أصول الفقه الإسلامي بعد الإمام الشافعي – دراسة في التطوّر والتحوّلات والمناهج – القسم الأوّل

21 أغسطس 2014
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
2٬690 زيارة

أصول الفقه الإسلامي بعد الإمام الشافعي – دراسة في التطوّر والتحوّلات والمناهج – القسم الأوّل

حركة التدوين بعد الشافعي إلى القرن الرابع

درسنا في بحث آخر([1]) علم الأصول عند الإمام الشافعي وبيّنا معالم منهجه، ونحاول هنا دراسة علم الأصول وتطوّره التاريخي بعد تجربة الشافعي، التي تعدّ التجربة الأولى والأم في هذا المجال.

لم تتجاوز الكتب الأصولية التي دوّنت بعد الشافعي إلى القرن الرابع كتابَ الرسالة، سواء كانت مؤيدة لها أم مخالفة، وأغلبها رسائل صغيرة لم تحفظ إلى يومنا هذا، إلا ما أدرج منها في تأليفات أخرى. وحتى في القرن الرابع، لا تتعدّى أكثر الكتب المهمة كونها شرحاً للرسالة. وحتى المعتزلة ساروا جنباً إلى جنب مع الأصوليين المتكلّمين من الشافعية في كتابة علم الأصول([2])؛ فكل من كتب في الأصول في تلك الفترة من مختلف المذاهب، كان إمّا ملتزماً بطريقة الشافعي سائراً على نهجه، أو متأثراً اتخذ لتقرير أصوله سبيلاً آخر؛ فالمالكية والحنابلة من الفريق الأول؛ إذ قبل المالكية أصول الشافعي وارتضوا منهاجه، وزادوا عليه ما خالفهم فيه من إجماع أهل المدينة والمصالح المرسلة والاستحسان، وكذلك الحنابلة ساروا على نهجه وأضافوا ما خالفهم فيه. أمّا الحنفية فقد تأثروا بنهجه أيضاً وأخذوا مما أخذ، وزادوا ما خالفهم فيه مثل العرف والاستحسان، لكنّهم ساروا في تقرير الأصول وكتابتها على غير الأسلوب الاستدلالي الذي سلكه الشافعية([3]).

ويتبيّن من خلال العناوين التي وصلت إلينا، أنّ الكتابات كانت تتناول عناوين فرعية فقط، وإن ظهرت مع مطلع القرن الرابع مسائل أصولية جديدة.

وقد نقلت عن الشيعة كتابات تحمل عناوين فرعية، كعلاج حالات التعارض بين الأحاديث وإبطال القياس واجتهاد الرأي وحجية العمل بخبر الواحد، وبعض ما نسمّيه بمباحث الألفاظ، كمباحث العموم والخصوص واجتماع الأمر والنهي، على الرغم من أن هذه الفترة تمثل حضور أئمتهم المعصومين، وانتفاء حاجتهم نسبياً للاجتهاد([4]).

المدوّنات الأصولية في القرن الرابع الهجري

بدأ ضياء الحضارة الإسلامية بالخمول ونجمها بالأفول في القرن الرابع. وأهم الأسباب في ذلك تفرّق المسلمين وانقساماتهم الداخلية ونزاعهم على السلطة وانقطاع العلاقات السياسية بين الأقاليم الإسلامية؛ فإذا ابتدأت من المغرب، وجدت في الأندلس عبدالرحمن الناصر من بني أمية يسمّي نفسه أمير المؤمنين، لما أحسّ من ضعف الدولة العباسية. ولقّب عبيد الله المهدي الفاطمي من الإسماعيليين نفسه بأمير المؤمنين في شمال أفريقيا. وفي مصر يدعو محمد الأخشيد لبني العباس، وكذلك بنو حمدان في الموصل وحلب. وفي اليمن رسخت الزيدية قواعدها. وفي بغداد استولت الديلم (بني بويه) على السلطة. وفي المشرق اتخذت الدولة السامانية بخارى عاصمةً لها. وصار العالم الإسلامي مقطّع الأوصال، تغلّب حكم السياسة فيه على حكم العقيدة؛ فأصبح بنو بويه الشيعة يحافظون على حكم بني العباس، كي يدوم نفوذهم ولا يخضعون للعلويين([5]).

ثم تحرّك من المشرق آل سلجوق، إيذاناً بتحوّل الأمر إلى العنصر التركي، فاكتسحوا ما كان أمامهم، واستولوا على المشرق كله وأزالوا دولة بني بويه من بغداد وحلّوا محلهم وأبقوا على آل العباس؛ إذ لم يكن لآل سلجوق نصيبٌ في التشيع. ثم امتدّ سلطانهم غرب بغداد، فاستولوا على الجزيرة وآسيا الوسطى، ثم نازعوا الفاطميين ملوك الشام، وصارت لهم الكلمة العليا في جميع الأقاليم الإسلامية ما عدا مصر وما خلفها من بلاد المغرب. ولما دبّ إليهم الاختلاف، قاتل بعضهم بعضاً، وتحرّك الصليبيون في أواخر القرن الخامس واستولوا على بيت المقدس، ولم يتوقفوا عنده. وتفرّق شمل آل سلجوق، وقامت على أثرهم دول تركية أخرى تعرف بدول الأتابكية([6]).

وفي مثل هذه الظروف، من الطبيعي أن تضعف الحركة العلمية بصورة عامة، وأن لا نرى ظهور أمثال الأئمة الذين برزوا في القرنين: الثاني والثالث. وعمّت روح التقليد على العلماء([7])، وأصبح أكثرهم مفسّرين وشارحين للسلف، لكنّ ضعف الحكومات من جهة أخرى، خلق هامش حرية سمح للعلماء فيها بإبداء الرأي والارتباط بالناس وممارسة عملية التدوين وتربية الطلاب. ونتيجة توفر بعض الإمكانات وانتشار المدارس في كثير من الحاضرات الإسلامية، وصلتنا مجموعة من تصنيفات هذه الفترة، نذكرها حسب الترتيب الزمني:

1 ـ أصول الشاشي، لأبي يعقوب إسحاق الشاشي الحنفي (325هـ)([8]). خراسانيٌّ، انتقل إلى مصر وولي القضاء في بعض أعمالها وتوفي بها. صنّف في أصول الفقه، وكان يروي الجامع الكبير للشيباني. كتب عنه ابن يونس أحاديث وحكايات([9]).

