الإسلام والغرب

10 مارس 2017
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
262 زيارة

الإسلام والغرب

بين منطق الحوار وواقع الصدام

أ. نبيل علي صالح(*)

 

 مقدّمة

لا يزال ملف العلاقة بين الشرق والغرب، (وبالتحديد) العلاقة بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية، حيّاً ومتفاعلاً ومتحوِّلاً على أوجه ومسارات متعدّدة، مستقيمة أحياناً، ومتعرجة أحايين أخرى كثيرة…، تتخلّلها منعطفات حادة ومتوترة وخطيرة جداً.

وقد لاحظنا اتساع رقعة الانقسام والتنابذ الحضاري بين الفريقين، وازدياد التعقيدات في طبيعة العلاقة ـ الإشكالية القائمة بينهما (بين الغرب والإسلام) بعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001م، وما تبعها من إسقاط حكمَيْ طالبان في أفغانستان وصدام حسين في العراق، والحرب «الغربية ـ الأمريكية» الطويلة ضمن ما أطلق عليه: مكافحة الإرهاب الدولي، والمعني به أساساً هو الإرهاب الإسلامي، كما يزعمون، والتي كرّست في ذهنية الغرب عموماً تلك النظرة النمطية القديمة السائدة تاريخياً عن الإسلام، من حيث كونه دين التعصُّب والانغلاق والتقوقع والإرهاب؛ كونه يتوسّل ويتبنّى الوسائل الحربية للوصول إلى تحقيق غاياته ومصالحه، وأنه يختزن ـ في داخل منظومته الفكرية والتشريعية ـ مبادئ العنف وإلغاء الآخر.

في مقابل هذه النظرة السلبية المتأصِّلة فكرياً ومفاهيمياً في وعي الغرب الثقافي والاجتماعي التاريخي، والتي تتراكم وتتكدَّس يوماً بعد يوم مع تحوُّلات الواقع وتغيرات السياسة والاقتصاد والاجتماع العالمي…

وإزاء ما أحدثته (وما يمكن أن تحدثه) تلك الإشكالية لاحقاً من منعكسات وتأثيرات مستقبلية غير محمودة العواقب على حالة التفاعل الإيجابي التكاملي والحوار العقلاني الهادئ والتلاقي الحضاري السلمي بين مختلف الشعوب والأمم المكونة لعالمنا الأرضي كله…

إزاء كلّ ذلك سنحاول في هذه الدراسة استعراض وتحليل هذه العلاقة المتأزمة بين الغرب والإسلام (حضارياً وسياسياً)، وإبراز ما هو متوافر من رؤى وأفكار واقعية؛ لفضّ حالة الاشتباك والسجال الرمزي والعملي العنيف القائمة بين الطرفين، والتأكيد على أهمّية التلاقي الحضاري على قاعدة المشتركات القيمية الإنسانية العامة.

 

 الغرب كمعنى وإشكالية واقعة

ما هو الغرب؟ وممَّ يتشكَّل، بالمعنى المعرفي والعملي؟ هل هو مجرد حالة ذهنية افتراضية أم أنه واقع سياسي حقيقي تشكَّل تاريخياً بالاستناد لجملة عوامل ومكونات فكرية واجتماعية، تداخلت فيها الجغرافية والمصالح الاقتصادية والسياسية؟… ثم ما هو موقع ودور العامل الديني في صياغة وتشكيل الحضارة الغربية الحديثة؟ وهل له موقع محوري أم ثانوي في تنظيم العلاقات المجتمعية السياسية والعملية في الغرب؟ وهل صحيح أن هذا الغرب ـ الذي كرَّس مبدأ العلمنة وفصل الدين عن الدولة منذ قرونٍ عديدة ـ لم يعد دينياً في تعاملاته وعلاقاته مع باقي الثقافات والحضارات القائمة، ومنها: ثقافتنا الإسلامية…، بل يتعاطى معها من منظور المصالح المتبادلة الخاضعة لمنطق السوق التداولي؟…

في الواقع نريد منذ البداية أن نحدِّد ما نقصده بالغرب، وهو هنا الغرب بالمعنى الجغرافي (وليس بالمعنى السياسي ـ الثقافي فقط، المتداول حالياً في مختلف الأوساط الدولية) الذي يتحرَّك في الواقع العالمي ـ في مجمل علاقاته الدولية ـ كأيّ نظام سياسي آخر بما يحقّق تطلعاته ويضمن مصالحه ومصالح شعوبه ومجتمعاته.

والملاحظ هنا أن الكثير من المؤرِّخين والمفكِّرين أعطَوْا لمفهوم الغرب دلالة فكرية وصفة مفهومية نقلته من المعنى الجغرافي([1]) إلى معنىً آخر جديد، طغَتْ عليه الرؤية الثقافية، التي باتت تنظر إلى الغرب من منظور كونه واقعاً مفاهيمياً غير مرتبط بمنطقةٍ جغرافية معينة، كما كان عليه الحال في السابق. وبهذه النظرة أصبحت اليابان ـ الواقعة في أقصى الشرق ـ من الدول الغربية([2]) المهيمنة على العالم اقتصادياً؛ باعتبارها إحدى الدول الصناعية الكبرى، التي تشكِّل مع كلٍّ من: الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا وكندا مجموعة السبعة الكبار الذين يتحكَّمون باقتصاد العالم ومصيره. وهذا توجُّه فكري وتوسيع أيديولوجي، وليس جغرافياً، يرتكز على ما تقوم به تلك الإدارات السياسية الغربية من فرض إرادتها ومعاييرها ونظمها الحضارية على الآخر..

أما الغرب الحضاري والتنويري (غرب فلسفة الأنوار العقلية) الذي أبدع وأنتج وأضاف ـ ولا يزال يبدع ويضيف ـ أشياء جديدة (فكرية وعلمية وتقنية وصناعية هائلة و…إلخ)([3]) فهو ليس موضع نقاشنا وانتقادنا هنا، بالرغم من وجود كثير من الملاحظات الفكرية النقدية على طبيعة الرؤى والتصورات المفاهيمية التي يعتقدها ويعتنقها حول الوجود والإنسان.

