الانتماء الحداثوي وإشكاليّة التعبُّد بالنصّ

9 سبتمبر 2017
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
125 زيارة

الانتماء الحداثوي وإشكاليّة التعبُّد بالنصّ

قراءةٌ نقديّة في آراء مصطفى مَلَكيان

د. سروش دبّاغ(*)

ترجمة: محمد عبد الرزّاق

 

تمهيد ــــــ

منذ زمن وموضوع العلاقة بين الدين والحداثة وعناصر كلّ واحد منهم محطّ اهتمام مفكّري ومثقّفي هذه البلاد. فراح البعض ـ ممَّنْ يندرج تحت عنوان المتنوّر الديني ـ يفرِّق بين ما هو حتمي وغير حتمي في مقوّمات كلٍّ من الدين والحداثة؛ بغية خلق حوار نقدي بين الاثنين. بينما ذهب آخرون ـ ممَّنْ يندرج تحت عناوين المتنوّر العلماني أو غير الديني ـ إلى القول بلا جدوائية التحاور بين الاثنين. إن النسبة القائمة بين الدين والحداثة هي التباين، بمعنى أنّه لا يمكن التماس أيّ نقاط اشتراك بينهما. وهناك أيضاً مَنْ يقول بتنزيه التراث سَلَفاً، فيرفض هذا النوع من التعامل مع القضية، فحكم ببطلان المحاولات الرامية إلى تحقيق هذا الحوار النقديّ برمّتها.

في المضمار ذاته تكلّم السيد (مصطفى مَلَكْيان) عن وجود تباين بين الدين والحداثة، لكنْ ليس بمعنى الحكم بعقم التراث والدين كأكبر مكوِّن في التراث، بل حكم من خلال استعراض جوهر الحداثة وجوهر الدين بتنافر الاثنين([1]).

وسنسعى في مقالنا هذا إلى نقد استدلال ملكيان؛ استناداً إلى آخر مقابلة أجرتها معه صحيفة (شرق)، على هامش ندوة الدين والحداثة. وأيضاً بالرجوع إلى مقالاته في كتاب (سنّت وسكولاريسم) [التراث والعلمانية].

قد يكون من الممكن ترتيب استدلال السيد مَلَكْيان في مسألة التباين بين الدين والحداثة، وتنافي أجزاء مفهوم التنوير الديني ـ بوصفه مصداقاً لهذا المفهوم الكلي ـ على النحو التالي:

المقدّمة الأولى: إن أساس التديُّن هو التعبد.

المقدمة الثانية: إن أساس وقوام الحداثة هو النزعة الاستدلالية ونفي التعبد.

النتيجة: تباين الحداثة مع التديُّن.

هذا الاستدلال صحيح (Volid)، بمعنى أنّ الانتقال من المقدّمات إلى النتيجة صحيح شكلاً. أما من ناحية سلامة الاستدلال (soundness)، وصدق المقدّمتين، فالأمر بحاجةٍ إلى وقفة وتأمُّل.

وسنسعى بدورنا إلى اختبار صدق كلا المقدّمتين، مع الإشارة إلى ما يتعلّق بقيمتها الأبستمولوجية.

 

نقد المقدّمة الأولى (التعبّد أساس التديّن)  ــــــ

تنص المقدمة الأولى على أن أساس التدين هو التعبد. والتعبد عند هذا القائل يقضي بـ «أن (ص) هو (ض)»؛ لأن (س) قال ذلك. وبعبارة أخرى: التعبدي هو مَنْ بنى منظومة عقائده (setofbeliefs) على قدرة وهيمنة شخصٍ ما أو مجموعة من الأشخاص، دون أن يعرض كلّ واحد من تلك المعتقدات على ميزان العقل، ويحسب قيمتها المعرفية. فحَسْب رأي ملكيان إنّ كلّ إنسان متديِّن تعبدي؛ لأنه تلقى معتقداته بشكل تعبدي، دون إقامة دليلٍ عليها.