2 ـ رسالة في الأصول، لأبي الحسن عبيد الله بن الحسين الكرخي الحنفي (260 ـ 340هـ)([10]). درس فقه أبي حنيفة في بغداد، وانتهت رئاسة المذهب له وانتشر أصحابه في البلاد. حدّث عن إسماعيل بن إسحاق القاضي وأحمد بن يحيى الحلواني ومحمد بن عبدالله بن سليمان الحضرمي. روى عنه: ابن حيويه وابن شاهين وابن الثلاج وأبو محمد بن الأكفاني وأبو بكر أحمد بن علي الرازي. كان عابداً زاهداً ومعتزلياً، أخذ الكلام عن أبي عبد الله البصري المعتزلي. له رسالة في الأصول، عليها مدار فروع الحنفية، وشرح الجامع الكبير، والجامع الصغير، ومسألة في الأشربة، وتحليل نبيذ التمر، وهناك أشعار منسوبة إليه([11]).

3 ـ أصول الشاشي، لأبي علي أحمد بن محمد الشاشي الحنفي (344هـ)([12])، فقيه، سكن بغداد ودرس فيها. تفقه على أبي الحسن الكرخي. قال الصيمري: صار التدريس بعد أبي الحسن الكرخي إلى أصحابه، منهم أبو علي الشاشي. وكان أبو علي شيخ الجماعة، وجعل أبو الحسن الكرخي التدريس له حين فلج، وكان يقول: ما جاءنا أحفظ من أبي علي([13]).

4 ـ أصول الشاشي، لأبي بكر محمد بن علي بن إسماعيل القفال الشاشي (291 ـ 365هـ)([14])، ولد بالشاش، ورحل في طلب العلم إلى خراسان والعراق والحجاز والشام. كان فقيهاً أصولياً مفسّراً أديباً، وشيخ الشافعية في ما وراء النهر. سمع من محمد بن جرير الطبري ومحمد بن إسحاق بن خزيمة وغيرهم. حدّث عنه أبو عبد الله الحاكم وأبو عبد الرحمن السلمي وغيرهم. له مصنفات منها: أصول الفقه ومحاسن الشريعة وشرح رسالة الشافعي وتفسير القرآن([15]).

أصول الجصّاص ومقدّمة ابن القصّار، الخصائص والامتيازات

5 ـ أصول الجصاص (الفصول في الأصول)، لأبي بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص الحنفي (305 ـ 370هـ)([16])، من أهل الري، سكن ببغداد ومات فيها. انتهت رئاسة الحنفية إليه، وخوطب أن يتولى القضاء فامتنع. ألّف كتب: أحكام القرآن، وأصول الفقه([17]).

لعب هذا الكتاب دوراً مهماً في حركة تدوين علم أصول الفقه؛ ففيه إضافات على ما أتى به الشافعي، وقد أكمل المباحث والدراسات اللغوية ومدلولات الألفاظ والموضوعات المشتركة بين الكتاب والسنّة، ثم انتقل إلى المباحث التي تستقل بها السنّة عن الكتاب الكريم، ثم إلى دراسة الاجماع، ثم القياس، ثم الاستحسان، وختم مباحثه بموضوع الاجتهاد وما يتصل به.

ويتميز أسلوب الكتاب بسلامة التركيب والعرض العلمي المنظم في المباحث كافّة؛ فيبدأ في تقرير الموضوع الذي يعنون له إن احتاج إلى شرح وتقرير، ثم يعرض آراء الفقهاء ومواقفهم تجاهها، ولا يفوته تدوين آراء الأحناف مادام لهم رأي وموقف في الموضوع، ثم يحدّد موقفه من تلك الأقوال تصحيحاً أو ترجيحاً واستدلالاً لذلك. ويتم البحث عنده بذكر أدلّة المخالفين ونقضها بطريقة موضوعية. ويكثر الكتاب من الاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية وتحليلها بما يتلاءم مع الموضوع، ويلتزم تطبيق الأصول على الآيات والأحاديث النبوية في المباحث كلّها مما يعطي الأصول صورة علمية تطبيقية. ويتفق منهجه في هذا الجانب مع منهج الإمام الشافعي؛ إذ كان كلاهما يركّز على الجانب العملي التطبيقي في كيفية تطبيق القواعد والقوانين الأصولية على المصادر التشريعية([18]).

6 ـ المقدمة في الأصول، لأبي الحسن علي بن عمر بن القصار البغدادي المالكي (397هـ)([19])، تفقّه عند أبي بكر الأبهري وتفقه عليه ابن نصر. حدّث عن علي بن الفضل الستوري وغيره، وروى عنه أبو ذر الهروي وأبو الحسين بن المهتدي بالله وغيرهم. كان فقيهاً أصولياً، ولي القضاء ببغداد([20]).

يذكر في مقدمة كتابه (المقدمة في الأصول) بواعثه على التأليف، ويقول: <ارتأيت أن أقدّم لكم بين يدي المسائل [يقصد كتابه المشهور< عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار>] جملة من الأصول التي وقفت عليها من مذهبه [أي الإمام مالك] وما يليق به مذهبه، وأن أذكر لكم لكلّ أصل نكتة، ليجتمع لكم الأمران: علم أصوله، ومسائل الخلاف من فروعه>([21])؛ فالمطلوب الأول له في هذا الكتاب، هو بيان رأي الإمام مالك في المسائل من خلال كتبه، أو ما يدل عليه مذهبه. ويذهب في إثراء ذلك الرأي وتوسيعه بالإبانة والتفصيل والاستدلال.

بعد المقدمة، عقد المؤلف الباب الأول حول اختلاف وجوه الدلائل، وتطرّق في الباب الثاني إلى وجوب النظر والاستدلال عند مالك وسائر أهل العلم، وخصص الباب الثالث لإبطال تقليد العالم للعالم، وناقش في عدة أبواب مسألة تقليد العامي وفروعها، كما ناقش مختلف مسائل التقليد والاجتهاد. ثم دخل في صلب الموضوع وحصر الأصول السمعية عند مالك بالكتاب والسنّة والإجماع، ثم الاستدلالات منها والقياس عليها وإرجاعها إلى القرآن الكريم. بعدها عقد باباً للخصوص والعموم، ثم الأوامر والنواهي، ثم ناقش الأخبار ومسائلها في عدة أبواب، منها خبر الآحاد والمرسل. ثم تكلّم عن دليل الخطاب، فباب تحت عنوان: القول فيما يخصّ به العموم، ثم في اختلاف الأخبار، وتأخير البيان، وخطاب الواحد هل يكون خطاباً للجميع. ثم أورد أبواباً مختلفة في مباحث العموم والخصوص والأوامر والنواهي والنسخ وشرائع من كان قبلنا والحظر والإباحة واستصحاب الحال وإجماع الأعصار والإجماع بعد الخلاف، وعدة أبواب حول القياس([22]).