ويبدو لنا حالياً أن النظرة للغرب باعتباره فضاءً سياسياً وسياقاً حضارياً هي النظرة القائمة لدى قطاعات واسعة من نخبنا ومفكِّرينا وأفراد مجتمعاتنا… وبهذا المعنى يصبح الغرب صفة تطلق على مجمل هذا المناخ «الحضاري ـ الثقافي» المتشكِّل تاريخياً في أوروبا بعد حدوث تحوُّلات وصراعات سياسية واجتماعية عنيفة عاصفة (من قبيل: حروب أهلية ونزاعات طائفية مذهبية؛ مواجهات شرسة بين ممثِّلي الدين والعلماء على خلفية العنف الكنسي العاري الذي مورس بحقّ هؤلاء العلماء ممَّنْ وضعوا قوانين ونواميس علمية، واكتشفوا نظريات وسنن حياتية وكونية مخالفة لرؤى ومقدَّسات الكنيسة والإكليروس المسيحي؛ تطوّرات علمية واكتشافات قانونية) أفضَتْ بمجملها إلى خلق تيارات الحداثة والعلمنة والتنوير الأوروبي، التي أقرَّت وكرست المبادئ التالية:

ـ حرّية الفرد المطلقة، وعدم وجود أيّ سلطة مهيمنة عليه، سوى سلطته الذاتية الضميرية الخاصة به. وبذلك تمّ إلغاء دور وتأثير الطقوسية الدينية المسيحية على الأفراد والمجتمعات التي كانت تدور في فلك رجالات الدين، ممَّنْ كانوا يمتلكون زمام المبادرة والحكم بالتكاتف والتعاضد مع السلطات الزمنية التي كانت قائمة في ذلك الوقت.

ـ واعتمدت مبدأ (وعقيدة) العَلْمنة كثقافة ومنهج عملي حيادي تجاه الأديان والطوائف..

ـ وأبعدت الدين عن ساحة الفعل الوجودي الخارجية، وأرجعته إلى وضعه الطبيعي السابق، كحالةٍ من حالات الإيمان الفردي الذاتي، الذي لا علاقة له بمجريات الواقع ومتغيرات الحياة من حوله..

وبمعنىً آخر فقد أقام الغرب وجوده الرمزي والمفاهيمي على الفلسفة العقلية والعلمية المرتكزة على العقل والتجربة والحسّ والرؤية العيانية.. وهي نظرة كونية وفلسفة حياتية عن الوجود والإنسان، مختلفة ومغايرة للنظرة الكونية الإسلامية التي كرَّست مبدأ الخلافة والأمانة.

والغرب كدول وتيارات وواقع «جغرافي ـ سياسي» ليس واحداً متوحِّداً إلاّ بالجهة الجغرافية التي تعيش عليها حالياً معظم المجتمعات الغربية المتدينة مسيحياً، وهي الجهة الواقعة إلى الغرب من مركز الحضارة الإسلامية (مهبط الأديان والرسالات: فلسطين ـ شبه الجزيرة العربية). كما أن الطبائع بين مختلف التيارات والأنظمة الفكرية المسيطرة هناك متفاوتة ومتغيرة، والأمزجة مختلفة ومتقلبة.. فما يمكن أن تشاهده وتتفاعل إيجاباً أو سلباً معه في إنجلترا مثلاً قد يبدو مختلفاً عن فرنسا، وهما بدورهما مختلفان عن ألمانيا وإيطاليا… فنحن ـ إذاً ـ نلاحظ وجود حالة تنوُّع في طبيعة النظرة للأديان والثقافات…، أي إنه يوجد أكثر من تيّار ثقافي وديني مؤثِّر في العالم الغربي في ما يخصّ العلاقة مع الإسلام، ومع الحضارة العربية الإسلامية:

ـ فهناك التيار الديني المتطرِّف (المشابه ـ في السياق العام ـ للتيارات الأصولية المتشدِّدة والمتعصبة في اجتماعنا الديني الإسلامي)، الذي لا يزال ينظر إلى الإسلام بنفس النظرة القروسطية القديمة التي كانت تعتبر الإسلام ديناً غير سماوي، وأن محمداً ليس نبياً، وأن عقائده التي جاء بها عبثية ولا معنى لها؛ لأنها تنكر الحقائق المسيحية([4]). والواضح أن هذا التيار ضعف في الغرب الحديث، ولم يعُدْ له أتباع كثيرون؛ بسبب رسوخ قيم الحداثة العقلية التي أفضَتْ إليها قيم ومبادئ عصر النهضة الأوروبي.

طبعاً لا يمكننا غضّ النظر هنا عن التحريض شبه الدائم الذي تقوم به وتغذيه باستمرار نخب سياسية وثقافية ومراكز قوى سياسية ودينية صهيونية متطرّفة منتشرة في العالم الغربي ضد الإسلام والمسلمين. وقد ساهم هذا المناخ السلبي ـ المتولد تاريخياً([5])، والموجود أصلاً، في داخل البيئة الثقافية الغربية تجاه العرب والمسلمين ـ في إبقاء حالة الشكّ وعدم الثقة بين أتباع الديانتين: (المسيحية؛ والإسلام)، بما يخدم مصالح القوى السابقة في إذكاء عوامل التنابذ والخلاف بينهما، ويحقِّق مكاسبها الخاصة في استدامة الصورة النمطية العنيفة للمسلم في الذهنية الغربية عموماً.

ـ وهناك أيضاً التيار العلماني المسيطر حالياً على واقع وحياة وسياسات المجتمعات الغربية عموماً، والمتحرّر تقريباً من نمطية وأوهام التفكير الديني المسيحي واليهودي القديم (الذي لا يعكس حقائق بمقدار ما يحرف وقائع ويختلق أحداثاً، ويقرِّر قيماً ومبادئ)..

وهذا التيار الحداثي الغربي ليس مهتماً([6]) ـ بصورة عامّة ـ بأقوال وأفكار وثقافة المتدينين والأديان عموماً، بل إنه ينظر بحيادية تامّة إلى الأديان كلها، ويقر مبدأ الدولة وضرورة الخضوع لسلطتها ونظامها العام الذي لا يميِّز بين أتباع دين وآخر.. فالجميع متساوون أمام القانون الوضعي، ولكلٍّ حقَّه في التعبُّد، وحريته في التعبير وفي الولاء والالتزام بأيّ طقسٍ ديني.. فالدساتير التي توصل إليها الغرب الحديث علمانيّة تكفل الحرّيات الخاصّة والعامة لكافّة مواطنيها، وحتى للمقيمين على أراضيها.

أما الجذر الأساسي الذي ارتكز عليه الغرب في نشأته ونموه فهو الجذر المغروس في عمق الحضارة اليونانية القديمة ـ حضارة العقل ـ، التي شكلت التربة والوعاء الحضاري الأهمّ الذي استقت منه أوروبا (والغرب عموماً) ازدهارها وتطورها وأسس تقدّمها اللاحق، بعد مرورها بأدوار وتطورات ثقافية وسياسية ومجتمعية أهلية شديدة التعقيد والتنوُّع… كما كان للمسيحية تأثيرٌ كبير أيضاً في ذلك أيضاً، خصوصاً بعد تبنّيها واحتضانها من قبل الحضارة الرومانية.

