الشهيد الصدر

27 نوفمبر 2017
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
110 زيارة

الشهيد الصدر

والأسس البديهيّة لحساب الاحتمالات

د. محمود مرواريد(*)

ترجمة: حسن علي مطر

 

1ـ مدخل ــــــ

يُعدّ حساب الاحتمالات فرعاً من الرياضيات، حيث تشعَّب وتفرّع كثيراً في الآونة الأخيرة. وعلى الرغم من أن جذور هذه النظرية تعود إلى القرن السادس عشر للميلاد، حيث نشاهدها في الرسائل المتبادلة بين باسكال وفرما، ولكنها حتى بداية القرن العشرين لم تتبلور على شكل منظومةٍ بديهية([1]). وفي بداية القرن العشرين كان عالم الرياضيات الروسي (كولموغروف) هو أوّل مَنْ أجرى تبويباً للأصل البديهي لنظرية حساب الاحتمالات([2]). وفي هذا التبويب ـ مثل جميع منظومات الأسس البديهية ـ يؤخذ عددٌ من المسائل الجوهرية بوصفها من الأسس والقواعد البديهية([3])، ليتمّ استنتاج القضايا منها، وفقاً للطريقة القياسية. تعرف الأسس البديهية لكولموغروف في الوقت الراهن إلى حدٍّ ما بوصفها من الأسس البديهية الثابتة لحساب الاحتمالات، وهناك بطبيعة الحال تبويبات أخرى للقواعد والأسس البديهية لحساب الاحتمالات، ولكنَّها في الغالب تعادل الأسس البديهية لـ (كولموغروف).

والملفت للانتباه أنّ نظرية حساب الاحتمالات منذ بداية ظهورها وحتّى الآن كان لها صلات متنوّعة بالدراسات الفلسفية. فقد كان لهذه النظرية استعمالات وتأثيرات متنوّعة في مختلف الفروع الفلسفية من جهة، كما كانت مثاراً لظهور الكثير من التساؤلات الفلسفية من جهةٍ أخرى. فعلى سبيل المثال: عمد بعض الفلاسفة إلى توظيف نظرية حساب الاحتمالات في بيان وشرح المنهج المعرفي للعلوم التجريبية، وتفسير بعض المفاهيم المعرفية، وتنسيق برهان النظم على إثبات وجود الله، وما إلى ذلك من الموارد.

لقد أثار توظيف هذه النظرية في الفلسفة وغيرها من العلوم الأخرى تساؤلاً هامّاً لدى الفلاسفة، حيث قيل: ما هو التفسير أو التفسيرات التي يمكن تقديمها بشأن مفردة «الاحتمال» التي تلعب الدور الأهم في نظرية حساب الاحتمالات؟ وبعبارةٍ أخرى: ما هو سنخ الحقيقة التي تعبّر عنها الجمل المشتملة على مفردة «الاحتمال»؟ فهل هي تعبّر عن أمر خارجي أو ذهني أو منطقي؟

فعندما نقول على سبيل المثال: (إذا ألقيت العملة على الأرض سيكون احتمال ظهور وجه النقش هو 50%) هل نكون قد أخبرنا عن حقيقة خارجية مستقلّة عن أذهاننا أم أننا نخبر عن مراتب لحالاتنا الذهنية، أم أننا نخبر بذلك عن وجود علاقة منطقية بين القضايا؟

لقد قدَّم الفلاسفة الغربيون تفسيرات مختلفة عن مفهوم الاحتمال، لا يتَّسع المجال هنا للبحث في تفاصيلها. بَيْد أن الملفت للانتباه أنه على الرغم من الاختلاف الكبير حول تفسير مفهوم الاحتمال هناك شبه إجماع على النظرية الصورية والرياضية للاحتمالات. والاعتقاد السائد بشكل عامّ هو القول بأن شرط كفاية أيّ تفسير لمفهوم الاحتمال هو أن يُنتج الأسس البديهية لحساب الاحتمالات، أو أن ينسجم معها في الحدّ الأدنى.

لقد كان السيد الشهيد محمد باقر الصدر أوّل مفكِّر مسلم يتنبَّه إلى أهمية نظرية حساب الاحتمالات، وعمد إلى توظيفها على نطاقٍ واسع في البحوث الفلسفية. حيث قام باستثمارها في كتابه (الأسس المنطقية للاستقراء)؛ من أجل حلّ مسألة الاستقراء، وشرح اعتبار المتواترات والمحسوسات والحدسيّات، وتقرير برهان النظم على إثبات وجود الله، وما إلى ذلك من الموارد الأخرى. كما قام الشهيد الصدر بتوظيف نظرية حساب الاحتمالات في حقل علم الكلام وأصول الفقه، في مسائل من قبيل: إثبات النبوّة الخاصّة، وحجّية التواتر، والإجماع، والشهرة([4]).

لقد حاول الشهيد الصدر بدوره أن يقدِّم تفسيراً جديداً لمفهوم الاحتمال. وقد مثَّل تفسير الشهيد الصدر للاحتمال ـ في واقع الأمر ـ حجر الأساس لأبحاثه الأخرى حول نظرية حساب الاحتمالات. ولولا هذا التفسير لما كان بإمكانه توظيف نظرية حساب الاحتمالات في مختلف المسائل الفلسفية والكلامية والأصولية. ويمكن تقييم تفسير الشهيد الصدر من مختلف الزوايا. إلاّ أنني في هذا المقال سوف أقتصر على بيان مدى انطباق تفسير الشهيد الصدر مع الأسس البديهية لحساب الاحتمالات فقط. وأترك البحث في الجوانب الأخرى من تفسير الشهيد الصدر لمجالاتٍ أخرى.

وفي ما يلي نقدِّم في البداية تقريراً عن الأسس البديهية لنظرية الاحتمالات طبقاً للتبويب الذي اختاره الشهيد الصدر&. وبعد ذلك ستكون لنا إطلالة إجمالية للغاية حول التفسيرات المختلفة لمفهوم الاحتمال. ثم نستعرض تفسير الشهيد الصدر لمفهوم الاحتمال. وفي نهاية المطاف نخوض في تناسب هذا التفسير وانسجامه مع الأسس البديهية لنظرية حساب الاحتمالات.

وسنرى أن تفسير الشهيد الصدر لا ينسجم من بعض الجهات مع تلك الأسس البديهية لحساب الاحتمالات. وعليه سنقدِّم بعض المقترحات؛ لتجاوز هذه المشكلة، مع الحفاظ على جوهر تفسير السيد الشهيد الصدر&.

 

2ـ الأسس البديهية لحساب الاحتمالات ــــــ

عمد السيد الشهيد الصدر في كتابه (الأسس المنطقية للاستقراء) إلى تقرير الأسس البديهية لـ «سي. دي. برود»، نقلاً عن كتاب (المعرفة الإنسانية)، لمؤلِّفه «برتراند راسل»، ليجعله منطلقاً لبحثه كالتالي:

1ـ إذا كان A و B قضيتين، سيكون لـ (A / B) P، قيمة واحدة فقط، وهي احتمال A في فرض B.

2ـ إن القيَم المحتملة لـ (A / B) P، هي الأعداد الحقيقية الواقعة بين الصفر والواحد، بالإضافة إلى هذين العددين.

3ـ لو كان B مستلزماً لـ A؛ لكان 1 = (A / B) P.

4ـ لو كان B مستلزماً لنقيض A؛ لكان 0 = (A / B) P.

5ـ ) P A & B / C) = P (A / C). P (B / A & C) (أصل الاتصال).

6ـ ) P (A v B) = P (A / C) + P (B / C) – P A & B / C) (أصل الانفصال)([5]).

كما أسلفنا في المقدمة فإن التبويب المثالي للأسس البديهية لحساب الاحتمالات هو التبويب الذي قام به كولموغروف. وإن الفارق الهامّ بين التبويب المتقدم وبين الأسس البديهية لكولموغروف يكمن في أن (برود) يفترض أولية الاحتمالات الشرطية، في حين يعمد كولموغروف إلى تعريفها غير شرطية طبقاً لحساب الاحتمالات. ومع ذلك يمكن أن نثبت في نهاية المطاف أن هاتين المنظومتين متعادلتان.