يتضح من خلال المرور السريع على الكتاب، أن المسائل الأصولية اتسعت وتنوّعت في هذا القرن، ودخلت عناوين جديدة في الكتب الأصولية لم نجدها في عهد الشافعي، واستقلّ علم أصول الفقه بصورة كاملة عن علمي: الفقه والكلام، وخرجت مباحثه من الإجمال والبساطة وأصبحت أعمق وأكثر تعقيداً واستدلالاً.

المدوّنات الأصولية في القرن الخامس الهجري

ادّخر لنا هذا القرن مدوّنات أكثر من القرون السابقة له؛ أما الشيعة، فأول مدوّناتهم وصلتنا من هذا القرن. وهذه صورة عن المدوّنات الأصوليّة:

1 ـ التقريب والإرشاد، لأبي بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر الباقلاني البصري (338 ـ 403هـ)، من كبار علماء الكلام. انتهت إليه رئاسة مذهب الأشاعرة. كان جيد الاستنباط سريع الجواب. بعثه عضد الدولة سفيراً عنه إلى ملك الروم، فجرت له في القسطنطينية مناظرات مع علماء النصرانية بين يدي ملكها. من كتبه: إعجازالقرآن، الإنصاف، مناقب الأئمة، دقائق الكلام، الملل والنحل، هداية المرشدين، الاستبصار، تمهيد الدلائل، البيان عن الفرق بين المعجزة والكرامة، كشف أسرار الباطنية و..([23]).

طلع علينا القرن الخامس بكتاب من أهم الكتب الأصولية آنذاك. فهو من أول الكتب التي تعرّضت لفكرة ترتيب أبواب علم أصول الفقه. وقد عقد لذلك باباً يحمل عنوان: <القول في حصر أصول الفقه وترتيبها وتقديم الأول فالأول منها>، وهي عنده: 1 ـ الخطاب الوارد من الكتاب والسنّة، ومنه الأمر والنهي والخصوص والعموم والنسخ والإجمال والبيان و.. 2 ـ أفعال الرسول’ 3 ـ الأخبار 4 ـ أخبارالآحاد 5 ـ الإجماع 6 ـ القياس 7 ـ المفتي والمستفتي 8 ـ الحظر والإباحة. ثم وجّه هذا الترتيب وبيّن سبب التقديم والتأخير فيه([24]).

تذكرة الشيخ المفيد، وأوّل ظهور أصولي إمامي

2 ـ التذكرة بأصول الفقه، لأبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان بن عبدالسلام العكبري القحطاني المفيد (336 ـ 413هـ)([25])، ولد وعاش في بغداد وتوفي فيها. انتهت إليه رئاسة الشيعة في زمانه، وكان صاحب نفوذ في دولة عضد الدولة. له مصنّفات كثيرة في الفقه والكلام والأصول والتاريخ و.. منها: الإعلام فيما اتفقت عليه الإمامية من أحكام، الإرشاد في تاريخ النبي والزهراء والأئمة، الرسالة المقنعة، أحكام النساء، أوائل المقالات في المذاهب والمختارات، الأمالي و..([26]).

(التذكرة بأصول الفقه) رسالة في الأصول لا يتجاوز الموجود منها تسعة عشر صفحة، وهو ما نقله محمد بن علي أبو الفتح القاضي الكراجكي (449هـ) في كتابه كنز الفوائد، وأغلب مباحثها تدور حول المسائل اللغوية والحديثية. كذلك تطرّق الشيخ المفيد إلى بعض المسائل الأصولية خلال مباحث أخرى، يمكننا استخراج معالم فكره الأصولي من خلال مطالعتها.

ونتوقف قليلاً مع الشيخ المفيد، بصفته أول عالم شيعي وصلت كتاباته الأصولية إلينا؛ إذ يمكننا من خلال مطالعتها التعرف على الفكر الأصولي للشيعة آنذاك، ومعالم الفكرالأصولي للشيخ المفيد كالتالي:

1 ـ الأدلة: جعل الشيخ المفيد مصادر الحكم الشرعي ثلاثة: العقل، اللسان (اللغة)، والنصوص الشرعية من الكتاب والسنّة وأقوال الأئمة. وعطف الشيخ أقوال الأئمة على السنّة، وهذا يوحي بأنّ مصطلح <السنّة> عنده يختص بالمرويّ عن الرسول، كما لم يذكر <الإجماع> في أدلة الأحكام الشرعية([27])، ولا يعتبر له حجيةً ذاتية، بل بسبب دخول المعصوم ضمن المجمعين يصبح حجة([28]).

2 ـ خبر الواحد: حكم بحجية الخبر الواحد بشرط اقترانه بقرينة تؤيد صدقه، أو بدليل عقلي أو بشاهد من عرف أو بالإجماع غيرالمخالف (الظاهر يقصد به الدخولي)، وإلا لم يكن حجة ولا يوجب علماً ولا عملاً على حدّ تعبيره([29]).

3 ـ المراسيل: حكم بحجية الخبر المرسل غير المعارض بأقوى منه([30]).

4 ـ الظواهر: يقول بحجية ظواهر الكتاب، بعد إثبات أنّ للكتاب ظاهراً مراداً منه، واستنكر القول بنفي الظاهر منه، كما اعتمد على أسباب نزول الآيات للتوصل إلى المراد القرآني([31]).

5 ـ دلالة الأمر على النهي عن ضدّه: يقول بعدمها بالدلالة اللفظية الوضعية، وإنما يقول بدلالة العقل على ذلك وحكمه به، وعلى أساس استحالة اجتماع الفعل وتركه عقلاً، فإذا كان الفعل مطلوباً فالضدّ غير مطلوب([32]).

6 ـ الحقيقة والمجاز: اشترط العلم بهما، ولم يكتف بالظن، وجعل الطريق إلى ذلك أحد أمرين: 1 ـ الإجماع من أهل اللغة. 2 ـ الدليل المثمر للبيان. وأوجب التوقف إن لم يقم دليل علمي على تعيين المعنى الحقيقي أو المجازي([33]).

7 ـ التخصيص: يعتقد الشيخ المفيد أنّ السنّة الفعلية لا تكون مخصّصةً لعام لفظي، إلا إذا كان أصل العام لا يصحّ إلا بفرد خاص([34]).

8 ـ المجمل والمبيّن: عبّر عنهما بالمكنية والظاهر([35]).