ومن المعروف تاريخياً أن الإمبراطورية الرومانية قامت على أجزاء واسعة من القارة الأوروبية، وكان سقوطها في القرن الخامس الميلادي مدخلاً وبوّابة لكثير من التغيُّرات والتحوُّلات في القارّة، كان من أبرزها ما حدث إبان عصر الهجرات، حيث عانت أوروبا كثيراً في ظلّ صعوبة الحياة والمعيشة في العصور المظلمة.

وقد كان للحضارة العربية الإسلامية ـ التي شعَّتْ في الأندلس ـ دوراً حيوياً مهماً في انبثاق النهضة الأوروبية، التي تجلَّتْ من خلال ذلك الدور المميَّز للفكر الإسلامي في الأندلس ـ ولا سيَّما عبر فكر ابن رشد ـ، ليس فقط في إيصال وإنّما في إعادة قراءة الفلسفة الإغريقية، على عكس ما تحاول المصادر الغربية إشاعته والترويج له من أن الأسطورة المؤسّسة للغرب تشكّلت فقط على مرجعية «يونانية ـ رومانية»، ومن دون وجود أيّ دور أو فضل للمصادر الشرقية أو غير المسيحية الأخرى (كالمصرية، الهندية، الإسلامية،…) على الحضارة الأوروبية([7]).

وبعد دخول عصر النهضة الأوروبي، وفترة الممالك الجديدة، وبداية تحرُّر المجتمعات من ربقة الحكم الديني الكنسي الظالم، بدأت عصور الاستكشاف، وانطلقت الاختراعات العلمية، وازداد الاهتمام بالعلوم الإنسانية والتطبيقية. وكانت البرتغال أوّل مَنْ بدأ بالاستكشاف في القرن الخامس عشر الميلادي، وتبعتها بعد ذلك إسبانيا، ومن ثم جاءت بعدهما فرنسا والمملكة المتحدة وهولندا…، حيث لاحظنا كيف قامت كلٌّ من هذه الدول باستعمار الشعوب الفقيرة، والاستيلاء على أراضيها، في قارّات آسيا وأفريقيا والأمريكيتين، حيث (تحرَّكت الهيمنة الاستعمارية الغربية انطلاقاً من مزاعم وأوهام ثلاثة، هي: الدين (المسيحية)؛ والنقاء العرقي؛ والتفوق العرقي. وقد استخدمت هذه المسوِّغات لتبرير غزو مختلف العوالم الأرضية، وإخضاعها والسيطرة عليه).

وبعد انتهاء عصر الكشوفات الجغرافية، وتدفّق المواد الخام من أراضي المستعمرات، أصبح الشغل الشاغل للغرب متركِّزاً حول ضرورة نشر وبثّ أفكار الديمقراطية، وكيفية تطبيقها. فانطلقت الشعوب الأوروبية للمناداة بالحرية والمساواة الفردية. وكان أبرز حدث توَّج تلك الأفكار والتوجُّهات هو الثورة الفرنسية، التي خلقت مناخاً ثقافياً وسياسياً جديداً في أوروبا، وأشاعت أفكار الثورة على الإقطاعيين أو رجال الدين في مختلف مناطق القارة. كما وأدّى نشوء القوميات ـ بمعناها الحديث ـ إلى تعزيز الصراع الدائر بين القوى العظمى في أوروبا على دول العالم الحديث. وكان من أشهر تلك الصراعات ما حدث عند استلام نابليون بونابرت السلطة في فرنسا، حيث أنشأ ما عرف باسم الإمبراطورية الفرنسية، التي سرعان ما انهارت. وبعد سقوط نابليون هدأت القارة الأوروبية نسبيّاً، وبدأ في تلك الفترة انهيار الممالك ونظم الحكم القديمة.

وبعد ذلك ـ وتحديداً في القرن الثامن عشر الميلادي ـ بدأت الانطلاقة الفاعلة والمنتجة للتنوير والحداثة الغربية، وانطلقت الثورة الصناعية في المملكة المتحدة (بريطانيا العظمى). وكان من أهمّ نتائجها تحويل الاقتصاد الأوروبي تدريجياً من الاعتماد الكلّي على الزراعة والمنتجات الزراعية فقط إلى الاعتماد على الصناعة أيضاً، بعد اختراع الآلة البخارية، والمحرِّك، واكتشاف الفحم الحجري الذي كان عصب الصناعة آنذاك.

ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى نهاية الحرب الباردة كانت أوروبا مقسَّمة إلى كتلتين، ومنقسمة على ذاتها إلى حلفين سياسيين واقتصاديين رئيسيين، هما: الحلف الشرقي (الكتلة الشيوعية)، المتركِّزة في أوروبا الشرقية بزعامة الاتحاد السوفياتي السابق؛ والحلف الغربي (حلف الأطلسي) الرأسمالي، المتركِّز في غرب القارة الأوروبية وبعض أجزائها الجنوبية بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية. وبعده حدثت جملة تحوُّلات قادت إلى سقوط الكتلة الشيوعية بعد تهدُّم سور برلين وإعادة توحيد ألمانيا، وتوحُّد أوروبا اقتصادياً وسياسياً تقريباً.

 

 ضبط الإشكالية من الجانبين الغربي والإسلامي

تنحو مجمل السياسات والاستراتيجيات والخطط الدولية الغربية التي تمارسها العديد من الإدارات السياسية الغربية في ما يخصّ طبيعة العلاقات بينها وبين دول وشعوب المنطقة العربية والإسلامية، التي يتحرك فيها الإسلام كقوّة محركة أساسية فكرياً وروحياً، تنحو منحى فكرياً تاريخياً، بات يمثِّل ناظماً ومعياراً قيمياً يحرك ويوجِّه مسارات تلك الإدارات، على تعدُّدها وتنوُّعها واختلافاتها ومواقعها.. ويظهر لنا أكثر أن هناك مجموعة دوافع وبواعث (ومحرِّضات) (غير سياسية واقتصادية على أهمّيتها) حضارية ودينية تبرز أمامنا كمحدّد لطبيعة العلاقة القائمة بين الغرب والإسلام، من جهة أن الغرب السياسي (العلماني التنويري) يجعل ـ في أحايين كثيرة ـ الدين والهويّة والثقافة معايير جوهرية (مخفية في لا شعوره) في نسج وتنظيم العلاقة مع الدول العربية والإسلامية. وكأنَّني أستنتج أن السياسة لدى الغرب حالياً باتت ـ وهي التي كانت تقوم على المصالح والمنافع المتبادلة بين الأمم والشعوب، بصرف النظر عن المعتقد والهوية ـ عاملاً ثانوياً في تنظيم العلاقة بينه وبين العالم العربي والإسلامي، ولم تعد معيار بناء العلاقات بين الدول والشعوب المختلفة.

