق المعرفة الدينية

ـ القسم الأوّل ـ

د. أبو القاسم فنائي(*)

ترجمة: وسيم حيدر

المقدمة

«[العاقل] هو الذي يضع الشيء مواضعه»([1]). (الإمام عليّ×).

كان كتابنا (الدين في ميزان الأخلاق)([2]) يبحث عن النسبة القائمة بين الدين والأخلاق في «مقام الثبوت»، وكان يثبت أن «الإنسانية» مقدمة على «الإسلامية». أما كتابنا الراهن (أخلاق المعرفة الدينية) فيبحث عن هذه النسبة في «مقام الإثبات»، ويثبت أن «معرفة الإنسان» مقدمة على «معرفة الإسلام»، وأن الفهم الصحيح للنصوص الدينية رهنٌ بدراسة «الوقائع المتفرقة والحالات الخاصة»([3])؛ للوصول إلى المعرفة الدينية من خلال معيار العقلانية والأخلاق.

في كتابنا (الدين في ميزان الأخلاق) عمدنا إلى إجراء مقارنة بين رؤيتين متناقضتين في باب «أخلاق التشريع» أو «آداب التقنين»، وقمنا بدراستهما، ونقدهما. وأما هنا (في أخلاق المعرفة الدينية) فسوف نعمل على إجراء مقارنة بين رؤيتين متناقضتين في باب «أخلاق الاجتهاد» أو «آداب معرفة القانون».

إن النتيجة العامة التي خرجنا منها في كتابنا (الدين في ميزان الأخلاق) هي أن الأخلاق في «مقام التشريع» تكون مستقلّةً عن الدين، ومقدّمة عليه؛ وإن إرادة إله الفقه (الله بوصفه مشرعاً) تابعةٌ لإرادة أو معرفة إله الأخلاق (الشاهد المثالي)، دون العكس؛ وإن الأحكام الشرعية تابعةٌ للقِيَم والواجبات والمحظورات الأخلاقية، وليس العكس، بمعنى أن أوامر إله الفقه في «مقام الثبوت»([4]) لا تناقض القِيَم الأخلاقية، وإن الواجبات والمحرمات الشرعية لا ترتبط بالقِيَم (الحسنات والسيئات) والأحكام (الضرورات والمحظورات) ارتباطاً استنتاجياً ـ وبذلك يكون هناك حائلٌ «منطقي» بين الأخلاق والفقه ـ، إلاّ أنها لا يمكن أن تكون غير منسجمة مع هذه القِيَم والأحكام.

نتعلَّم من أخلاق التشريع أو أدب التقنين أن «شريعة الوحي» في مقام الثبوت ذات إطار أخلاقي، وأن الأحكام الشرعية لا تنتهك الحدود المرسومة من قبل «شريعة العقل». إن الأخلاق من الناحية «الوجودية» و«الميتافيزيقية» مقدَّمة على الدين، بمعنى أنه يستحيل أن تشتمل الشريعة المقدّسة في مقام الثبوت على أحكام تناقض الأخلاق، وأن الله لا يستطيع شرعاً أن يجيز أو يبيح عملاً قبيحاً من الناحية الأخلاقية، أو أن يحرِّم أو يبيح عملاً صحيحاً وواجباً من الناحية الأخلاقية، وإنْ كان من حقِّه أخلاقياً أن يوجب أو يحرِّم ما كان في حدّ ذاته مباحاً من الناحية الأخلاقية([5]). كما لا يمكن لله أن يتجاهل أو ينقض الحقوق الطبيعية للإنسان والتكاليف المنبثقة عن هذه الحقوق، أو أن يمنح عبداً من عباده حقّ نقض هذه الحقوق؛ إذ في نقض حقوق الإنسان نقضاً للعدل. ولا فرق في ذلك بين أن يكون الناقض هو الله أو غيره. من الناحية الإيمانية يعتبر تقدُّم الأخلاق على الدين بمعنى تقدُّم حكم «إله الأخلاق» (أي الله الحكيم والعادل والرحيم) على حكم «إله الفقه» (أي الله الشارع والمالك).

سوف نتعرض إلى «أخلاق المعرفة الدينية» أو «أخلاق البحث والتفكير الفقهي» أو «أخلاق الاجتهاد». في الفصل الثاني من كتاب (الدين في ميزان الأخلاق) قمنا بتعريف «الدين» و«الأخلاق». وسوف نستعمل هاتين المفردتين طبقاً لهذا التعريف. إن مرادنا من الدين ـ في أغلب الموارد ـ هو المعنى الخاص من هذه الكلمة، أي «الشريعة»، وليس الدين بمعناه العام، الذي تشكِّل الشريعة جزءاً منه. وعليه فإنّ مرادنا من «أخلاق المعرفة الدينية» في الغالب هو «أخلاق معرفة الشريعة» أو «أخلاق الاجتهاد»، رغم أنه لا يبدو أن هناك فرقاً كبيراً بين أخلاق المعرفة الدينية بالمعنى الخاص وبين القواعد الأخلاقية لمعرفة الدين بالمعنى العام. وعلى أيّ حالٍ ربما أمكن لنا ـ من خلال إجراء بعض أعمال الجرح والتعديل ـ تسرية القواعد الأخلاقية الحاكمة على معرفة الشريعة إلى معرفة الدين بالمعنى العام للكلمة. وعلى هذا الأساس فإننا لا نحصر معرفة الدين بمعرفة الشريعة أو الفقه فقط، وإنْ كان بحثنا بشكلٍ رئيس يقوم على الأسس والقواعد الأخلاقية لمعرفة الشريعة أو المباني الأخلاقية للفقه.

ونريد من أخلاق المعرفة الدينية أو أخلاق البحث والتفكير الفقهي أو أخلاق الاجتهاد سلسلةً من القِيَم والأحكام «المعرفية» التي يجب أن تعمل على توجيه وهداية الاجتهاد أو البحث والتفكير الفقهي. أرى أن التبعية للقِيَم والأحكام المعرفية في مقام كسب المعرفة وتوجيه الاعتقاد من الوظائف الأخلاقية الملقاة على عاتقنا نحن البشر. وعليه فإن معرفة الإيمان (أي أخلاق الإيمان)([6]) هي نوعٌ من الأخلاق، بمعنى أنه يوجد بإزاء كل حكم معرفي حكمٌ أخلاقي يعكس مسؤوليتنا الأخلاقية في مقام الحصول على المعرفة وتقبُّل الإيمان، وهداية النشاط الإرادي والاختياري لأذهاننا([7]).

إن التحقيق في باب أخلاق الاجتهاد أو أخلاق البحث والتفكير الفقهي يشكِّل موضوع «معرفة الفقه»، وإن المعرفة الفقهية من أهمّ وأنفع فصول «فلسفة الفقه». وعليه فإننا سوف نتحدَّث عن معرفة الفقه، وسوف نبين الفرق بين «العقلانية الفقهية» وبين «العقلانية العرفية» أو «العقلانية المثالية».

وبعبارةٍ أخرى: إننا نبحث في الروايات المعرفية لدى الرؤيتين المتضاربتين بشأن العلاقة بين الدين والأخلاق. وإن الموضوع الرئيس لبحثنا هنا يتعلَّق بالارتباط «المنطقي» و«المعرفي» بين الدين والأخلاق. وإن التحقيق بشأن العلاقة «الوجودية» و«المفهومية» و«النفسية» و«العقلانية» للدين والأخلاق ـ كما بحثناه في كتاب (الدين في ميزان الأخلاق) ـ يشكِّل أرضيةً واضحة وثابتة لدراسة العلاقة المنطقية والمعرفية لهاتين المقولتين([8]).

إن العلاقة بين الدين والأخلاق ـ وخاصّة العلاقة بين الفقه والأخلاق ـ تُعَدّ من مسائل «فلسفة الفقه». ونعني بفلسفة الفقه ذلك العلم الذي يقوم ـ مثل «فلسفة الحقوق» ـ بمناقشة المباني والفرضيات الفقهية بـ «أسلوب فلسفي». وكما سوف نلاحظ فإن العلاقة بين الدين والأخلاق واحدةٌ من أهمّ الفرضيات الفقهية. وبطبيعة الحال فإن جزءاً من مباني علم الفقه يطرح في مختلف العلوم، من قبيل: أصول الفقه، وعلم الكلام، وعلم الرجال، وعلم الدراية. وإن العلاقة بين الدين والأخلاق من بين الموضوعات التي تمّ البحث بشأنها في علم الكلام، وفي علم أصول الفقه أيضاً، ولكنْ ما دامت هذه الأبحاث تتقدَّم بـ «الأسلوب الفلسفي» فإننا نتعاطى مع فلسفة الفقه، سواء أطلقنا عليها اسم الفلسفة أم أطلقنا عليها اسماً آخر([9]).

أذهب بقوّةٍ إلى أن النزاع بين الأصالة والتجديد في البلدان النامية في عمقه نزاعٌ بين نظامين أخلاقيين متنافسين، وقد تجلّى هذا النزاع في العالم الإسلامي على شكل نزاع بين «الفقه التقليدي» و«الأخلاق العلمانية» أو «الأخلاق الفردانية»([10]). إن البُعْد الأخلاقي يمثِّل أحد الأبعاد والأركان الهامة في الحداثة، وفي الحقيقة فإن ظهور وازدهار الحداثة إنما هو مَدينٌ للتحوُّل الحاصل في أخلاق الناس ومواقفهم في ما يتعلَّق بطبيعة وماهية الأخلاق، وكذلك مصدر المعايير والقِيَم الأخلاقية، أو بعبارةٍ أدقّ: مصدر المعايير والقِيَم بالمعنى الأعم للكلمة([11]). وعلى أيّ حال فإن المؤسسات المدنية القائمة في المجتمعات الحديثة، من قبيل: البرلمان [السلطة التشريعية]، والسلطة القضائية، ووسائل الإعلام الحُرّ، والدولة الديمقراطية والمسؤولة، وما إلى ذلك، تقوم بأجمعها على الأخلاق الحديثة وما فوق الدينية، وتتشكَّل وتُدار على أسس وقواعد هذه الأخلاق. وإن أداءها المنشود والمطلوب رهنٌ بمراعاة قواعد هذه الأخلاق.

إن الشرخ القائم بين الأصالة والتجديد في الغالب هو شرخٌ أخلاقي. وربما أمكن القول: إن التحدّي القائم بين الأصالة والتجديد، أو الاختلاف بين عالم الأصالة وعالم التجديد، يمكن بيانه في ضوء الاختلاف القائم بينهما في ما يتعلَّق بمسألة كيفية الجمع بين «حقّ الله» و«حقوق الإنسان». فلو صحّ مثل هذا البيان سيكون السبب الرئيس في عدم نجاح المؤسسات المدنية الحديثة في المجتمعات التقليدية عائداً إلى الغفلة عن هذه الحقيقة الهامّة، وهي أن هذه المؤسسات منبثقة عن صلب نظام أخلاقي خاص، وقائمة على فرضيات أخلاقية عميقة. ولذلك فإن جدوائية وفاعلية هذه المؤسسات إنما تستمرّ ما دامت تُدار من خلال أصول وقواعد هذه الأخلاق. وإن أخذ واقتباس الصورة الظاهرية لهذه المؤسسات، وتجاهل أو تشويه جوهرها وباطنها المتمثِّل بالأخلاق الحاكمة عليها، أو استبدال هذه الأخلاق بالأخلاق التقليدية، وإدارة هذه المؤسَّسات على أساس القِيَم والمعايير التقليدية، إنما ينشأ في الحقيقة عن نوعٍ من السذاجة والسطحية، وبذلك سيكون سعياً عَبَثياً ومحكوماً عليه بالفشل.