وفي ما يلي تجدر الإشارة إلى أمرين، وهما:

أولاً: إن السيد الشهيد الصدر لا يعمل على توظيف النماذج المثالية في معرض بيانه للأسس البديهية لحساب الاحتمالات، وهكذا بالنسبة إلى الأبحاث التالية لها؛ إذ قال قبل التعريف بهذه الأسس: «سوف نستخدم الرمز: ل / ح للدلالة على احتمال حادثة على افتراض حادثة أخرى، أي إنّا نرمز باللام إلى حادثة، وبالحاء إلى حادثة أخرى، وبـ ل / ح إلى احتمال الحادثة الأولى على افتراض الحادثة الثانية»([6]).

طبقاً لهذا الكلام نستعمل (ل / ح) ليس مثالاً لكسر من الكسور، وإنما هو في الحقيقة المثال الرياضي (ح / ل) P، حيث يكتب بصيغةٍ أخرى. وقد عمد السيد الشهيد الصدر إلى بيان قواعد برود على أساس هذه النماذج. إلى هنا ترتبط المسألة بالتمثيل فقط، وليس هناك مشكلة كبيرة من هذه الناحية. وإنما تأتي المشكلة عندما يتعامل السيد الشهيد مع مثال (ل على ح) بوصفه من الكسور. ومن الواضح أن المفهوم الرياضي لـ (A / B) P يختلف عن مفهوم A على B بشكلٍ كامل، وإن الخلط بين هذين المفهومين يؤدّي إلى نتائج خاطئة. وسوف نرى أن السيد الشهيد الصدر قد وقع في مثل هذا الخلط.

وثانياً: بحسب القاعدة الثانية لبرود فإنّ كل قيمة احتمالية لعدد حقيقي تقع بين الصفر والواحد، بَيْد أن السيد الشهيد الصدر يقول في الهامش([7]): وهذا التفسير للأعداد الحقيقية مخالف للمصطلحات المتداولة في علم الرياضيات تماماً؛ إذ إنه يشمل مجموع الأعداد الحقيقية وغيرها من الأعداد الصامتة.

وربما أراد السيد الشهيد الصدر من هذا التفسير التوفيق بين الأسس البديهية لبرود وبين التعريف الذي قدَّمه لمفهوم الاحتمال؛ إذ سنرى أنه طبقاً لتعريف السيد الشهيد الصدر لا يمكن لاحتمال أيّ حادثة أن يكون عدداً صامتاً. إلاّ أن هذا في حدّ ذاته يشكِّل إحدى نقاط الضعف في تعريف السيد الشهيد الصدر؛ إذ في العلوم التجريبية، وخاصّة الفيزيائية منها، يتمّ إسناد الاحتمالات الصامتة إلى الكثير من الأحداث. ومن هنا كان على السيد الشهيد الصدر أن يصلح تعريفه للاحتمال، لا أن يصلح الأصل الثاني لبرود.

 

3ـ نظرة عابرة إلى التفسيرات المختلفة للاحتمال ــــــ

تقدّم أن أشرنا إلى أنه على الرغم من الإجماع التقريبي بشأن النظرية الصورية لحساب الاحتمالات، إلاّ أن هناك نزاعاً حادّاً بشأن تفسير مفهوم الاحتمال. وهناك في الحدّ الأدنى حتّى الآن ستّة تفسيرات بشأن الاحتمال. وفي ما يلي نتعرَّض لها على نحو الإجمال:

1ـ التفسير التقليدي: إن الاحتمال يعني مخرج قسمة عدد الحالات المطلوبة على مجموع الحالات الممكنة. فعلى سبيل المثال: عندما نرمي الزهر يكون خروج العدد الزوجي هو النصف؛ لأن عدد الحالات المطلوبة هو ثلاث حالات (أي: 2 و4 و6)، وعدد مجوع الحالات هو 6.

2ـ التفسير المنطقي: احتمال القضية A على افتراض القضية B بمعنى مقدار درجة استلزام القضية B للقضية A. فلو أن B أنتجت A من الناحية المنطقية فإن احتمال A في فرض B سيكون 1. وفي غير هذه الصورة سيكون هذا الاحتمال بمقدار يقلّ عن الواحد([8]).

3ـ التفسير الذهني: إن احتمال القضية هو درجة الاعتقاد الذي يتكون لدى الشخص تجاه قضية من القضايا. وطبقاً للتفسير الذهني لا يشترط أن تكون درجات الاحتمال متساوية بالنسبة إلى جميع العقلاء، بل من الممكن حتّى مع افتراض توفّر الشواهد المتساوية أن تختلف درجات الاحتمال شدّة وضعفاً من شخصٍ لآخر.

4ـ التفسير التكراري أو التواتري([9]): إن لهذا التفسير تقريرين مختلفين:

أـ التكرار المتناهي: إذا كان B عبارة عن مجموعة من الأحداث المتناهية التي تحققت بأجمعها، وكان A واقعاً تحت مجموعة B، سيكون احتمال A في الفرض B خارج قسمة عدد أعضاء A على عدد أعضاء B.

ب ـ التكرار اللامتناهي: لنفترض أن واقعة من قبيل رمي الزهر تتكرّر بكثرة، بحيث لو جنح هذا التكرار إلى اللاتناهي، فإن خارج قسمة عدد الموارد التي تخبر عن نتيجة خاصّة (من قبيل: خروج الأعداد الزوجية في كلّ رمية) على عدد مجموع الرميات إلى عدد من قبيل: a، سيتراوح بين الصفر والواحد. وفي هذه الصورة سيكون احتمال تلك النتيجة مساوياً لـ a.

5ـ التفسير التمايلي([10]): إن للتفسير التمايلي تقريرات متنوّعة. فطبقاً لبعض التقارير إن احتمال وقوع حادثة في إطار الظروف المفترضة عبارة عن مقدار الدرجة التي تميل تلك الحادثة إلى تحقّقها في تلك الظروف، أو بعبارة أخرى: مقدار الدرجة التي تميل الشروط المفترضة إلى تحقّقها. وطبقاً لتقرير آخر: عندما نقول إن احتمال تحقق نتيجة خاصة في ظروف قابلية الفرضية P للتكرار فإن المراد من ذلك هو أن تلك الظروف إذا كانت تميل إلى التكرار بشكل كبير فإن نسبة الموارد التي تكون مطابقة للنتيجة المنشودة إلى مجموع الموارد ستكون مقاربة لـ P.

6ـ تفسير الذهن الجمعي([11]): إن احتمال قضية عبارة عن متوسّط درجة الاعتقاد المتكوِّن لدى فئة اجتماعية بشأن تلك القضية، وليس درجة اعتقاد شخص بعينه([12]).

وكما سنرى فإن السيد الشهيد الصدر يقدِّم بدوره تفسيراً للاحتمال، وقد عرضه في إطار تعريفين مختلفين. والتعريف الأول يقرب من بعض الجهات من التفسير الذهني؛ وأما التعريف الثاني فهو التفسير التقليدي. ولكنْ من خلال الالتفات إلى المسائل الجديدة التي نشاهدها في آراء السيد الشهيد الصدر، وما يقوم به من السعي إلى رفع المشاكل الموجودة في التفسير التقليدي، يمكن اعتبار التفسير الذي يقدِّمه الشهيد الصدر تفسيراً مستقلاًّ.