9 ـ النسخ: يعتقد بنسخ الكتاب بالكتاب، وليس بالسنّة، ويعتمد النسخ في السنّة عند تعارضها. كذلك الكتاب ينسخ السنّة، والنسخ عنده خاص بأحاديث الرسول، فليس للأمة تبديل شيء من العبادات ولا النسخ([36]).

10 ـ الأخبار الموصلة للعلم: أ ـ الخبر المتواتر. ب ـ خبر الواحد مع قرينة تشهد بصدقه. ج ـ خبر مرسل في الإسناد، يعمل به أهل الحق على الاتفاق([37]).

11 ـ أنواع أصول معاني القرآن: معاني القرآن عنده ظاهرة وباطنة، وأصولها على أنواع: 1 ـ الأمر وما استعير له لفظه. 2 ـ النهي وما استعمل فيه لفظه أيضاً. 3 ـ الخبر مع ما يستوعبه لفظه. 4 ـ التقرير وما وقع عليه لفظه([38]).

12 ـ القياس والرأي: ساقطان عنده([39]).

13 ـ الاستصحاب: الحكم باستصحاب الحال واجب، لأنّ حكم الحال ثابت باليقين، وما ثبت فلن يجوز الانتقال عنه إلا بواضح الدليل([40]).

14 ـ الظن: يقول الشيخ المفيد بعدم جواز اتباع الظن، ومن اتبع ظنّه ورأيه فإن أصاب لم يكن مأجوراً، وإن أخطأ الحق فيه كان مأزوراً([41]).

الدبوسي مؤسّس علم الخلاف

3 ـ تقويم الأدلة في أصول الفقه، لأبي زيد عبيد الله بن عمر بن عيسى الدبوسي الحنفي (430هـ)([42])، من أكبر أصحاب أبي حنيفة، ويعتبر أول من وضع علم الخلاف. تفقه على أبي بكر جعفر الاستروشني، وله مؤلفات عديدة منها: كتاب الأسرار في الأصول والفروع، تأسيس النظر، الأنوار في أصول الفقه، شرح الجامع الكبير في الفروع و..([43]).

التزم <القاضي> الموضوعية في كتابه، حيث بدأ بالأدلة الشرعية، ثم انتهى إلى الأدلة العقلية، ثم عقّب عليها ببحث تحت عنوان (باب في أحوال قلب الآدمي قبل العلم وأحواله بعد العلم)، مما انفرد به بين سائر المصنفين في علم الأصول. واهتم في مباحثه بتعريف المصطلحات الأصولية، وفي المسائل الخلافية يستقصي الأقوال مع أدلتها، وينتهي إلى تقرير رأي الأحناف، واهتم كثيراً بالتفريعات الفقهية وبآراء الشافعي([44])، كما تكلم في كتابه عن الحجج، المتواتر، الإجماع، أنواع الكلام، الأوامر، النواهي، أسباب الشرائع، العزيمة والرخصة، العام والخاص، ألفاظ العموم، أقسام المخبرين، خبر الواحد، شروط الراوي، التعارض بين النصوص، النسخ، أفعال النبي، شرع من قبلنا، القياس، العلة، الترجيح، الإجماع، العلة والسبب والشرط والعلامة، أقسام التقليد، الإلهام، استصحاب الحال، الطرد، الاستحسان، المجتهد، الحجج العقلية، محرمات ومباحات العقل وقلب الإنسان قبل العلم وبعده.

ذريعة المرتضى ونهضة أصول الفقه الإمامي

4 ـ الذريعة إلى أصول الشريعة، لأبي القاسم علي بن الحسين علم الهدى الموسوي المرتضى (355 ـ 436هـ)([45])، من أحفاد الإمام علي بن أبي طالب(ع)، نقيب الطالبيين ومن أئمة الكلام والأدب. ولد وعاش وتوفي في بغداد. له تصانيف كثيرة، منها: الغرر والدرر، الشهاب في الشيب والشباب، الشافي في الإمامة، تنزيه الأنبياء، الانتصار، المسائل الناصرية. ويرى الكثير من مترجميه أنه هو جامع نهج البلاغة، لا أخيه الشريف الرضي([46]).

السيد المرتضى صاحب أول مدوّن أصولي شيعي وصل إلينا، وهو كتاب <الذريعة> الذي يكشف مدى تبحّر وتعمّق الشيعة وتوسّعهم في مباحث أصول الفقه آنذاك، وإن لم تصل مدوّناتهم إلينا. كذلك يبيّن السيد المرتضى آراءه الأصولية في كثير من كتاباته الأخرى. ونتطرق هنا لأهم آرائه الأصولية بصورة موجزة، ثم نتوقف قليلاً مع كتابه <الذريعة>:

1 ـ أخبارالآحاد: يستدل على بطلان العمل بها إذا لم يقم دليل على صدقها، ولا على وجوب العمل بها. ويذكر إثبات حجية أخبار الآحاد بقاعدة اللطف وينفيه([47])، ويجيز التعبد بها، لكن يعتقد بأنه لم يصدر تعبد كهذا، ويعتبر دليله غير تام([48]).

2 ـ القياس: يستدل على بطلان العمل به([49])، ويعتقد بجوازه عقلاً، لكن يرفضه تعبداً؛ لأن إجماع الشيعة قام على ذلك([50]).

3 ـ الاستحسان والاجتهاد بالرأي: يستدل على بطلان العمل بهما([51]).

4 ـ الإجماع: يستدل على حجية الإجماع في الأحكام الشرعية([52])، ويخصّصه بإجماع الطائفة([53])؛ ليضمن دخول الإمام ضمنه. أما دليله على دخول الإمام في الإجماع فهو أنّ هذه الفرقة على حق؛ فلابدّ من أن مذهب الإمام الذي نثق بأنه لا يفارق الحق ولا يعتمد سواه هو مذهب هذه الفرقة. ويعتبر السيد الإجماع ـ كالتواتر والمشافهة ـ حجة في كل حكم ليس له دليل([54])، ويرى قاعدة اللطف كاشفةً عن ثبوت دخول الإمام ضمن الإجماع؛ فهي سبب حجيته([55]).

5 ـ ظواهر الكتاب والسنّة: يستدل على حجية ظواهر الكتاب والسنّة في إثبات الأحكام الشرعية([56]).

6 ـ في الدوران بين الحظر والإباحة، يحكم بالإباحة ويعتبر هذه المسألة واضحة كحكم العقل بحسن الإحسان وقبح الظلم([57])، كذلك يتطرق إلى مسائل أخرى من قبيل الاستثناء ونفي الحكم لعدم الدليل عليه والحسن والقبح العقليين و..([58]).