أرى أن الأخلاق الحديثة واحدةٌ من «ذاتيّات» الحداثة و«عناصرها الحتمية»، وأنها تشكِّل الجوهر الرئيس للمؤسسات المدنية الحديثة. وإن إلغاء أو تشويه هذه الأخلاق، أو إحلال أخلاق ما قبل الحداثة محلّها، سوف يحوِّل هذه المؤسسات إلى جسدٍ خالٍ من الروح والهوية، وبذلك فإن وجودها لن يساعد على حلّ أيّ مشكلة من مشاكل المجتمعات التقليدية، بل سيكون منشأ للكثير من المشاكل. وعليه بدلاً من الخوض في ثمار الحداثة يجب الخوض في جذورها. إن شجرة الحداثة تستمد غذاءها من الأخلاق الحديثة، وإن هذه الأخلاق جزءٌ من العقلانية الحديثة؛ وعليه فإن غرس هذه الشجرة في تربة الأصالة القائمة على العقلانية والأخلاق التقليدية سوف يؤدّي إلى عدم إثمارها، أو إلى الحصول منها على ثمار سامّة. وإن التوفيق بين الأصالة والتجديد، وملء الفراغ القائم بينهما، رهنٌ بحلّ النزاع المحتدم بين هذين النظامين الأخلاقيين أو هذين النوعين من العقلانية العملية. والسؤال الماثل أمامنا هو: كيف يمكن ـ بل ويجب ـ الجمع بين «حقّ الله» و«حقوق الإنسان»؟

إن الإجابة التي يقدِّمها القائلون بالأصالة الدينية ـ أي أولئك الذين يقولون بتقدُّم الدين على الأخلاق، أو الذين يحكِّمون الدين بدل الأخلاق ـ عن هذا السؤال كما يلي: إن حقّ الله «مطلقٌ»، وإن حقوق الإنسان تتفرَّع عن الإرادة التشريعية لله، بمعنى أنها تنتزع من أوامره ونواهيه، وهذا يعني أن هذه الحقوق إنما هي حقوقٌ «اعتبارية» ويتمّ التواضع عليها، وليست حقوقاً «طبيعية». إن الإرادة التشريعية لإله الفقه هي التي تحدِّد إطار ومحتوى ونوع هذه الحقوق، وكذلك رقعة إطلاقها وتقييدها. فمثلاً: طبقاً لما يذهب إليه القائلون بهذه النظرية فإن «حقّ الملكية» إنما ينتزع من حكم إله الفقه بـ «حرمة الغَصْب»، وعليه قبل صدور هذا الحكم، وبغضّ النظر عنه، لا وجود لحقٍّ اسمه الملكية.

ومن التداعيات المترتِّبة على هذا الرأي:

أوّلاً: لا بُدَّ لمعرفة حقوق الإنسان وبيان حدود هذه الحقوق من الرجوع إلى الفقه؛ لأن هذه الحقوق وحدودها من فروع ومسائل الفقه، وليست من الفرضيات الفقهية ومسائل فلسفة الفقه. وعليه يمكن الحكم بشأن هذه المسألة من خلال توظيف منهج الاستنباط السائد في الفقه، والاستناد إلى الأدلّة النقلية (الآيات والروايات)، وإصدار الفتوى بهذا الشأن.

ثانياً: لا يمكن نقد أو رفض ما يفهمه الفقهاء من النصوص الدينية المبينة للأحكام الشرعية من خلال التعويل على حقوق الإنسان. وعند التعارض بين حقوق الإنسان وحكمٍ من أحكام الشرع لا بُدَّ من تقديم الحكم الشرعي على حقّ الإنسان. وبعبارةٍ أخرى: إن من الآثار المترتِّبة على هذه الرؤية هو القول بوجود فرقٍ بين «حقوق الإنسان الإسلامية» و«حقوق الإنسان الغربية»، وهذا تعبيرٌ آخر عن القول بـ (النسبية الثقافية في ما يتعلَّق بحقوق الإنسان)([12]).

أما الإجابة التي يمكن لنا أن نقدِّمها عن هذا السؤال، بناء على نظرية تقدُّم الأخلاق على الدين، فهي أن حقّ الله وحقوق الإنسان كلَيْهما من الحقوق الطبيعية (الأخلاقية)([13])، والحقوق الطبيعية لا تنبثق عن الإرادة التشريعية لله، وليست تابعةً له، وإنما إرادة الله هي التابعة لها، ولذلك فإن مشروعية واعتبار هذه الحقوق لا تتوقف على إمضائها من قبل الشارع. وعليه لا يمكن تقييد حقوق الإنسان من خلال الأحكام الشرعية. يمكن لله أن لا يخلق الإنسان ابتداءً، ولكنْ لا يمكنه أن يخلقه ثم ينقض حقوقه، أو أن يمنح الآخرين حقَّ نقض حقوقه. إن هذه الحقوق قائمة وموجودة قبل الجعل وصدور الأحكام الشرعية، وإن وجودها لا يتوقَّف على الإرادة التشريعية لإله الفقه. ومضافاً إلى ذلك لا يمكن نقض حقٍّ طبيعي، مثل: حقوق الإنسان، بالاستناد إلى حقٍّ طبيعي آخر، مثل: حق الله.

إن بعض التداعيات المعرفية الهامّة لهذه النظرية عبارةٌ عن:

أوّلاً: إن معرفة الحقوق الطبيعية ـ سواء أكان حقّ الله أو حقّ الإنسان ـ هو شأن من شؤون العقل، دون الوحي والنقل.

ثانياً: إن حقوق الإنسان وربطها ونسبتها إلى حقّ الله إحدى مسائل «فلسفة الفقه»، وليست واحدةً من مسائل «الفقه». وإن أسلوب التحقيق في هذه المسألة هو ذاته أسلوب التحقيق في الفلسفة. وعليه لا يمكن الحكم على هذه المسألة من خلال توظيف منهج الاستنباط الفقهي.

ثالثاً: إن استنباط الفقهاء من النصوص المبينة للأحكام الشرعية إنما يكون معقولاً ومبرّراً إذا تناغم مع حقوق الإنسان؛ لأن هذه الحقوق تحدّد إطار الأحكام الشرعية في مقام الثبوت (عالم التشريع). وعلى هذا الأساس ينبغي لهذه الحقوق في مقام الإثبات أن تعمل على شكل معايير يمكن من خلالها كشف الاستنباط الباطل وغير الصحيح من النصوص الشرعية، والعمل على إبطاله. وللتعبير عن مثل هذا التأثير نستعمل عبارة: «إمكانية البطلان الأخلاقي للفتاوى الفقهية».

وبعبارةٍ أخرى: إذا كانت حقوق الإنسان جزءاً من الإطار الأخلاقي للشريعة (أخلاق التشريع) فإن جزءاً من الإطار الأخلاقي سيكون استنباطاً أخلاقياً أيضاً (أخلاق الاجتهاد).

إن الفقهاء المسلمين في مقام البحث بشأن المسائل الجديدة (المستحدثة) إنما يركِّزون على ثمار ومستوردات الحداثة، ويغفلون عن التبعات السيئة لهذه الرؤية بالمرّة، في حين أن الذي يحتاج إلى الاجتهاد في الدرجة الأولى، ويستحقّ البحث الأصولي والكلامي ـ الفلسفي، والذي يتقدَّم فيه الاجتهاد على الاجتهاد الفقهي، هو العقلانية الحديثة والأخلاق المستحدثة. من وجهة نظرنا إن أهمّ مسألة يجب حسمها هي مسألة العلاقة بين الفقه والأخلاق، أو العلاقة بين حقّ الله وحقوق الإنسان. لا شَكَّ في أن الموقف الذي يتَّخذه الفقيه في مجال هذه العلاقة سيترك تأثيراً عميقاً وملموساً في فقاهته، وفي الفتاوى التي يصدرها في ثمار ومحاصيل الحداثة، وليس ذلك إلاّ القبض والبسط العقلاني والأخلاقي للفقه. لا يمكن للفقهاء أن يكوِّنوا أو يبلوروا فهماً صحيحاً للثمار والمحاصيل الحداثوية مع تجاهل العقلانية الحديثة والأخلاق الحداثوية. ولذلك نجد الفتاوى الفقهية المطروحة في هذا الباب تفتقر إلى الإتقان والاعتبار المعرفي اللازم. ويبدو أن هذا هو السبب الرئيس في عدم جدوائية الإدارة الفقهية في أوطاننا؛ فإن هذه الإدارة تأخذ مقتضياتها من فقهٍ قائم على فهمٍ ناقص أو خاطئ لموضوع الحكم الشرعي، وتبعاً لذلك سيقدِّم استنباطاً خاطئاً للحكم الشرعي والفقهي لذلك الموضوع. إن حقّ الله وحقوق الإنسان، وحدود هذه الحقوق، وكذلك ربطها ونسبتها إلى بعضها، يُعَدّ إحدى «فرضيات» الفقه، وليس واحداً من «مسائل» الفقه. وإن موضوع بحث هذه الموضوعات هو فلسفة الفقه، وإن أسلوب التحقيق بشأنها هو أسلوب فلسفي أيضاً. وإن الفقهاء من خلال افتراض هذه الفرضيات المعيارية التي تتخطى الفقه يحصلون على إمكانية استنباط الأحكام الشرعية من فلسفة الفقه.

يمكن لنا أن نعتبر كتابَيْ (الدين في ميزان الأخلاق) و(أخلاق المعرفة الدينية) مشروعاً تمهيدياً في سياق حلّ هذا النزاع. وإذا كنتُ قد أصبتُ نجاحاً في طرح صورة المسألة، مع بيان موقعها، وأهمِّيتها، وطريقة حلِّها، سوف أعتبر مشروعي قد تكلَّل بالنجاح.

وكما ذكرتُ في كتاب (الدين في ميزان الأخلاق) فإن جوهر الأخلاق الدينية عبارةٌ عن هذا الادّعاء القائل: إن الأخلاق بنحوٍ من الأنحاء تابعةٌ للدين، إلاّ أن لهذا الادّعاء المجمل الكثير من التقريرات والقراءات، وتقام لصالحه الكثير من الأدلة. وبعبارةٍ أخرى: يمكن لنا أن نفترض الكثير من الروابط المتنوِّعة بين الدين والأخلاق. وإن الذين يدّعون قيام الأخلاق على الدين إنما يأخذون بنظر الاعتبار جميع أو أحد هذه الأنواع. وهذه الروابط والعلاقات عبارةٌ عن:

1ـ العلاقة اللغوية أو التعريفية.

2ـ العلاقة الوجودية أو الميتافيزيقية أو المعيارية.