 

4ـ تفسير السيد الشهيد الصدر لمفهوم الاحتمال ــــــ

يعمد السيد الشهيد الصدر إلى بيان تفسيره بعد دراسة التفسيرات التقليدية والتكرار المتناهي. ويمكن تسمية هذا التفسير بـ «التفسير الإجمالي»؛ إذ إنه ـ كما سنرى ـ يقوم على مفهوم العلم الإجمالي بشكلٍ وثيق([13]). وبطبيعة الحال فإن السيد الشهيد الصدر يذهب إلى الاعتقاد بأن هذا التفسير يمكن بيانه في إطار تعريفين مستقلّين عن الاحتمال. وكلا التعريفين مقبولٌ ومعتبر، إلاّ أنّ كلا هذين التعريفين يقوم على مفهوم العلم الإجمالي. ومن هنا يمكن لمصطلح «التفسير الإجمالي» أن يشمل كلا التعريفين.

لقد قام السيد الشهيد الصدر أولاً بشرح مفهوم العلم الإجمالي. إن «العلم الإجمالي» من المصطلحات المتداولة في علم أصول الفقه، ويقع في قبال «العلم التفصيلي». أحياناً يتعلّق علم الإنسان بأمرٍ محدَّد، كأن أعلم بأن عليّاً سيزورني في هذا اليوم. وفي هذه الصورة سيكون العلم مرتبطاً بشيءٍ واحد، وهو مجيء عليّ في هذا اليوم. ويسمّى هذا العلم بالعلم التفصيلي. ولكنْ في بعض الحالات يكون المعلوم أمراً مبهماً وغير محدَّد، كأنْ أعلم بأن شخصاً غير محدَّد ـ إمّا علي أو حسن أو حسين ـ سيقوم بزيارةٍ لي في هذا اليوم. فهنا يتعلَّق العلم بثلاثة أمور، وهي: مجيء علي، ومجيء حسن، ومجيء حسين([14]). ويطلق على هذا العلم مصطلح العلم الإجمالي، ويطلق على كلّ واحد من هذه الأمور الثلاثة اسم (طرف العلم الإجمالي).

والعلم الإجمالي ينقسم بدوره إلى قسمين؛ فأحياناً يكون هناك تنافر بين أطراف العلم الإجمالي، بمعنى أن نعلم بأن أحد أطراف العلم الإجمالي هو الذي سيتحقّق لا غير، كأن أعلم بأن أحد أصدقائي سوف يأتي إلى زيارتي في هذا اليوم. وأحيانا تكون أطراف العلم الإجمالي متناغمة فيما بينها، بمعنى أن يحتمل أن يتزامن حدوث طرفين أو أطراف في العلم الإجمالي، كأن أعلم بأن واحداً من أصدقائي في الحدّ الأدنى سيأتي إلى زيارتي. وكلما كانت أطراف العلم الإجمالي منسجمة مع بعضها يمكن بيانه على صيغة العلم الإجمالي الذي تكون أطرافه متنافية. فعلى سبيل المثال: عندما أعلم بأن واحداً من أصدقائي في الحدّ الأدنى (علي أو حسن أو حسين) سيأتي إلى زيارتي فإن هذا في الحقيقة يعني أني سوف أعلم بتحقُّق واحدة من الحالات التالية:

1ـ مجيء عليّ وحده.

2ـ مجيء حسن وحده.

3ـ مجيء حسين وحده.

4ـ مجيء عليّ وحسن، دون حسين.

5ـ مجيء علي وحسين، دون حسن.

6ـ مجيء حسن وحسين، دون علي.

7ـ مجيء الثلاثة معاً.

واضح أن هذه الحالات السبعة متنافية. وعليه فإننا في كلّ علم إجمالي ذي أطراف متنافية نواجه المسائل التالية:

أـ العلم بشيءٍ غير محدَّد.

ب ـ مجموعة الأطراف، بمعنى مجموع الأمور التي يمكن لكلّ واحد منها أن يكون هو ذلك الأمر غير المحدَّد (المعلوم بالإجمال).

ج ـ مجموعة الاحتمالات المتناظرة مع مجموع الأطراف؛ إذ هناك بإزاء كل طرف من أطراف العلم الإجمالي احتمال قائم على كون ذلك الطرف هو ذلك الشيء غير المحدَّد (المعلوم بالإجمال).

د ـ التنافي بين الأطراف وعدم انسجامها.

وقد عمد السيد الشهيد الصدر إلى تقديم التعريفين الآتيين للاحتمال على أساس العلم الإجمالي ذي الأطراف المتنافية (وعليه فإننا كلما استعملنا مصطلح «العلم الإجمالي» كان مرادنا العلم الإجمالي ذي الأطراف المتنافية):

التعريف الأول: الاحتمال الذي يمكن تحديد قيمته هو دائماً عضو في مجموعة الاحتمالات التي تتمثّل في علم من العلوم الإجمالية، وقيمته تساوي دائماً ناتج قسمة رقم اليقين على عدد أعضاء مجموعة الأطراف التي تتمثّل في ذلك العلم الإجمالي. فإذا رمزنا لكل عضو في مجموعة الاحتمالات بـ (س)، وإلى رقم اليقين بـ (ل)، وإلى عدد أعضاء مجموعة الأطراف بـ (ح) فإن قيمة (س) هي ناتج قسمة (ل) على (ح)، أي ل / ح. فالاحتمال في هذا التعريف ليس له علاقة ونسبة موضوعية بين حادثتين، وليس مجرّد تكرار وجود إحدى الفئتين في أعضاء الفئة الأخرى، بل هو تصديق بدرجة معينة ناقصة من درجات الاحتمال.

التعريف الثاني: أن نجعل الكسر ل / ح رمزاً لنسبة البسط في المقام، بأن نتصوَّر أن مجموعة الأطراف تشتمل على مراكز يحتلّ كلّ عضو من أعضائها مركزاً من تلك المراكز، ونجعل (ح) دالاًّ على مجموعة أطراف العلم الإجمالي، و(ل) على عدد ما يحتلّه الشيء الذي نتحدَّث عن تحديد درجة احتماله من مراكز في مجموعة الأطراف. [وفي هذه الصورة لا يكون للاحتمال بعد ذلك علاقة بدرجات تصديق الفرد]([15]).

في التعريف الأول يمثّل A رقم اليقين، وB عدد أطراف العلم الإجمالي، وعلى هذا الأساس فإن الكسر A / B يمثّل درجة خاصة من الاحتمال؛ لأن هذا الكسر هو ناتج تقسيم رقم اليقين على عدد أطراف العلم الإجمالي، وبذلك فإنه يظهر جزءاً من العلم، وهكذا فإن الاحتمال يشكّل ـ بمعنى من المعاني ـ جزءاً من العلم. إن الكسر A / B، في هذا التعريفين لا يبيِّن نسبة البسط إلى المقام؛ لأن البسط إنما هو رقم اليقين، والمقام عدد أطراف العلم الإجمالي، ولا معنى لأن يكون اليقين متوفِّراً في الأطراف بنسبة معيَّنة؛ لأن اليقين ليس من أعضاء مجموعة الأطراف، ليكون موجوداً بينها بنسبة معيَّنة كـ (النصف أو الربع) مثلاً([16]).

إن هذه العبارة تعكس الفهم الخاصّ للسيد الشهيد الصدر للاحتمال (طبقاً للتعريف الأول). فهو يرى أن اليقين كمية قابلة للقسمة، حيث يتمّ تقسيمه على أطراف العلم الإجمالي، تماماً كما يمكن تقسيم التفاحة إلى قسمين. فعندما تقسم التفاحة بين شخصين ستكون حصة كلّ شخص هي النصف (أي 1 / 2). وإن الواحد في هذا الكسر يبيِّن عدد التفاحات، والاثنين يبين عدد الأقسام، وهكذا إذا كان للعلم الإجمالي طرفان، فإنّ كل طرف يحصل على درجة النصف من اليقين (1 / 2). وإن الرقم واحد هنا يرمز إلى رقم اليقين، والاثنين يرمز إلى عدد الأطراف. وحيث إن اليقين تصديق تامّ فإن كل واحد من أجزاء اليقين سيكون عبارة عن تصديق ناقص، أو هو ما يُعبَّر عنه بـ (الاحتمال).