ويمكن مناقشة هذا المدَّعى من منظارين: أحدهما: وصفي (deseriptive)؛ والآخر: معياري (normative)، اعتماداً على طريقة التحليل المفهومي (conceptual analysis).

الاختبار الوصفي: لا بُدَّ في هذا الصدد من إلقاء نظرة على تاريخ الحضارة الإسلامية، ودراسة سيرة نشطاء هذه الحضارة. فإذا تجاوزنا طبقة المتديِّنين الوسطى أو المعيشيّين ـ كما يعبِّر سروش ـ فإن طبقة المتكلِّمين وطبقة الفلاسفة لم يكونوا تعبُّديين بالمعنى المذكور في نشاطاتهم الفكرية([2]).

فالمتكلِّم أو الفيلسوف، كالفخر الرازي وابن سينا، كان شاغله الأول هو المجادلة والاحتجاج (arymentation). وقد بذل أرباب هذه الطبقة جهودهم في تنقيح معتقداتهم من المفاهيم الخاطئة والكاذبة. وبعبارة أخرى: كانوا يسلِّمون بمقولة: (ص) يساوي (ض)، لا بداعي صدورها عن (س)، وإنْ كان البحث المنطقي والمعرفي مطابقاً لرأي (س) نفسه. بل يبقى الاستدلال واعتماد القواعد العقلية هو سيد الموقف، وليس الناتج والمحصلة. ولهذا نجد لدى غالبية هؤلاء المفكرين آراء ونظريات غريبة وشاذة في مجالات الفلسفة الوجودية وعلم المعرفة والأنتروبولوجيا، لا يستسيغها معظم أرباب التيار الديني. فإذا واجهتنا تعارضات بين أدلة القدماء واستنتاجات المحدَثين من الجانب المعرفي فإن ذلك لا يقلِّل أبداً من شأن منطقية استدلالاتهم. فالمهم في الأمر أن هؤلاء المفكِّرين كانوا يحملون في هواجسهم مسألة التعليل والبحث عن المسوغات (justification)، وإقامة الأدلة، حتّى وإنْ كان الكمّ الأكبر من آرائهم تلك غير معترَف به معرفيّاً، أو غير صادق أساساً.

دعونا هنا نقدِّم الاستدلال السابق كما يلي: إذا كان (p) مدّعانا، وهو عبارة عن: التعبُّد أساس التدين، فسيكون شرط صدق (p) استحالة العثور حتّى على متديّن واحد ليس متعبداً (q). وبواسطة قاعدة رفع التالي يكفينا في نقض (p) إثبات بطلان (q). وبما أنّه يمكن إثبات وجود متديِّن غير متعبِّد، ولو واحدٍ في أقل تقدير، إذن يمكن الطعن في القاعدة (p):

 