3ـ العلاقة المنطقية والمعرفية.

4ـ العلاقة النفسية.

5ـ العلاقة العقلانية.

لقد كان كتاب (الدين في ميزان الأخلاق) يبحث في العلاقة اللغوية، والعلاقة الوجودية، والعلاقة النفسية، والعلاقة العقلانية، بين الدين والأخلاق. وهنا فإن كتاب (أخلاق المعرفة الدينية) يبحث في العلاقة المنطقية والمعرفية لهذين المفهومين.

إن تبعية الأخلاق المنطقية والمعرفية للدين عبارةٌ عن أحد الادّعاءين التاليين:

1ـ توقُّف المعرفة أو تبرير القِيَم الأخلاقية على قبول المعتقدات الكلامية ـ الإلهية.

2ـ توقُّف معرفة أو توجيه القِيَم الأخلاقية على الوحي والنقل، وتَبَعاً لذلك يكون من شؤون الفقه.

عندما كان المعتزلة يقولون: إن الحسن والقبح «عقلي» كانوا يريدون بذلك أن معرفة وتفسير الأحكام والموضوعات الأخلاقية لا يتوقَّف على «الوحي» و«النقل». ومن ناحيةٍ أخرى عندما كان الأشاعرة يقولون: إن الحسن والقبح «شرعي» كانوا يريدون بذلك أن معرفة وتفسير هذه الأحكام والموضوعات إنما يمكن من خلال الرجوع إلى الوحي والنقل.

يذهب بعضُ أنصار الأخلاق الدينية أو المدافعون عن دينية الأخلاق إلى الادعاء بأن الأخلاق من الناحية المنطقية والمعرفية مرتبطة بالدين، في حين أن أنصار الأخلاق العلمانية أو المؤمنون بعلمانية الأخلاق يدّعون أن الأخلاق من هذه الناحية مستقلّةٌ عن الدين، أو مقدَّمةٌ عليه. ونحن نسعى إلى دراسة ونقد ادّعاء هاتين الجماعتين في ما يرتبط بالعلاقة المنطقية والمعرفية بين الدين والأخلاق، وما يترتَّب على هاتين النظريتين من التبعات النظرية.

ويمكن طرح السؤال عن العلاقة المنطقية والمعرفية بين الدين والأخلاق على شكل السؤال عن العلاقة بين العقل والوحي، أو السؤال بشأن «أخلاق الاجتهاد» أو «أدب معرفة القانون» أو «أخلاق البحث والتفكير الفقهي» أيضاً. ويمكن تلخيص الآثار والانعكاسات المترتِّبة على الأخلاق العلمانية أو ما فوق الدينية والأخلاق الدينية في مجال أدبيات المقام على النحو التالي:

ـ الأخلاق العلمانية: الفتاوى الفقهية قابلةٌ للإبطال من الناحية الأخلاقية (يجب تقييم الفتاوى الفقهية بميزان الأخلاق).

ـ الأخلاق الدينية: القِيَم الأخلاقية قابلةٌ للإبطال من الناحية الفقهية (يجب قياس القِيَم الأخلاقية بميزان الفقه).

إن الرؤية الأولى تؤدّي إلى «الفقه في إطار الأخلاق»، والرؤية الثانية تؤدي إلى «الأخلاق في إطار الفقه». وكما شاهدنا في كتاب (الدين في ميزان الأخلاق) فإن الأخلاق العلمانية في مجال التشريع تقول: إن الإرادة التشريعية للإله المشرِّع، والأحكام الشرعية الناشئة عنها إنْ وجدت، مقيَّدةٌ بالضوابط والقِيَم الأخلاقية وتابعة لها، وإن هذه القِيَم تحدِّد إطار الشريعة في مقام الثبوت (عالم التشريع). ولذلك يجب على الفقهاء في مقام استنباط الأحكام الشرعية من النصوص الدينية أن يقوموا بتقييم إدراكاتهم وأفهامهم لهذه النصوص من خلال المعايير الأخلاقية، في حين أن الأخلاق الدينية إما أن تنفي تقيُّد الشريعة بالقِيَم الأخلاقية في مقام الثبوت، وتدّعي أن الشريعة في هذا المقام فاقدةٌ للإطار الأخلاقي، أو أنها تدّعي استحالة معرفة هذا الإطار من خلال العقل العرفي والعلماني (العقل المستقلّ عن الشرع والنقل).

تقول العلمانية الأخلاقية في مقام معرفة القانون: إن الفتاوى الفقهية التي تنقض الموازين الأخلاقية فاقدةٌ للاعتبار، وإن مجرّد مراعاة القِيَم الأخلاقية من قبل الله في مقام تشريع الأحكام الشرعية لا يستوجب أن يكون علم الفقه ـ الذي هو عبارةٌ عن «فهم» أو «إدراك» و«استنباط» الفقهاء من نصوص ومصادر الأحكام الشرعية ـ أيضاً من تلقاء نفسه وبنحوٍ «مسبق» منسجماً ومتناغماً مع القِيَم الأخلاقية. ولذلك فإن أدبيات معرفة القانون تقتضي بأن يقوم الفقهاء بتقييم فتاواهم على نحوٍ «لاحق» بميزان الأخلاق والقِيَم الأخلاقية. وإن مثل هذا الأمر يُعَدّ واحداً من الوظائف الأخلاقية الملقاة على عاتق الفقهاء والمجتهدين.

وبعبارةٍ أخرى: إن العلمانية الأخلاقية تقول: إن الفقهاء في مقام فهم واستنباط الأحكام الشرعية قد يخطئون، وإن من بين الأخطاء المحتملة والشائعة في هذا المقام تجاهل أن يكون الحكم المستنبط منسجماً مع الضوابط الأخلاقة أم لا؟ وعلى هذا الأساس فإن الفقهاء مسؤولون ومكلَّفون من الناحية المعرفية والأخلاقية بأن يقيّموا فتاواهم في ضوء المعايير الأخلاقية. وبطبيعة الحال فإن التقييم والنقد الأخلاقي للفتاوى الفقهية حقٌّ عامّ ومكفول للجميع، وإنه في الحقيقة نقدٌ لفهم الفقهاء للشريعة، وليس نقداً لذات الشريعة. وكما تقدَّم فإن مثل هذه الرؤية في مجال العلاقة بين الدين والأخلاق تؤدّي إلى «الفقه في إطار الأخلاق».

أما نظرية الأخلاق الدينية في مجال معرفة القانون فإنها تقول: إما أن تكون الإرادة وحكم الإله الشارع مقدَّمة على القِيَم الأخلاقية، أو لا يكون هناك طريق مستقلّ عن الوحي والنقل لمعرفة القِيَم الأخلاقية على نحو القطع واليقين. وعليه فإن الفقه هو البديل عن علم الأخلاق، بمعنى أن الإلزامات الفقهية هي ذاتها الإلزامات الأخلاقية، وإن الفقهاء غير ملزمين بتقييم فتاواهم بشكلٍ لاحق من خلال قِيَم الأخلاق العلمانية، بمعنى أن النقد الأخلاقي للفتاوى الفقهية غير ممكن على المستوى العملي، أو أنه ـ بعبارةٍ أخرى ـ (سالبة بانتفاء الموضوع). في إطار هذه النظرية لا تسقط الفتاوى غير المنسجمة مع قِيَم الأخلاق العلمانية عن الاعتبار؛ لأن هذه القِيَم تستند إلى الظنون العقلية أو التجريبية، ومن ناحية العقلانية الفقهية القائمة تعتبر الظنون العقلية والتجريبية فاقدة للاعتبار والحجّية، وفي مقام استنباط الحكم الشرعي لا يجب الاعتناء بهذه الظنون. بل الأمر على العكس من ذلك تماماً، بمعنى أن اعتبار قِيَم الأخلاق العلمانية رهنٌ بانسجامها مع الفتاوى الفقهية، ولو تعارضت هذه القِيَم مع الفتاوى الفقهية فإنها ستسقط عن الاعتبار. وكما تقدم فإن هذه الرؤية في ما يرتبط بالعلاقة بين الدين والأخلاق تؤدّي إلى «الأخلاق في إطار الفقه».

إن جوهر العلمانية في مجال العلاقة بين الدين والأخلاق هو أن «شريعة العقل» التي يحصل عليها الفرد من طريق «الحجّة الباطنية» (العقل أو الوجدان الأخلاقي) مقدَّمة على «شريعة النقل» التي يحصل عليها الفرد من طريق «الأنبياء الظاهريين» (الوحي)([14]). من وجهة نظر العلمانية الأخلاقية فإن «معرفة الإنسان» متقدِّمة على «معرفة الله» من الناحية المعرفية؛ وذلك لتقدُّم «الإنسانية» على «الديانة» و«التديُّن»؛ فإن الإنسان قبل فهمه واعتناقه للدين واتّباع أنظمته، ولمجرّد كونه إنساناً وعاقلاً، واجدٌ ومحكوم للقِيَم والواجبات التي هي من اللوازم والمقتضيات المعيارية لهويته الإنسانية والعقلانية والأخلاقية، وهي بمعنىً من المعاني منبثقة عن إنسانيته. إن «معرفة الدين»   ـ الذي هو عبارة عن فهم وتفسير الإنسان للتعاليم الدينية ـ و«التديُّن» و«السلوك الديني»  ـ الذي يعني العمل على أساس فهم وتفسير التعاليم الدينية ـ يخضعان للنقد العقلاني والأخلاقي، ويقبلان التقييم والتأييد أو الإبطال من الناحية العقلية والأخلاقية.

إن العلمانية الأخلاقية هي الرؤية القائلة: إن الأخلاق مقولة «تفوُّق الدين»، وإن القِيَم الأخلاقية؛ بحكم كونها تفوق الدين، تُعَدّ جزءاً من «منطق» فهم الدين، وجزءاً من «أخلاق التفكير والبحث الديني». وعلى هذا الأساس فإن فهم علماء الدين للنصوص الدينية إنما يكون معتبراً وقابلاً للدفاع والقبول إذا كان منسجماً مع القِيَم والمعايير الأخلاقية وما فوق الدينية والفقهية. لا يحقّ لأيّ مؤمن أن يلتزم أو يعمل بحكم غير مبرَّر من الناحية الأخلاقية، ويعتبره حكماً دينياً. فلا المفسِّر والمجتهد يحقّ له أن ينسب هذه التعاليم والأحكام إلى الدين، ولا المقلِّد يحقّ له اتّباع مثل هذه التفاسير والتعاليم. ولو أن شخصاً نسب التعاليم والأحكام المناقضة للعقل والمنافية للأخلاق (المخالفة للإنسانية) إلى الله فإنه في الحقيقة سيكون عاملاً بما يخالف مقتضى الإيمان والديانة، وإن ما يقوم به سيكون نوعاً من الابتداع في الدين. ولا أحد يعذر في اتّباع هذه التعاليم والأحكام. وإن «شريعة النقل» إنما تكون موجّهة ومبرّرة وملزمة إذا كانت منسجمة مع «شريعة العقل»، وإن قراءة وفهم الإنسان لـ «شريعة النقل» إذا لم تنسجم مع «شريعة العقل» فإنها ستسقط عن الاعتبار، دون العكس([15]).

