الحاكم وميزان القداسة

5 يوليو 2016
التصنيف: مقالات
عدد التعليقات: ٠
373 زيارة

الحاكم وميزان القداسة

العلاقة التبادلية بين الحاكم والمحكوم تشكل مسار العدالة وترسم معالمها.

ويقع الثقل الأكبر في ذلك على وعي الشعب ومدى قدرته على رسم سلوك متزن في التعاطي مع الحاكم، بحيث يمنع هذا السلوك الاستبداد والفرعونية، لكنه في ذات الوقت لا يكون سببا للفوضى والفتنة.

وإحراز هكذا سلوك متزن يتطلب إرشاد مولوي، وتوجيه عملي من قبل شخصية لها ثقلها السماوي ودورها القيادي في الأرض.

ولأن الإمام علي عليه السلام كان له دور بارز في ترشيد الحكم، والتأسيس لعلاقة تبادلية ووظيفية قوامها العدل بين الحاكم والمحكوم القائمة على نظام الاستخلاف الإلهي الرُّتبي فكل من موقعه ووفق رتبته خليفة، فيأتي تسليط الضوء على بعض توجيهاته ومواقفه العملانية في هذا الصدد، لنستقريء من خلالها معالم الحكم الرشيد ومعايير تلك العلاقة وحدودها.

خاصة أننا نعيش في حقبة زمنية انتقالية بطيئة، يسير فيها الحاضر نحو تبدلات محورية في أنظمة الحكم أو في منهجها، وجل هذه التبدلات يتم رسمها وتخطيطها بإرادات وقوى تدفع باتجاه التفافات على رغبات الشعوب في التحرر وتحديد مصيرها داخليا وذاتيا دون تدخلات خارجية.

* الإمام علي ع و ملابسات العلاقة:

إن قراءة التاريخ لها أهمية كبيرة في استكشاف المنهج ورسم خارطة طريق للسنن وللاعتبار من تجارب الآخرين، والاستفادة منها كخبرة يتم مراكمتها على خبرات كثيرة، ترتقي بوعي الإنسان وتختصر عليه كثير من الظلامات والعذابات، من خلال عدم تكراره لأخطاء الماضين ومحاولته النهوض بحاضره بعقل متخلص من الوهنات والسقطات ومعبئ بكل ما هو جديد غير مكرور.

وتذكر لنا كتب الحديث موقفا للإمام علي ع تبين من خلاله شخصية الصلبة والفذة.

فعند وصول الإمام (عليه السلام) إلى أرض الأنبار- إحدى مدن العراق الحدودية- خرّ جمع من الدهّاقين ساجدين أمامه، بحسب التقاليد التي اعتادوا عليها، فغضب الإمام من فعلتهم هذه وصرخ فيهم: “ما هذا الذي صنعتموه؟ فقالوا: خُلُقٌ منّا نعظّم به أمراءنا.

فقال: والله ما ينتفع بهذا أُمراؤكم، وأنّكم لتشقّون على أنفسكم في دنياكم وتشقّون به في آخرتكم، وما أخسر المشقّة وراءها العقاب، وأربح الدعة معها الأمان من النار”.

وهذا النص :

. وقال(عليه السلام) وقد لقيه عند مسيره إلى الشام دهاقين الانبار، فترجّلوا له واشتدّوا بين يديه ( نزلوا عن خيولهم مشاة واسرعوا إليه )
مَا هذَا الَّذِي صَنَعْتُمُوه
فقالوا: خُلُقٌ مِنَّا نُعَظِّمُ بِهِ أُمَرَاءَنَا.
فقال(عليه السلام): وَاللهِ مَا يَنْتَفِعُ بِهذَا أُمَرَاؤُكُمْ! وَإِنَّكُمْ لَتَشُقُّونَ بِهِ عَلَى أَنْفُسِكْمْ [فِي دُنْيَاكُمْ،] وَتَشْقَوْنَ ، بِهِ فِي آخِرَتِكُمْ، وَمَا أخْسرَ الْمَشَقَّةَ وَرَاءَهَا الْعِقَابُ، وَأَرْبَحَ الدَّعَةَ مَعَهَا الاَْمَانُ مِنَ النَّارِ!