وفي التعريف الثاني يرمز B إلى عدد أطراف العلم الإجمالي، إلاّ أن A لا يمثّل رمزاً لرقم اليقين. وعلى هذا الأساس فإن A / B لا يبيِّن درجة التصديق. طبقاً لهذا التعريف فإن A يبيِّن الأطراف المطلوبة (أي الأطراف المستلزمة للواقعة المنشودة)، وعليه فإن A / B يبيِّن نسبة تكرار البسط في المقام([17]).

إن التعريف الثاني لا يعدو أن يكون هو التفسير التقليدي للاحتمال. كما أن التعريف الأول يشبه ـ من بعض الجهات ـ التفسير الذهني للاحتمال؛ إذ إن الاحتمال في هذا التعريف ـ كما هو الحال في التفسير الذهني ـ يعتبر درجةً من درجات العلم. وفي الوقت نفسه فإن التعريف الأوّل ينطوي على بعض الغموض. من ذلك أن السيد الشهيد الصدر في هذا التعريف يرى أن نسبة الاحتمال إلى اليقين هي نسبة الجزء إلى الكل، وعلى حدّ تعبيره فإن الاحتمال جزءٌ من اليقين.

ولكنْ هل يمكن تقسيم الحالة الذهنية لليقين بين احتمالين قيمة كلّ واحد منهما تمثّل النصف، كما هو الحال بالنسبة إلى قطع التفاحة إلى نصفين؟ يبدو أن الجواب عن هذا السؤال هو النفي. ففي الإدراك الذهني للاحتمال عندما نقول: إن احتمال ظهور النقش عند رمي العملة المعدنية يبلغ النصف لا نريد منه أن حالة اليقين الذهنية تنشطر إلى نصفين، وإن شطراً منها يتعلَّق بالنقش. إن كسر 1 / 2 إنما يمثل هنا عدداً حقيقياً، وإن معنى الواحد على الاثنين (ظهور النقش عند الرمية) P هو أن احتمال هذا الاعتقاد يبلغ النصف.

وبطبيعة الحال ربما كان مراد السيد الشهيد الصدر من التعريف الأول هو أن درجة احتمال ظهور النقش عند رمي العملة المعدنية (بوصفه عدداً حقيقياً) هو نصف درجة اليقين، وهذا الكلام باعتبار الإدراك الذهني يُعدّ أمراً صحيحاً، ولكن الذي يُفهم من عبارات السيد الشهيد الصدر شيءٌ آخر. فإن الذي يُفهم من ظاهر كلامه هو أن الاحتمال (بوصفه حالة ذهنية) جزءٌ من اليقين، لا أن درجة الاحتمال (بوصفه عدداً حقيقياً) هو نصف درجة اليقين. كما يوجد للسيد الشهيد تصريحٌ في موضعٍ آخر يقول فيه: إن العلم الإجمالي يتمّ تقسيمه بين أطرافه بشكلٍ متساو([18]). وهذا شاهد آخر على أنه يعتبر النسبة القائمة بين اليقين والاحتمال هي نسبة الكلّ إلى الأجزاء.

وبالإضافة إلى ذلك فإن التعريف الأول يواجه مشكلةً أخرى. فطبقاً لهذا التعريف تكون قيمة كلّ احتمال مساوية لتقسيم رقم اليقين على عدد أطراف العلم الإجمالي. وكما سيأتي فإن هذا الأمر سيؤدّي إلى عدم تطابق التعريف الأول مع القواعد البديهية لنظرية حساب الاحتمالات بشكلٍ كامل.

 

5ـ التعريف الثاني للاحتمال والقواعد البديهيّة لحساب الاحتمالات ــــــ

بعد أخذ ما تقدَّم بنظر الاعتبار ندخل في تفاصيل أصل المسألة (أي تطابق تفسير العلم الإجمالي مع القواعد البديهية لنظرية حساب الاحتمالات). يدرس السيد الشهيد الصدر أوّلاً مدى تطابق التعريف الثاني مع هذه الأسس، فإنه يذهب إلى الاعتقاد بأن التعريف الثاني يتطابق مع هذه الأسس بشكلٍ كامل، وفوق ذلك فإن بعض هذه الأسس هي من نتائج التعريف الثاني.

يبدو أن ادعاء السيد الشهيد الصدر غير صحيح؛ لأن الأصل البديهي رقم (5) يشتمل على نتائج لا يمكن إدخالها في إطار التعريف الثاني.

ويمكن لنا بيان هذا الأمر من خلال مثالٍ ملموس وبسيط: لنفترض أنني أعلم أن علياً سيأتي اليوم وحده لزيارتي، أو أن حسناً هو الذي سيأتي اليوم وحده لزيارتي. وافترضوا أيضاً أني أعلم أن علياً يمتلك ثلاثة قمصان، بلون أبيض وأزرق وأخضر، وأما حسن فليس لديه سوى قميص واحد. فما هو مقدار احتمال أن يأتي علي لزيارتي بالقميص الأبيض؟ يمكن بيان درجة هذا الاحتمال من خلال جدول الضرب التالي:

(علي يأتي / علي يأتي بالقميص الأبيض) P في (علي يأتي) P = (علي يأتي بالقميص الأبيض) P.

طبقاً للتعريف الثاني يمكن القول: إن احتمال أن يأتي علي لزيارتي هو النصف، كما أن احتمال مجيئه لزيارتي بالقميص الأبيض هو الثلث، وعليه طبقاً لقواعد الضرب فإن احتمال مجيء علي بالقميص الأبيض يبلغ السدس. وقد قام السيد الشهيد الصدر من خلال ذكر الأمثلة المشابهة بسلوك ذات النهج. بَيْد أن المشكلة هي أننا على أساس التعريف الثاني لا نستطيع أن نسند احتمال السدس إلى حادثة مجيء علي لزيارتي بالقميص الأبيض؛ لأننا سنحتاج إلى علم إجمالي يساعد سدس أطرافه على مجيء عليّ إلى زيارتي بالقميص الأبيض. ولكنْ لا وجود لمثل هذا العلم الإجمالي. توضيح ذلك: إننا في الوهلة الأولى يمكن لنا في هذا المثال أن نفترض عدّة أنواع من التبويب لأطراف العلم الإجمالي. ففي التبويب الأول الذي نقدِّمه للعلم الإجمالي نفترض وجود طرفين فقط:

1ـ عليّ يأتي لزيارتي.

2ـ حسن يأتي لزيارتي.

ومن الواضح أننا طبقاً لهذا التبويب لا نستطيع أن نعتبر مجيء عليّ بالقميص الأبيض واحداً من طرفي العلم الإجمالي في ما نحن فيه.

أما التبويب الممكن الآخر فهو أن نفترض للعلم الإجمالي أربعة أطراف:

1ـ عليّ يأتي لزيارتي بالقميص الأبيض.

2ـ عليّ يأتي لزيارتي بالقميص الأزرق.

3ـ عليّ يأتي لزيارتي بالقميص الأخضر.

4ـ حسن يأتي لزيارتي، ولو كان عليّ يأتي لأتى بالقميص الأبيض.

5ـ حسن يأتي لزيارتي، ولو كان عليّ يأتي لأتى بالقميص الأزرق.

6ـ حسن يأتي لزيارتي، ولو كان عليّ يأتي لأتى بالقميص الأخضر.

طبقاً لهذا التبويب يكون احتمال مجيء عليّ بالقميص الأبيض هو السدس. ولكنْ ـ كما يقول السيد الشهيد الصدر في موضعٍ آخر مصيباً ـ لا يمكن توظيف هذا النوع من القضايا الشرطية لتنظيم أطراف العلم الإجمالي([19]). وعليه لا يمكن أن نحصل على علمٍ إجمالي يمكن من خلاله طبقاً للتعريف الثاني إسناد احتمال السدس إلى مجيء عليّ إلى زيارتي بالقميص الأبيض.