ومن ناحيةٍ أخرى يذهب القائلون بنظرية دينية الأخلاق إلى الاعتقاد بأن الأخلاق مقولة «دينية»، وليست «ما فوق دينية»، وإن الواجبات والمحظورات الأخلاقية؛ بحكم كونها دينية، لا يمكن اعتبارها جزءاً من منطق فهم الدين أو ركناً من أركان أخلاق الاجتهاد أو أخلاق البحث الديني. إن أنصار هذه النظرية يذهبون في واقع الأمر إلى الادعاء بأن الأخلاق الدينية (الفقه) غير الأخلاق العلمانية، وإن أفهام الفقهاء للنصوص الدينية عند التعارض مع قِيَم الأخلاق العلمانية لا تسقط عن الاعتبار، ولا يُسمَح لأيّ مؤمنٍ أن يتجاهل حكماً فقهياً لمجرّد عدم انسجامه مع قِيَم الأخلاق العلمانية، أو يتخلّى عنه، بمعنى أن على المفسِّرين والمجتهدين في مقام معرفة الشريعة الحقّة أن ينسبوا هذه الأحكام إلى الله، كما يجب على المقلِّدين في مقام العمل بالشريعة أن يمتثلوا لهذه الأحكام.

طبقاً لهذه الرؤية تكون نسبة الأحكام غير المنسجمة مع قِيَم الأخلاق العلمانية إلى الله من مقتضيات التديُّن والإيمان. وإن تجاهل هذه الأحكام؛ بسبب عدم انسجامها مع قِيَم أخلاق العلمانية، يُعَدّ نوعاً من الابتداع في الدين، وهو ينبع من ضعف الإيمان والشرك والنفاق واتّباع الهوى. يذهب أتباع هذا الرأي إلى الاعتقاد بأن المؤمن في اتباع الأحكام الدينية التي لا تنسجم مع الأخلاق العلمانية معذورٌ، بل ومأجورٌ أيضاً، بمعنى أن «شريعة النقل» مبرّرة وملزمة حتّى إذا لم تنسجم مع «شريعة العقل». وإن فهم الفقهاء لـ «شريعة النقل»؛ بسبب عدم انسجامها مع العقل العلماني، لا يجعلها تسقط عن الاعتبار؛ وذلك لأن العقل العلماني والعرفي ناقصٌ ومقرون بالهوى، ولذلك يكون ظنياً. وكما هو واضحٌ فإن الرأي الأول يؤدّي إلى «الدين في إطار العقل»، أو بتعبيرٍ أفضل: إلى «النقل في إطار العقل»، والرأي الثاني يؤدّي إلى «العقل في إطار الدين»، أو بعبارةٍ أدقّ: إلى «العقل في إطار النقل».

يمكن اعتبار أخلاق المعرفة الدينية دراسة في مجال العقلانية الفقهية أو المباني العقلانية للفقه أيضاً؛ إذ تتم في هذا الكتاب المقارنة بين رؤيتين متعارضتين في مجال المباني العقلانية للفقه، والعمل على دراستها، ونقدها. إن علمانية الأخلاق تعني وجود قِيَم ومعايير تنبثق بنحوٍ من الأنحاء عن «العقل»، ويتمّ اعتبارها من قِبَل العقل التشريعي أو الكشف عنها من قِبَل العقلاء (من حيث هم عقلاء، لا من حيث هم متديِّنون أو ملحدون). ونحن نطلق على هذه المجموعة من القِيَم والمعايير عنوان «شريعة العقل». تقول العلمانية الأخلاقية: إن «شريعة العقل» (الأخلاق) مقدّمة على «شريعة النقل» (الفقه)([16]). وعلى هذا الأساس تكون العقلانية في الفقه ومعقولية الفتاوى الفقهية رهناً بانسجام هذه الفتاوى مع المعايير الأخلاقية.

ومن جهةٍ أخرى فإن دينية الأخلاق تعني أن هذه القِيَم والمعايير العقلانية وما فوق الدينية إما أن لا تكون موجودة؛ أو إذا كانت موجودة لا يمكن كشفها من خلال العقل المستقلّ عن الوحي والنقل، وإن العقل ليس لديه الكثير ممّا يقوله في مجال الأخلاق؛ أو أن الطريق الوحيد للكشف عن القِيَم الأخلاقية هو الرجوع إلى الوحي والنقل (من خلال استخدام الأسلوب السائد في الفقه التقليدي). وعلى هذا الأساس فإن عقلانية الفقه تتوقّف على انسجام الفتاوى الفقهية مع القِيَم الأخلاقية القائمة على العقل والعقلانية العلمانية.

وبعبارةٍ أخرى: يمكن اعتبار بحثنا دراسةً في الركن الخارج عن المعرفة الدينية. إن النزعة التقليدية الشائعة في باب محيطنا تقوم ـ عمداً أو سهواً ـ على حصر المعرفة الدينية بالكتاب والسنّة، دون أن يكون هناك في البين أيّ دورٍ لـ «المعرِّف»([17]) والفرضيات ما فوق الدينية المقبولة عنده. بَيْدَ أن الحقّ هو أن هذه الرؤية في حدّ ذاتها لا تعدو أن تكون فرضية ما فوق دينية مسبقة، وإن فهم وتفسير النصوص الدينية يقوم على ركنين داخليين (وهما: الكتاب؛ والسنّة)، وركنٍ خارجي (وهو الأسس والافتراضات ما فوق الدينية).

باعتقادي إن المعايير العقلانية تمثِّل أهمّ أجزاء الركن الخارجي من المعرفة الدينية؛ لأن هذه المعايير تبين لنا الارتباط القائم بين المعرفة الدينية وسائر فروع المعرفة، وكيف يمكن لنا أن نوظف المعارف غير الدينية في الوصول إلى معرفة الدين؟ وبعبارةٍ أخرى: إن المعرفة الدينية لا تستند إلى مجرّد الركن الداخلي فقط. ومن دون ضمّ الركن الخارجي من المعرفة الدينية إلى الركن الداخلي ستكون الشريعة «صامتةً» إلى الأبد([18]). وإن هذا الركن الخارجي من المعرفة الدينية هو الذي يعمل على فتح قفل «الشريعة الصامتة»، ويحوِّلها إلى «شريعة ناطقة».

إن اعتبار الشريعة صامتة لا يعني أن الشريعة ليس لديها ما تقوله، وأن النصوص الدينية خالية من المعنى، وإنما نعني بذلك مجرّد وجود الركن الخارجي للمعرفة الدينية، ومدخليّة هذا الركن في فهم وتفسير النصوص الدينية. إن للشريعة «بالقوّة» ما تقوله، بَيْدَ أن الذي خاطبه الدين والذي يفسِّر النصوص الدينية يجب أن يكونا «عاقلين»؛ كي يصل النصّ في ما يتعلَّق بخلق المعنى إلى مرحلة «الفعلية». وهذا هو المعنى الدقيق والعميق لفطرية الدين. وإن الذين ينكرون «صمت الشريعة» بهذا المعنى إنما يدَّعون في الحقيقة «صمت المخاطب» أو «عدم الاعتراف بوجود هوية للمخاطب»، بمعنى أنهم ينكرون وجود وأهمّية الركن الخارجي من المعرفة الدينية. إن فهم الدين والمعرفة الدينية إنما تتبلور من خلال التعاطي والحوار بين «الخطاب» و«المخاطب»، وإن لكلٍّ منهما حظٌّ وسهم لا يمكن تجاهله في صياغة مفهوم النصّ، وتَبَعاً لذلك في فهم المعنى والوصول إلى المعرفة الدينية.

أما أولئك الذين ينتقدون هذه النظرية فإنهم يصوِّرون ـ عمداً أو سَهْواً ـ أن المخاطب إذا كان له دَوْرٌ في البَيْن لن يكون للنصّ الديني أدنى دَوْر في خلق المعنى، ومن هنا يستنتجون أن هذا الادّعاء يستلزم التشكيك في مجال المعرفة الدينية.

والمثير للاستغراب أنه في ما يتعلَّق بالفهم التقليدي للمعرفة الدينية يتمّ الاعتراف رسمياً بسهم المخاطب في تكوين معنى النصّ وفهمه بشكلٍ غير مباشر، من دون الالتفات إلى تبعات ولوازم هذا الاعتراف. فمثلاً: يقرّ جميع الفقهاء بأن «العقل شرط في التكليف»، وهذا يعني أن «التكليف المفهوم هو الذي يشمل العقلاء فقط، أما الذين لا يمتلكون عقلاً فهم غير مكلَّفين». ولكنْ إذا تساءلنا: «لماذا كان العقل شرطاً في التكليف»؟ و«لماذا كان تحريم العمل أو وجوبه على الفاقدين للعقل قبيحاً»؟ سيكون الجواب الصحيح عن ذلك: «لأن الذين يمتلكون العقل هم وحدهم الذين يستطيعون أن يفهموا معنى التكليف»، ويكون لديهم دليلٌ يبرِّر لهم ذلك التكليف، ويدفعهم إلى إطاعته([19]). وعلى هذا الأساس فإن المعنى الصحيح والعميق لهذا الكلام القائل: «إن العقل شرط في التكليف» يعني أن المخاطب بالنصّ الديني هو «العاقل»، وإن للعقل دوراً في بلورة معنى النصّ وفهمه وإدراكه؛ لأن مخاطبة الفاقد للعقل لغوٌ وعبث. إن الشخص الفاقد للعقل لا يمتلك دليلاً للتحقيق بشأن صحة أو عدم صحة المدَّعيات الدينية، واتباع تعاليم الدين. وعليه فإن الله الحكيم لن يكون له خطابٌ يشمل العاقل وغير العاقل على السواء، بل إن خطابه سوف يتوجه إلى العاقل فقط. وإن العاقل الذي يخاطب العقلاء مضطرٌّ إلى أن يأخذ التركيبة العقلية (المعايير العقلانية) ومحتوياتهم العقلية بنظر الاعتبار؛ أو إذا كان يرى أن إدراكهم خاطئٌ وجب عليه أن يزيل هذا الخطأ من خلال بيان الأدلة المقنعة. إلا أن هذا الأمر يستلزم افتراض المعايير العقلانية المستقلّة عن الدين والخطاب الديني.

إن عقل كلّ شخصٍ لا يعدو أن يكون مجموعة من المعايير والواجبات والمحظورات العقلانية التي يحصل عليها من طريق الشهود([20])، بالإضافة إلى الذخائر العلمية والإدراكات التي يحصل عليها من سائر القنوات المعرفية. إن العقل ليس مجرد وعاء أجوف حتّى لا يكون له أيّ دور في المحتوى الذي يستقبله. وحتّى لو سلمنا بأن العقل مجرّد وعاء يمكن لنا أن ندّعي أيضاً بأن تركيبة هذا الوعاء ـ الذي هو عبارة عن مجموعة من المعايير العقلانية ـ هو الذي يحدِّد شكل وإطار ذلك، ويعيِّن محتواه، وإن المحتوى الذي لا يتّسع له هذا الوعاء لن يكون له مكان فيه. وعليه لا بُدَّ في الحدّ الأدنى من إضافة إطار العقل (أي المعايير العقلانية) إلى النصّ الديني؛ كي يتمكن هذا النصّ من النطق والإفصاح عن مراده. وبطبيعة الحال عندما ينطق النصّ فإنه سيعبِّر عن نفسه، وليس عن أهواء وأمزجة المخاطبين، وإنما سيكون ما ينطق به مطابقاً لعقله([21]).

