البحرين ودولة القبيلة

26 يونيو 2016
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
279 زيارة

البحرين ودولة القبيلة

ما يقوم به النظام البحريني لا ينتمي إلى سلوك الدول حتى تلك التي تحكمها أنظمة شمولية ديكتاتورية، فاختلاف مظاهر الإغارة القبلية على المواطنين الذين مازال حراكهم المطلبي سلمي وفق إقرارات دولية، لا يمكن إلا أن يؤكد أن ما يحكم البحرين هو قبيلة ونظام قبلي.

بدأ التصعيد بالدفع باتجاه التطرف وانتهاج سياسة الانتقام القبلي ضد من يرفض أوامر شيخ القبيلة، فاعتقل الشيخ علي سلمان لرفضه عده مبادرات حكومية هشة لا ترقى لمستوى التضحيات والدماء،  وهو الرجل الأكثر سلمية وتسامحا في مساره المطلبي، ثم صدر حكم حل جمعية الوفاق وهي أكبر الجمعيات السياسية المعارضة وأكثرها نشاطا في كافة المجالات والأكثر تأثيرا في قرار المعارضة، ولموقفها من الانتخابات الرافض للمشاركة.

وبعدها تم اعتقال الحقوقي الكبير نبيل رجب والذي عرف عنه دعمه بقوة لحق الشعب في حراكه السلمي الذي كفلته شرعة الأمم، وأخرجت قبل ذلك زينب خواجة من البحرين تحت تهديد الاعتقال مجددا، لإفراغ الشارع البحريني من كل صوت حقوقي مؤثر داخلي، يكون شاهدا قويا على استمرار الانتهاكات التي تحاول البحرين التغطية عليها بمنهج الرشاوي المالية تارة، وبتحالفاتها الدولية تارة اخرى من خلال قبولها أن تكون منصة تجسسية تتحكم فيها الأساطيل الأمريكية والبريطانية مقابل سكوتهم عن كل ما يرتكبه هذا النظام القبلي من انتهاكات صارخة.

ثم فرغت صلاة الجمعة من شرطها الأساسي بمنع الخطب السياسية وهي الصلاة التي تحشد فيها الجماهير وتجتمع وتوجه فيها رسائل للجمهور والنظام وتتضح فيها المواقف والالتباسات، أي هي صلاة لها أبعاد توعوية ومبدئية تدفع باتجاه تأكيد حقوق المواطنين وتثبيت دورهم في المطالبات التي تجعل منهم شركاء في الحكم.

فتم إيقاف الصلاة ومن ثم وجهت بنادق الحكومة على مصادر الخمس الذي له اعتبار فقهي في المذهب الشيعي، وبعدها مباشرة جرد الشيخ عيسى قاسم من جنسيته تمهيدا لترحيله.

إذا هو تصعيد يهدف لتفريغ ما تبقى من مقومات الحراك المطلبي والثورة، ومحاولة لتشتيت المعارضة وخاصة الشارع الشيعي، حيث يعتبر صمام أمان وحدته هو الشيخ عيسى قاسم حيث يشكل المظلة الجامعة لكل الأطياف والانتماءات، لتاريخه الوطني والسياسي ودوره الجامع لكل التيارات تحت مظلته التي أسسها على المحبة والتلاقي ونظم الساحة على أسس ومقومات قيام دولة حقيقية مدنية عادلة لا دولة قبيلة.

هذا التصعيد المذهبي يأتي في سياقات قبضة أمنية تفرضها الأنظمة الحاكمة في الخليج، تضيق فيها من مساحات الحرية وتبسط فيها يد الأمن بحجة الاستقرار ومنع أي تهديدات إرهابية.

ولكن ماذا يملك الشعب البحريني من أوراق ضاغطة على هذا النظام القبلي؟

واقعا لايملك إلا التظاهر والرفض السلمي المستمر والإصرار على المطالب، وسيواجه بحملات أمنية جديدة تزيد من عدد المعتقلين ليس أكثر وقد يسقط فيها شهداء.

الخيار السلمي هو المستهدف اليوم في ظل تشابكات إقليمية تخسر فيها السعودية خاصة في اليمن أوراق كثيرة، حيث واجهت ثورة الشعب اليمني بتحالف تدميري هشم حتى الحجر فيه، ومع ذلك صمد الشعب وبدأت ملامح الانتصار تتضح أمام فشل واضح لمواجهة إرادة الشعب اليمني بطاحونة الموت والعنف.

وهو ما يسقط كل محاولات قمع الثورات، ويثبت أركان إرادة الشعب الصلبة في تحقيق مطالبه في المشاركة السياسية العادلة.

ولأن البحرين حديقة السعودية الخلفية، والحراك المطلبي السلمي مضى عليه أكثر من خمس سنوات، رغم كل محاولات جر الحراك للعنف لتبرير أي تدخل عسكري يسحق ما تبقى من البحرينيين الأصيلين، فبات اليوم لزاما جر الحراك البحريني للعنف كي تبرر السعودية اي تدخل غسكري يقضي على كل معالم الثورة.

هذا فضلا عن السعي الحثيث للنظام البحريني في التغيير الجذري لديموغرافية الشعب البحريني، وتفريغه من كل تاريخه الأصيل بتهجير سكانه الأصليين وتشتيتهم، حتى لا يبقى لهم أثر مستقبلي في تاريخ البحرين، فيعاد صياغة تاريخ البحرين ومستقبله على أيدي تابعة للنظام فترسم معالمه وفق رغبات هذا النظام وتؤسس بذلك لأصالة مزيفة للأجيال القادمة.

نحن أمام منحى جديد في الحراك المطلبي وتصعيد خطير ضده يحاول تجريده كليا من كل مقوماته الأساسية التي حفظت بقاءه إلى الآن، بعد كل محاولات تقزيم الحراك وتحجيمه وتفريغه، هذا فضلا عن جره بقوة للعنف لتقوم بضربه ضربة قاضية قد تنهي وجوده ولا تبقي لأهل البحرين الأصيلين أثرا أو بصمة للأجيال القادمة، فتصنع بذلك شعبا جديدا ترسمه وفق أهوائها التي تثبت لها مدامك الحكم .

وليس غريبا أبدا موقف الدول الغربية وأمريكا من كل هذه الانتهاكات الصارخة لشرعة الأمم، كون ما يحدث منذ بداية الحراك كان بتغطية شاملة منها لهذا النظام، وبدعم شامل لوجوده كونه حليف مهم لمصالحها.

لذلك سيبقى الخيار الوحيد للحراك المطلبي والثورة الشعبية في البحرين هو السلمية، كونها المستهدفة اليوم من قبل هذه الأنظمة القبلية، و فد تزداد الحملات التصعيدية.

وحتى لو غيبوا رمزا كالشيخ عيسى قاسم فإن الأساس هو المنهج والثبات عليه، وهو السلمية وتوحيد الصفوف ورصها والاصرار على المطالب بكافة الوسائل السلمية المتاحة.وعدم الرضوخ لأي شكل من أشكال الابتزاز والقمع والتهديد.