مفهوم علاقة الدين بالتعبُّد عند مَلَكْيان ــــــ

يجدر بنا هنا الوقوف عند مدعى ملكيان في مجال العلاقة المفترضة بين التدين والتعبد، وتحليل مفهومها جدلاً. فهو يرى ضرورة فهم الدين من خلال جوهره، وهو التعبُّد. ولن نعتني في هذه الرؤية بمسيرة تاريخ الأديان والمجريات التاريخية لظهور حالة التدين. وفي المقابل سنسلط قراءتنا على المقومات الضرورية لمفهوم الديانة، لنحدد بذلك مرادنا من هذا المفهوم. وحَسْب ملكيان نحن هنا بصدد مثالية (idealtype) التديُّن ونمطيتها. ويكفي في تفنيد تعريفه لمفهوم التدين نفي ارتباط الدين بالتعبد بنحو تحليلي مسبق (a ـ priori)، وأنه يمكن نسبة الإنسان إلى التدين وإنْ لم يكن متعبِّداً. وبعبارة أخرى: إذا لم يكن مفهوم التدين متوقِّفاً على التعدُّد في العالم الممكن (possibleworld) حينها لا يمكن الحديث عن علاقة حتمية بين التدين والتعبد على صعيد المفهوم. افرضوا أن الشخص (s) في العالم الافتراضي لم يؤمن بدينٍ بعد، وافرضوا في الوقت نفسه أن (s) هذا يتمتَّع بعقلية جبارة (super mind) أيضاً، وتصوَّروا من جهةٍ أخرى وجود دين مثل (r) تتوفَّر فيه جميع الشروط والمفاهيم المعقولة. والآن افترضوا أن (s) قدَّم بعقليته الجبارة تقريراً منطقياً (justified) عن جميع تعاليم الدين (r)، وعدَّها من معتقداته، ومن ثم انتمى إلى الدين (r)، وآمن به، فهل يمكن القول بأن (s) آمن بالدين (r) تعبُّداً؟ طبعاً لا؛ لأنه لم يؤمن بقاعدة ص = ض في هذا الدين؛ لكونها صادرة عن (س)، بل كان قد فحص في أصوله العقلية، وتوصل إلى حجّيتها المعرفية بنفسه، أي يمكن افتراض تديُّن في عالمٍ ما لا يشترط فيه التعبد، وهذا يدلّ على أن التعبد ليس شرطاً مفهوماً في تكوين التدين.

وتوضيحاً لذلك إليك هذه المعادلة الرياضية: 2 + 2 = 4؛ إذ يمكن القول بأن هذه المعادلة صادقة في جميع العوالم الممكنة، أي لا يمكننا تصوّر عالمٍ ما يكون فيه 2 + 2 = 5، أو لا يساوي 4. أما في ما مضى من البحث فيمكننا تصوّر وجود شخص (s) في عالم ما متديّن وغير متعبد في الوقت ذاته، وعليه لا يصحّ في مقام التحليل الحديث عن علاقة حتمية بين التدين والتعبد وأنهما لازم وملزوم. ولعل هذا هو السبب والدليل المبتني على منهج التحليل المفهومي، الذي يفسِّر لنا تعدُّد مكونات الدين عند الفلاسفة والعلماء في مقام الثبوت.

فشخص مثل مَلَكْيان يرى التعبُّد هو جوهر وأساس الدين؛ بينما يرى آخر، كسروش ـ برؤية عرفانية، تبعاً لجلال الدين الرومي ـ أنّ الهيام والحيرة هي أساس الدين المتين؛ في حين يذهب فيلسوف حداثوي (فيتغشتاين) إلى أن الدين هو نمط ما أنماط الحياة (form of life) الإيمانية، والتي لا تعني بالضرورة قبول الأفكار الكبرى لدى الأديان التاريخية في مجال الأنطولوجيا أو الأنتروبولوجيا، بل التديُّن عبارة عن تبنّي رؤية دينية تجاه الوجود، يواظب على تقويمها باستمرار. وهي من قبيل نظرة الشعراء إلى الكون، نظرة تحمل في طياتها مهابة الكون، بمعنى اشتمالها على الإيمان بوجود قدرة خارجية عن إرادة الإنسان تقاوم مطالبه. ولهذا السبب راح يهاجم ـ في درس مقولات في الاعتقاد الديني ـ الأب أوهارا الذي كان بصدد الاستعانة بالمفاهيم العلمية بحثاً عن خلق انسجام بين تعاليم الدين ونظريات العالم؛ إذ يرى فتيغشتاين أن التديُّن الحقيقي لا صلة له بالبحوث الاستدلالية، فهي شأن الفلاسفة والمتكلِّمين([3]).

من جهة أخرى يرى فيلسوفٌ لاهوتي كـ (هيك) أن التحوّل من محور الذات (self ـ centeredness) إلى محور الواقع والحقيقة (reality centeredness) هو الركن الأساس في عملية التدين. فهو يعتقد أنه أينما أمكن تحقُّق هذا التحول في الشخصية تحقق معه التديُّن أيضاً.