وعليه يمكن للشريعة أن تنطق بخلاف الأهواء والميول النفسية للناس، وأن تحكم على هذا الأساس (بل إن هذا هو مقتضى فلسفتها الوجودية)، ولكنها لا تستطيع أن تنطق بما يخالف عقولهم (وهذا ما تقتضيه فلسفتها الوجودية أيضاً)، وإذا نطقت بما يخالف العقول وجب على الناس عدم القبول بما تنطق به. إن النصّ، سواء أكان دينياً أم غير ديني، لا يحمل أيّ معنى بالنسبة إلى غير العقلاء، وفي الحقيقة إذا لم نفترض وجود مخاطَبٍ عاقل فإن إطلاق النصّ عليه ينطوي على الكثير من التسامح في التعبير. وعليه فإن إنكار دور المخاطَب والعقل في بلورة المعنى والخطاب سيفضي إلى التشكيك أو امتناع واستحالة المعرفة الدينية.

نسعى هنا إلى بيان دور «المعرِّف» و«المدرك» وعنصر «التعريف» في فهم الدين، وأن يفتح ـ من خلال نقد المباني العقلانية للمعرفة الدينية الذي يشكِّل جانباً أساسياً من الركن الخارجي للمعرفة الدينية ـ طريقاً إلى التحوُّل وإصلاح المعرفة الدينية.

كما يمكن اعتبار أخلاق المعرفة الدينية رسالة في الدفاع عن الحجية والاعتبار المعرفي للظنون العقلية والتجريبية أيضاً. في اعتقادي إن أهم نقصٍ في أخلاق الاجتهاد كما هي، أو العقلانية الفقهية القائمة، وإن أهم تفاوت بين هذه الأخلاق والعقلانية، وبين أخلاق الاجتهاد كما ينبغي أن تكون والعقلانية العرفية الحاكمة على العالم الحديث، يتلخَّص في أن أخلاق الاجتهاد القائم (العقلانية الفقهية) ترى أن الظنون العقلية والتجريبية ـ سواء في دائرة الفقه أو في دائرة الأخلاق ـ فاقدة للقيمة، وساقطة عن الاعتبار، ومن هنا يتمّ في إطار هذه الأخلاق والعقلانية إلغاء «العقل الشهودي» (العقل الذي يتغذّى من الشهود) و«العقل التجربي» (العقل الذي يتغذّى من التجربة)، ولا يكون له دورٌ في مقابل «العقل المسموع» (العقل الذي يتغذى على النقل).

ولكنْ إذا تم إسقاط الظنون العقلية والتجريبية عن الاعتبار، وتعرضت للتشكيك من الناحية المعرفية، فإن الفقه في مثل هذه الحالة سيحلّ محل سائر العلوم المعيارية، من قبيل: الأخلاق، والحقوق، وفلسفة الأخلاق، وفلسفة السياسة والإدارة؛ لأن جميع هذه العلوم تستند إلى الظنون العقلية والتجربة (وهي حقيقة غير محمودة تعرضت لها الثقافة والحضارة الإسلامية). وسوف يفضي ذلك إلى قطع الارتباط بين المعارف البشرية والمعرفة الفقهية، أو إنها سوف تتنزَّل إلى أدنى مستوياتها؛ لأن أكثر المعارف البشرية هي حصيلة جمع وتفريق الظنون. ومضافاً إلى ذلك فإن المذاق والتجربة الفقهية ستفقد دورها الحيوي في استنباط الأحكام الشرعية، والأهمّ من جميع ذلك أن الحقوق الطبيعية للبشر سوف تتعرّض للانتهاك والنقض والإنكار بسهولةٍ؛ لأن هذه الحقوق تستند إلى الظنون العقلية والتجريبية، وإن الأدلة المتوفّرة لصالح هذه الحقوق لا تفيد القطع واليقين.

إن كتابنا (أخلاق المعرفة الدينية) يشتمل على سبعة فصول:

الفصل الأول: يبحث مسألة في غاية الأهمية، وهي مسألة «إحلال الفقه محل الأخلاق». حيث نسعى في هذا الفصل إلى بيان الأسباب التي أدّت إلى تعطيل العقل العملي (وتبعاً لذلك شطر من العقل النظري) في الثقافة والحضارة الإسلامية، حتى أضحى الفقه بديلاً عن «الأخلاق الاجتماعية». يشتمل هذا الفصل على دراسة نقدية تفصيلية للأدلة الكثيرة التي أقيمت لصالح الأشعرية الحديثة أو ما بعد الحديثة، وضرورة حلول الفقه محلّ الأخلاق، أو الموجودة في عمق ضمير المتشرّعين، حيث يتم نفي تبعية الأخلاق للدين على المستوى المعرفي والمنطقي، ويتم إثبات تبعية الدين للأخلاق من الناحية المنطقية والمعرفية. إن تبعية الأخلاق للدين من الناحية المنطقية والمعرفية عبارة عن أحد الادّعائين التاليين:

1ـ إن المعرفة أو التبرير المعرفي للعقائد الأخلاقية يقوم على فرضيات كلامية وإلهية.

2ـ إن الفقه بديلٌ للأخلاق.

سوف نتناول في هذا الفصل هذه الادعاءات، والأدلة التي أقيمت لصالحها بالنقد، وسوف نثبت بطلانها. ومن ثم سوف يتمّ التأكيد على دور أخلاق التفكير وأخلاق السلوك في معرفة الدين ومعرفة الشريعة.

الفصل الثاني: يتحدّث عن «الفقه وتحديات العصر الحديث». نتعرض في هذا الفصل إلى دراسة ونقد أساليب التحقيق في الفقه التقليدي؛ بسبب تجاهلها لـ «معرفة الموضوع»، وخاصة بسبب غفلتها عن الاختلاف الجوهري بين العالم الحديث والعالم القديم. كما يتمّ نقد ودراسة الحلول التقليدية في مواجهة تحديات العالم الحديث. ومن ثم نستعرض فهرستاً بأهمّ خصائص العالم الحديث من حيث تأثيرها في معرفة الأحكام الشرعية. إن هذه الخصائص هي عبارة عن: «العلمانية»، و«حلول الإرادة محلّ الحق»، و«الأخلاق المعاصرة»، و«نماذج الحوار المعاصر». ومن خلال شرح وبسط هذه الاختلافات يتمّ الادعاء بأن إخفاق الفقه التقليدي وعدم جدوائية الاجتهاد المصطلح في حلّ المسائل والمعضلات الراهنة إنما تنشأ عن تجاهل هذه الخصائص والاختلافات.

الفصل الثالث: يقارن بين «العقلانية الحديثة» و«العقلانية التقليدية»، ويصل إلى نتيجة مفادها أن عصرنة التفكير الديني رهنٌ بعصرنة العقلانية والأخلاقية التي تغذي الفكر الديني.

الفصل الرابع: يقارن بين «العقلانية الفقهية» و«العقلانية العرفية»، ويبرز الفرق والمسافة بين هذين النوعين من العقلانية. وتأتي أهمّية المقارنة بين هذين النوعين من العقلانية من أن علم الفقه ـ طبقاً لادّعاء الفقهاء من ذوي الاتجاه الأصولي ـ يقوم على تلك المباني العقلانية التي تجري على العقلاء بما هم عقلاء. إلاّ أن مباحث هذا الفصل تثبت أن الأمر ليس كذلك، وأن بين العقلانية الفقهية السائدة في الحوزات العلمية وبين العقلانية العُرْفية (ما فوق الدينية) السائدة بَوْناً شاسعاً، وإن الاختلافات بينهما فوق أن تنكر.

أما الفصول الثلاثة الأخيرة فإنها تتناول بالنقد والدراسة النظريات الحديثة التي يتمّ طرحها من أجل جدوائية الفقه التقليدي في مقام الإجابة عن الأسئلة المعيارية في العصر الراهن. إن هذه النظريات بأجمعها مستقاةٌ من آراء المفكِّرين المسلمين المعاصرين، وخاصة من خلال قراءة الدكتور عبد الكريم سروش لهذه النظرية، واقتباسها، ومن ثم شرحها وبسطها.

وعلى هذا الشكل فإن الفصل الخامس يتحدث عن «القبض والبسط النظري للفقه». نسعى في هذا الفصل في البداية إلى بيان جوهر دعوى نظرية القبض والبسط النظري للشريعة، مع شرح تداعيات ولوازم هذه النظرية في فهم الدين بالمعنى الخاص للكلمة (الشريعة)، ومن ثم نقوم بنقد هذه النظرية. إن مباحث هذا الفصل ناظرة بشكلٍ رئيس إلى آراء الدكتور سروش في مجال «أنواع المعرفة»، و«شأن وآلية فلسفة العلم»، و«المقترحات المعرفية»، و«نية المعرفة والتوجيه». ونسعى من خلال ذلك إلى بيان بعض نقاط الضعف والإبهام في هذه النظرية.

وأما عنوان الفصل السادس فهو: «بسط التجربة الفقهية النبوية»، حيث سنعمد في هذا الفصل إلى شرح نظرية الدكتور سروش في مجال بسط التجربة النبوية، ومن ثم ننتقل إلى بيان لوازم هذه النظرية في خصوص فهم الشريعة، ونقوم بشرحها وبسطها بشكلٍ كاف. يقدّم هذا الفصل من حيث المجموع قراءةً أخرى عن هذه النظرية، تختلف اختلافاً جذرياً عن قراءة الدكتور سروش.

الفصل السابع: يبحث في التفكيك بين «الذاتيات» و«العرضيات» في الشريعة، أو التفكيك بين «الظرف» و«المظروف»، أو التفكيك بين «الدين التاريخي» و«الدين ما فوق التاريخي»، ويحتجّ لضرورة الترجمة الثقافية للنصوص الدينية. وفي هذا الفصل يتم نقد أحد أهمّ مباني الفقه التقليدي في باب ماهية الاجتهاد، وطريقة تفسير النصوص الدينية. وبعد ذلك نقترح بدلاً منه أسلوباً جديداً لتفسير هذه النصوص. نعتقد أن الأسلوب التقليدي في تفسير النصوص الدينية إنما يناسب فهم ذلك الجانب من النصوص الدينية التي تبين الدين «المطلق» و«ما فوق التاريخي». إلاّ أن هذا الأسلوب لا يناسب فهم ذلك الجانب من النصوص الدينية التي تبين الدين «التاريخي» و«المطبق» على الأوضاع والشرائط الخاصة أبداً؛ وذلك لأنه يؤدّي إلى فهمٍ خاطئ وغير صحيح للنصوص الدينية. وعليه لا بُدَّ لفهم هذا الجانب من النصوص الدينية بشكلٍ صحيح من توظيف أسلوبٍ ومنهج آخر. وهذا المنهج والأسلوب عبارةٌ عن الترجمة الثقافية. طبقاً لهذا الأسلوب يجب على المفسِّرين أن يجتهدوا قبل كلّ شيءٍ من أجل إخراج المضمون والمحتوى الديني لهذا الجانب من النصوص الدينية من ظرفه، الذي هو عبارة عن ثقافة عصر النزول، وصبّه بعد ذلك في ظرف الثقافة المعاصرة. ومضافاً إلى ذلك فإن هذا الفصل يقدّم اثني عشر معياراً مختلفاً للتفكيك بين الذاتيات والعرضيات أو التفكيك بين الظرف والمظروف في مجال الفقه.