هذا من جهة الغرب. أما من جهتنا نحن في عالمنا العربي والإسلامي الكبير فقد تشكَّلت جملة عناصر واعتبارات فكرية وعملية وتاريخية خلقت وكوَّنت لدى الرأي العام العربي ـ بشكلٍ عامّ ـ مفاهيم نمطية ثابتة محدّدة للعلاقة مع الآخر الغربي، يمكن إبرازها في ما يلي:

أولاً: طغيان حالة العداء السافر للثقافة الغربية لدى الغالبية العظمى من الشعوب العربية والمسلمة، من حيث اعتبارهم تلك الثقافة دنيوية مادية مستهلكة للروح والجسد، وأن البديل الحضاري الجاهز لها هو الثقافة الإسلامية، التي توازن بين الروح والمادة، وتهدف إلى تحقيق العدالة في الأرض، ونشر قيم الخير والتسامح للإنسانية جمعاء… وقد تكرَّست عملية رفض الفكر والثقافة الغربية لاحقاً نتيجة كلّ تلك التراكمات التاريخية التي سيطرت على الذهن العام الشعبي العربي المسلم تجاه الغرب، من حروب صليبية واستعمار قديم وحديث… وحالياً تتمّ تغذية هذا التصوُّر المسْبَق عبر ما تقوم به بعض المواقع الغربية من حملات عدائية استفزازية سافرة ضد رموز الإسلام، كما حدث مؤخَّراً مع نشر الرسوم المسيئة في الدانمارك، وعرض فيلم الفتنة في هولندا، وفي غيرها من الدول الغربية.

ثانياً: عدم التمييز بين السياسة والثقافة، بين السياسي والثقافي، وطغيان العامل السياسي الآني المتغيِّر على العامل الثقافي الثابت والأساسي في ضبط وتحديد طبيعة ومسار العلاقة مع الغرب من كلا الفريقين: (الغربي؛ والعربي)، وخصوصاً من جهة العرب والمسلمين، حيث إن التيار الغالب عندهم ـ على مستوى النخب والشعوب ـ لا يزال يؤمن ويعتقد اعتقاداً ثابتاً وراسخاً بأن الإسلام دينٌ ودولة، ولا فصل بينه وبين الحياة والواقع الحياتي المعاش بتحوُّلاته وتغيراته المتعدِّدة والمتنوعة.

ثالثاً: عدم إيجاد حلٍّ دائم وعادل لأمّ القضايا السياسية الإشكالية القائمة حالياً، وهي قضية الصراع العربي الإسرائيلي (التي يمكن اعتبارها بحقٍّ أحد أهم قنوات ومنافذ التوتُّر والعنف في العالم حالياً)، حيث لم تعمد مختلف الإدارات الغربية ـ المسؤولة تاريخياً وعملياً عن اغتصاب فلسطين ـ إلى إلزام إسرائيل بإرجاع الأراضي المحتلّة. وقد ثبَّت هذا التعاطي السلبي في داخل ذهنية العرب والمسلمين عموماً الحالة العدائية ضدّ الغرب عموماً، وكرَّس صورته كعدوٍّ مساند لإسرائيل ضد مصالح العرب.

رابعاً: وجود اتّجاه ثقافي وإعلامي عربي وغربي حادّ يعتبر أن الغرب والإسلام في حالة صدام حضاري دائم (ما يسمّى بـ: صدام الحضارات، الذي يتَّجه إليه العديد من المفكِّرين والمؤرِّخين الغربيين، ويحظى بتأييد كبير من نخب وتيارات عربية وإسلامية)…، وأن لا سبيل للحوار والتلاقي بين حضارتين مختلفتين ومتمايزتين، تبحران في اتجاهين مختلفين؛ إحداهما: ثقافة العقل والتجربة والحسّ والعمل؛ وثانيتهما: حضارة القول والنصّ والروح والفكر المجرَّد.

خامساً: ازدياد حدّة الفجوة القائمة تاريخياً بين الغرب والحضارة الإسلامية من خلال ظهور مجموعة متغيِّرات سياسية وتحوُّلات اقتصادية دولية حادّة، كالعولمة مثلاً، وما رافقها ونتج عنها من تعميق لركائز وأسس الثقافة الغربية السائدة (من ليبرالية سياسية وحرية تداول السلطة، وحرية تداول السلعة والمعلومة، واقتصاد السوق المفتوح، إلى الحرّيات العامة المطلقة للفرد والمجتمع والأمّة ككلّ..)، التي باتت تعدّ في عالم اليوم اللغة الحاكمة والمتحكِّمة في كلّ مفاصل العمل الاقتصادي والسياسي العالمي، أي إنها أصبحت عناصر أولية للتعامل والتبادل بين الدول والحضارات… وهذا ما شكَّل (ويشكِّل باستمرار) ضغطاً قوياً على الأسس والبنى الفكرية والمكوّنات الثقافية للدين الإسلامي؛ باعتباره يختزن معطيات وينبني على مقدّمات وقواعد تشريعية منهجية ثقافية صارمة مختلفة ـ في الجذر المكوّن والفكر المؤسِّس، وتالياً في السلوك الممارس ـ عمّا هو قائم في داخل الثقافة الغربية القائمة على العلمنة والحرية.

 

بداية الاحتكاك والصدام الغربي ـ الإسلامي

لم يكن للعرب والمسلمين عموماً أيّ احتكاك عملي واضح ومعروف مع الغرب بعد خروجهم المُذِلّ من الأندلس، إلاّ في حالاتٍ نادرة. وهم ـ بعد ذلك ـ لم يستوعبوا ما حدث في الغرب من تطوُّرات هائلة كرَّسَتْ وجود بَوْنٍ وفارق كبير بينهما.

وقد حدثت القطيعة مع الغرب بفعل المؤسَّسات الدينية التي كانت مسيطرة منذ نهاية العصر العباسي، وكذلك في العصرين السلجوقي والفاطمي (878 ـ 1075م)، وفي العهد الأيوبي (1169 ـ 1260)، وفي عهد المماليك (1261 ـ 1517)… وقد تكرست القطيعة بعد احتلال العالم العربي من قبل العثمانيين([8]) (تحديداً مؤسَّستهم الدينية المنغلقة التي رفضت الاتصال بالغرب الكافر، واستطاعت عزل السلطان عبد العزيز، الذي تجرّأ وطالب بفتح النوافذ على المسلمين)، الذين عزلوا الثقافة العربية، وحالوا بينها وبين التلاقح مع باقي الحضارات والثقافات الغربية.

وبعد ذلك بدأت بواكير الاتصال مع الغرب تظهر. ويمكننا هنا الإشارة سريعاً إلى بعض الأحداث التاريخية الحديثة نسبياً التي ساهمَتْ في خلق أجواء الاحتكاك الحضاري بين الغرب والإسلام، وبداية تظهير تلك «الإشكالية ـ الأزمة» بينهما في تاريخنا الحديث، ومنها:

ـ الحملة الفرنسية على مصر، التي حدثت في العام 1879م، وما تلاها من اتّصال واحتكاك بين مصر وأوروبا. وقد كان لهذا الاتصال دورٌ محوري في تشكيل وصياغة الفكر السياسي والاجتماعي الحديث في مصر، وظهور عدد من التيّارات الفكرية المصرية والعربية.

وبالفعل فقد شكَّلت تلك الحملة حالة صادمة للعرب والمسلمين([9])، وكانت أشبه بالصدمة الكهربائية. وقد ظهرت أولى نتائجها على العرب عبر مناداة جيل النهضة العربية ـ الإسلامية في القرن التاسع عشر بالديمقراطية، والعدالة، والمساواة، وضرورة الأخذ بأسباب العلم. ولم تكن تلك المناداة إلاّ أثراً من آثار حملة نابليون على مصر في نهاية القرن الثامن عشر.

ـ تجربة محمد علي باشا([10])، حيث يسجِّل التاريخ كيفية تولّي محمد علي السلطة عام 1805م بفرمان من الباب العالي، نزولاً عند رغبة الشعب المصري، بالرغم من اشتداد العقبات والعراقيل الكثيرة الداخلية التي واجهت محمد علي، ولكنه تغلب عليها، ودان له حكم البلاد، وانطلق بعدها ليبني مصر الحديثة من جيش واقتصاد وتعليم (بعثات علمية إلى فرنسا).

وقد تمكَّن الباشا محمد علي ـ خلال فترة حكمه ـ من بناء دولة عصرية في ذلك الوقت على النسق الأوروبي، واستعان في مشروعاته الاقتصادية والعلمية بخبراء أوروبيين، ومنهم ـ بصفةٍ خاصة ـ السان سيمونيون الفرنسيون، الذين أمضوا في مصر بضع سنوات في الثلاثينات من القرن التاسع عشر، وكانوا يدعون إلى إقامة مجتمع نموذجي على أساس الصناعة المعتمدة على العلم الحديث. وكانت أهمّ دعائم دولة محمد علي العصرية: سياسته التعليمية والتثقيفية الحديثة. فقد آمن محمد علي بأنه لن يستطيع أن ينشئ قوّة عسكرية على الطراز الأوروبي المتقدِّم (ويزوّدها بكل التقنيات العصرية، وأن يقيم إدارة فعالة، واقتصاد مزدهر يدعمها ويحميها) إلاّ بإيجاد تعليم عصري راقٍ يحلّ محلّ التعليم التقليدي. وهذا التعليم العصري يجب أن يُقتَبَس من أوروبا.

وبالفعل فإنه قام منذ 1809م بإرسال بعثات تعليمية إلى مدن إيطالية (ليفورنو، ميلانو، فلورنسا، وروما)؛ لدراسة العلوم العسكرية، وطرق بناء السفن، وتعلم الطباعة. وأتبعها ببعثات إلى فرنسا، كان من أشهرها بعثة 1826م التي تميَّز فيها إمامها المفكِّر والأديب رفاعة رافع الطهطاوي، الذي كان له دوره الكبير في مسيرة الحياة الإصلاحية الفكرية والتعليمية في مصر.

ـ الحركة الإصلاحية والنهضة العربية الحديثة([11])، التي انطلقت في الوطن العربي أوّلاً، وحاولت النهوض بالعرب والمسلمين من خلال دعوتها إلى إزالة عوامل التخلُّف والضعف والاهتراء التي لحقت بها من جرّاء انتشار البِدَع والخرافات والأساطير التي التصقت بالإسلام زوراً وبهتاناً، فأصبحت هي الدين الحقيقي الذي يدعو إليه ويمارسه الناس في مجتمعاتنا العربية والإسلامية.

وقد ركَّزت الحركات الإصلاحية المعبِّرة عن النهضة العربية ـ في مختلف دعواتها الإصلاحية ـ على ضرورة العودة إلى القرآن والسنّة كأساس لوحدة المسلمين، وأهمّية تنقية الدين الإسلامي من الشوائب التي علقت به عبر عصور الانحطاط العربية، وركَّزت على فتح باب الاجتهاد، والجهاد ضدّ الاستعمار.

وقد ساهمت هذه الحركة النهضوية النشطة في إحداث صدمةٍ حقيقة في داخل المجتمات الإسلامية المنغلقة آنذاك، وساهمت في إحداث يقظةٍ فكرية حقيقية عند العرب والمسلمين، وخصوصاً أنها جاءت ـ في جانب داخلي منها ـ ردّاً على سياسات التتريك والإلغاء التي مارسها المستعمر العثماني بحقّ العرب على مدى أربعة قرون من الزمن، هي المدة التي قضاها الأتراك في بلداننا العربية. فكانت الدعوة التي أطلقها روّاد الإصلاح في مواجهة تلك السياسات منطلقة من ضرورة الانفتاح على الحضارة الغربية، والاستفادة من تفوُّق العرب في العلم والاقتصاد… وقد شكَّل دعاة هذا الاتجاه «الوطني ـ الإسلامي» عدداً من الجمعيات الثقافية والعلمية، حاول أعضاؤها عن طريق الخطب والمحاضرات إبراز فضل العرب في الآداب والعلوم، ووجوب عمل العرب على استعادة أمجادهم التاريخية العظيمة…

وكان من أبرز روّاد وأعلام تلك النهضة ـ التي أسَّست لاحقاً لمجمل مشاريع النهوض العربي والإسلامي، بمختلف توجُّهاتها وانتماءاتها ومشاربها ـ كلٌّ من:

ـ رفاعة الطهطاوي([12]).

ـ بطرس البستاني([13]).

ـ علي مبارك([14]).

ـ المصلح جمال الدين الأفغاني([15]).

ـ محمد عبده([16]).

ـ عبد الرحمن الكواكبي([17])، وغيرهم…

وهؤلاء جميعاً كان لهم دور محوري ونوعي كبير مثمر في الدعوة إلى الإصلاح في بدايات الاتصال مع الغرب، من خلال تفتُّحهم العقلي وانفتاحهم الفكري العملي، الذي تمثَّل عبر احترام منهج العقل وتحرير الفكر الديني من قيود التقليد، وفتح باب الاجتهاد؛ وذلك بهدف إصلاح المجتمع عن طريق تحسين نظم التعليم، وإصلاح التربية والثقافة الإسلامية.

 

الهوامش

(*) باحثٌ وكاتبٌ في الفكر الإسلامي المعاصر. من سوريا.

([1]) تعتبر أوروبا إحدى قارات العالم السبع. وهي تعدّ ـ من الناحية الجغرافية ـ شبه قارة أو شبه جزيرة كبيرة… يمتدّ الجزء الغربي منها من أوراسيا بين جبال الأورال والقوقاز وبحر قزوين من الشرق والمحيط الأطلسي من الغرب، والبحار الأبيض المتوسط والأسود ومنطقة القوقاز من الجنوب، والمحيط القطبي الشمالي من شمال القارة. وهي قارّة صغيرة نسبياً مقارنة ببقية القارات، ما عدا قارة أستراليا الأصغر منها.. أما مساحة أوروبا فتبلغ حوالي 10. 79 مليون كم2، وهذا ما يشكل ما نسبته 7. 1 % من مساحة الكرة الأرضية. وهي أيضاً تصنَّف ثالث قارة من حيث عدد السكان في العالم؛ إذ يزيد عدد سكانها عن 700 مليون نسمة، وهو ما نسبته 11 % من سكّان الأرض. (راجع موقع موسوعة ويكيبيديا على الإنترنت).

([2]) أخذ مصطلح «الغرب أو العالم الغربي» معاني متعدِّدة، فقد كان يقتصر في الماضي على القارة الأوروبية، وبعد ذلك أضيفت إليه المستعمرات التي احتلَّتها قوى الاستعمار الغربي.

ويمكن القول حالياً بأن هذا المصطلح أصبح يستعمل للإشارة إلى تلك الدول التي تتميَّز بعادات وتقاليد ونظم فكرية وسلوكية معيَّنة تختلف عما هو سائد في غيرها من العوالم الأرضية الأخرى. وفي مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية ـ وما أعقبها من تقسيم للعالم إلى ثلاثة أقسام أو محاور ـ أصبح يطلق على العالم المتقدِّم «العالم الأول»، وهو يضمّ عدداً من الدول الكبرى المتحالفة مع بعضها البعض ضمن ما يسمّى بـ «حلف الناتو»، الذي يشمل دول أوروبا الغربية مع الولايات المتحدة الأمريكية. وأصبح مصطلح «العالم الثاني» يطلق على الدول الشيوعية، مثل: روسيا والصين وغيرها من الدول المتضامنة والمتحالفة معها، مثل: كوبا. أما دول العالم الثالث فقد صنّفت بالدول المتخلفة التي كانت ـ في معظمها تقريباً، ونظرياً على الأقلّ ـ حيادية تنمي إلى منظمة دول عدم الانحياز… وهكذا أصبح مصطلح «العالم الغربي» يطلق فقط على دول العالم الأول؛ للدلالة على تطوره وتقدمه وأسبقيته في العلم والمدنية والرقي والتقدم والتحضر التي ستولِّد في ـ وعي ولا وعي الغرب ـ ثقافة التفوُّق والعظمة، والتي ستتجسد من خلال الهجمة الاستعمارية الأوروبية. أما بعد الحرب العالمية الثانية فقد لاحظنا كيف بدأ الوعي الغربي يراجع تاريخه وماضيه المأساوي؛ عسى ولعل ينجح في بناء علاقات من نوع آخر مع مَنْ اقترف بحقِّهم جرائم في الماضي، وهو بصدد وضعهم تحت مظلّته. لكن هذا التطوُّر لم يزحزح القناعة بالتفوُّق على الآخرين حتّى الآن.

([3]) تختزن الحضارة الغربية في داخلها عناصر وجوانب إيجابية كثيرة لا حصر لها، فهي تمثل خلاصة الحضارات البشرية (تراكم الخبرات والمعارف والتطورات) التي تعاقبت على وجه الأرض. وحقَّقت وحدها الإنجازات الحضارية والعلمية والتقنية منذ القرن الثامن عشر، مثل: الآلة البخارية والكمبيوتر والتقدم الطبي والديمقراطية وحقوق الإنسان والتعددية. ولكنْ لا أحد ينكر أنه قد رافق ذلك فوضى بيئية وسياسية واجتماعية وثقافية ومعنوية، وتفاوت هائل في مستوى الحياة بين أبناء الشعوب الأوروبية وبين أبناء الشعوب الأخرى، ومنها: شعوبنا العربية والإسلامية…

([4]) بالرجوع إلى كتاب البِدَع، ليوحنا الدمشقي، الذي توفّي في العام 754م، أي بعد وفاة الرسول| بحوالي 120 سنة، نلاحظ أن هذا الرجل يصنّف في الكتاب المذكور الإسلام باعتبار أنه الزندقة رقم 100، كما أنّه لا يعتبر الرسول الكريم محمد| نبياً، ويضيف بأن عقائد الإسلام غير ذات معنى؛ بسبب تناقضها مع عقائده المسيحية. وفي كتاب آخر له (محاورة بين مسلم ومسيحي) يدافع يوحنا الدمشقي عن المسيحية ـ وهذا من حقِّه كمؤمنٍ بها ـ، ويحذِّر أتباعها في سوريا (التي كانت آنذاك مسيحية الديانة) من اعتناق الإسلام.

وبعد يوحنا الدمشقي بقرونٍ عديدة جاء القديس توما الأكويني، محاولاً إسقاط الإسلام من ذهنية أتباعه وغير أتباعه، منطلقاً من الأفكار الخاطئة والتحريفية التالية التي لا يصدِّقها إلا ّجاهل وساذج، (والتي لن نستفيض في الردّ عليها وتفنيدها، فقد سبَقَنا إلى ذلك كثيرون من علماء الإسلام الكبار ممَّنْ أشبعوا هذا الجانب درساً وبحثاً وتحليلاً وتفنيداً، كما أن المقام هنا ليس مقام الردّ والاحتجاج على آراء الاستشراق الغربي):

ـ الإسلام دين شهواني. وقد استطاع محمد أن يغري الأتباع، ويجذبهم إليه، عن طريق وصف الجنة وشهواتها ونسائها وملذّاتها في القرآن. يضاف إلى ذلك أن محمد كانت له عدّة نساء، وهذا لا يليق بنبيٍّ، على حدّ زعمه.

ـ الإسلام لا يقدّم إلاّ حقائق عادية يسهل على الناس العاديين أن يفهموها. فالإسلام دين العامة والبسطاء والجهلة والمتخلِّفين من الناس بحسب اعتقاد الأكويني. وذلك على عكس الديانة المسيحية المعقَّدة وذات الأسرار الربانية التي لا يفهمها إلاّ الراسخون في العلم.

ـ لم يقنع الإسلام أصحابه وأتباعه بالعقل والحجّة والبرهان. كما أنه انتشر بقوّة السلاح والعنف. وقد خضعوا له قَسْراً وخوفاً من قطع الرقاب. وهذه هي براهين الطغاة وقطّاع الطرق! (وللتذكير فقط نسجل هنا بأن البابا الجديد بنديكتوس الثاني استعاد هذا التوصيف السلبي للإسلام في محاضرته المشهورة التي أحدثَتْ وقتها ضجّةً عالمية في العالم كلِّه).

ـ لا يوجد أيّ إشارة أو ذكر للإسلام ـ أو تنبّؤ بحصوله ـ في العهد القديم أو العهد الجديد (التوراة والإنجيل). وبالتالي فهو مرفوضٌ من قبل اليهودية والمسيحية على التوالي. وذلك على عكس ما يزعمه المسلمون من أن اسم نبيِّهم محمد قد ورد ذكره في الكتب السابقة بصيغة أحمد، ولكنّ اليهود والمسيحيين حذفوه. ومن هنا فقد جاء بأن كتبهم محرَّفة.

ـ قام الإسلام بتشويهٍ لقصص العهد القديم والعهد الجديد، (قصص أنبياء بني إسرائيل وبخاصة موسى وهارون، وكذلك سيرة المسيح وأمّه مريم، عن طريق ذكر قصص جديدة أسطورية مختلقة).

ـ يمنع الإسلام أتباعه ومعتنقي أفكاره ومبادئه من قراءة التوراة والإنجيل؛ لكيلا تنكشف الحقائق المزوَّرة، والأخرى المسروقة من المسيحية واليهودية.

([5]) نشير هنا إلى أن التاريخ يقدم لنا نماذج وأمثلة وافرة لهذا التشويه المتعمَّد للدين الإسلامي، حيث إنه ـ ومنذ ما قبل الحروب الصليبية ـ بقيت صورة العرب والإسلام في الوجدان الغربي سلبية على وجه العموم، إلاّ في حالات نادرة، تحرك العقل فيها ليفكر قبل أن يقطع تقليدياً. وقد بلغت جهود التنفير من الإسلام ذروتها في تلك الفترة، وكان ذلك التنفير جزءاً من حملة التعبئة المضادة التي استهدفت استنفار شعوب أوروبا وتحريضها للانضمام إلى الجيوش التي اتَّجهت نحو القدس؛ لتخليص مهد المسيح من أيدي المسلمين «البرابرة» و«الأشرار».

([6]) لقد بات الدين ـ منذ عصر النهضة ـ عاملاً ثانوياً في واقع ومستقبل الدول الغربية، وأصبح الدور الذي يلعبه هناك هامشياً للغاية. وبالتالي فليست لديها على الجملة حساسيات عقيدية، ولا ثارات ضد الإسلام. بالرغم من وجود عقليات بدائية ـ من كلا الطرفين ـ لا تزال تحاول إعادة الأمور إلى ما كانت عليه سابقاً.

([7]) لقد اعترف بعض كبار المفكِّرين في الغرب بفضل الإسلام في تهيئة الظروف اللازمة لهذا النهوض، وأكدوا أنه لولا مفكِّري وفلاسفة الإسلام ـ الذين طالعوا وهضموا فلسفة الإغريق ـ لم يكن من الممكن للنهضة الأوروبية أن تقوم بمدّ خيوط نَسَب مميزة مع ذلك الإرث الحضاري الكبير التي تدَّعي صلتها المباشرة به. ولكنّ الذي حدث تاريخياً هو إنكار وجود أيّ دور للحضارة الإسلامية في نقل وشرح التراث اليوناني، ولحقه عملية سحق وتدمير منظَّمة لكلّ ما قام المسلمون بتشييده وإنجازه في الأندلس. فعقب طرد المسلمين واليهود منها حوَّل الأوروبيون الأندلس المسلمة، التي كانت معقل التسامح والعلم في أوروبا، إلى معقل للتطهير العرقي، من خلال استحداث تعبير «نقاء الدم». فكان على كلّ مَنْ يتقدم للحصول على وظيفة عمومية أن يثبت نقاء عائلته من الإسلام واليهودية، وذلك منذ أربعة أجيال على الأقلّ. وهذه القاعدة القانونية لم يتوقَّف العمل بها في إسبانيا إلاّ في 1865م.

([8]) حدث الاحتلال العثماني بداية في مصر والشام في العام 1517م.

([9]) يقول المؤرِّخ المصري عبد الرحمن الجبرتي (1754 ـ 1822م) «بأن العرب لم يعُوا الهوّة السحيقة التي تفصل بينهم وبين الغرب إلاّ بعد أن جاءت الحملة الفرنسية، وتعرَّفوا من خلالها على المنجزات العلمية الغربية، وعلى المنجزات الحضارية الأوروبية. وإنهم قبل هذه الحملة كانوا في سبات عميق، وكانوا ما زالوا يعتبرون أنفسهم «خير أمّة أخرجت للناس»، فوجدوا أمامهم أمة ـ فرنسا ـ أكثر منهم علماً، وأبرز تقدُّماً، وأكبر عقلاً، وأغزر خيراً، فصُدموا صدمة كبيرة».

([10]) هو محمد علي باشا الذي عاش بين (1769 ـ 1849م). ويعدّ بحقٍّ باني مصر الحديثة، وحاكمها الفعلي ما بين 1805 ـ 1848م، وقد حكم مصر خلال مرحلة حَرجة من القرن التاسع عشر، واستطاع أن ينقلها من عصور التردّي إلى أن أصبحت دولة قويّة يعتدّ بها.

([11]) اصطلح العلماء والمفكِّرون الأوائل إطلاق هذه الصفة (النهضة) على هذا الحراك الفكري والسياسي الذي عمَّ البلاد العربية منذ بدايات القرن الثامن عشر (تحديداً بين سنة1820 و1914م)، حيث تنبَّه العرب إلى ما فيه من تخلُّف وتأخُّر عن باقي الأمم، وأدركوا ضرورة إحياء الماضي ـ بما فيه من أصالة وتراث عربي إسلامي أصيل ومنفتح ـ، والعمل على تجاوز التخلُّف من أجل بناء مستقبل أفضل.

([12]) عاش رفاعة الطهطاوي بين عامي (1801 ـ 1873م)، وقد ألَّف كتابَيْه المشهورين: (تخليص الإبريز في تلخيص باريز)؛ و(مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية)، بعد عودته من باريس… ويبدو أن الأفكار التنويرية التي طرحها فيهما، من قبيل: (التقدم العلمي، والنهوض الحضاري، والديمقراطية السياسية، وأهمية التربية، ووجوب إشراك الشعب في الحكم)، لم تكن واردة لديه إلاّ بعد أن سافر إلى فرنسا، وتفاعل هناك مع تيارات النهضة والتنوير، واستفادته منها بما يلائم حضارته الإسلامية.

([13]) ولد بطرس البستاني في بيروت/لبنان عام 1819، وتوفي في 1883. وهو أديب لبناني يعتبر من أعظم أركان النهضة العربية. اشترك مع فانديك في ترجمة الكتاب المقدَّس إلى العربية، وأنشأ «المدرسة الوطنية» في بيروت عام 1863م. وكان أوّل مَنْ نادى بتعليم المرأة. ومن أهمّ كتبه وآثاره: «قاموس محيط المحيط». وقد اعتبره كثيرٌ من المفكرين والمصلحين أحد أهمّ روّاد الصحافة العربية الأوّلين، حيث نشر عدّة صحف شهيرة، هي: «نفير سورية» و«الجنان» و«الجنة» و«الجنينة».

([14]) عاش علي مبارك بين عامي (1824 ـ 1893م)، ودعا إلى التركيز على المعرفة والعلم الحديث، وقال بأهمية العدل والعلم كأساسٍ راسخ للتقدُّم. وقد انطلق في موقفه هذا بعد أن اطّلع على الواقع في أوروبا، التي انتقلت ـ في ظلّ العلم والتفكير العلمي ـ من الوحشية إلى الآدمية، وكانت مظاهر هذه الآدمية ما تركته الحملة الفرنسية في مصر من آثار حضارية وعلمية.

([15]) هو جمال الدين الحسيني الأفغاني (1838 ـ 1897م)، أستاذ الإمام محمد عبده. وهو أحد أهمّ الأعلام البارزين في عصر النهضة العربية، وأحد الدعاة للتجديد الإسلامي. وكانت أفكاره الإصلاحية المستنيرة تتمحور حول الديمقراطية والعدالة والمساواة، وضرورة الأخذ بأسباب العلم والتربية الحديثة؛ حيث إن جوهر الإسلام يؤكِّد على ضرورة الأخذ بأسباب العلم والتطور والتقدُّم.

([16]) هو محمد عبده بن حسن خير الله، عاش بين عامي (1849 ـ 1905م).. وفي سنة 1866م التحق بالجامع الأزهر، وفي سنة 1877م حصل على الشهادة العالمية، وفي سنة 1879م عمل مدرِّساً للتاريخ في مدرسة دار العلوم. وفي سنة 1882م اشترك في ثورة أحمد عرابي ضد الإنجليز. وبعد فشل الثورة حكم عليه بالسجن، ثم بالنفي إلى بيروت لمدّة ثلاث سنوات. وسافر بدعوةٍ من أستاذه جمال الدين الأفغاني إلى باريس سنة 1884م، حيث أسس هناك صحيفة العروة الوثقى. وفي سنة 1885م غادر باريس إلى بيروت. وفي ذات العام أسَّس جمعية سرّية بذات الاسم (العروة الوثقى)، قيل: إنها ذات صلة بالمحافل الماسونية العالمية تحت زعم التقريب بين الأديان…

وفي سنة 1886م اشتغل بالتدريس في المدرسة السلطانية. وفي بيروت تزوَّج من زوجته الثانية بعد وفاة زوجته الأولى. وفي سنة 1889م قفل محمد عبده عائداً إلى مصر بعفوٍ من الخديوي توفيق، ووساطة تلميذه سعد زغلول، وإلحاح نازلي فاضل على اللورد كرومر؛ كي يعفو عنه، ويأمر الخديوي توفيق أن يصدر العفو. وقد كان. وقد اشترط عليه كرومر أن لا يعمل بالسياسة، فقبل بذلك.

وفي سنة 1889م عيِّن قاضياً بمحكمة بنها، ثمّ انتقل إلى محكمة الزقازيق، ثم محكمة عابدين، ثم ارتقى إلى منصب مستشار في محكمة الاستئناف عام 1891م. وفي 3 يونيو عام 1899م عيِّن في منصب المفتي، وتبعاً لذلك أصبح عضواً في مجلس الأوقاف الأعلى… وفي 25 يونيو عام 1890م عيِّن عضواً في مجلس شورى القوانين. وفي سنة 1900م أسَّس جمعية إحياء العلوم العربية لنشر المخطوطات. وزار العديد من الدول الأوروبية والعربية. وقد وافته المنية في العام 1905م، عن سبع وخمسين سنة، بعد حياةٍ حافلة بالعمل الإصلاحي الدعوي. ومن أهمّ مؤلفاته: (رسالة التوحيد؛ تحقيق وشرح «البصائر القصيرية للطوسي»؛ تحقيق وشرح «دلائل الإعجاز» و«أسرار البلاغة» للجرجاني؛ الإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية، وفيه ردّ على أرنست رينان سنة 1902م؛ شرح نهج البلاغة للإمام عليّ بن أبي طالب(ع)). (راجع موسوعة ويكيبيديا على الإنترنت).

([17]) عبد الرحمن الكواكبي (1854 ـ 1902م) مفكِّر وعلاّمة سوري. وهو رائد من روّاد التعليم، ومن رواد الحركة الإصلاحية العربية في بدايات القرن العشرين، وكاتب ومؤلِّف ومحامي وفقيه شهير. ولد في حلب السورية. كان لعائلته شأنٌ كبير في حلب. وقد ألَّف العديد من الكتب القيِّمة، وترك لنا تراثاً أدبياً مهماً.. ومن أبرز وأهمّ كتبه: «طبائع الاستبداد»؛ و«أم القرى».. كما ألَّف العظمة لله؛ وصحائف قريش.. وقد فُقد مخطوطان مع جملة أوراقه ومذكّراته ليلة وفاته. وله الكثير من المخطوطات والكتب والمذكرات التي طُبعت.. وما زالت سيرة وكتب ومؤلَّفات عبد الرحمن الكواكبي مرجعاً هامّاً لكلّ باحث ومفكّر يكتب ويتحدَّث عن واقع وإشكاليات النهضة العربية الإسلامية. وكانت وفاته في القاهرة (وهو مكان دفنه)، متأثِّراً بسمٍّ دُسَّ له في فنجان القهوة عام 1902م.