وبعبارةٍ أخرى: إن التعريف الثاني للعلم الإجمالي ليس تعريفاً جامعاً؛ لأن الأصل البديهي رقم (5) يضع بين أيدينا احتمالات لا يشتمل عليها هذا التعريف. ويبدو أن هذه المشكلة تقتصر على الأصل رقم (5) فقط، وأما في ما يتعلق بسائر الأصول فلا نواجه مثل هذه المشكلة. والملفت أن السيد الشهيد الصدر في معرض إثباته لتناغم التعريف الثاني مع هذا الأصل إنما يلجأ إلى ذكر مثالٍ واحد فقط([20]). وفي هذا المثال (بالمناسبة) نجد إمكان الحصول على نتيجة هذا الأصل رقم (5) في إطار علمٍ إجمالي، ولكنْ كما رأينا فإن هذا الأمر لا يمكن تعميمه. وهذا المقدار يثبت عدم كفاية التعريف الثاني. ولكنْ يبدو أن بالإمكان إصلاح التعريف الثاني بحيث نتخلَّص من هذه المشكلة.

لتوضيح هذه النقطة نضطر إلى بيان كيفيّة تنظيم أطراف العلم الإجمالي. من خلال توظيف طريقة حلّ السيد الشهيد الصدر لهذه المسألة يمكن لنا العثور على طريق لإصلاح التعريف الثاني، والعمل على جعله منسجماً مع الأصل رقم (5). يمكن بيان المسألة المذكورة على النحو التالي: في كلا التعريفين اللذين يقدِّمهما السيد الشهيد الصدر للاحتمال نشاهد عبارة «عدد أطراف العلم الإجمالي»، ولكنْ يمكن في العادة تنظيم مجموع أطراف العلم الإجمالي بأشكال مختلفة، بحيث يشتمل إسناد الاحتمال ـ على أساس كلّ تنظيم خاصّ ـ على نتيجة مختلفة. وهنا نتساءل: أي واحد من هذه النتائج الحاصلة من هذه التبويبات الممكنة يجب جعله أساساً لتوزيع الاحتمال؟

فمثلاً: يمكن لك أن تأخذ المثال السابق بنظر الاعتبار، وبطبيعة الحال فإننا نروم هذه المرّة أن ندرس احتمال مجيء عليّ. وكما تقدَّم يمكن لنا تبويب أطراف العلم الإجمالي في هذا المثال على أشكال مختلفة. فعلى سبيل المثال: يمكن لنا أن نرصد طرفين للعلم الإجمالي فقط، وهما:

1ـ عليّ يأتي لزيارتي.

2ـ حسن يأتي لزيارتي.

وعلى أساس هذا التبويب ستكون القيمة الاحتمالية لمجيء عليّ هي النصف.

ولكنْ من ناحية أخرى يمكن لنا أن نفترض أربعة أطراف للعلم الإجمالي:

1ـ عليّ يأتي لزيارتي بالقميص الأبيض.

2ـ عليّ يأتي لزيارتي بالقميص الأزرق.

3ـ عليّ يأتي لزيارتي بالقميص الأخضر.

4ـ حسن يأتي لزيارتي.

طبقاً لهذا التبويب تكون القيمة الاحتمالية لمجيء عليّ [بالقميص الأبيض] هي الربع. وهنا نتساءل: على أساس أيّ تبويب من هذين التبويبين يمكن لنا إسناد الاحتمال؟

قام السيد الشهيد الصدر بمحاولة تستحقّ التقدير لحلّ هذه المسألة. فهو يرى أن هناك تبويباً واحد فقط من بين جميع أنواع التبويبات الموجودة لأطراف العلم الإجمالي يمكنه أن يشكّل قاعدة لإسناد الاحتمال. وبالتالي فإن السيد الشهيد يقترح القاعدة التالية لتنظيم أطراف العلم الإجمالي: «إذا أمكن تقسيم أحد أطراف العلم الإجمالي إلى أقسام دون أن يناظره تقسيم للأطراف الأخرى فهذه الأقسام إمّا أن تكون أصلية؛ وإما أن تكون فرعية. فإذا كانت أصلية فيعتبر كلّ قسم من أقسام الطرف عضواً في مجموعة أطراف العلم الإجمالي. وإذا كانت الأقسام فرعية فلا يُعتبر كلّ قسم من أقسام الطرف عضواً، بل يكون الطرف عضواً واحداً»([21]).

ولكنْ ما هو المراد من الأقسام الأصلية والأقسام الفرعية؟ بحسب تعبير السيد الشهيد الصدر: إن الأقسام الفرعية هي حالات طرف من أطراف العلم الإجمالي متفرّعة على وجوده، وليس لها تأثير فيه. والأقسام الأصلية هي حالات لها تأثير في تقرير وجود ذلك الطرف الذي ينقسم إلى تلك الأقسام.

من خلال توظيف هذه القاعدة يمكن تنظيم أطراف العلم الإجمالي في المثال السابق بشكلٍ صحيح. فإن مجيء عليّ ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

1ـ مجيء عليّ بالقميص الأبيض.

2ـ مجيء عليّ بالقميص الأزرق.

3ـ مجيء عليّ بالقميص الأخضر.

ولكن لا يوجد أيّ تأثير للقمصان في مجيئه. وعلى هذا الأساس طبقاً للقاعدة المتقدّمة يشكّل مجيء عليّ بالقميص الأبيض، ومجيئه بالقميص الأزرق، ومجيئه بالقميص الأخضر، في المجموع، طرفاً واحداً من أطراف العلم الإجمالي. وعليه لا بُدَّ هنا من القول بوجود طرفين للعلم الإجمالي، وليس أربعة أطراف، وبالتالي ستكون قيمة احتمال مجيء عليّ هي النصف.

إن طريقة حلّ السيد الشهيد الصدر لبيان كيفيّة تنظيم أطراف العلم الإجمالي تتمتَّع بقدرة شهودية عالية. وبطبيعة الحال يبدو أن هذه الطريقة من الحلّ لا تخلو من بعض الغموض والنواقص، ويجب تقديم تبويب أدقّ في فرصةٍ أخرى. ولنفترض أننا دقَّقنا في الطريقة الشهودية للسيد الشهيد الصدر بشكلٍ مقبول، وحصلنا على معيار جيِّد لتنظيم أطراف العلم الإجمالي بشكلٍ مناسب،  وتحديد ما هو الأصلي والفرعي في هذا التبويب. مع افتراض هذه الأمور نعود إلى أصل المسألة، وهي كيفية انطباق التفسير الإجمالي على الأصل البديهي رقم (5). ونستعرض المشكلة مرّة ثانية: طبقاً للأصل البديهي رقم (5) يكون احتمال مجيء عليّ بالقميص الأبيض هو النصف. ولكن طبقاً للتعريف الثاني لا يمكن لنا إعطاء مثل هذه النسبة الاحتمالية، حتّى من خلال التنظيم المناسب لأطراف العلم الإجمالي؛ إذ بناءً على منهج السيد الشهيد الصدر لا بُدَّ لتنظيم أطراف العلم الإجمالي من افتراض طرفين له:

1ـ مجيء عليّ.

2ـ مجيء حسن.

ولكنْ لا شيء من هذين الاحتمالين ينطبق على الواقعة مورد البحث، والتي هي مجيء عليّ بالقميص الأبيض.

وفي الحقيقة فإن المشكلة تنشأ من أن التعريف الثاني إنما يحدّد احتمال الوقائع بشكلٍ صحيح إذا كانت بنفسها طرفاً أصلياً للعلم الإجمالي، أو أن تكون ناشئة من تركيب طرفين أو عدّة أطراف أصلية، إلاّ أن مجيء عليّ بالقميص الأبيض ليس واحداً من الأطراف الأصلية للعلم الإجمالي، وإنما هو حالة فرعية لواحد من الأطراف الأصلية. وعليه لا بُدَّ من صياغة التعريف وتغييره بشكلٍ يشمل جميع الوقائع الفرعية وتركيباتها الفصلية أيضاً. والذي يزيد المسألة تعقيداً هو أنّ كل حالة فرعية يمكنها أن تنقسم إلى حالات فرعية أخرى، ومن هنا تكون للفرعية درجاتٌ متفاوتة. وعليه من الممكن للواقعة المنشودة أن تكون بدورها مؤلَّفة من عدّة وقائع فرعية ذات درجات متفاوتة. ومع الالتفات إلى هذه المسألة يكون الخيار الأفضل هو تعريف الاحتمال بشكلٍ عكسي([22]).

 

التعريف العكسي للاحتمال ــــــ

لنفترض أن لدينا علماً إجمالياً تمّ تنظيم أطرافه بشكلٍ مناسب (وكما نعلم فإن المفترض أن لدينا أسلوباً دقيقاً لتنظيم أطراف العلم الإجمالي)، وعلاوة على ذلك قد تمّ القيام بالتقسيمات الفرعية بالشكل الكافي والمناسب. نمنح لكلّ واحد من الأقسام الأصلية والفرعية وزناً مطابقاً للشرطين التاليين:

1ـ إذا كان عدد الأقسام الأصلية n، فإنّ وزن كلّ قسم أصلي هو 1 / n.

2ـ إذا كان الوزن عبارة عن حالة (سواء أكانت أصلية أم فرعية) w، وكانت هذه الحالة بدورها تنقسم إلى m حالة فرعية أخرى، فإنّ وزن كل واحد من الحالات الحاصلة هو w / m.

إن الشرطين الآنفين يعملان بشكلٍ عكسي على تحديد وزن جميع الأقسام. ولنفترض هنا أن الواقعة A تركيب فصلي لعدّة أقسام. عندها يتم تعريف الواقعة A على النحو التالي: إن الاحتمال A يساوي مجموع أوزان الأقسام التي تتألّف منها الحالة A.

كما نلاحظ فإن هذا التعريف يشترط أن تكون التقسيمات الفرعية كافية ومناسبة. والدليل على ذكر الشرط الأول أن أقسام العلم الإجمالي لا تكون دقيقة وجزئية بالمقدار الكافي، وبذلك فإنها لا تنطبق على الواقعة مورد البحث. وفي هذه الصورة لا يكون تحديد احتمال تلك الواقعة ممكناً. ففي مثال القميص إذا لم ندخل في التقسيمات الجزئية (واقتصرنا على أخذ القسمين الأصليين بنظر الاعتبار، وهما: مجيء عليّ؛ ومجيء حسن) لن نستطيع تحديد احتمال مجيء عليّ بالقميص الأبيض؛ لأن هذه القضية لا تنطبق على أيّ واحد من القسمين الأصليين، أو تركيبهما الفصلي.

كما يجب أن تتمّ التقسيمات الفرعية (مهما كانت درجة فرعيّتها) بشكلٍ مناسب. والدليل على ذلك واضحٌ. فقد يعمد شخص إلى تقسيم قضية مجيء عليّ إلى الأقسام الفرعية التالية:

1ـ مجيء عليّ بالقميص الأبيض.

2ـ مجيء عليّ بالقميص الملوّن.

وفي هذه الصورة طبقاً للتعريف العكسي المتقدّم يكون احتمال مجيء علي بالقميص الأبيض هو الربع 1 / 4. ولكنّ الملفت هنا هو أن هذا التقسيم الفرعي لم ينجَزْ بشكل مناسب؛ إذ يجب تقسيم مجيء عليّ إلى ثلاثة أقسام فرعية، وهي:

1ـ مجيء عليّ بالقميص الأبيض.

2ـ مجيء عليّ بالقميص الأزرق.

3ـ مجيء عليّ بالقميص الأخضر.

ولكن كيف يمكن لنا التوصُّل إلى تقسيمات فرعية منجزة بشكل مناسب؟ إن نفس القاعدة التي تحدد مناسبة التقسيم الأصلي يمكن أن تكون معياراً صالحاً لصحة التقسيم الفرعي أيضاً. فعلى سبيل المثال: لنأخذ التمثيل الأخير بنظر الاعتبار. نريد أن نرى هل يجب تقسيم قضية مجيء عليّ إلى قضيتين فرعيتين (مجيء علي بالقميص الأبيض، ومجيء علي بالقميص الملوّن)، أو إلى ثلاثة أقسام (مجيء علي بالقميص الأبيض، ومجيء علي بالقميص الأزرق، ومجيء علي بالقميص الأخضر)؟ لهذه الغاية لنفترض أننا نعلم أن علياً يأتي، ولكنّنا نجهل لون القميص الذي سيرتديه. ثم ننظر طبقاً للقاعدة التي نمتلكها لتنظيم أطراف العلم الإجمالي ما هو عدد الأطراف الأصلية التي يجب أن نرصدها للعلم الإجمالي المفترض. واضحٌ أننا طبقاً لهذه القاعدة يجب أن نفترض وجود ثلاثة أطراف لهذا العلم الإجمالي. إذن في التقسيمات الفرعية يجب أن نرصد هذه الأطراف الثلاثة أيضاً.

ومن الجدير بالقول إن التعريف العكسي قد حافظ بشكلٍ من الأشكال على روح التعريف الثاني للسيد الشهيد الصدر. فأوّلاً: إن هذا التعريف مثل التعريف الثاني يقوم على أساس مفهوم العلم الإجمالي، وثانياً: إن إسناد الاحتمال في هذا التعريف يتم على أساس التقسيمات السابقة. إلاّ أن التعريف العكسي يمتاز عن التعريف الثاني للسيد الشهيد الصدر بإمكانية استنتاج جميع القواعد البديهية لحساب الاحتمالات منه.

 

6ـ التعريف الأوّل للاحتمال والقواعد البديهيّة لنظريّة حساب الاحتمالات ــــــ

ما الذي يمكن قوله بشأن التعريف الأول؟ هل يلبي هذا التعريف القواعد البديهية لنظرية حساب الاحتمالات؟

في ما يلي نبحث في نسبة التعريف الأول إلى الأصول البديهية المتقدمة وهي رقم: (6) و(5) و(2) و(3) و(4) على التوالي:

الأصل (6) يضع مشكلة واضحة أمام التعريف الأول. طبقاً لهذا التعريف تكون قيمة كلّ احتمال مساوية لتقسيم قيمة اليقين على عدد أطراف العلم الإجمالي، إلاّ أن هذا الأمر لا يمكن أن يكون صادقاً بالنسبة إلى بعض الاحتمالات التي نحصل عليها من طريق الأصل البديهي (6). فعلى سبيل المثال: لنفترض أن لدينا صندوقاً يشتمل على ثلاثة أقراص برقم 1 و2 و3، وإن القرص 1 و2 أبيضان، والقرص 3 أسود، ثم نختار قرصاً لا على التعيين، فما هي القيمة الاحتمالية لأن يكون القرص المختار أبيض اللون (أي احتمال أن يكون القرص المختار هو القرص 1 أو 2)؟

طبقاً للأصل البديهي (6) إن اختيار (القرص 1 أو القرص 2) P 2 / 3 = (القرص 1 و2) P – (القرص 2) P + (القرص 1) P. ولكن لا يمكن اعتبار الكسر 2 / 3 تقسيم قيمة اليقين على عدد أطراف العلم الإجمالي بحال من الأحوال؛ لأن قيمة اليقين في نظرية حساب الاحتمالات واحد.

كيف يمكن إصلاح التعريف الأول بحيث يغدو منسجماً مع الأصل البديهي (6)؟ إن الغاية الرئيسة للسيد الشهيد الصدر من التعريف الأول هو تأطير فكرة التفسير التقليدي في إطار الرؤية الذهنية للاحتمال. ولتحقيق هذه الغاية ليس من الضروري أن نقوم بما قام به السيد الشهيد الصدر من جعل كلّ قيمة احتمالية مساوية لتقسيم قيمة اليقين على عدد الأطراف. بل يمكن تعريف الاحتمال بكلّ بساطة على النحو التالي: «إن احتمال القضية B في فرض القضية A، هو درجة اعتقاد الشخص بتحقق القضية B في فرض علمه بتحقق القضية A». إن هذا التعريف تماماً هو التفسير الذهني للاحتمال. وبطبيعة الحال إذا أردنا توظيف الفكرة الأصلية للتفسير التقليدي (أي تعيين الاحتمالات على أساس التقسيمات السابقة) وجب علينا الالتزام بأصلٍ آخر، وهو أن تكون درجة الاحتمال مساوية لتقسيم الحالات المطلوبة على مجموع الحالات الممكنة. وإن الأصل المذكور هنا ليس تعريفاً لمفهوم الاحتمال، وإنما هو يحدِّد مقداره فقط. يمكن تسمية هذا الأصل بـ «الأصل البديهي لتحديد الاحتمال». وكما سنرى ـ بطبيعة الحال ـ لا بُدَّ من إجراء بعض التغييرات في هذا الأصل، وصياغته بشكلٍ أكمل.

حصيلة الكلام: إنّه بالإمكان إصلاح التعريف الأول من خلال جعله تعريفاً ذهنياً للاحتمال، والقبول إلى جانب ذلك بالأصل البديهي في تحديد الاحتمال، بالإضافة إلى الأصول البديهية لنظرية حساب الاحتمالات؛ من أجل الحفاظ على نظرية التفسير التقليدية.

ثم ننتقل إلى بحث انسجام التعريف الأول مع الأصل (5). إن التعريف الأول ـ حتّى مع الإصلاح المقترح آنفاً ـ يبقى في ما يتعلق بالأصل (5) حاملاً لنفس الإشكال الذي كان قائماً في التعريف الثاني؛ فإن هذا الأصل قد يسند احتمالات لا يمكن استيعابها في إطار التعريف الأول. وطريق الحلّ هو ما تقدَّم، بمعنى تحديد الاحتمال بأسلوب عكسي. وبطبيعة الحال فإننا هنا ـ خلافاً للتعريف الثاني ـ لا نعرف الاحتمال بشكلٍ عكسي؛ إذ بناءً على الاقتراح المتقدّم يجب اعتبار التعريف الأول هو ذات التعريف الذهني للاحتمال: إن الاحتمال يعني درجة اعتقاد الشخص. وبدلاً من ذلك نعمل على تغيير الأصل البديهي في تعيين الاحتمال، ونقوم بإعادة كتابته على نحو عكسي.

والملفت للانتباه أن السيد الشهيد الصدر لا يرى أيّ مشكلة بين التعريف الأول والأصل (5) و(6). ولكنّه يدعي في المقابل أن هذا التعريف لا ينسجم مع الأصل (2) و(3) و(4). من وجهة نظر السيد الشهيد الصدر يكمن عدم انسجام التعريف الأول مع الأصل (2) في أنه بناء على الأصل المذكور يمكن لقِيَم الاحتمال أن تكون صفراً وواحداً أو عدداً حقيقياً بين هذين العددين. ولكنْ طبقاً للتعريف الأول فإن الاحتمال هو ذات التصديق الناقص، ومن هنا لا يمكن أن تكون قيمته صفراً أو واحداً؛ لأن قيمة الواحد تمثّل التصديق الكامل، وقيمة الصفر تعني عدم وجود تصديق أبداً. وعلى هذا الأساس يجب اعتبار الصفر والواحد حدوداً خارجية للاحتمال([23]). ويبدو أننا لو عمدنا إلى إصلاح التعريف الأول بالأسلوب الذي تقدَّم ذكره فإن هذا التنافي سيزول أيضاً، وطبقاً للصيغة المستصلحة للتعريف الأول يكون الاحتمال هو درجة الاعتقاد (أو درجة التصديق)، لا درجة التصديق الناقص أو ذات التصديق الناقص. يمكن لدرجة التصديق أن تكون صفراً، وعندها يكون التصديق منتفياً، وقد تكون واحداً، وعندها يكون التصديق تاماً وكاملاً. وعليه يكون التعريف الأول منسجماً مع الأصل (2) بشكلٍ كامل.

وهنا نتساءل: هل التعريف الأول في صيغته المستصلحة منسجم مع الأصلين البديهيين (3) و(4)؟ من ناحية قد يكون الجواب بالنفي؛ لأن الأصل البديهي (3) يقول: إذا كان B مستلزماً لـ A فإن احتمال A في الفرض B مساوٍ لواحد. طبقاً للتعريف الأول فإن اعتبار واحدية الاحتمال A في الفرض B يعني اعتبار A يقينية في فرض إدراك B. ولكنْ لو كانت B مستلزمة لـ A فإن الواقعة A في فرض إدراك B لا تكون يقينية بالضرورة، إلاّ إذا علمنا بهذا التلازم أيضاً. وبعبارةٍ أخرى: لو كانت B مستلزمة لـ A فلكي يكون احتمال A واحداً يجب علينا أن ندرك افتراضين:

1ـ تحقُّق B.

2ـ التلازم بين B وA.

كيف يمكن لنا رفع هذا التنافي؟ يبدو أن من الأفضل هنا، بدلاً من إصلاح التعريف الأول، أن نعمل على إحداث تغيير طفيف في الأصلين البديهيين (3) و(4)، على النحو التالي:

(3) 1 = ((A // B) & A/B) P

(4) 0 = (A – // B) A/B) P

وإن علامة // تشير إلى الاستنتاج المنطقي. يقول الأصل البديهي (3): في فرض تحقق B، واستنتاج A من B، يكون احتمال A واحداً. طبقاً للتعريف الذهني للاحتمال يكون التعبير عن هذا الأصل كالتالي: لو حصل لنا يقين بأن القضية B قد تحقَّقت، وأن القضية B تستلزم القضية A، سوف يحصل لنا يقين بتحقُّق القضية A أيضاً. وكذلك يتم التعبير عن الأصل البديهي (4) بنحو مشابهٍ أيضاً. وعلى هذا الأساس فإن الأصلين البديهيين (3) و(4) منسجمان بشكلٍ كامل مع التعريف الأول بشكله المستصلح.

ويرى السيد الشهيد الصدر عدم انسجام التعريف الأول مع الأصلين البديهيين (3) و(4) أيضاً، بَيْد أن الدليل الذي يسوقه على ذلك يختلف تماماً عن الدليل الذي ذكرناه آنفاً.

إن عبارة السيد الشهيد الصدر في هذا الشأن مبهمة وغير واضحة. فهو يقول: «كما أن الصيغة الأولى من التعريف لا تنسجم مع البديهية الثالثة القائلة: إذا كانت (ح) تستلزم (ل) كان ل / ح = 1، فإنّ (ح) هنا تعني أعضاء مجموعة أطراف العلم الإجمالي، و(ل) تعني الرقم المفترض للعلم، ولا معنى حينئذٍ لافتراض أن (ح) تستلزم (ل). والشيء نفسه نقوله عن البديهية الرابعة»([24]).

يبدو أن هذا الكلام قد نشأ من الخلط بين مفهومين رياضيين هما «(ح / ل) P» (احتمال القضية «ل» في فرض القضية «ح») و«ل / ح» (العدد الحقيقي، حاصل تقسيم «ل» على «ح»). وكما سبق أن أشرنا فإن السيد الشهيد الصدر يستعمل مثال «ل / ح» تارةً كرمز للمفهوم الأول، وتارةً أخرى كرمز للمفهوم الثاني. وفي العبارة المتقدِّمة يخلط بين هذين المفهومين. يجب الالتفات إلى أنه عندما يُقال في الأصل البديهي (3): إذا كان «ح» مستلزماً لـ «ل»، عندها يكون هو 1 = ل / ح»، ويكون المراد من «ح» و«ل» عبارة عن قضيتين، وليس عددين، والمراد من «ل / ح» احتمال وقوع «ل» في فرض «ح»، وليس حاصل تقسيم «ل» على العدد «ح».

فعلى هذا الأساس عندما يقول السيد الشهيد في الصيغة الأولى من تعريف الاحتمال: «إن قيمة احتمال كلّ قضية يعادل تقسيم قيمة اليقين على عدد الأطراف»، ويرمز لذلك بـ «ل / ح» بوصفه كسراً، لا يعود من الجائز له أن يعتبر هذا الكسر وما يرمز له من «ل / ح» متَّحداً مع احتمال القضية «ل» في فرض قضية «ح». من خلال الفصل بين هذين المفهومين يعود الأصل البديهي (3) منسجماً مع الصيغة الأولى من تعريف الاحتمال. توضيح ذلك: إنه بناء على الأصل البديهي (3)، إذا كانت القضية «ح» مستلزمة للقضية «ل» يكون احتمال القضية «ل» في فرض القضية «ح» معادلاً لواحد، بمعنى 1 / 1، وإنّ 1 / 1 عبارة عن كسر يعبِّر بسطه عن قيمة اليقين ومقامه عن عدد أطراف العلم الإجمالي؛ إذ بالإمكان أن نفترض العلم التفصيلي علماً إجمالياً له طرف واحد فقط. وإنّما يتّضح هذا الأمر إذا عمدنا إلى إصلاح التعريف الأول من خلال الأسلوب الذي سبق ذكره، بمعنى القول: إن الاحتمال هو درجة اليقين. ومن الواضح أن القضية «ح» إذا كانت مستلزمة للقضية «ل» ستكون درجة الاعتقاد بـ «ل» في فرض اليقين بتحقُّق «ح» والتلازم بين «ح» و«ل» معادلة لواحد، أي: P(A/B & (BI-A)) =1. وهذا هو الأصل البديهي (3).

 

7ـ الاستنتاج ــــــ

كما رأينا فإن الصيغة الثانية لتعريف السيد الشهيد الصدر للاحتمال لا تنسجم مع الأصل البديهي (5)، بَيْد أنه لا مشكلة له بالنسبة إلى سائر الأصول البديهية الأخرى. ويمكن إزالة هذا التنافي من خلال إحلال التعريف العكسي محل الصيغة الثانية لتعريف الاحتمال. والأمر الهام هو أن التعريف العكسي يحافظ على روح التعريف الثاني. وبطبيعة الحال يجب الالتفات إلى أن هذا الحلّ إنما يكتب له النجاح إذا كان لدينا معيارٌ مقنع لتنظيم أطراف العلم الإجمالي. وقد افترضنا وجود مثل هذا المعيار في هذا المقال. ولكنّ تقييم هذا المعيار يحتاج إلى مقالٍ آخر.

كما أن الصيغة الأولى لتعريف الاحتمال تتنافى مع الأصلين البديهيين (5) و(6) أيضاً. إلاّ أن السيد الشهيد الصدر لا يشير إلى ذلك. ويمكن إزالة التنافي بين التعريف الأول والأصل البديهي (6) من خلال استبدال التعريف الثاني بالتعريف الذهني. وبطبيعة الحال للحفاظ على رأي السيد الشهيد الصدر (الذي هو تحديد الاحتمال على أساس العلم الإجمالي، وعلى أساس التبويبات والتقسيمات المتقدّمة) لا بُدَّ من الإيمان بالأصل البديهي لتحديد الاحتمال إلى جوار الأصول البديهية لنظرية حساب الحتمالات. يبيِّن هذا الأصل كيف يتمّ تعيين احتمال قضية على أساس العلم الإجمالي. كما يجب رفع التنافي بين الصيغة الأولى لتعريف الاحتمال والأصل البديهي (5) من خلال التعريف العكسي.

يرى السيد الشهيد الصدر وجود التنافي بين الصيغة الأولى لتعريف الاحتمال وبين الأصول البديهية (2) و(3) و(4)، ولكنْ يبدو أن القول بالتنافي بين هذا التعريف والأصلين البديهيين (3) و(4) ناشئٌ من الخلط بين المفهومين الرياضيين «A/B» و«A/B) P». هذا ويمكن إصلاح التنافي القائم بين هذا التعريف والأصل البديهي (2) من خلال الإصلاح المتقدِّم أيضاً، بمعنى تبديل التعريف الأول بالتعريف الذهني.

 

الهوامش

(*) باحثٌ متخصِّص في الدراسات الفلسفيّة والإبستمولوجيّة.

([1]) axiomatic.

([2]) للوقوف على تفاصيل الأسس البديهية لكولموغروف، انظر:

Kolmogorov, A. N (1956) Foundation of the Theory of Probability. Translated by N. Marrison. New York: Chelsea Publishing Company.

([3]) axiom.

([4]) انظر مثلاً: الهاشمي، بحوث في علم الأصول (تقريرات درس الأصول للسيد الشهيد الصدر) 4: 309 و317 و328 و338، المجمع العلمي للشهيد الصدر، قم، 1405هـ؛ الحائري، مباحث الأصول (تقريرات درس الأصول للسيد الشهيد الصدر)، الجزء الثاني من القسم الثاني: 293 و319 و303 و324، مطبعة مركز النشر ومكتب الإعلام الإسلامي، 1408هـ؛ الصدر، الأسس المنطقية للاستقراء: 387 ـ 395، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، 1402هـ.

([5]) الصدر، الأسس المنطقية للاستقراء: 139 ـ 140.

([6]) المصدر السابق: 139 ـ 140.

([7]) المصدر السابق: 44.

([8]) يتم بيان التفسير المنطقي أحياناً على النحو التالي: إن الاحتمال هو مقدار الاعتقاد المعقول، بمعنى درجة الاعتقاد التي ينسبها جميع العقلاء (على فرض توفّر الشواهد للجميع بشكل متساوٍ) لقضية من القضايا. انظر:

Gillies, D. Philosophical Theories of Probability. P. 1. London: Rutledge, 2000.

ولكن بالالتفات إلى آراء أصحاب التفسير المنطقي يبدو أن الأدق هو بيان التفسير المنطقي على نحو ما تقدم في النصّ.

([9]) frequency.

([10]) dispositional.

([11]) intersubjective.

([12]) للوقوف على مختلف تفسيرات الاحتمال ودراستها بشكل تفصيلي، انظر:

– Gillies, D. Philosophical Theories of Probability. London: Rutledge, 2000.

– Mellor, D. H. Probability: A Phelosophical Introduction. London and New York: Rutledge, 2005.

– Fitelson, B. Hajek, A. Hall, N. “Probability” In The Rutledge encyclopedia of Science, edited by Rausch S. , and Sarkar, S. Pfeiffer, J.

– Hajek, A. Interpretation of Probability. Vers. Substantive revision. Dec 31, 2009. http: //plato. Stanford. Edu/entries/Probability – interpret/.

([13]) اقتبسنا هذا العنوان من السيد عمار أبو رغيف (انظر: أبو رغيف، منطق الاستقراء، الكتاب الأول، مهر، قم، 1410هـ).

([14]) وبطبيعة الحال فإن ارتباط وتعلق العلم بهذه الأمور الثلاثة ـ كما يذكر السيد الشهيد الصدر ـ ليس من قبيل ارتباط العلم بالمعلوم؛ إذ لا شيء من هذه الأمور يعتبر معلوماً بالعلم الإجمالي؛ إذ لو كان مجيء عليّ ـ مثلاً ـ معلوماً سوف لا يكون علمنا إجمالياً. (انظر: الصدر، الأسس المنطقية للاستقراء: 139 ـ 140).

([15]) الصدر، الأسس المنطقية للاستقراء: 177 ـ 178.

([16]) انظر: المصدر السابق: 177 ـ 178.

([17]) انظر: المصدر السابق: 178 ـ 179.

([18]) انظر: المصدر السابق: 184 ـ 223.

([19]) انظر: المصدر السابق: 220 ـ 223.

([20]) انظر: المصدر السابق: 181 ـ 182.

([21]) المصدر السابق: 190.

([22]) recursive.

([23]) انظر: الصدر، الأسس المنطقية للاستقراء: 183.

([24]) المصدر السابق: 184.