الفصل الأول: إحلال الفقه محلّ الأخلاق

«لا يغشّ العقل مَنْ استنصحه»([22]). (الإمام عليّ×).

1ـ المدخل

نبحث هنا بشكلٍ رئيس في نقد تلك الرواية عن دينية الأخلاق، والتي تجعل من «الفقه» بديلاً عن «الأخلاق الاجتماعية». إن الأسئلة المحورية في هذا الفصل عبارةٌ عن:

1ـ هل المعرفة تعمل على توجيه القضايا الأخلاقية من الناحية المنطقية والمعرفية القائمة على المعرفة، أو توجيه (بعض) القضايا الإلهية أو القضايا الفقهية؟

2ـ هل المعرفة تعمل على توجيه (بعض) القضايا الإلهية أو القضايا الفقهية من الناحية المنطقية والمعرفية القائمة على المعرفة أو توجيه القضايا الأخلاقية؟

3ـ هل المعرفة تعمل على توجيه القضايا الإلهية والفقهية للمعرفة أو هي تعمل على توجيه القضايا الأخلاقية من الناحية المنطقية والمعرفية، المستقلّة عن بعضها؟

إن الفرضية التي أثبتناها في كتاب (الدين في ميزان الأخلاق) بشأن أخلاق التشريع هي تقدُّم حكم إله الأخلاق على حكم إله الفقه، وتقدم القِيَم الأخلاقية على إرادة الشارع وأمره ونهيه المولوي. فلو اقتنعنا بهذه النتيجة وجب علينا قَهْراً الاعتراف بتبعية «علم الفقه» المنطقية والمعرفية إلى «علم الأخلاق»، والإقرار بأن حجية واعتبار الفتاوى الفقهية رهنٌ بعدم مخالفتها للقِيَم الأخلاقية، بمعنى أن هذه الفرضية المذكورة في باب «ميتافيزيقا الفقه» أو «أخلاق التشريع» تشتمل على نتيجة هامة وحاسمة في باب «معرفة الفقه» أو «أخلاق البحث الفقهي»، وتلك النتيجة هي: «إمكان إبطال الفتاوى الفقهية من الناحية الأخلاقية».

إن الاقتناع بهذه الفرضية يؤدّي بقِيَم ومعايير أخلاق السلوك أن تكتسب منزلةً ومكانة معرفية في مجال الفقه، ويتمّ الاعتراف بها رسمياً بوصفها جزءاً من قِيَم ومعايير أخلاق الفكر والبحث الفقهي، أي بوصفها ركناً من أركان منهج الاستنباط في الفقه.

إلاّ أن هناك الكثير من الذين يقتنعون بهذه الفرضية، دون الالتزام بهذه النتيجة، فهؤلاء يقولون: بسبب وجود المعضلات والمشاكل المعرفية الماثلة أمام «إدراك» و«معرفة» القِيَم الأخلاقية الموجودة لا يغدو من الممكن اكتشاف وتوجيه القِيَم الأخلاقية من طريق العقل المستقلّ عن النقل والشرع. وعليه يكون إبطال ونقد الفتاوى الفقهية من الناحية الأخلاقية سالبةً بانتفاء الموضوع. إن هذه الرؤية ـ التي تأخذ بنظر الاعتبار نوعاً من التشكيك المعرفي في مجال الأخلاق ـ تؤمن بأن الحُسْن والقُبْح الأخلاقي أوصاف «ذاتية» و«عينية»، وأن القِيَم الأخلاقية مستقلّة عن إرادة الإله الشارع، بل ومتقدّمة عليها، ولكنّها تؤكِّد على قصور ونقصان العقل والقوى الإدراكية لدى الإنسان في مقام الإدراك والمعرفة أو توجيه القِيَم والمعايير الأخلاقية، وبالتالي فإنها تؤدّي إلى «إحلال علم الفقه محلّ علم الأخلاق»([23]).

وبعبارةٍ أخرى: إن هذه النظرية تمزج بين رؤية المعتزلة في باب «علم وجود الأخلاق»([24]) وبين رؤية الأشاعرة في باب «علم معرفة الأخلاق»([25])، ولكنْ حيث إن نتيجة هذا المزج تنتهي لصالح الأشعرية على المستوى العملي يمكن لنا تسمية أتباع هذه الرؤية بالأشاعرة الحداثويين أو ما بعد الحداثويين.

إن إحلال الفقه محلّ الأخلاق قائمٌ على إحلال «إله الفقه» محلّ «إله الأخلاق»، إلاّ أن هذا الإحلال يمكن أن يكون «ميتافيزيقياً»([26])؛ ويمكن أن يكون «معرفياً»([27]). أن الأشاعرة التقليديين كانوا يحلون إله الفقه في «ميتافيزيقا الأخلاق» محلّ إله الأخلاق، في حين أن الأشاعرة الحداثويين أو ما بعد الحداثويين يحلّون ذلك الإله في «علم معرفة الأخلاق» محلّ هذا الإله؛ إذ كانوا يقولون: «إن الإرادة الجزافية لإله الفقه مصدر للقِيَم والإلزامات الأخلاقية»، إلاّ أن هؤلاء يقولون: «إن كلام إله الفقه مصدر المعرفة والتوجيه الأخلاقي». ولمعرفة القِيَم والإلزامات الأخلاقية يجب الرجوع إلى النصوص المبينة لحكم إله الفقه، ولا يمكن الرجوع إلى إله الأخلاق ومعرفة حكمه من طريق العقل العرفي والعلماني أو العقل المستقلّ عن الشرع، إلاّ في ما يتعلَّق ببعض القِيَم الأخلاقية العامة المبينة لحقّ الطاعة الثابت لله، والذي يدعونا إلى طاعة إله الفقه، والتي تُعِدّ لنا الفرضيات اللازمة التي تبرّر التوجيه العقلاني والأخلاقي لإطاعة إله الفقه.

إن الأشاعرة التقليديين لم يعترفوا بوجود إله الأخلاق، بمعنى أنهم كانوا يقولون: «إن إله الأخلاق هو ذاته إله الفقه»؛ أما الأشاعرة الحداثويين أو ما بعد الحداثويين فيعترفون بوجود إله الأخلاق، وفي الوقت نفسه يدّعون أننا لا نستطيع الوصول إلى حكم هذا الإله بشكلٍ مباشر ومن طريق العقل المستقلّ عن الشرع والنقل. في إطار هذه النظرية يكون الطريق الممكن الوحيد للوصول إلى معرفة حكم إله الأخلاق من خلال الرجوع إلى إله الفقه، وإن حكم إله الفقه لا يمكن التعرُّف عليه إلاّ من طريق الوحي والنقل، عبر توظيف المنهج السائد في الفقه التقليدي.

2ـ تبعية الأخلاق المنطقية والمعرفية للدين

إن تبعية الأخلاق المنطقية والمعرفية للدين تُعَدّ من بعض الزوايا من أهمّ أنواع تبعية الأخلاق للدين. ويمكن تبويب هذه التبعية من خلال صيغتين مختلفتين، وهما: «التبعية المعرفية»؛ و«التبعية التوجيهية».

إن تبعية الأخلاق المعرفية للدين هي باختصارٍ إحدى الرؤيتين التاليتين:

1ـ إن معرفة القضايا والأحكام الأخلاقية رهنٌ بمعرفة القضايا الإلهية (علم الأخلاق القائم على علم الكلام، وبعض فرضيات علم الأخلاق المنتزعة من علم الكلام).

2ـ إن معرفة القضايا والأحكام الأخلاقية رهنٌ بمعرفة الأحكام الفقهية، أي إنها رهنٌ بمعرفة الإرادة التشريعية والأمر والنهي المولوي للإله الشارع (علم الأخلاق القائم على علم الفقه، أو بعبارةٍ أدقّ: علم الفقه بديل عن علم الأخلاق).

إن تبعية الأخلاق المعرفية للدين ـ باختصارٍ ـ هي إحدى الرؤيتين التاليتين:

1ـ إن المتبنَّيات الأخلاقية ترى أن اعتبارها رهنٌ بالعقائد أو الفرضيات الإلهية.

2ـ إن اعتبار المتبنيات الأخلاقية رهنٌ بانسجامها أو عدم مخالفتها للأحكام الشرعية والفتاوى الفقهية.

إن تبعية الأحكام والقضايا الأخلاقية ـ على المستوى المعرفي ـ للقضايا الإلهية تقوم على الفرضيات الثلاثة التالية:

1ـ إن المتبنيات الأخلاقية ليست «بديهية»([28]) أو «أساسية»([29])، أي إنها في حدّ ذاتها غير معتبرة، وإن اعتبارها إنما يكون «استنتاجياً»([30]).

2ـ إن المتبنيات الأخلاقية إنما تحصل على اعتبارها الاستنتاجي من العقائد الإلهية، وليس من أيّ مصدرٍ آخر.

3ـ إن المتبنيات الإلهية من الناحية المعرفية مقدَّمة على المتبنيات الأخلاقية، بمعنى أنها قابلةٌ للاعتبار، بغضّ النظر عن المتبنيات الأخلاقية، كما أنها تحظى باعتبارٍ أقوى بالمقارنة مع المتبنيات الأخلاقية.

4ـ وعليه فإن التعرُّف على الأحكام والقضايا الأخلاقية رهنٌ بالتعرُّف على القضايا الإلهية (علم الأخلاق تابع لعلم الكلام).

إن إحلال الفقه محلّ الأخلاق يقوم على الفرضيات الأربعة التالية:

1ـ إن المتبنيات الأخلاقية الظنية (العقلية) غير معتبرة، (وإن هذه المتبنيات إنما تكون معتبرة إذا كانت «قطعية» و«يقينية»).

2ـ إن المتبنيات الفقهية الظنية (النقلية المستندة إلى ظهور الكلام وخبر الواحد) معتبرة.

3ـ عند التعارض بين المتبنيات الأخلاقية الظنية العقلية والمتبنيات الفقهية الظنية النقلية يكون التقدُّم للمتبنيات الفقهية دائماً([31]).

4ـ وعليه يكون «الفقه» بديلاً عن «الأخلاق»([32]).