‎باب المختار من حكم أمير المؤمنين ص ٧٧٨،٧٧٩

هنا تأسيس مهم من قبل شخصية كانت بموقع متقدم من الأمة والجمهور، بل هي في قمة الهرم، إلا أنه كأمير وكخليفة رفض أن يتم التعاطي معه بنفس طريقة التعاطي مع الجبابرة ولا كإله.

والمشقة التي ذكرها الامام علي ع كأحد ثمرات هذا السلوك في الدنيا، هي من وجهة نظري تكريس تمكين الحاكم من رقابهم واستحكامه في قيدهم كعبيد، بالتالي تحويله لفرعون عليهم لا يستطيعون نتيجة تعظيمهم له وتضخيمهم لذاته أن يقوّموا اعوجاجه أو يصوبوه إذا سلك باطلا أو هضم حقا أو سلب مالا.

هذا فضلا عن تربية النفس الإنسانية وتهيأة قابلية الإستبداد بها، بحيث تستقر في أعماق ولاوعي العقل القابلية للاستعباد والاستبداد، فتنكفيء فطرة التوحيد والعبودية لله وحده.

هذا السلوك الاجتماعي سيتحول لعادة ثم فرض واجب، ثم يصبح تدريجيا دينا يدين به الناس . وتتحول قابلية الاستبداد والاستعباد بهكذا أنماط سلوكية إلى تراث يرثه الأجيال ويرث به الحكام استبدادهم واستعلائهم على الناس.

بالتالي الناس من سيكون الخاسر الأكبر ، كونهم يؤسسون بذلك للظلم لا للعدل وسيشملهم هذا الظلم،  بل سيقودهم سلوكهم ليكونوا أول ضحايا هذا الحاكم . هذا فضلا عن هدر كرامتهم والتضييق عليهم في عيشهم وانقيادهم كعبيد للحاكم لا لله.

ومن موجبات هدر الكرامة وامتهان الإنسان لإنسانيته أن تتحول وظيفته التي خلقها الله لأجله وهي الخلافة التي تكتنز الشراكة والرقابة والتقويم، إلى عبودية تكتنز الاتباع الأعمى وتكريس ثقافة القطيع والنعاج.

بل اعتبر هذا التعظيم أمرا لا ينتفع به الحاكم في شؤون الحكم، فوجود بطانة وظيفتها التطبيل للحاكم والتعظيم والتفخيم، أو ما يقوم به بعض المحيطين بالحكام من تدليس وتزيين للباطل والظلم هو مظهر من مظاهر السجود، كون حركة السجود في ذلك الزمان لها دلالات التعظيم والتفخيم والتسليم بعبودية للحاكم، وأي سلوك يحقق نفس الغايات هو سلوك مشمول في توصيف الإمام علي عليه السلام، وهنا الأمراء قد لا تخص فقط الحاكم، بل كل من له موقعية قيادية ونفوذ وسلطة يمكنه من خلالها التسلط والتحكم فإن التعاطي معه بنفس الطريقة سيكون مشمولا بتوصيف الإمام.

فتغير لغة الجسد لمجرد حضور أصحاب النفوذ والسلطة من أي جهة كانت سواء سياسية أو دينية أو اجتماعية، هذا التبدل الذي يوحي بدلالات القداسة والرهبة والخضوع وقابلية الاستعباد، هو ما يرفضه الإمام ويعتبره مشقة في الدنيا وشقاء في الآخرة وينهى عنه رغم أنه الإمام والخليفة .

وأما في الآخرة فسيكون حسابهم مضاعف رغم مشقتهم ومعاناتهم من الحاكم في الدنيا، كونهم من مكنوه على رقابهم وعبدوه دون الله، وأسسوا بسلوكهم أساس الظلم وصنعوا بذلك فراعنة وآله تعبد دون الله. وفي يوم القيامة يتبرأ هؤلاء المستبدين من كل من اتبعهم وأقرهم على سلوكهم.

والدّعة التي عناها هي عكس المشقة التي صنعوها بسلوكهم هذا، بالتالي تكون سلوك معاكس للسجود للامراء وتذليل النفس لهم، فيكون السجود لله والعبودية له وحده،  والتعاطي مع الحاكم من موقع المسؤولية المشتركة التي يراقب فيها الناس الحاكم ومدى انتظامه في طريق الحق، وتأديته لحقوق الشعب وعدم ظلمه.

ورغم أن الرواية الثانية لا تذكر السجود لكنها تذكر سلوكا شبيها يحقق نفس ما يحققه السجود، وهو إظهار التذلل والانكسار أمام الحاكم . إلا أنها كلها سلوكيات تغير الهدف الوظيفي من الخلقة.

هذا فضلا عن مناصحته و اعتباره في موقع تكليف لا تشريف.

وهذا السلوك يحفظ قيمة الإنسان وكرامته، وحقه في العيش الكريم وضمن حدود العدالة الاجتماعية.

إن تصدي الحاكم لهذا السلوك بحقه وإرشاد الرعية لما فيه صالح دنياهم وآخرتهم، وحفظ قيمتهم الإنسانية وكرامتهم هو سلوك حكام العدل لا حكام الجور. وهو تأسيس لمنهج عام لعلاقة الحاكم والمحكوم، وعلاقة القاعدة والقيادة، وعلاقة العشيرة وزعيمها، وعلاقة كل مسؤول في موقع مسؤولية مع محيطه الذي يديره .

ولكن كيف أسس الإمام علي عليه السلام لعلاقة صحية متزنة بين الحاكم والرعية ؟

* خريطة طريق علائقية بين  موقع القيادة والأتباع:

يقول في أحد خطبه للناس حيث يرسم فيها علاقة الحاكم والمحكوم :

لاَ تُثْنُوا عَلَيَّ بِجَمِيلِ ثَنَاء، لاِِخْرَاجِي نَفْسِي إِلَى اللهِ وَ إِلَيْكُمْ مِنَ التَّقِيَّةِ فِي حُقُوق لَمْ أَفْرُغْ مِنْ أَدَائِهَا، وَفَرَائِضَ لاَ بُدَّ مِنْ إِمْضائِهَا، فَلاَ تُكَلِّمُونِي بَمَا تُكَلَّمُ بِهِ الْجَبَابِرَةُ، وَلاَ تَتَحَفَّظُوا مِنِّي بِمَا يُتَحَفَّظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِرَةِ، وَلاَ تُخَالِطُونِي بالْمُصَانَعَةِ، وَلاَ تَظُنّوا بِيَ اسْتِثْقَالاً فِي حَقّ قِيلَ لِي، وَلاَ الِْتمَاسَ إِعْظَام لِنَفْسِي، فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَثْقَلَ الْحَقَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَوْ الْعَدْلَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ، كَانَ الْعَمَلُ بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَيْهِ.
فَلاَ تَكُفُّوا عَنْ مَقَال بِحَقّ، أَوْ مَشُورَة بِعَدْل، فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِىءَ، وَلاَ آمَنُ ذلِكَ مِنْ فِعْلِي، إِلاَّ أَنْ يَكْفِيَ اللهُ مِنْ نَفْسِي مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنِّي، فَإنَّمَا أَنَا أَنْتُمْ عَبِيدٌ مَمْلُوكُونَ لِرَبٍّ لاَ رَبَّ غَيْرُهُ، يَمْلِكُ مِنَّا مَا لاَ نَمْلِكُ مِنْ أَنْفُسِنَا، وَأَخْرَجَنَا مِمَّا كُنَّا فِيهِ إِلَى مَا صَلَحْنَا عَلَيْهِ، فَأَبْدَلَنَا بَعْدَ الضَّلاَلَةِ بِالْهُدَى، وَأَعْطَانَا الْبصِيرَةَ بَعْدَ الْعَمَى.

وهذه الدعة التي أرادها الأمير عليه السلام، وهذه العلاقة التي رسمها بين كل قائد وكل من هو في موقع مسؤولية وبين القواعد والرعية او من هم في موقع انقياد، هي شراكة ورقابة ترتقي بوعي الناس حتى تصبح العدالة سلوك بديهي عام، فتترشح العدالة من القيادة للقاعدة وتنتظم القاعدة بوعي يقوّم اعوجاج القائد إذا خرج عن منهج العدل والعدالة، وبتحقق العدالة تتحقق كرامة الإنسان التي ترتقي بمعاييره وقيمه في بعديها المادي والمعنوي والجسدي والروحي وتصبح واقية له من الدناءة وكل ما يرتبط بها من سلوك وقيم.

فرفض الإمام من موقع الحاكم والقائد التالي :

– الثناء على الحاكم لمجرد أدائه واجبه وحق الناس عليه.
– الخوف من قول الحق للحاكم في حال انحرافه أو خطئه أو مواجهته ومناصحته.
– مخاطبة الحاكم بطريقة مخاطبة الجبارين التي يطغى عليها التدليس والكذب والمجاملات وتضخيم الذات والمدح المذموم.
– المصانعة في مخالطة الحاكم والتحفظ منه كما يتحفظ عند أهل البادرة.

وطلب منهم كمنهج تأسيسي بين فيه أي حال يجب أن تكون عليه الرعية :

– قول بحق.
– مشورة بعدل.
– عبوديتهم لله وحده فقط وملكه هو لهم.
وبذلك يكون منع تشكيل أي حالة نفسية وقابلية للاستعباد والاستبداد، ورشد العلاقة بين الحاكم والمحكوم،  وأظهر حقيقة موقع القيادة بكل مصاديقها وموقع المُقاد.

* علي واقتفاء الأثر وتمظهرات الولاية:

إن الحب قرينه الاتباع والخضوع واقتفاء الأثر والإحياء هو بث الروح مجددا في الشخصية التي نعيش مناسبتها وإعادة قراءتها وفق مقتضيات زماننا ومكاننا،  ومع تراكم العقل المعرفي الذي يستطيع استلهام المزيد من هذه الشخصيات التاريخية بما يعود بالفائدة على حياتنا فيحييها بهم واقعا وعملا .
إذا نحن بحاجة لإعادة تقييم وسائل الإحياء وأدواته ومحتواه ليحقق غاية الهدف من الإحياء بما يليق بهذه الشخصية العظيمة.

فالله تعالى يقول ” تلك الأيام نداولها بين الناس ” وحيث أن هناك سنن قرآنية وتاريخية تسير وفقها المجتمعات ، فإن قراءة تاريخ تلك الحقبة يجعلنا نقف على آليات استعمال تلك السنن وأثرها في كتابة التاريخ وصناعة تاريخ الأمم ، والانحرافات التي أدت إلى تشويه وانحراف مسيرة الأمة عن المنهج القرآني.

وقد قال الله تعالى :

” ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون” الحديد- ١٦

ويقول الشهيد محمد باقر الصدر في رسالتنا بخصوص هذه الآية:
” بهذا يعلن الاسلام عن ضرورة ازدواج الفكر والعاطفة واجتماع العقيدة وما تتطلبه من ألوان الانفعال والاحساس حتى تدب الحياة في العقيدة وتصبح مصدر حركة وقوة دفع وليست مجرد فكرة عقلية لا يخفق ولا يستجيب لها الحس ولا تتدفقً بالحياة.

ثم يضيف قائلا : إن العواطف التي يرتضيها الاسلام للمسلم هي العواطف الفكرية أي العواطف التي ترتكز على مفاهيم فكرية معينة… أما العواطف السطحية المائعة التي لا تستند إلى مفهوم والتي يثيرها الاحساس أكثر مما يثيرها الفكر فليس من الصحيح للدعوة أن ترتكز على هذه العواطف لأن انتشار هذه العواطف المنخفضة الذي يؤدي إلى سيطرتها في المجتمع يشكل خطرا على الدعوات الفكرية التي تحاول الارتفاع بذهنية الأمة إلى المستوى الفكري والتسامي بها عن المشاعر المرتجلة والأحاسيس الساذجة””

فتمظهر الولاية والاتباع للشخصيات الإلهية يتحقق بالاتباع الواعي المدرك للحق والمتعلق بالحق لا بالأشخاص، فعلي مع الحق والحق مع علي تتطلب منا معرفة الحق حتى ندرك عليا عليه السلام وندرك رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله، وليس فقط اتباع عاطفي مذهبي عصبوي انفعالي قد يوقع صاحبه في الظلم، بل يوقعه في الخروج من ولاية علي ع .