 

النمطيّة المثاليّة، والترجيح بلا مرجِّح ــــــ

لنفترض هنا أن جميع التعاريف المذكورة في أساس الدين وجوهره كانت منبثقة عن النمطية المثالية في الموضوع، إذاً كيف يمكن الحكم عليها وترجيح بعضها على بعض، فنختار أحدها ونترك البقية؟

الواقع أنه إذا كانت مكونات التدين لا ترتبط بمسيرة الأديان عبر التاريخ وتبلورها، بحيث يكون تعريفنا محدّداً بالدين التجريدي، غير الحاصل فعلاً، فإنّ الترجيح هنا سيكون أمراً اعتباطياً (arbitrary). فلماذا لا يكون جوهر التدين هو التحول في الشخصية، وليس التعبُّد؟ لماذا لا يكون الحيرة والهيام؟ ولماذا لا يكون أيضاً في الرؤية الكونية الخاشعة؟ فما دام تكوّن عناصر التدين بمنأى عن مرحلة تحقُّق الأديان وثبوتها ففي هذه الصورة يبدو أنه لا وجود لمعيار يميِّز بين الأفكار المطروحة حول جوهر الدين وقوامه.

يذكِّرنا هذا الموضوع بالنزاع الدائر بين الفلاسفة حول العلاقة الجدلية بين تاريخ العلم وفلسفة العلم. فكانت المدرسة الوضعية تعتقد أن بامتان فيلسوف العلم تجاهل كتاب تاريخ العلم، فيطرح آراءه في ترسيم حدود العلم ونظرياته من منطلق كونه فيلسوفاً وحَسْب. أما في الوقت الحاضر فيبدو أن هناك إجماعاً بين فلاسفة العلم في قدرة فلسفة العلم على الهيكلية العقلانية لتاريخ العلم. وعليه لا يمكن غضّ الطرف عن تاريخ العلوم الحديثة في التنظيرات العلمية، ونمطيات بلورة النظريات العلمية. وبعبارة أخرى: إن فلسفة العلم هي المنظومة التي تشتمل على الجانب الوصفي التجريبي من جهة، وعلى الجانب الافتراضي المعياري من جهة أخرى، وهو من قبيل: البحث في المعنى والواقعية، والصدق والتعليل. ولنستذكر هنا كلام (لاكاتوس) حين قال: إن فلسفة العلم لا شيء بدون تاريخ العلم، وتاريخ العلم أعمى بدون فلسفة العلم. ونحن نعتقد بأن الرؤية التجريبية التاريخية البعدية مقدّمة على غير التجريبية وغير التاريخية من الناحية المنهجية؛ لأنه في غير ذلك لن يكون من الواضح عن أيّ دين نتحدَّث. فهو دينٌ غير واضح المعالم، ولم يبصر النور بعد، ولا موطن له سوى ذهن المفترض وخلده. فما العلاقة بين ما يصدق عليه الأديان التاريخية المتحقّقة وقراءتنا لمفهوم الدين؟ إذ في هذه الحالة سيكون مرادنا من التديُّن ومقوماته اعتباطياً واجتهادياً شخصياً([4]).

 

نقد المقدّمة الثانية (الحداثة ونفي التعبّد) ــــــ

بعد إكمال مناقشة المقدّمة الأولى ننتقل إلى مناقشة المقدمة الثانية. حيث يرى السيد مَلَكْيان أن أساس الحداثة هو العقلانية والاستدلال ورفض التعبُّد. ومراده من العقلانية أن الشخص الحداثوي إذا كان قبل بمقولة ص = ض فذلك لم يكن بداعي صدورها من (س) تحديداً، وإنما جاء ذلك نتيجة قياسات عقلية أيَّدَتْ لديه صحة هذا المضمون. وبعبارة أخرى: إن ص = ض صادقةٌ؛ لأن ص = ج، وج = ض. وبهذا يكون الاستدلال المذكور ـ المتضمِّن لرفض التعبُّد ـ هو أساس الحداثة وقوامها. وما يلزم من شرط في مدّعى مَلَكْيان هذا هو أنك لن تجد حداثوياً واحداً يؤيِّد عدم إنتاجية الاستدلال المتقدّم للمعرفة، ودعمه لمنظومتنا الفكرية. فإذا وجد مَنْ لا يؤيِّد جدوائية الاستدلال سنرجع إلى تفنيد المدَّعى عن طريق قاعدة رفع التالي. لذا سنستعين ـ في إثبات وجود هذا الإنسان الحداثوي ـ بآراء أولئك الذين نعدّهم حداثويين حَسْب فهمنا المتعارف للحداثة والحداثوية والعالم الحديث([5]). ولنأخذ في عالم المعرفة التأصيليين (foundationalists)، أمثال: (ألستون) و(بلانتينجا)؛ إذ يقولون بأن بناء المعرفة الإنسانية يتكوَّن من طابقين: أحدهما: المعتقدات الأساسية؛ والآخر: المعتقدات غير الأساسية. أما الأخير فهي المعتقدات التي تستمد شرعيتها بطريقة استنتاجية (inferential) من المعتقدات الأساسية، التي هي بدورها منطقية وذات شرعية أيضاً، إلا أن شرعيتها لم تستمدّ من معتقدات أخرى، بل إنها تتأثّر عن طريق بعض المصادر كالإدراك الحسّي (perception) أو الحدس (intuition) والشهود، وهي مصادر ليست على شاكلة تلك المعتقدات، وإلاّ سنقع في التسلسل ـ كما يقول التأصيليّون ـ، وسيخيِّم التشكيك على أفكارنا. وليس الكلام هنا حول أقسام التأصيلية، وحجية المعرفة لكلّ قسم بوصفها تنظيرات تعليلية، فهذا الموضوع قد استوفى حقّه في علم المعرفة بنحوٍ كامل نوعاً ما([6])، وإنّما الكلام هو عن انتفاء الاستدلالية في الرؤية التأصيلية للموضوع المنظور، وبعبارة أخرى: إن العملية الاستدلالية في التأصيلية تقف عند حدٍّ معين، ويتم تحصيل شرعية المعتقدات وعللها بواسطة سبل غير استدلالية، فهل يمكن ـ حَسْب هذا التقرير ـ نفي الحداثوية عن النظرية التأصيلية في باب المعرفة؛ نظراً لكونها تنحرف عن منحى الاستدلالية في هذا المقام؟

كذلك موقف أرباب الشهود والحدس (intuitionists) حين رأوا ـ في مبحث الأخلاق ـ بأن فاعل الأخلاق يتوصَّل إلى صدق المدّعى الأخلاقي عبر نافذة الشهود، وليس بالاستنتاج والاستدلال. فعلى سبيل المثال: يقارن (روس) بين حجية التصديقات الأخلاقية ـ كقاعدة الوفاء بالعهد واجب ـ وحجّية نمط الاستنتاج (form of inference) الذي لا يعوّل على مقدمات أخرى، بل تتحقق حجيته بطريقة غير استنتاجية.

في الواقع يشهد الوسط المعرفي الحداثوي مذاهب لا تؤيّد معرفية الاستدلال في المعنى المذكور، وترى أن قسماً لا يُستهان به من مجموع معارفنا يستمدّ شرعيته من قنوات غير استدلالية. نعم، قد لا يعدّ البعض الحدس والشهود من منابع المعرفة، أو إنّهم لا يعترفون باستدلالات التأصيليّين، لكنّ هذا لا يُلغي انتماء الشهوديّين والتأصيليين إلى الحداثوية، فـ «الحداثة هو أن لا تخذل المقابل إذا ما طالبك بالدليل، فإنْ وصلنا إلى مرحلة عجزنا فيها عن تقديم الدليل فسنلتزم الصمت في قضية «ك = ق» إذا كنا حداثويين، إمّا إذا أيَّدنا «ك = ق» دون دليل على ذلك فسنكون قد ابتعدنا عن الحداثة، وصرنا متعبدين»([7]).

افرضوا أنّني قدَّمت دليلاً على «ك = ق» بهذا النحو: بما أنّ «ك = ل» و«ل = ق» إذن «ك = ق». فإن سئلت عن حجية «ك = ل»، ومن أين أتت؟ سأقول: لأن «ك = م» و«م = ل» إذن «ك = ل». ثم إنْ سئلت عن حجية ودليل «ك = م» فسأقول، بوصفي التأصيلي: إن قاعدة «ك = م» هي عقيدة غير مستنتجة، ولم تستمد حجيتها من سائر المفاهيم والمعتقدات، وإنّما هي نتاج الحدس والشهود بطريقة غير استدلالية. فهنا في الواقع لم ألتزم أنا التأصيلي السكوت تجاه حجّية قاعدة «ك = م» ومن ثم تجاه «ك = ق»، لكنّني في الوقت ذاته لم أقدّم استدلالاً يقنع مَنْ هو ليس تأصيلياً. إذن هل يصح أن يقال: إن هذا الموقف التأصيلي ليس حداثوياً؛ نظراً لمطالبة غير التأصيليين بدليل إثبات، ورفضهم المعتقدات الأساسية غير المستنتجة؟ الأمر ـ على ما يبدو ـ ليس كذلك إطلاقاً. وعليه يمكن القول بوجود فلاسفة وعرفيين حداثويين لا يشترطون الاستدلال بالمعنى المذكور في تبلور المعرفة.

أيضاً ـ وكمثالٍ آخر على ذلك ـ مسألة الاستدلال في اتّباع القواعد والبراهين (rule ـ following argument)، حيث كان مغزى كلام (فيتغنشتاين) في هذا الصدد ـ بوصفه فيلسوفاً حداثوياً ـ يتمحور حول نفي إمكانية تقديم صورة منطقية لضرورة اتّباعنا للقواعد؛ لأن التعليل المعرفي لكلّ دليل منطقي يستلزم دليلاً منطقياً آخر، وهكذا دون توقّف عند حدٍّ من الحدود المنطقية. وهذه المحاولة في التعليل المعرفي تقودنا إلى التسلسل، دون إفادة معرفية تذكر. إذن فما يحصل عند فهم القاعدة واتباعها هو عبارة عن نوع من المواجهة غير النظرية (non-tneoretical confrontation) مع القاعدة، وهي مواجهة تقع في «آن» واحد، دون أن تجد لنفسها تفسيراً. ولا بُدَّ في تحقُّق هذه المواجهة قبل قول أيّ شيء القيام بعملٍ ما واللجوء إلى الممارسة (practice)([8]).

ولسنا هنا بصدد التفصيل في هذا البحث الفلسفي، ومناقشة ما له وما عليه في ما يخصّ استدلال اتّباع القواعد، فهو يتطلَّب مساحة مستقلّة وفرصة أكبر. لكنّ القضية الأهمّ التي تشكِّل قوام بحث القائلين بهذا الاستدلال هي أنّ أهمّ مواجهة معرفيّة لنا مع العالم لا تطالبنا بدليلٍ بالمعنى المذكور. فإنّ أهمّ وأولى أفكارنا وتعاملنا المعرفي مع العالم من حولنا لم تؤسّس على الاستدلال والممارسة([9]). ويمكن رفض هذا القول ومخالفة أصحابه، لكنْ يصعب نفي الحداثوية عنهم.

وعليه يمكن الوصول إلى نتيجةٍ مفادها: لا علاقة بين الحداثوية والاستدلالية.

ويبدو أن استدلال السيد ملكيان ـ وعلى الرغم من صحّته شكلاً ـ عرضة للطعن بكلا مقدّمتيه مضموناً، وهو بحاجةٍ إلى إعادة تشكيل. فقد يكون صائباً في مدَّعاه حول علاقة الدين بالحداثة، لكنّ ما قدَّمه من أدلةٍ على ذلك لا ينهض بإثبات المدَّعى.

 

الهوامش

(*) مفكِّرٌ إيراني معروف، ومن منظِّري الإصلاح الديني في إيران.

([1]) أردنا من مفردة الجوهر المعنى الذي يستعمله السيد ملكيان غالباً، فليس هو التعريف الجوهري (essentialistic) المعتمد على الجنس والفصل، بل يراد منه مكوّن ومقومات مفاهيم الدين والحداثة. انظر في نقد القراءة الجوهرية في مجال تكوّن المفاهيم: مصطفى ملكيان، مشتاقي ومهجوري: 97 ـ 134، طهران، نگاه معاصر، 1385. وفي نقد القراءة الجوهرية في مجال مفهوم الاستنارة انظر: بابك أحمدي، كار روشنفكري: 211 ـ 221، طهران، مركز، 1384.

([2]) وإنْ كان لا يمكن التسليم بأن جميع المتدينين المعيشيين هم متعبدون؛ لأن هؤلاء أيضاً كانوا يسعون في حدود طاقاتهم البشرية إلى إضفاء السمة العقلانية على كلامهم. فعلى سبيل المثال: تجد المتدين المعيشي يذعن بحديث الرسول|؛ لأنه يؤمن بكونه الصادق المؤيَّد، ولهذا فإنّ عمله بأوامر الرسول ونواهيه يقوده إلى الصلاح والنجاح، وبعبارة أخرى: لا يذعن المتدين المعيشي بكلام كلّ مَنْ هبَّ ودبَّ؛ لأنه لم يؤمن بصدقه. وعليه فإن علية اتّباعه لشخصٍ مثل الرسول| جاء نتيجة لصدقه وتأييده الربّاني. وهذا ما يمثِّل دليله على ذلك. أما مسألة إثبات الدليل للمدَّعى من عدمه فهذا أمر لا يقلِّل من سمته العقلانية أبداً. فيمكن أن يطعن في استدلاله، لكن ليس كلّ مَنْ طعن في استدلاله فهو متعبِّد. فالخطأ في الاستدلال تابع لمجريات البحث والفحص العقلاني.

([3]) يرى بعض شراح نظريات (فيتغنشتاين)، ومنهم: (فيلبس)، أنه لا يصح الحديث على موافقة المفاهيم الدينية للواقع من عدمها. فكلُّ شيء عائد لرؤية (attitude) الفرد المتديّن للعالم، كما هو الحال في المثال المعروف عن لوحة البطّة والأرنب، فهي بطّة من زاوية، وأرنب من أخرى، فلا يصح أن نقول: ما هو واقع اللوحة الفعلية؟ فتحديد نوع الحيوان هنا تابعٌ لكيفية المشاهدة، وتحديد موضوع الرؤية بشكل حتمي وحياتيّ أيضاً. للاطلاع على آراء فيلبس انظر: أمير أكرمي، مقالٌ بعنوان: جون هيك واللاواقعية الدينية، فصلية مدرسة، العدد 2، 1384. وتجدر الإشارة إلى أن جون هيك أيضاً كان قد تأثَّر في طرح آرائه في موضوعة الإيمان الديني بنظرية فيتغنشتاين الدينية، التي تنص على عدم تعلق صيرورة الإيمان والحياة الدينية بقبول بعض المفاهيم والأفكار. (انظر: جون هيك، نظرية إي درباره إيمان ديني، ترجمة: هومن بناهنده، صحيفة كيهان، العدد 41.

([4]) يبدو من مسار الأديان التاريخية إمكانية فرض أكثر من جوهر ومكوّن للتديُّن. فالدكتور سروش ـ على سبيل المثال ـ ذكر في بحوثه ثلاثة أنماط للتدين عبر التاريخ البشري، هي: التدين المعيشي، والمعرفي، والتجريبي. وحَسْب رأيه فإنه يمكن أن تلتمس للتديُّن ثلاثة جواهر أو مكوّنات. للاطّلاع أكثر انظر: عبد الكريم سروش، أخلاق خدايان: 143 ـ 156، طهران، طرح نو، 1384. وانظر أيضاً: عبد الكريم سروش، سنّت وسكولاريسم: 1 ـ 201، طهران، صراط، 1384.

([5]) اقتصرت في مناقشة المقدّمة الثانية على منهجية البحث الوصفي؛ لأن المنهجية الافتراضية المنبثقة عن طريقة التحليل المفهومي في موضوعة الحداثة ستبتلى بتلك الإشكالات التي أشرنا إليها. فلا عائد من تقديم مقوّم أو مقوّمات لمفهوم الحداثة المنقطع تماماً عن تاريخها، سوى التعاريف الاعتباطية التفرُّدية. ولا يوجد مرجِّح عقلاني لأحد التعاريف على غيرها.

ونذكِّر أيضاً بأنه كما لا يمكن الحديث عن حتمية العلاقة بين التدين والتعبد في إطار التحليل المفهومي أيضاً لا يتوقَّف تكوُّن مفهوم الحداثة على العقلانية؛ إذ يمكن افتراض عالم وفيه شخص حداثوي (s)، وليس عقلانياً. وكما أن هذا القدر من التصوّر في الدلالة المعرفية (semantic) لا تناقض فيه أيضاً يمكن أن يعتبر دليلاً على إمكانية ذلك واقعاً.

([6]) انظر على سبيل المثال:

Audi,R .(2003) Epistemology: Acontemporaryintrod: Uction to the theory of knowledge (Rutledge: Newyork).

وانظر أيضاً: منصور شمس، آشنائي با معرفة شناسي، طهران، طرح نو، 1384.

([7]) مصطفى ملكيان، سنّت وسكولاريسم: 274 ـ 275، طهران، صراط، 1384، مقال معنوية: گوهر أديان (1).

([8]) يعتقد بعضهم في موضوع الاستدلال على اتباع القواعد ـ أمثال كريبكي ـ أن طريقة البحث هنا هي ضرب من الاستدلال التشكيكي (skeptical argument) الذي يترك ويهجر الواقعية في المعنى والصدق كلياً. وفي مقابل ذلك يأتي فيلسوفٌ مثل مكداول فينقد استدلال كريبكي، ويرى أن استدلال اتباع القواعد في البحوث الفلسفية يؤدّي بنا إلى نفي الاتّجاه الأفلاطوني الميتافيزيقي في باب المعنى والصدق، ولا ينفي جميع القراءات للمعنى والصدق. ونقول باختصار: وفقاً للاتجاه الواقعي فإن وجود الأنماط اللغوية (liuguistic patterns) لا يسمح بأيّ تلاعب في استعمال المصطلحات من قبل الناطق باللغة، فهي تقف في وجه إرادته ورغباته، الأمر الذي يعني ضمان أقلّ قدر ممكن من الواقعية في المعنى والصدق. انظر للتفصيل في الموضوع:

kripke, s. (1982) wittgensteinon Rules and private Language: An Elementary Exposition. oxford, Blackwell; Mcdowell, J (1998) Mind, Value, and Reality. Cambridge, London, Harvard University Press.

([9]) انظر في تفصيل الموضوع:

Luntley, M. the Role of Judgment, philosophical Explorations, special lssue, compttence: Educational philosophy of minded Agency, Branson.