إن أنصار هذه النظرية يستنتجون من بحثهم أن سرّ حاجة الإنسان إلى الوحي والنقل في مجال الأخلاق والسلوك يكمن في أن العقل البشري لا يستطيع التعرُّف إلى الأحكام الأخلاقية بشكلٍ صحيح، أو الحكم عليها بشكلٍ معتبر، إلا في بعض الموارد النادرة والقليلة جدّاً، وإن جعل الأحكام الشرعية من قبل الله إنما يأتي ـ في الحقيقة ـ لملء هذا الفراغ. إن علم الفقه ـ من وجهة نظر هؤلاء ـ يعمل على تلبية حاجة الناس إلى علم الأخلاق، ويغدو بديلاً عنه، وإن العمل على طبق فتاوى الفقهاء يغني الناس عن الرجوع إلى العقل ومعرفة القِيَم والمعايير الأخلاقية من غير طريق الوحي والنقل.

وقبل الخوض في دراسة ونقد هذه النظريات يجب علينا الالتفات إلى بعض المسائل التمهيدية:

المسألة الأولى: تعريف التبرير

إن المراد من التبرير والاعتبار([33]) هنا خصوص التبرير «النظري» أو «المعرفي». إن التبرير النظري أو المعرفي يتعاطى مع «صدق» و«كذب» القضايا والمتبنيات، ويُعَدّ ـ طبقاً للتعريف التقليدي للمعرفة([34]) ـ واحداً من الشروط الضرورية للمعرفة. كما يتمّ تقسيم التبرير من ناحيةٍ إلى: «تبرير نظري»([35])؛ و«تبرير عملي»([36]). وإن التبرير النظري ينتزع من خصيصة أو مجموعة من الخصائص لمتبنّى أو قضية، حيث تدلّ على «صدق» ذلك المتبنّى أو تلك القضية، وتعمل على تعزيز «احتمال صدق» ذلك المتبنّى أو تلك القضية([37]). ويمكن لهذه الخصائص أن تكون:

1ـ موجودة في ذات ذلك المتبنّى أو القضية.

2ـ أو أن تنتزع من علاقة ذلك المتبنّى وتلك القضية بسائر المتبنّيات والقضايا الأخرى.

3ـ أو أن تنتزع من شخص المتبنّي (المعرِّف).

4ـ أو أن تنتزع من طريق الحصول أو الوصول إلى ذلك المتبنّى أو القضية.

هناك اختلاف بين علماء المعرفة في تحديد هذه الخصائص. ويمكن تسمية هذه الخصائص بالخصائص «الموجّهة» أو «المبرّرة»، وإن نظريات التبرير المختلفة في علم المعرفة إنما تأتي في الحقيقة لتبرير هذه الخصائص([38]).

المسألة الثانية: العلاقة بين التبرير والعقلانية

هناك ارتباطٌ وثيق بين التبرير النظري وبين العقل والعقلانية «النظرية»، وفي الحقيقة إن التبرير النظري يُعَدّ واحداً من المقتضيات الرئيسة للعقل والعقلانية النظرية، وإنْ أمكن اعتبار هذا التبرير من مقتضيات العقل والعقلانية العملية أيضاً. وعلى أيّ حال فإن العقلانية تريد منا أن نمتلك تبريراً مناسباً لاعتقادنا بأمرٍ أو قضية ما. وإذا كان هذا التبرير عبارة عن خصوصية تعمل على تقوية وتعزيز احتمال صدق المتبنّى أو القضية مورد البحث فهو تبرير نظري. وعليه يمكن اعتبار تبعية الأخلاق المعرفية والمنطقية للدين نوعاً خاصاً من التبعية العقلانية بينهما.

المسألة الثالثة: النسبة بين التبرير المعرفي والتبرير المنطقي

إن التبرير النظري والمعرفي أعمّ من التبرير المنطقي أو الاستدلالي بالمعنى الخاص للكلمة.

فأوّلاً: يذهب الكثير من علماء المعرفة إلى الاعتقاد بأن التبرير المنطقي والاستدلالي رهنٌ بالتبرير غير المنطقي وغير الاستدلالي، بمعنى أن العلاقات المنطقية القائمة بين المتبنّيات أو القضايا تكون مجرّد سبب لانتقال التبرير من المتبنّى المبرّر أو القضية المبرّرة (المقدمة أو المقدمات) إلى متبنّى أو قضية أخرى (النتيجة)، ولذلك لا يشكّل الاستدلال مصدراً «أصيلاً» و«أولياً» في عملية التبرير.

ومن وجهة نظر هؤلاء تنقسم المتبنيات والقضايا إلى قسمين:

1ـ القضايا والمتبنّيات البديهية والأساسية.

2ـ القضايا والمتبنّيات النظرية وغير الأساسية.

وإن القسم الثاني هو الذي يحتاج إلى التبرير المنطقي والاستدلالي، بمعنى أن أنواع الارتباط المنطقي بين البديهيات والنظريات تؤدّي إلى انتقال التبرير من البديهيات إلى النظريات. إلاّ أن تبرير البديهيات هو تبريرٌ غير منطقي أو ما فوق المنطقي، بمعنى أنه تبرير لا يقوم على العلاقات المنطقية، ولا يحصل من طريق الاستدلال والاستنتاج، (إن المنطق يبين القوانين الحاكمة على الاستدلال والاستنتاج).

وثانياً: إن العلاقات المنطقية القائمة بين المتبنّيات والقضايا إنما تمثِّل واحدة من أنواع العلاقات الأخرى القائمة بينهما؛ فهناك أنواع أخرى من العلاقات القائمة بين تلك المتبنّيات والقضايا، والتي تحظى بأهمِّية كبيرة لدى علماء المعرفة؛ لأنها تلعب دوراً في رفع احتمال صدق القضايا والمتبنيات. وعلى هذا الأساس فإن التبرير المنطقي أخصّ من التبرير المعرفي من جهتين، ومن هنا تكون تبعية الأخلاق المنطقية للدين أخصّ من تبعية الأخلاق المعرفية للدين.

وفي ما يلي نعود إلى أصل البحث، فنقول: إن الأسئلة التي نسعى إلى الإجابة عنها هي:

1ـ هل تستند الأخلاق إلى الدين من الناحية المنطقية والمعرفية؟

2ـ هل المتبنّيات الأخلاقية مدينة في تبريرها إلى المتبنّيات الإلهية؟

3ـ هل علم الفقه بديلٌ عن علم الأخلاق؟

4ـ وأخيراً، هل العمل بالأحكام الفقهية يغني المؤمنين عن المعرفة والعمل بالقِيَم الأخلاقية، ويرفع المسؤولية الأخلاقية عن كواهلهم؟

يجب هنا التفكيك بين ادّعاءين مختلفين: الادّعاء الأوّل عبارةٌ عن «تبعية علم الأخلاق لعلم الكلام والإلهيات»؛ والادّعاء الثاني عبارةٌ عن «إحلال علم الفقه محل علم الأخلاق». فإن هذين الادعاءين في الحقيقة نظريتان مختلفتان في مجال دينية الأخلاق، أو قراءتان مختلفتان للأخلاق الدينية، إلاّ أن أهمِّيتهما وارتباطهما المباشر بأخلاق البحث الفقهي قد اقتضيا فصلهما عن سائر النظريات التي عمدنا إلى مناقشتها وبحثها في كتاب (الدين في ميزان الأخلاق)، وأن نفتح لهما فصلاً مستقلاًّ في هذا الكتاب.

لو كان علم الأخلاق ـ من الناحية المنطقية والمعرفية ـ تابعاً لعلم الكلام فإن هذه التبعية ستكون في «حدِّها الأقلّ»، في حين أنه لو كان ـ من هذه الناحية ـ تابعاً لعلم الفقه فإن هذه التبعية ستكون في «حدِّها الأعلى»؛ لأن القائلين بتبعية علم الأخلاق لعلم الكلام قد يقولون بإمكان معرفة وتبرير المتبنّيات الأخلاقية من طريق العقل والوجدان البشري، مع مجرّد الادعاء بأن التبرير العقلاني للمتبنّيات الأخلاقية رهنٌ بالإيمان ببعض المقدمات الإلهية. وأما من وجهة نظر هذه الجماعة يمكن لشيء باسم الفقه أن لا يكون موجوداً، أو أن لا يكون بديلاً عن الأخلاق إنْ وُجد، ولذلك فإن المعايير الأخلاقية المقبولة لدى هؤلاء الأفراد قد لا تختلف كثيراً ـ من الناحية العملية ـ عن المعايير الأخلاقية العلمانية. وعلى هذا الأساس فإن اختلاف هذه القراءات عن الأخلاق الدينية والأخلاق العلمانية يكمن بشكلٍ أكبر في المباني التي تفوق الأخلاق وفرضيات المعرفة وتبرير المتبنّيات الأخلاقية، وليس في مضمون أو محتوى المتبنّيات الأخلاقية.

وأما أولئك الذين يُحِلُّون علم الفقه محلّ علم الأخلاق فلديهم ادّعاء أكبر من ذلك؛ حيث يدّعون أن العقل المستقلّ عن الشرع والوجدان الأخلاقي للبشر غير قادر على إدراك ومعرفة القِيَم الأخلاقية (بشكلٍ صحيح)، وإن حاجة البشر إلى الهداية في مقام العمل تنحصر بالرجوع إلى علم الفقه. وسوف نواصل الحديث عن هذه الآراء تحت عنوانين مترادفين، وهما: «تبعية علم الأخلاق لعلم الكلام»؛ و«إحلال الفقه محلّ أخلاق».

أـ تبعية علم الأخلاق لعلم الكلام / الإلهيات

يذهب أنصار تبعية علم الأخلاق لعلم الكلام إلى القول: إن معرفة المتبنّيات الأخلاقية أو التبرير المعرفي للمتبنّيات الأخلاقية يتوقَّف على القبول ببعض الفرضيات الإلهية. ويمكن تصوير هذه النظرية في قالب الأصول التالية:

1ـ إن المتبنّيات الأخلاقية «نظرية»، وليست «بديهية»، وإن هذه المتبنّيات في حدِّ ذاتها مجهولة وغير مبرّرة.

2ـ إن المتبنّيات الكلامية([39]) من الناحية المعرفية تتقدَّم على المتبنّيات الأخلاقية، بمعنى أنها بغضّ النظر عن المتبنّيات الأخلاقية قابلةٌ للتعريف والتبرير، وإن التبريرات المتوفِّرة لدينا بشأنها أقوى.

3ـ إن المتبنّيات الأخلاقية إنما يمكن التعرُّف عليها وتبريرها من خلال استنتاجها من المتبنّيات الإلهية.

4ـ وعليه فإن معرفة وتبرير الأحكام والقضايا الأخلاقية يتوقَّف على معرفة وتبرير القضايا الإلهية (أي إن «علم الأخلاق» تابعٌ لـ «علم الكلام»، وقائم عليه).

ولكنْ لا يمكن الدفاع عن أيٍّ من هذه المقدّمات. وفي الحقيقة يمكن القول: إن هذه النظرية تقوم على فرضيات غير ثابتة وغير مبررة في مجال المنزلة المنطقية والمعرفية للمتبنّيات الأخلاقية والمتبنّيات الكلامية.

وأوّل إشكال يَرِدُ على هذه النظرية هو أنها تفترض «الأصولية التقليدية» في مجال المعرفة والتبرير المعرفي. وإن الأصولية التقليدية نظريةٌ في صيغة التبرير والمعرفة، والتي على أساسها:

1ـ تنقسم المتبنّيات والقضايا إلى قسمين: متبنّيات وقضايا «ثابتة» أو «بديهية»؛ ومتبنّيات وقضايا «متغيِّرة» أو «نظرية».