ومن آرائه المهمة التي تستحقّ التأمل والتفكير، رأيه في حكم المسألة التي لا دليل عليها من الكتاب والسنّة، فهو ينفي وجود مسألة كهذه؛ لأنّ الله تعالى لا يترك المكلّف من دون حجة وطريق إلى العلم بما كلّف به. اللهم إلا أن نفرض وجود حادثة ليس للإمامية فيها قول على سبيل اتفاق أو اختلاف، فقد يجوز عندنا في مثل ذلك إن اتفق أن لا يكون لله تعالى فيه حكم شرعي فإذا لم نجد في الأدلة الموجبة للعلم طريقاً إلى علم حكم هذه الحادثة، كنا فيها على ما يوجب العقل وحكمه.

ويعتقد المرتضى في مثل هذه المسائل أيضاً بعدم جواز العمل بأخبار الآحاد أو القياس أو مخالفة العامة([59])، كما يعتقد بأنّ جلّ الأخبار المنقولة عن طريق أصحاب الحديث لا حجية لها([60])، ويعتبر أنّ العمل بمخالفة العامة دوري؛ لأننا إن لم نعمل بأخبار الآحاد في الفروع كيف نعمل بها في الأصول؟!([61]).

بعد هذا المختصر حول أفكار السيد المرتضى الأصولية، نقوم بتعريف مختصر لمؤلَّفه الأصولي المهم <الذريعة إلى أصول الشريعة>. حيث يذكر السيد في مقدمة الكتاب أنّ الهدف منه ذكر مسائل الخلاف، أي بيان رأي الشيعة فيها، فهو أكثر ما يكون بيان رأي الشيعة في قبال الفكر السنّي: <أخص مسائل الخلاف بالاستيفاء والاستقصاء، فإنّ مسائل الوفاق تقلّ الحاجة فيها إلى ذلك>([62])، وكأنه يعتقد بأن في مسائل الوفاق يمكن مراجعة كتب السنّة ولا داعي لتدوينها؛ ويدّعي بأن لا نظير لكتابه في ما تقدّم من الكتب، وهو مبدع في أسلوبه ومنهجه([63]). وفي الحقيقة، يمكننا اعتبار كتابه أول كتاب في الأصول المقارن.

يؤكد المرتضى أنه يفصل بكتابه هذا بين مسائل أصول الدين وأصول الفقه. كما يذكر في كل مسألة رأي علماء أهل السنّة أولاً، ثم ينقده ويبيّن رأيه، وفي بعض الأحيان يقبل رأيهم. وبما أنّ المرتضى رفض حجية خبر الواحد، فلا يجد نفسه ملزماً بالبحث حول التعارض والترجيح والتخيير وقبول أو ردّ المراسيل([64]).

ويذكر في مقدمة كتابه تأليفاته الأصولية، ثم يقول: فأما الكلام في الإجماع فهو في الكتاب الشافي والذخيرة مستوفى. وكذلك الكلام في الأخبار والكلام في القياس والاجتهاد بسطناه وشرحناه في جواب مسائل أهل موصل الأولى، وقد كنا قديماً أمللنا قطعة من مسائل الخلاف في أصول الفقه([65]). وبعد المقدمة، يتكلم حول الخطاب وأقسامه وأحكامه، ثم الأمر وأقسامه وأحكامه، ثم في أحكام النهي، ثم في العموم والخصوص، ثم في أنواع التخصيص ثم المجمل والمبين، ثم في النسخ وما يتعلق به، ثم في الأخبار، ويعقد باباً لصفة المتحمّل للخبر، والمتحمل عنه، وكيفية ألفاظ الرواية عنه، ثم يتطرّق إلى الأفعال، وبعدها الإجماع، ثم القياس، وما يتبعه ويلحق به، ثم الاجتهاد، وبعده الحظر والإباحة، وآخر باب في الدليل النافي والمستصحب للحال.

ويعتقد السيد الشهيد محمد باقر الصدر أنّ استقلال علم أصول الفقه وانفصاله عن سائر العلوم الدينية من فقه وكلام، لم ينجز إلا بعد أن اتضحت فكرة العناصر المشتركة لعملية الاستنباط وضرورة وضع نظام عام لها، الأمر الذي ساعد على التمييز بين طبيعة البحث الأصولي وطبيعة البحوث الفقهية والكلامية، وأدّى بالتالي إلى قيام علم مستقل باسم <علم أصول الفقه>([66])، كما يرى الصدر أنّ في كتاب الذريعة تصورات دقيقة نسبياً ومحدّدة عن العناصر المشتركة في عملية الاستنباط؛ لأنّ السيد المرتضى يقول لدى مناقشته الخلط بين أصول الفقه وأصول الدين: إعلم أنّ الكلام في أصول الفقه إنما هو على الحقيقة كلام في أدلة الفقه.. ولا يلزم على ما ذكرناه أن تكون الأدلة والطرق إلى أحكام وفروع الفقه الموجودة في كتب الفقهاء أصولاً؛ لأنّ الكلام في أصول الفقه إنما هو كلام في كيفية دلالة ما يدل من هذه الأصول على الأحكام على طريق الجملة دون التفصيل، وأدلة الفقهاء إنما هي على نفس المسائل، والكلام في الجملة غير الكلام في التفصيل.

ويجد الصدر هذا النص حاملاً بوضوح فكرةَ العناصر المشتركة في عملية الاستنباط، ويسمّيها أدلة الفقه على الإجمال، ويميّز بين البحث الأصولي والفقهي على أساس التمييز بين الأدلة الإجمالية والأدلة التفصيلية، أي بين العناصر المشتركة والعناصر الخاصة في تعبيرنا([67]).

البصري ومنهجه في كتاب المعتمد

5 ـ المعتمد في أصول الفقه، لأبي الحسين محمد بن علي بن الطيب البصري المعتزلي (436هـ)([68])، كان شيخ المعتزلة في زمانه. سكن بغداد ودرس الكلام فيها، وقرأ على هلال بن محمد. له تصانيف كثيرة منها: تصفح الأدلة، غررالأدلة، شرح الأصول الخمسة، وكتاب في الإمامة، وأصول الدين([69]).

يذكر في مستهل كتابه دوافعه لتأليف هذا الكتاب، فيقول: الذي دعاني إلى تأليف هذا الكتاب في أصول الفقه، بعد شرحي كتاب العمد ـ للقاضي عبدالجبار ـ واستقصاء القول فيه، أني سلكت في الشرح مسلك الكتاب في ترتيب أبوابه، وتكرار كثير من مسائله، وشرح أبواب لا تليق بأصول الفقه من دقيق الكلام.. فأحببت أن أؤلّف كتاباً، مرتبةً أبوابه غير مكرورة، وأعدل فيها عن ذكر ما لا يليق بأصول الفقه من دقيق الكلام.

ويسلك أبو الحسين البصري منهجاً ثابتاً في مناقشة المواضيع كافة، وهو كما يلي: 1 ـ يعتمد المناقشة الصريحة. 2 ـ يحاول ربط المواضيع بعقيدة الاعتزال في التحسين والتقبيح ووجوب الأصلح. 3 ـ الاستيعاب الوافي للآراء والأقوال. 4 ـ الإكثار من الأدلّة مع العرض المسهب لأدلة المخالفين والإجابة عليها بإنصاف. 5 ـ لم يكن مقلداً في أسلوبه وله اجتهاداته، حتى أنه خالف المعتزلة في بعض المواضع([70]).

يشرع الكتاب بذكر موضوع البحث وتعريفه وترتيب أبوابه، ثم الحقيقة والمجاز. ومن ثم يناقش مباحث الأوامر بصورة مفصلة، ثم النواهي، ويعقد عدة أبواب للعموم والخصوص، ثم المجمل والمبيّن. بعده تكلم في الأفعال، ثم الناسخ والمنسوخ، واستدل لحجية الإجماع، وناقش مسائله، وتكلّم طويلاً عن الأخبار، ثم الأمارات وأحكامها، وبيّن رأيه في القياس والاجتهاد، ثم الحظر والإباحة، وختم الكتاب ببيان مسائل المفتي والمستفتي.

6 ـ المحرَّر في أصول الفقه، لأبي بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي (450هـ)([71])، تفقه السرخسي على أبي محمد الحلواني وأبي بكر الحصيري وأبي عمرو البيكندي وأبي حفص عمر بن حبيب. كان من كبار علماء ماوراء النهر وله مؤلفات كثيرة، منها: المبسوط (15مجلد)، شرح مختصر الطحاوي، شرح كتاب الكسب و.. قال القاري في <طبقاته>: إنه مات سنة (438هـ)([72])، لكن التاريخ المذكور في مقدمة الكتاب لسنة إملائه، هو (479هـ)، وهذا يتجاوز سنة وفاته على كل التقديرات.

وفيه: باب الأمر، أول باب ابتدأ الكلام به، ثم تلاه باب النهي، وتناول الخاص والعام في باب أسماء صيغة الخطاب في المسميات وأحكامها، وتناول الحقيقة والمجاز، والصريح والكناية، في باب أسماء صيغة الخطاب في استعمال الفقهاء وأحكامها. ثم عقد لمعاني الحروف باباً، وكذلك للأحكام الثابتة بظاهر النص دون القياس والرأي. ثم بيّن الحجة الشرعية وأحكامها، واستدل لقبول أخبار الآحاد والعمل بها بصورة مفصلة، وتطرق إلى سائر مواضيع الأخبار. ثم عقد باباً للبيان، وبعده النسخ من حيث الجواز والتفسير. ثم تكلّم عن أفعال النبي’، والقياس، وحول الاحتجاج بما ليس بحجة مطلقاً، ووجوه الاعتراض على العلل، وسبل الترجيح. بعدها عقد باباً لبيان وجوه الاعتراض على العلل الطردية التي يجوز الاحتجاج بها، ثم أقسام الأحكام وأسبابها وعللها وشروطها وعلاماتها، وختم كتابه بباب حول أهلية الإنسان لوجوب الحقوق له وعليه، وفي الأمانة التي حملها الإنسان.

الأندلسي وأصول الفقه الظاهري

7 ـ الإحكام في أصول الأحكام، لأبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري (384 ـ 456هـ)([73])، عالم الأندلس في عصره وأحد أئمة المسلمين. تبعته <الحزيمة> في الأندلس، وكانت له ولأبيه من قبله رئاسة الوزارة وتدبير المملكة، فزهد بها وانصرف إلى العلم والتأليف، فكان من صدور الباحثين، فقيهاً حافظاً، يستنبط الأحكام من الكتاب والسنّة بعيداً عن المصانعة. وانتقد كثيراً من العلماء والفقهاء، فبغضوه وأجمعوا على تضليله وحذروا سلاطينهم فتنته ونهوا عوامهم عن الدنو إليه، فأقصته الملوك وطاردته، فنفي وسجن مرات عديدة.

له تأليفات كثيرة في مختلف العلوم الإسلامية منها: الفصل في الملل والأهواء والنحل، المحلى (11مجلداً في الفقه)، جمهرة الأنساب، حجة الوداع، الناسخ والمنسوخ، ديوان شعر و..([74])، وتأليفاته الأصولية كثيرة أيضاً، فهو إضافة إلى <الإحكام في أصول الأحكام> الذي يقع في 1280صفحة، كتب

8 ـ <النبذ في أصول الفقه>،([75])وهو اختصار للكتاب المذكور، وطبع تحت عنوان < النبذة الكافية في أصول أحكام الدين>([76]). كذلك له رسائل أصولية مطبوعة منها: < إبطال القياس والرأي والاستحسان والتقليد> و<مراتب الإجماع> و<مسائل من الأصول> نشر ضمن <الرسائل المنيرية>، وله مخطوطات أخرى([77]).

ويذكر الإمام ابن حزم في مقدمة كتابه <الإحكام في أصول الأحكام> غرضه من تدوينه قائلاً: جمعنا كتابنا هذا، وقصدنا فيه بيان الجمل في مراد الله عزّ وجلّ منا فيما كلفناه من العبادات والحكم بين الناس بالبراهين التي أحكمناها في الكتاب المذكور آنفاً، وجعلنا هذا الكتاب بتأييد خالقنا عزّ وجلّ لنا، مستوعباً للحكم فيما اختلف الناس من أصول الأحكام في الديانة، مستوفى مستقصى محذوف الفضول محكم الفصول([78]). فأراد لكتابه أن يكون قانوناً يتحاكم إليه الناس في مجال فهم الشريعة كي لا يحكم كلٌّ على هواه.

وقد جعل كتابه في أربعين باباً، ورتبها كما يلي: الفرض من الكتاب، ترتيب الأبواب، إثبات حجج العقل وبيان ما يدركه العقل على الحقيقة، بيان خطأ من ظن في العقل ما ليس فيه، كيفية ظهور اللغات التي يعبّر بها عن جميع الأشياء ويتخاطب بها الناس، الألفاظ الدائرة بين أهل النظر، هل الأشياء في العقل على الحظر أو الإباحة أو ليس على أحدهما، لكن على ترقب ما يرد فيها من خالقها عزّ وجلّ، أصول أحكام الديانة وأقسام المعارف وهل على النافي دليل أو لا؟ معنى البيان، تأخير البيان، القول بموجب القرآن، الأخبار التي هي السنن وسبب الاختلاف الواقع بين الأئمة، الأوامر والنواهي الواردة في القرآن والسنّة والأخذ بالظاهر منهما وحمل كل ذلك على الوجوب والفور أو الندب أو التراخي، حملها على العموم أو الخصوص، أقلّ الجمع الوارد فيها، الاستثناء منها، الكتابة بالضمير، الكتابة بالإشارة، المجاز والتشبيه، أفعال الرسول2، وفي الشيء يراه أو يبلغه فيقرّه صامتاً عن الأمر به أو النهي عنه، في النسخ، في المتشابه من القرآن والمحكم، والفرق بينه وبين المتشابه المذكور في الحديث بين الحلال والحرام، الإجماع، استصحاب الحال وبطلان العقود والشروط إلا ما نصّ عليه منها أو أجمع على صحته، وهو باب من الدليل الإجماعي، أقل ما قيل وهو أيضاً نوع من أنواع الدليل الإجماعي، ذم الاختلاف والنهي عنه، الحقّ في واحد وسائر الأقوال كلها خطأ، الشذوذ ومعنى هذا اللفظ وإبطال التمويه بذكره، تسمية الفقهاء المعتد بهم في الخلاف بعد الصحابة، الدليل النظري والفرق بينه وبين القياس، لزوم الشريعة الإسلامية لكل مؤمن وكافر، ووقت لزوم الشرائع للإنسان، صفة طلب الفقه وصفة المفتي وصفة الاجتهاد وما يلزم لكل واحد طلبه من دينه، وجوب النيات في الأعمال والفرق بين الخطأ المقصود بلا نية والخطأ غير المقصود، والعمد المقصود بالفعل والنية جميعاً، وحيث يلحق عمل المرء غيره من إثم وبر، وحيث لا يلحق، شرائع الأنبياء قبل نبينا2، أتلزمنا أم لا؟ الاحتياط وقطع الذرائع، إبطال الاستحسان والاستنباط والرأي، إبطال التقليد، دليل الخطاب، إبطال القياس، إبطال العلل التي يدعيها أهل القياس والفرق بينها وبين العلل الطبيعية التي هي العلل على الحقيقة والكلام في الأسباب والأغراض والمعاني والعلامات والأمارات، الاجتهاد ما هو وما بيانه؟ ومن هو معذور باجتهاده، ومن ليس معذوراً به، ومن يقطع عليه أنه أخطأ عند الله عز وجلّ فيما أداه إليه اجتهاده، ومن لا يقطع عليه أنه مخطئ عند الله عزّ وجل وإن خالفناه.

9 ـ العدة في أصول الفقه، لأبي يعلى محمد بن الحسين القاضي الفراء (380 ـ 458هـ)([79])، انتهت له إمامة الحنابلة، وكان متبحراً في جميع العلوم الإسلامية. سمع من أبي الحسن السكري ومن أبي داوود وغيرهم بمكة ودمشق وحلب. وسمع عنه أحمد بن علي بن ثابت وأبو عبدالله بن الدباس وغيرهم. ولي القضاء في بغداد ثم في حران وحلوان. له تصانيف في مختلف العلوم الإسلامية، منها: أحكام القرآن، إيضاح البيان، المعتمد، المقتبس، عيون المسائل، الردّ على الأشعرية، الرد على الكرامية، الرد على السالمية، الرد على المجسمة، إبطال التأويلات لأخبار الصفات، العدة في أصول الفقه، مختصر العدة، الكفاية في أصول الفقه، مختصر الكفاية، الأحكام السلطانية و..([80]).

ـ يتبع ـ

الهوامش

(*) باحث في الحوزة العلمية، من العراق.

([1]) أنظر: مجلة الاجتهاد والتجديد، العدد 5: 287 ـ 299.

([2]) طه جابر فياض العلواني، علم أصول الفقه، نشأته وتأريخه وتدوينه ـ2ـ، المسلم المعاصر، العدد 15: 37 ـ 45، 1978م.

([3]) المصدر نفسه: 50.

([4]) منذر الحكيم، الفكر الأصولي في مدرسة أهل البيت: 7، ط1، قم، الأمانة العامة للمؤتمر العالمي بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لميلاد الشيخ الأعظم الأنصاري، 1373ش/1994م.

([5]) الخضري بك، أصول الفقه: 319، 320.

([6]) المصدر نفسه: 320، 321.

([7]) المصدر نفسه: 323.

([8]) إسحاق الشاشي الحنفي، أصول الشاشي، دهلي: مجهول، 1301هـ. (طبعة حجرية).

([9]) اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق %، موسوعة طبقات الفقهاء 4: 102، إشراف: جعفرالسبحاني، ط1، قم، مؤسسة الإمام الصادق %، 1418هـ؛ والزركلي، الأعلام 1: 293.

([10]) قيل: إن كتابه مطبوع، ولكن لم أعثر عليه.

([11]) المصدر نفسه: 257، 258.

([12]) أحمد بن محمد الشاشي، أصول الشاشي، بيروت، دار الكتاب العربي، 1402هـ.

([13]) عبدالقادر القريشي، طبقات الحنفية: 98، 99، كراتشي، مير محمد كتب خانه، بلا تاريخ.

([14]) قيل: إن كتابه مطبوع، ولكن لم أعثر عليه.

([15]) موسوعة طبقات الفقهاء 4: 430، 431.

([16]) أحمد بن علي الجصاص، أصول الجصاص المسمى الفصول في الأصول، تحقيق: محمد محمد تامر، ط1، بيروت، دار الكتب العلمية، 1420هـ. تجاوز كتابه ألف صفحة في مجلّدين.

([17]) الزركلي، الأعلام 1: 171.

([18]) جمال الدين عطية، التنظير الفقهي: 42، ط1، 1407هـ.

([19]) علي بن عمر القصار المالكي، المقدمة في الأصول، تحقيق: محمد بن الحسين السليماني، ط1، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1996م. ويتجاوز حجم الكتاب الأصلي مائتي صفحة ومطبوعة في ملاحقه رسائل قيمة في أصول الفقه المالكي لأبي عبيد القاسم بن خلف الجبيري المالكي (378هـ)، وأبي عبد الله محمد بن عمر المعروف بابن الفخار (419هـ)، وللقاضي عبد الوهاب البغدادي (422هـ)، ولعلي بن إسماعيل الأبياري المالكي (618هـ)، وللحسين بن رشيق الربعي المالكي (632هـ)، ولأحمد بن إدريس القرافي (684هـ)، ومجموعها في مائة وعشرين صفحة.

([20]) موسوعة طبقات الفقهاء: 298، 299.

([21]) القصار المالكي، المقدمة في الأصول: 4.

([22]) المصدر نفسه: 23 ـ 30.

([23]) الزركلي، الأعلام 1: 46.

([24]) محمد الغزالي، المستصفى من علم الأصول: 14، تحقيق: محمد سليمان الأشقر، ط1، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1417هـ.

([25]) محمد بن محمد المفيد، سلسلة مؤلفات الشيخ المفيد، ج9، التذكرة بأصول الفقه، تحت إشراف اللجنة الخاصة المشرفة على المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، تقديم: محمد رضا الحسيني الجلالي، ط2، بيروت، دار المفيد، 1414هـ.

([26]) الزركلي، الأعلام 7: 21.

([27]) المفيد، التذكرة بأصول الفقه: 7؛ وزهير الأعرجي، المدارس الأصولية في النجف، في جعفر الدجيلي (تجميع)، موسوعة النجف الأشرف 7: 224، ط1، بيروت، دار الأضواء، 1417هـ.

([28]) مهدي علي بور، درآمدي به تاريخ علم اصول: 94، ط 1، قم، مركز جهاني علوم إسلامي، دفتر تدوين متون درسي، 1382ش/2003م.

([29]) المفيد، التذكرة بأصول الفقه: 7، 8.

([30]) المصدر نفسه: 8، 9.

([31]) المصدر نفسه.

([32]) المصدر نفسه.

([33]) المصدر نفسه.

([34]) المصدر نفسه: 9، 45.

([35]) المصدر نفسه.

([36]) المصدر نفسه.

([37]) المصدر نفسه: 28 ـ 30، 38، 45.

([38]) المصدر نفسه.

([39]) المصدر نفسه.

([40]) المصدر نفسه.

([41]) المفيد، سلسلة مؤلفات الشيخ المفيد 7: 72، المسائل السروية، المسألة الثامنة.

([42]) عبيدالله الدبوسي الحنفي، تقويم الأدلة في أصول الفقه، تحقيق: خليل محيي الدين الميس، ط1، بيروت، دار الكتب العلمية، 1421هـ، يقع هذا الكتاب في 472 صفحة.

([43]) المصدر نفسه: 7، 8.

([44]) المصدر نفسه: 4 ـ 6.

([45]) علي المرتضى، الذريعة إلى أصول الشريعة، تصحيح: أبوالقاسم كرجي، مجلدان، ط1، طهران، جامعة طهران، 1346، 1348ش. يتألف المتن الأصلي للكتاب من 837 صفحة.

([46]) الزركلي، الأعلام 4: 278، 279.

([47]) علي المرتضى، رسائل الشريف المرتضى 1: 202 ـ 204، 21 ـ 96، 210 ـ 212، و 3: 267 ـ 272، 308 ـ 313، تقديم وإشراف: أحمد الحسيني، إعداد: مهدي رجائي، بيروت، مؤسسة النور للمطبوعات، بلا تاريخ، جوابات المسائل الموصليات الثالثة.

([48]) درآمدي به تاريخ علم اصول: 101.

([49]) المرتضى، رسائل الشريف المرتضى 1: 202 ـ 204.

([50]) درآمدي به تاريخ علم اصول: 101.

([51]) المرتضى، رسائل الشريف المرتضى 1: 7.

([52]) المصدر نفسه 1: 205.

([53]) المصدر نفسه 2: 366 ـ 369، و3: 200 ـ 205.

([54]) المصدر نفسه 1: 11 ـ 19، 205 ـ 208.

([55]) المرتضى، الذريعة إلى أصول الشريعة: 606.

([56]) المصدر نفسه 1: 209.

([57]) درآمدي به تاريخ علم اصول: 101.

([58]) رسائل الشريف المرتضى ج2، المسائل 13، 16، وج 3، المسائل 35، 38، 44، 48، وج 4: 317، 335.

([59]) المصدر نفسه 1: 210.

([60]) المصدر نفسه: 211.

([61]) المصدر نفسه: 212.

([62]) المرتضى، الذريعة إلى أصول الشريعة: 2.

([63]) المصدر نفسه: 5، 6.

([64]) المصدر نفسه: 27 ـ 32، من المقدمة.

([65]) المصدر نفسه: 4.

([66]) محمد باقر الصدر، المعالم الجديدة للأصول: 48، 49، ط2، طهران، مكتبة النجاح، 1395هـ.

([67]) المصدر نفسه: 49، 50.

([68]) محمد بن علي بن الطيب البصري، المعتمد في أصول الفقه، تحقيق: خليل الميس، بيروت، دار الكتب العلمية. يقع هذا الكتاب في تسعمائة صفحة في مجلدين.

([69]) المصدر نفسه 1: ز.

([70]) المصدر نفسه 1: ح، ط.

([71]) محمد بن أحمد السرخسي، المحرّر في أصول الفقه، تحقيق: أبو عبد الرحمن صلاح بن محمد بن عويضة، ط1، بيروت: دار الكتب العلمية، 1417هـ. يقع الكتاب في خمسمائة وخمسين صفحة في جزئين.

([72]) المصدر نفسه 1: 3.

([73]) علي بن حزم الظاهري، الإحكام في أصول الأحكام، بيروت، دار الكتب العلمية. يتألف هذا الكتاب من ألف ومائتين وثمانين صفحة في ثمان أجزاء.

([74]) الزركلي، الأعلام 4: 254، 255.

([75]) علي بن حزم الظاهري، النبذ في أصول الفقه، تحقيق: أبو عبد الله محمد بن حمد الحمود البخاري، ط1، البيان، مكتبة دار الإمام الذهبي، 1410هـ.

([76]) علي بن حزم الظاهري، النبذ في أصول الفقه (النبذة الكافية في أصول أحكام الدين)، تحقيق: أحمد حجازي السقا، ط1، القاهرة، مكتبة الكليات الأزهرية، 1401هـ.

([77]) ابن حزم الظاهري، النبذ في أصول الفقه: 21، 22، تحقيق: البخاري.

([78]) ابن حزم الظاهري، الإحكام في أصول الأحكام: 10.

([79]) أبو يعلى الفراء، العدة في أصول الفقه، تحقيق: أحمد بن علي المباركي، بيروت، الرسالة، 1400هـ.

([80]) أبو يعلى الفراء، الأحكام السلطانية: 14 ـ 20، تحقيق: محمود حس، بيروت، دار الفكر، 1414هـ.