2ـ إنها تعتبر التبرير المعرفي مساراً «خطياً» أو «ذا اتجاه واحد».

وإن أهمّ نقاط ضعف الأصولية التقليدية عبارة عن:

1ـ الجزمية، ونفي انسيابية البديهيات والنظريات، ونفي إمكانية تحوُّل المتبنّيات والقضايا البديهية والنظرية، ونفي إمكان إعادة النظر في المتبنّيات والقضايا البديهية والثابتة.

2ـ اعتبار التبرير «في بادئ النظر» و«الوهلة الأولى»([40])، والمتبنّيات والقضايا الأساسية، والتبرير «النهائي»([41]) لتلك القضايا والمتبنّيات، شيئاً واحداً.

3ـ تجاهل الأنواع الأخرى للتبرير المعرفي.

يتّفق الأصوليون المعتدلون والمتناغمون منهم على نقد ادّعاءات الأصولية التقليدية. ومن خلال تبني واحدة من هاتين النظريتين يمكن القول:

أوّلاً: إن المتبنّيات والأحكام الأخلاقية تكتسب تبريرها الابتدائي من التجربة والشهود الأخلاقي، وهي في هذه الحالة ليست تابعة لأيّ متبنّى أو قضية أخرى (سواء أكانت إلهية أم غير إلهية).

وثانياً: رغم توقُّف التبرير النهائي لهذه المتبنّيات والقضايا على انسجامها مع سائر المتبنّيات المقبولة لدى الشخص (ومن بينها متبنّياته الإلهية)، إلاّ أن هذا التبرير «متقابل» و«ذو حدين»، وليس «خطياً» و«أحادي الاتجاه»، ولذلك فإن تبعية علم الأخلاق لعلم الكلام بنفس مقدار تبعية علم الكلام لعلم الأخلاق، إذا لم نقُلْ: إن تبعية علم الكلام لعلم الأخلاق أشدّ.

وحيث إن هذه التبعية متبادلة، وذات حدَّيْن وطرفين، فإن العمل على التوفيق بين المتبنّيات الأخلاقية والمتبنّيات الكلامية لا يتمّ من خلال إصلاح المتبنّيات الأخلاقية فحَسْب، وإنما هو رهنٌ بقوّة ومكانة هاتين الطائفتين من المتبنّيات على المستوى المعرفي. بَيْدَ أن قوة ومكانة المتبنّيات الكلامية والأخلاقية على المستوى المعرفي غير معلومة مسبقاً، وإنما يمكن الحصول عليها من خلال المقارنة. وعليه يمكن القول: ربما اقتضت منا المسؤولية العقلانية والمعرفية أن نتصرَّف في الثاني، دون الأوّل، من أجل رفع التهافت والتنافي القائم بين المتبنّيات الأخلاقية والمتبنّيات الكلامية([42]).

ثالثاً: لنفترض أننا قبلنا بالأصولية التقليدية بوصفها بياناً صحيحاً لبنية المعرفة والتبرير، في مثل هذه الحالة سنكون بحاجةٍ إلى دليل لتعيين المكانة المعرفية لمجموعة خاصة من المتبنّيات (من قبيل: المتبنّيات الأخلاقية، على سبيل المثال). إن القول بأن المتبنّيات الأخلاقية في حدّ ذاتها مشكوكة وغير مبرّرة نظرياً، والقول بأن المتبنّيات الكلامية متقدّمة على المتبنّيات الأخلاقية من الناحية المعرفية، هما في حدّ ذاتهما غير بديهيتين، ويحتاج كلٌّ منهما إلى دليل.

وفي ما يلي ندخل في دراسة مقدّمات هذا الاستدلال بالتفصيل.

أما المقدّمة الأولى فهي: يذهب الشهوديون الأخلاقيون إلى القول بأن بعض المتبنّيات الأخلاقية «بديهية»، بمعنى أنها مبرّرة من تلقاء نفسها، وبغضّ النظر عن ارتباطها بسائر المتبنّيات، وأنها ليست مدينة في ذلك للمتبنّيات الأخرى (الأعمّ من المتبنّيات الدينية والعلمية والفلسفية وغيرها). وهذا التبرير بطبيعة الحال إنما يكون في بادئ النظر، ولذلك فإنه قابلٌ للتقوية والتضعيف، ولكنْ في حال غياب العناصر المضعفة يكون هذا المقدار من التبرير كافياً للقول بالمتبنّيات الأخلاقية، والعمل على أساسها.

وأما المقدمة الثانية: يبدو أن الصحيح هو عكس هذا الادّعاء، بمعنى أن المتبنّيات الأخلاقية هي التي تتقدّم على المتبنّيات الكلامية على المستوى المنطقي والمعرفي، بمعنى أن تبرير الكثير من المتبنّيات الكلامية يتوقَّف على افتراض بعض المتبنّيات الأخلاقية، وأن بعض المتبنّيات الأخلاقية تحظى بتبريرٍ أقوى بالمقارنة مع المتبنّيات الكلامية. فمثلاً: نجد أن إثبات الصفات الأخلاقية لله، من قبيل: العدالة والرحمة وإرادة الخير وما إلى ذلك، تتوقَّف على القول بهذه الصفات بوصفها من «الفضائل الأخلاقية». ومضافاً إلى ذلك فإن حق الطاعة لله، ووجوب إطاعته، وكذلك ضرورة إرسال الرسل، وإنزال الكتب، ووجوب معرفة الدين واعتناقه، بأجمعها حقوق وتكاليف أخلاقية وعقلية، ويتمّ تبريرها على أساس المعايير والضوابط الأخلاقية([43]). كما أن تبرير الاعتقاد بنبوة الأنبياء، والحياة بعد الموت، وصدق واعتبار النصوص المقدّسة، وتبرير الكثير من المتبنّيات الكلامية الأخرى، يتوقَّف على القول ببعض القِيَم الأخلاقية([44]).

وعليه فإن دعوى «أن تبرير جميع القِيَم الأخلاقية يتوقَّف على القول بالمتبنّيات الكلامية» تشتمل على محذورٍ منطقي. نعم، يمكن القول: إن بعض المتبنّيات الكلامية ذات «لوازم» و«تَبِعات» أخلاقية، بمعنى أن القول بهذه المتبنيات يترتّب عليه وظائف أخلاقية جديدة، بَيْدَ أن جميع هذه الوظائف إنما هي «استنتاجية» و«اشتقاقية»، ولهذا فإنها تنسجم مع سائر الوظائف الأخلاقية، وفي حال عدم الانسجام تكون الوظيفة الأهمّ من الناحية الأخلاقية هي المتقدّمة. إلاّ أن النقطة الهامة في البين هي أن قيام بعض الوظائف الأخلاقية على المتبنّيات الكلامية لا يُعَدّ ملاكاً للأهمّية في حدّ ذاته، ولا يستوجب التقدُّم. وعلى أيّ حالٍ فإن وجود مثل هذه الوظائف لا يجعل الأخلاق دينية، بمعنى أن هذا الأمر لا يدلّ على تبعية الأخلاق للدين من الناحية المنطقية والمعرفية.

وبعبارةٍ أخرى: إن الأخلاق الدينية متفرّعة عن الأخلاق ما وراء الدينية؛ لأن هذه الأخلاق تتألف من خلال مزج الأصول الأخلاقية العامة بالمتبنيات الكلامية. فمثلاً: إن الاعتقاد بوجود الله، وعالم الغيب، والحياة بعد الموت، تشتمل على مضامين وانعكاسات أخلاقية، إلاّ أن القِيَم والإلزامات الكامنة في صلب هذه المتبنّيات «استنتاجية» و«اشتقاقية» ـ «تبعية»، بمعنى أننا إنما نستطيع استنتاج هذه القِيَم والإلزامات من المتبنّيات الكلامية إذا تمّ ضمّ الأصول الأخلاقية العامة إلى هذه المتبنّيات.

وعليه:

1ـ لا يمكن أن نحصل على نتيجة أخلاقية من أيّ اعتقادٍ كلامي دون ضمّ المقدّمات الأخلاقية إلى المتبنّيات الكلامية. (وإن مثل هذا الاستنتاج مصداقٌ من مصاديق مغالطة «الوجوب» و«الكينونة»).

2ـ لا يمكن للقِيَم والإلزامات الأخلاقية المترتِّبة على المتبنّيات الكلامية أن تكون غير منسجمة مع القِيَم والإلزامات الأخلاقية ما وراء الدينية، ولا يمكن أن تكون منسجمة مع القِيَم والإلزامات الاشتقاقية الأخرى التي هي حصيلة تطبيق تلك القِيَم ما وراء الدينية على الموارد الأخرى.

ولكنْ حتى إذا أنكرنا تبعية المتبنّيات الكلامية للمتبنّيات الأخلاقية على المستوى المنطقي والمعرفي، أو إذا التزمنا بأن المتبنّيات الكلامية والأخلاقية أمور نظرية، مع ذلك لا يمكن لنا الادّعاء والقول:

1ـ إنّ المتبنّيات الكلامية بالمقارنة إلى المتبنّيات الأخلاقية تحظى بمكانةٍ معرفية أفضل وأقوى، وإن لدينا لصالحها تبريراً أقوى.

2ـ إن المتبنّيات الأخلاقية تدين في تبريرها إلى المتبنّيات الكلامية، دون العكس، ولا بشكلٍ متقابل([45]).

أما المقدمة الثالثة فهي أن المتبنّيات الأخلاقية يمكن اكتشافها وتبريرها من طرقٍ أخرى غير المتبنيات الكلامية أيضاً. وبطبيعة الحال نحصل على نوعٍ أو درجة خاصة من تبرير المتبنّيات الأخلاقية من خلال التناغم أو المناغمة بينها وبين المتبنّيات الكلامية.

ولكنْ أوّلاً: إن هذا التبرير لا يعني التبعية المنطقية والمعرفية؛ وثانياً: إن هذا التبرير ذو حدّين، لا حدّ واحد، وثالثاً: إنه غير منحصر بالمتبنّيات الكلامية، بمعنى أن مثل هذا الربط والنسبة موجودٌ بين المتبنّيات الأخلاقية والفلسفية والعلمية والتجريبية أيضاً. وبهذا المعنى تكون جميع المتبنّيات تابعة لبعضها بشكلٍ متقابل ومتبادل.

ب ـ إحلال «علم الفقه» محلّ «علم الأخلاق»

قلنا: إن «إحلال علم الفقه محلّ علم الأخلاق» رؤيةٌ في الحدّ الأقصى في ما يتعلق بتبعية الأخلاق إلى الدين من الناحية المنطقية والمعرفية. يبدأ أنصار هذه الرؤية بحثهم عادة بـ:

1ـ إثبات وجود الله وصفاته.

2ـ لينتقلوا بعد ذلك إلى إثبات وجود الروح أو النفس الإنسانية، وخلودها، والحياة بعد الموت.

3ـ ثم يتحدّثون عن تأثير أفعال الإنسان على سعادته وشقائه في الآخرة. ويؤكِّدون على: