الشيخ معرفت وترجمة القرآن

18 يونيو 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
184 زيارة

الشيخ معرفت وترجمة القرآن

د. الشيخ غلام حسين أعرابي(*)

ترجمة: حسن علي مطر

خلاصة ــــــ

إن الترجمة ونقل المفاهيم البشرية المتنوّعة من لغةٍ إلى أخرى تعدّ اليوم من ضروريات الحياة الاجتماعية، والتواصل الحضاري، والتفهيم والتفاهم بين مختلف الشعوب والأمم. وقد كان للمترجمين منذ القدم موقعٌ مميَّز في مجال الدين والثقافة والاقتصاد والسياسة. كما كان للمترجمين دورٌ مؤثِّر في عولمة الثقافات.

وأما في ما يتعلق بترجمة القرآن فهناك أبحاث مطروحة في مصادر العلوم القرآنية التفسيرية والفقهية، حيث تختلف الآراء والنظريات في هذا الشأن.

لقد بحث الشيخ معرفت& المسائل المتعلِّقة بترجمة القرآن في كتابه القيِّم «التفسير والمفسِّرون في ثوبه القشيب»، و«تاريخ القرآن»، وذكر هناك آراءه بشأن ضرورة ترجمة القرآن الكريم.

 

مقدّمة ــــــ

في البداية لا بُدَّ من التذكير بأن الشيخ معرفت& لم يتعرَّض لبحث الترجمة بشكلٍ تفصيلي، إلاّ أنه عرض نتيجة أبحاثة وآرائه باختصارٍ في كلٍّ من كتابَيْه: «التفسير والمفسِّرون في ثوبه القشيب»؛ و«تاريخ القرآن».

من الطبيعي أن لا يكون المتوقَّع من هذا المقال ـ الذي يُرجى منه مواكبة أبحاث سماحته ـ الخوض التفصيلي في مسائل الترجمة، ومنها: ترجمة القرآن؛ وذلك لأن مسائل الترجمة كثيرة الاتّساع والتشعّب، فهي تحتوي على مباحث من قبيل: مفهوم الترجمة، وإمكان الترجمة، وجذور الترجمة، وأنواع وأقسام الترجمة، وأساليب الترجمة، ومباني الترجمة، وما إلى ذلك.

وكلّ واحدة من هذه المسائل قد خضعت في محلها للبحث والنقاش والتمحيص المسهب من قبل الباحثين والمحقّقين. وأما في مقالنا الراهن فسوف نكتفي ـ من باب ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه ـ بدراسة وتحليل خصوص المسائل التي تعرَّض لها الأستاذ معرفت& في هذا الشأن.

لقد كان هدف الأستاذ معرفت& من تناول بحث ترجمة القرآن هو الإجابة عن الأسئلة الجوهرية الثلاثة التالية:

الأوّل: هل بالإمكان ترجمة القرآن إلى اللغات الأخرى؟

الثاني: إذا كانت ترجمة القرآن ممكنة، فمع استحالة اشتمال الترجمة على جميع خصائص القرآن، هل يمكن تقديم هذه الترجمة بوصفها قرآناً؟

الثالث: هل يترتّب على نصّ ترجمة القرآن ذات الحكم الشرعي المترتّب على القرآن الكريم نفسه؟ فهل يجوز لغير المتمكِّن من قراءة سورة الحمد باللغة العربية أن يقرأ ترجمتها بلغةٍ أخرى في الصلاة؟ وهل يحرم على الجنب مسّ الآيات القرآنية المترجمة إلى لغة أخرى، كما يحرم عليه مسّها بنصّها القرآني العربي؟([1]).

 

1ـ تعريف الترجمة ــــــ

يمكن القول: إن جميع اللغويين قد عرَّفوا الترجمة بأنها «نقل الكلام من لغة إلى أخرى»([2]).

وفي ما يتعلق بكلمة «الترجمان» هناك اختلافٌ في وجهات النظر؛ فهناك من قال بأن كلمة الترجمان قد دخلت إلى اللغة العربية من اللغة الفارسية، وأنها في الأصل «ترزفان»، التي تعني الصدى والترجمة، وبعد دخولها إلى اللغة العربية اشتقّ منها العديد من الاشتقاقات، من قبيل: ترجم، ويترجم، ومترجم، وما إلى ذلك([3]). وقد اكتفى الأستاذ معرفت& في تعريف الترجمة بالنقل عن القاموس فقط، وذلك حيث قال: «ويبدو من القاموس أنه لا بُدَّ من اختلاف اللغة؛ لأنه قال: الترجمان المفسّر للسان. ومن ثمّ فالترجمة: نقل الكلام من لغةٍ إلى أخرى»([4]).

ثم عقَّب على ذلك موضّحاً: «…كأن ينقل المعنى من اللغة العربية إلى اللغة الفارسية… فإن جاء بمعنى واحد في عبارتين متتاليتين [في لغةٍ واحدة]، بأن تكون العبارة الثانية توضيحاً للأولى، لم يكن ذلك من الترجمة، بل هو من الشرح والإيضاح»([5]).

 

2ـ أساليب الترجمة ــــــ

حيث تكون الترجمة تعاطياً واعياً بيت لغتين يجب على المترجِم أن تكون له يدٌ في اللغة المنقول منها من ناحيةٍ، ويدٌ في اللغة المنقول إليها من ناحيةٍ أخرى؛ ليقيم بينهما جسراً للتواصل والعبور من المخاطِب (بالكسر) إلى المخاطَب (بالفتح). ومن هنا يكون في اضطراب وقلق دائم تجاه ما إذا كان قد نجح في إيصال مراد صاحب النصّ إلى المخاطَب أم لا؟

وقيل، في تحليل هذا الهاجس والقلق، سواء من قبل المترجِم أو من قبل الآخرين: «يذكر المتخصِّصون في فنّ الترجمة هذه الظاهرة تحت عنوان الترجمة الارتباطيّة([6])، والترجمة المعنوية([7])»([8]).

وفي الترجمة الارتباطيّة يصبّ المترجم جلّ اهتمامه على مخاطَبه في اللغة المنقول إليها، فهو يسعى إلى اجتذاب مخاطَبه، ويربطه بمفهوم الخطاب والمفاهيم المترجمة، وبذلك يبتعد عن الترجمة المعنوية، ويحجم عن نقل التركيبة ذات القواعد النحوية والمعنوية المفروضة على اللغة المنقول منها، والتي لا يأنس بها المخاطَب، ولا يعرف خلفيّاتها أبداً.

وأما في الترجمة المعنوية فإن اهتمام المترجِم يصبّ في اللغة المنقول منها، ولذلك يتمّ السعي في هذا النوع من الترجمة إلى نقل البنية الصورية والنحوية والمعنوية للغة المنقول منها إلى اللغة المنقول إليها.

ويبدو أن الاهتمام بواحدٍ من الأهداف الهامّة للترجمة، والتي تكمن في إيصال الخطاب إلى المخاطَب والتأثير عليه، أدّى إلى النظر إلى أسلوب «الترجمة الارتباطيّة» في سياق الاهتمام الجديد؛ لاجتذاب المزيد من المؤيِّدين.

«لنفترض أن القسم بالسيف المهنّد يمثّل في لغةٍ وثقافة ما أقوى وأجزل أنواع القسم، يمكن لك أن تضع نفسك في موضع المترجِم الذي يسعى إلى ترجمة قصّةٍ حماسيّة من هذه اللغة والثقافة إلى لغةٍ وثقافة أخرى، تفرض عليها جغرافيتها الثقافية أن تجعل من القسم بالشمس أرقى أنواع القسم، ولا يكون القسم بالسيف أمراً قابلاً للفهم والاستيعاب. لنفترض أن بطل القصة يقول لمحبوبته: (أقسم لك بالسيف أنّي لن أنساك أبداً)، فما هو موقف المترجِم تجاه هذه العبارة؟ لو قام المترجِم بترجمة السيف حرفياً ربما يكون قد احتفظ بنقل المعنى الحرفي لكلام صاحب النصّ، ولكنه في هذه الحالة يقع في محذور عدم إيصال المعنى الدقيق إلى المخاطَب… كما أن المترجِم إذا ترجم القسم بالسيف إلى القسم بالشمس يكون قد أهمل الترجمة الحرفية، ولكنّه في المقابل حافظ على فحوى الخطاب»([9]).

إن الشيخ معرفت&، الذي يعبِّر عن الترجمة المعنوية بـ «الترجمة المواكبة» أو «الترجمة الحرفية» أو «الترجمة اللفظية»، يذكر لبيان آفات هذه الترجمة مثالاً ظريفاً من القرآن الكريم؛ إذ يقول: «مثلاً: قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً﴾ (الإسراء: 29). جاء «غلّ اليد إلى العنق، وبسطها كل البسط» كناية عن القبض والبسط الفاحش، أي التقتير والإسراف في المعيشة وفي الإنفاق، وهي كنايةٌ معروفة عند العرب، ومأنوسة الاستعمال لديهم. فلو أريد الترجمة بنفس التعبير من لغةٍ أخرى كان ذلك غريباً عليهم، حيث لم يألفوه، فربما استبشعوه وأنكروا مثل هذا التعبير غير المفْهِم؛ لأنهم يتصوَّرون من مثل هذا التعبير النهي عن أن يربط إنسان يدَيْه إلى عنقه برباطٍ من سلاسل وأغلال، أو يحاول بسط يديه يميناً وشمالاً بَسْطاً مبالغاً فيه، ولا شَكَّ أن مثل هذا الإنسان إنما يحاول عَبَثاً، ويعمل سَفَهاً؛ لأنه يبالغ في إجهاد نفسه وإتعابها من غير غرضٍ معقول، الأمر الذي لا ينبغي التعرُّض له في مثل كتاب الله العزيز الحميد»([10]).

يُضاف إلى ذلك أن هذا النوع من الترجمة يقلِّل من شأن وقداسة هذا الكلام الرباني، ويحطّ من قيمته لدى المخاطَب؛ لأن هذه الترجمة لا تنطوي على أيِّ خطاب. وعليه سيقول المخاطَب لنفسه: مَنْ هو العاقل، أو حتّى الشخص العادي، الذي يربط يده إلى رقبته، أو يمدّها إلى الأمام عندما يمشي، حتّى يتكلَّف القرآن بنهيه عن المشي بهذه الطريقة؟!

ذهب الشيخ معرفت& ـ ضمن بيانه لمختلف أساليب الترجمة (الترجمة الحرفية، والترجمة الحرّة، والترجمة التفسيرية) ـ إلى تفضيل الترجمة الحرّة، وهي ذات الترجمة التي يصطلح عليها الخبراء في فنّ الترجمة بـ «الترجمة الارتباطيّة». وإنْ كان سماحته ـ بطبيعة الحال ـ يطلق على الترجمة الحرّة أحياناً مصطلح «الترجمة المعنويّة»([11])، ولكنْ يبدو من خلال توضيحاته أنه يعني ذات أسلوب «الترجمة الارتباطيّة».

قال الأستاذ معرفت& في بيان مزايا «الترجمة الحرّة» (أو الترجمة الارتباطيّة): «أن يحاول [المترجِم] إفراغ المعنى في قالبٍ آخر من غير تقيُّد بنظم الأصل وأسلوبه البياني، وإنما الملحوظ هو إيفاء تمام المعنى وكماله، بحيث يؤدّي إفادة مقصود المتكلِّم بغير لغته، بشرط أن لا يزيد في البَسْط بما يُخْرجه عن إطار الترجمة إلى التفسير الَمحْض. نعم، إنّ هكذا «ترجمة معنوية» قد تفوِّت مزايا الكلام الأصل اللفظية، وهذا لا يضرّ ما دامت سلامة المعنى محفوظة. وهذا النمط من الترجمة هو النمط الأوفى والمنهج الصحيح الذي اعتمده أرباب الفنّ»([12]).

كما يمكن القول أيضاً: إن الترجمة الحرّة أو الترجمة الارتباطية أكثر تناغماً وانسجاماً مع الأهداف العامّة والكلّية للقرآن من الترجمة الحرفية؛ وذلك للأسباب التالية:

الأوّل: إن القرآن كتاب هداية ودعوة إلهيّة، وإن الترجمة الحرّة أبلغ من الترجمة الحرفية واللفظية في إيصال الدعوة والخطاب من اللغة المنقول عنها إلى اللغة المنقول إليها.

الثاني: إن لغة القرآن لا تختصّ بلغةٍ دون لغة أخرى، ولا بأمّةٍ دون أخرى، والمهم في البين هو إيصال البشارات والتحذيرات القرآنية إلى جميع الناس. ومن الواضح أن الناس ليسوا جميعهم من العرب، وليس جميع الناس يمكنهم تعلُّم اللغة العربية؛ كي يفهموا خطاب القرآن من القرآن مباشرة. فالمهمّ إذن هو إيصال خطاب القرآن، وأنسب طريقة إلى تحقيق ذلك هي الترجمة الحرّة.

الثالث: إن الجمود على الترجمة الحرفيّة لا يحول دون جمال وفصاحة الترجمة فحَسْب، بل تؤدّي إلى نقض الغرض أيضاً؛ وذلك لأن انحراف الترجمة الحرفية تبعد المخاطَب عن إدراك الخطاب الجوهري، وقد تؤدّي أحياناً إلى جعل الخطاب مهلهلاً وغير متماسك.

وعليه يجب القول ـ بالالتفات إلى هذه الأمور ـ: إن الأستاذ معرفت& قد أصاب في اختيار أسلوب الترجمة الحُرّة لترجمة القرآن الكريم.

 

3ـ ترجمة القرآن بين الإمكان والامتناع ــــــ

إن هذا البحث لم يأخذ قسطه من البحث والتحليل المسهب بما يتناسب وأهمّيته من قبل المتقدِّمين. ويُقال: إنّ أول مَنْ تعرَّض إلى هذه المسألة بالبحث من علماء المسلمين هو ابن إدريس الشافعي([13]).

وقد أفرد الجاحظ بحثاً معمّقاً بشأن الترجمة في «كتاب الحيوان»، وبحث في ضمنه ترجمة النصوص الدينية([14]).

كما ذُكر ابن أبي قتيبة الدينوري(322هـ)([15]) بوصفه واحداً من طلائع الذين تناولوا بحث إمكان أو عدم إمكان ترجمة القرآن([16]).

وبعد ذلك بقرونٍ عمد الشاطبي ـ وهو من العلماء الكبار ـ إلى تفصيل البحث في مجال ترجمة القرآن الكريم، في كتاب الموافقات.

إن عمق المباحث التي ذكرها الجاحظ تدعونا إلى بيان خلاصةٍ لآرائه في هذا الشأن. ويمكن بيان الآراء التي ذكرها الجاحظ ضمن النقاط التالية:

أـ إن الترجمة في الحقيقة هي نوعُ وكالةٍ، ويكون الوكيل فيها نازلاً منزل موكِّله، وعليه أن يسعى في استيفاء حقوق موكِّله. بَيْدَ أن الترجمة تنطوي على مسار معقَّد وصعب المنال؛ إذ لا يستطيع المترجِم بلورة جميع التفاصيل التي يتوفَّر عليها النصّ المترجَم. وفي ذلك قال الجاحظ: «إنّ التَّرجُمان لا يؤدِّي أبداً ما قال الحكيمُ، على خصائص معانيه، وحقائق مذاهبه، ودقائق اختصاراته، وخفيَّات حدوده، ولا يقدر أن يوفّيها حقوقها، ويؤدِّي الأمانة فيها، ويقوم بما يلزم الوكيل، ويجب على الجَرِيّ. وكيف يقدر على أدائها وتسليم معانيها؟!»([17]).

ب ـ إن من بين قواعد الترجمة الجيّدة أن يكون المترجِم متمكِّناً من كلا اللغتين ـ المنقول منها والمنقول إليها ـ على مستوى التخصُّص، وأن يعلم التفاصيل والفروق الدقيقة في كلا اللغتين. بَيْدَ أن تحقيق ذلك صعبٌ للغاية؛ لأن كل لغة تستدعي أن يستنفد الشخص كامل قواه المعرفيّة، حتّى لا يبقى لديه فائضٌ لتوظيفه في اللغة الأخرى، ومن هنا كان وزان المترجِم وزان الذي يحمل بطّيختين بيدٍ واحدة، ولن تكون نتيجة جهده سوى إسقاط كلا البطيختين. يقول الجاحظ: «وإنَّما له قوّةٌ واحدة، فإنْ تكلَّم بلغةٍ واحدة استُفْرِغَتْ تلك القوّة عليهما…»([18]).

ج ـ إن ترجمة الكتب والنصوص الدينية والوحيانية أصعب بكثيرٍ من ترجمة النصوص العلمية. ويمكن القول: إن العقبات والموانع الماثلة في طريق المترجِم عند ترجمته للنصوص الدينية يستحيل تجاوزها؛ إذ في هذا النوع من الترجمة يكون الكلام حول مفاهيم ما ورائية تتعلَّق بالشأن الإلهي والصفات الإلهية وما إلى ذلك. كما أن الأسلوب البياني للنصوص الدينية الوحيانية يحمل من الخصائص التي تعرقل عمل حتّى المترجِم الحاذق، فما ظنُّك بالمترجِم الذي لا يمتلك الصلاحية اللازمة؟! وفي ذلك يقول الجاحظ: «هذا قولُنا في كتب الهندسة، والتنجيم، والحساب، واللحون، فكيف لو كانت هذه الكتب كتب دينٍ وإخبار عن الله عزَّ وجلَّ؟!»([19]).

لقد تحدَّث الجاحظ في العمق، وصرَّح بتعقيد الترجمة، وقال ذلك الكلام الذي يقوله اليوم العلماء المهتمّون بموضوع ترجمة النصوص المقدَّسة.

أما الشاطبي فقد أوضح آراءه بشأن ترجمة القرآن ضمن مقطعين: المقطع الإجمالي؛ والمقطع التفصيلي.

وقال في المقطع الإجمالي: أوّلاً: نزل القرآن بلسانٍ عربي مبين، ولم يكن لسائر اللغات الأخرى أي تدخُّل فيه، ولم يكن لها سهمٌ فيه.

وثانياً: إن فهم القرآن إنما يكون عبر فهم اللغة العربية، وفي ذلك قال الشاطبي: «فمَنْ أراد تفهمه فمن جهة لسان العرب يفهم، ولا سبيل إلى تطلُّب فهمه من غير هذه الجهة»([20]).

وقد قال في بيان دعواه القائمة على انحصار فهم القرآن بفهم اللغة العربية: إن أوضاع وأساليب اللغة العربية تختلف عن سائر اللغات الأخرى، ومراده من هذه الأوضاع وجود الاشتراك والترادف وأمثال ذلك في مفردات لغة العرب. ومراده من الأساليب ذكر العامّ وإرادة العامّ، وذكر العامّ وإرادة الخاصّ، وذكر الخاصّ وإرادة الخاصّ، وذكر الخاصّ وإرادة العامّ، والإيضاح، والإخفاء، والإيجاز، والإطناب، وما إلى ذلك. ومن هنا فإن فهم القرآن لا يتأتّى إلاّ من خلال فهم اللغة العربية([21]).

وأما في المقطع التفصيلي فيقول: للغة العربية من حيث هي ألفاظ دالّة على معانٍ نظران: أحدهما: من جهة كونها ألفاظاً وعبارات مطلقة دالّة على معانٍ مطلقة، وهي الدلالة الأصلية؛ والثاني: من جهة كونها ألفاظاً وعبارات مقيّدة دالة على معانٍ خادمة، وهي الدلالة التابعة.

 فالجهة الأولى هي التي يشترك فيها جميع الألسنة، وإليها تنتهي مقاصد المتكلِّمين، ولا تختص بأمّةٍ دون أخرى، فإنه إذا حصل في الوجود فعلٌ لزيد مثلاً، كالقيام، ثم أراد كلّ صاحب لسان الإخبار عن زيد بالقيام تأتّى له ما أراد من غير كلفةٍ. ومن هذه الجهة يمكن في لسان العرب الإخبار عن أقوال الأوّلين ممَّنْ ليسوا من أهل اللغة العربية، وحكاية كلامهم، ويتأتّى في لسان العجم حكاية أقوال العرب والإخبار عنها. وهذا لا إشكال فيه. وعليه فإن قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ﴾ (القصص: 4) مثلاً يمثِّل مصداقاً لهذه الجهة، حيث يمكن ترجمتها إلى اللغات الأخرى، ولا يختصّ فهمها بفهم اللغة العربية.

وأما الجهة الثانية (الدلالة التبعيّة) فهي التي يختصّ بها لسان العرب فى تلك الحكاية وذلك الإخبار، فإنّ كل خبر يقتضي في هذه الجهة أموراً خادمة لذلك الإخبار بحَسَب المخبر، والمخبر عنه، والمخبر به، ونفس الإخبار في الحال والمساق، ونوع الأسلوب من الإيضاح والإخفاء والإيجاز والإطناب وغير ذلك.

وعليه تكون الدلالة التبعيّة ـ طبقاً لادّعاء الشاطبي ـ خاصّة باللغة العربية، ولذلك لا يمكن ترجمة اللغة العربية أو لغة القرآن النازلة باللغة العربية إلى لغةٍ أخرى تفتقر إلى «الدلالة التبعية».

وإليك نصّ عبارة الشاطبي في هذا الشأن: «وإذا ثبت هذا فلا يمكن مَنْ اعتبر هذا الوجه الأخير أن يترجم كلاماً من الكلام العربي بكلام العجم على حالٍ، فضلاً عن أن يترجم القرآن وينقل إلى لسان غير عربيّ…»([22]).

وفي ما يتعلَّق بالآراء التي ذكرها الشاطبي يمكن القول:

أوّلاً: إن ما ذكره الشاطبي بالنسبة إلى الكلام، وأنه مشترك بين جميع اللغات، لا يقتصر ـ في الحقيقة ـ على الوجه الأوّل، بل حتّى الكلام الذي ذكره في الوجه الثاني يشترك بين جميع اللغات، أو على الأقلّ إنّ اللغة الفارسية ـ التي نمتلك العلم بقواعدها في الحدّ الأدنى ـ تتوفَّر على جميع الخصائص التي ذكرها الشاطبي بالنسبة إلى «الدلالة التبعية»، من قبيل: الإيضاح، والإيجاز، والإطناب، وأمثال ذلك. اللهمّ إلاّ إذا كان مراده من الدلالة التبعية شيئاً آخر غاب عن فهمنا.

وثانياً: إن الترجمة تبقى ترجمة، والنصّ الأصلي يبقى نصّاً أصلياً. توضيح ذلك: إن للنص والكلام الأصلي خصائصه، وللترجمة خصائصها. ولو توفّرت الترجمة على جميع خصائص الكلام والنص الأصلي لن يعود هناك من اثنينية بين النصّ والترجمة. هذا في حين أن للنصّ والكلام الأصلي وجوداً وتشخّصاً خاصّاً به، وإن للترجمة وجوداً وتشخّصاً خاصّاً بها. ومن الحقائق المتَّفق عليها بين جميع المحقِّقين أنّ بعض خصائص الكلام الأصلي قد تختفي في الترجمة، إلاّ أن الهدف الرئيس من الترجمة، والذي يتمثل في إيجاد الارتباط والتواصل مع المخاطَب ونقل الخطاب له، إنّما يتمّ عبر هذه الآلية. وهذه الآلية هي التي اختارها جميع العقلاء للتفهيم والتفاهم بين مختلف الثقافات واللغات.

وهنا نعود إلى كلام أستاذنا القدير الشيخ معرفت&. سبق أن ذكرنا في الصفحات المتقدّمة أن هدف سماحته من طرح بحث الترجمة هو الإجابة عن ثلاثة أسئلة رئيسة. وقد حان الآن وقت الإجابة عن واحدٍ من تلك الأسئلة، على لسان سماحته. يقول السؤال: هل بالإمكان ترجمة القرآن إلى اللغات الأخرى؟

قال الأستاذ معرفت& في معرض الجواب عن هذا السؤال: «للقرآن الكريم نواحٍ ثلاث تجمَّعْنَ فيه، وبذلك أصبح القرآن كتاباً سماوياً، ذا قداسة فائقة، وممتازاً على سائر الكتب النازلة من السماء.

أوّلاً: كلام إلهيّ ذو قدسية ملكوتية، يُتعبَّد بقراءته، ويُتبرك بتلاوته.

ثانياً: هدىً للناس، يهدي إلى الحقّ وإلى صراط مستقيم.

ثالثاً: معجزة خالدة، دليلاً على صدق الدعوة عبر العصور.

[إذن يمكن القول:] تلك نواح ثلاث خطيرة تجمَّعْنَ في هذا الكتاب، رهن نظمه الخاص في لفظه ومعناه، وأسلوبه الفذّ في الفصاحة والبيان، ومحتواه الرفيع في نظمه وتشريعاته.

وبعد، فهل بإمكان الترجمة ـ من أيّ لغةٍ كانت ـ الوفاء بتلكم النواحي؟ وهل يمكن الحفاظ على الناحية الإعجازية للقرآن ـ وخاصّة الإعجاز البياني منه ـ إذا تمّت المحافظة على المعنى؟ وهل يمكن الحفاظ على قداسة القرآن التي هي مناط التعبُّد إلى الله والتقرُّب منه؟

لا شَكَّ في استحالة الحفاظ على المعاني القرآنية بتلك البلاغة التي أنزلها الله تعالى ونقلها كما هي في عملية الترجمة. من هنا فإن ترجمة القرآن مهما كانت دقيقة وعلمية لا تمثِّل إلاّ جانباً ضئيلاً من أبعاد القرآن الكريم، ولا يمكنها أن تشتمل على ذات قداسة القرآن؛ لأن الترجمة ما هي إلاّ كلام المخلوق، والقرآن يبقى هو كلام الخالق»([23]).

يذهب الأستاذ إلى القول بأن لا شيء من أساليب الترجمة يمكن اعتباره وافياً بنقل القرآن إلى اللغات الأخرى، ولكنْ حيث لا مندوحة من القول بضرورة ترجمة القرآن إلى سائر اللغات فإنّه يرى أن أفضل أسلوب لترجمة القرآن هو الترجمة الحُرّة. يمكن القول: إن الأستاذ لا يرى استحالة ترجمة القرآن، وإنّما يراها عملية معقَّدة، وتواجه الكثير من العقبات التي لا يمكن تجاوزها. ومن هنا نجده يقول: «ومن ثمّ كانت ترجمةُ القرآن ترجمةً صحيحة ضرورةً يستدعيها صميم الإسلام وواقع القرآن»([24]).

 

4ـ ترجمة القرآن بين الجواز والمنع ــــــ

إن الذي يتّضح من السيرة العملية للمسلمين على طول تاريخ الإسلام هو وجود التبليغ والدعوة والوعظ والإرشاد في إطار بيان مفاهيم القرآن بمختلف اللغات، وتوظيف الترجمة وتفسير القرآن في هذا النوع من الأنشطة التبليغية والثقافية الواسعة. يقول الأستاذ معرفت& في هذا الشأن: «إن ترجمة القرآن كانت منذ القِدَم، ولا تزال، هي السيرة المتداولة بين علماء المسلمين، بل وحتّى غير المسلمين؛ إذ كان لا بُدَّ من الحوار مع كلّ قومٍ بلغتهم»([25]).

وأما من الناحية النظرية فإن مسألة جواز أو عدم جواز ترجمة القرآن إلى اللغات الأخرى لم يتمّ البحث والحوار بشأنها بين علماء الإسلام في القرنين الأوّلين.

نعم، هناك بين فقهاء المذاهب بشأن قراءة القرآن باللغات الأخرى فتاوى مختلفة، تستند إلى المتبنيات الفقهية الخاصّة بكل واحد منهم([26]). فقيل مثلاً: إن مذهب الشافعي على عدم جواز قراءة القرآن بغير اللغة العربية، لا في الصلاة، ولا خارجها. ونقل هذا الكلام عن مالك وأحمد وأبي داوود أيضاً([27]).

ونسب إلى أبي حنيفة القول بجواز قراءة القرآن بالفارسية ـ سواء في الصلاة أو في غيرها ـ، إلاّ أن الزمخشري اعتبر هذا القول بالجواز كالقول بعدم الجواز؛ وذلك لأنه علَّقه على شرطٍ يستحيل تحقُّقه، حيث علَّق أبو حنيفة هذا الجواز على قدرة القارئ للقرآن على استحضار جميع دقائق المعاني التي يشتمل عليها القرآن بلغته الأصلية من الفصاحة والبلاغة وما إلى ذلك عند قراءته باللغة الأخرى، [ولا يخفى أن مَنْ يقدر على ذلك فهو على قراءته بالعربيّة أقدر]([28]). يقول الزمخشري في هذا الشأن: «أجاز أبو حنيفة القراءة بالفارسية على شريطة، وهي: أن يؤدّي القارئ المعاني على كمالها، من غير أن يخرم منها شيئاً. قالوا: وهذه الشريطة تشهد أنها إجازةٌ كلا إجازة؛ لأنّ في كلام العرب، خصوصاً في القرآن، الذي هو معجز بفصاحته وغرابة نظمه وأساليبه، من لطائف المعاني والأغراض ما لا يستقلّ بأدائه لسانٌ، من فارسية وغيرها»([29]).

كما نقل الزركشي والسيوطي رجوع أبي حنيفة عن القول بالجواز؛ إذ قالا: «لكن صحّ عن أبي حنيفة الرجوع عن ذلك»([30]).

وقد قام إجماع فقهاء الشيعة على عدم كفاية الترجمة في قراءة الصلاة، وأن قراءة الترجمة تبطل الصلاة([31]).

وقال الأستاذ معرفت& طبقاً لرأي الفقهاء: «إن فقهاء الإمامية متفقون على عدم إجراء أحكام القرآن ـ بصورةٍ عامّة ـ على ترجمته بأيّ لغة»([32]).

من الواضح جدّاً أن عدم ترتيب الأحكام الشرعية على ترجمة القرآن، وعدم جواز قراءة الصلاة بغير العربية، بل وحتّى عدم جواز قراءة القرآن بغير العربية حتّى خارج الصلاة، لا ينهض دليلاً على عدم جواز ترجمة القرآن؛ لأن الهدف من ترجمة القرآن لا ينحصر بهذه الأمور، حتّى يكون عدم جوازها دليلاً على عدم جواز ترجمة القرآن. إن ترجمة القرآن ضرورةٌ لا يمكن إنكارها لتحقيق الهدف من نزوله، بمعنى أن الهدف العام من القرآن هو هداية الإنسان، وهذا الهدف لا يتحقّق إلاّ من خلال إبلاغ المفاهيم والمعاني القرآنية السامية إلى جميع الشعوب والأمم بلغاتها. ومن هنا ذهب الأستاذ معرفت& إلى الاعتقاد بأن ترجمة القرآن ضرورةٌ يقتضيها واجب التبليغ والدعوة إلى الإسلام([33]). وقد قال في هذا الشأن: «لم تسبق من علماء الإسلام نظرة منع من ترجمة القرآن، بعد أن كانت ضرورةً دعائية لمسها دعاة الإسلام من أوّل يومه»([34]).

 

5ـ أهمِّية وضرورة ترجمة القرآن ــــــ

إن أهمِّية ترجمة القرآن وضرورتها من الوضوح بحيث لا تحتاج إلى استدلال، ولكنْ يمكن مع ذلك التأكيد على ضرورة ترجمة القرآن من خلال الالتفات إلى النقاط التالية:

أـ إن دعوة الإسلام عامّة لجميع الناس، ولا تقتصر على الأمّة العربية فقط. وحيث كان الدين الإسلامي لكافّة الناس يمكن تقديمه لجميع الأمم بجميع لغاتها.

ب ـ إن لغة كلّ قوم تمثِّل خير قناة للتواصل والتفاهم معهم، وبذلك فهي خير طريق لتبادل المفاهيم الدينية والتقاليد والثقافات والتعاطي في مختلف مجالات الحياة.

ج ـ إن تعلُّم اللغة العربية وإنْ كان ينطوي على فضيلةٍ لا تنكر، بَيْدَ أن الإسلام لم يحكم بوجوب تعلُّم اللغة العربية، وعليه لا يجب على المسلم أن يتعلَّم اللغة العربية، فلا يبقى لغير العالمين باللغة العربية من طريق لتعلُّم الإسلام إلاّ من خلال لغاتهم التي درجوا عليها.

د ـ تمثِّل ترجمة القرآن ضرورة للدعوة إلى الإسلام؛ إذ إن الشعوب الأخرى، من مختلف القوميات والأمم بمختلف اللغات، إنّما تتعرّف إلى التعاليم والحقائق الإسلامية والقرآنية العميقة من خلال ترجمة القرآن وتفسيره.

ومن هنا قال الأستاذ معرفت&: «إن ترجمة القرآن إلى مختلف لغات العالم تعدّ اليوم ضرورةً ملحّة؛ وذلك للأسباب التالية:

أوّلاً: إن القرآن الكريم كتاب هداية ودعوة، ويجب إيصال هذه الدعوة إلى جميع الناس. قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ…﴾ (البقرة: 185).

وثانياً: إن الإسلام ليس ديناً خاصاً بشعبٍ دون شعب، بل هو للناس جميعاً. وللجميع حقٌّ في اعتناقه، ولا فضل لأمّةٍ على أمّة كي تكون أَوْلى منها في هذا الحقّ. إن القرآن، الذي هو كتاب هدايةٍ ودعوة إلى الإسلام، ينظر إلى جميع الناس بنظرةٍ متساوية ومتكافئة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً…﴾ (سبأ: 28).

وثالثاً: يجب على كلّ مسلمٍ إيصال صوت الإسلام إلى أسماع العالمين، وأن يقوم بدوره في حمل رسالة القرآن إلى الناس جميعاً، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ (البقرة: 143)، وقال أيضاً: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: 44).

ورابعاً: إن الغاية من إنزال القرآن الكريم هي بيانه وإيضاحه وشرحه لجميع الناس، وليس لمجرَّد تلاوته، أو جعل مفاهيمه حِكْراً على طائفةٍ خاصّة من الناس دون طائفة أخرى»([35]).

لا شَكَّ في أن كلّ واحد من هذه الأسباب يشكِّل دافعاً يؤكِّد على ضرورة ترجمة القرآن إلى مختلف اللغات العالمية؛ كي تتعرّف الشعوب بأجمعها من خلال ذلك على التعاليم والمفاهيم القرآنية السامية.

 

6ـ شروط الترجمة ــــــ

على الرغم من ذهاب الشيخ معرفت& إلى تأييد ترجمة القرآن بشدّة، إلاّ أنه مع ذلك لا يرضى بالفوضى في هذا المجال. فلا ينبغي لكلّ مَنْ هبّ ودبّ أن يباشر هذه المسؤولية الخطيرة، من خلال توظيف الأهواء والأمزجة.

ولذلك يرى لزوم ضبط الترجمة الصحيحة للقرآن، من خلال وضع بعض الشروط لها، إذ يقول:

1ـ تجب الإحاطة الدقيقة بمحتوى كلّ آيةٍ، مع استيعاب دلالاتها اللفظية ـ سواء في ذلك الدلالات الأصلية أو التبعية ـ، والعمل على تفسير الدلالات العقلية للآية التي تحتاج إلى التفسير.

2ـ يجب تظهير المعنى والمفهوم الكامل لنصّ الآية في الترجمة، من خلال اختيار أقرب المعاني وأنسب الألفاظ في اللغة المنقول إليها، وإذا مسَّتْ الحاجة إلى إضافة لفظ أو عبارة وجب وضعها ضمن معقوفتين؛ تمييزاً لها.

3ـ يجب أن تتمّ ترجمة القرآن تحت إشراف لجنةٍ علميّة مختصّة، ويكون أعضاؤها من المختصّين في مختلف العلوم الدينية؛ كي تسلم الترجمة من الخطأ ومجانبة الصواب.

4ـ يجب الحفاظ على صيغة الحروف المقطَّعة، وعدم ترجمة الكلمات المتشابهة، من قبيل: «البرهان» في الآية 28 من سورة يوسف، و«دابّة» في الآية 82 من سورة النمل، و«الأعراف» في الآية 46 من سورة الأعراف، وإبقاؤها على ما هي عليه من الإبهام، والإحجام عن شرحها وبيانها.

5ـ من الضروري عدم توظيف المصطلحات العلمية والفنية في الترجمة؛ لأن الترجمة إنما يراد منها أن تكون نافعة لعامة الناس، والمصطلحات الخاصة لا تفي بهذه الغاية. كما يجب الإحجام عن ذكر الآراء المختلفة في عملية الترجمة.

6ـ من الأجدر أن تتمّ الترجمة على يد مجموعة من الأشخاص، وأن لا تكون عملاً منفرداً، حتّى يمكن لكلّ شخصٍ من هذه المجموعة أن يختار الترجمة المناسبة لتخصُّصه، والوصول بذلك إلى نقاط مشتركة بين الجميع، كلٌّ بحَسَب اختصاصه.

7ـ من الضروري أن يتمّ ضمّ نصّ الترجمة إلى نصّ الآيات القرآنية المترجمة؛ كي يتسنّى للقارئ إذا حصل له شكٌّ في المعنى أن يجري مقارنة بين النصّين، ولا يتوهّم أن الترجمة يمكنها أن تكون بديلاً عن القرآن من جميع الجهات([36]).

بالالتفات إلى ما تقدّم نستنتج أن الأستاذ معرفت، من خلال دقّته وبُعْد نظره، عمد إلى وضع شروطٍ إذا تمّت رعايتها يمكن خفض حجم الأخطاء التي قد تعترض عملية الترجمة أحياناً.

 

خلاصة الكلام ــــــ

يذهب الأستاذ معرفت& إلى الاعتقاد بأن ترجمة القرآن بشكلٍ كامل، بحيث تستوعب جميع خصائصه ـ الأعمّ من الفصاحة والبلاغة والإعجاز وما إلى ذلك ـ، ليس بالأمر الممكن. ومع ذلك من الضروري العمل على ترجمة القرآن بالمستوى المتاح والممكن، حيث رأى سماحته ضرورة ذلك، مع مراعاة بعض الشروط لإنجاز هذه العملية.

ومن بين مختلف أساليب الترجمة، يذهب الأستاذ معرفت إلى تفضيل أسلوب الترجمة الحُرّة، ويراها الأنسب لترجمة القرآن الكريم.

الهوامش

(*) عضو الهيئة العلميّة في جامعة قم، متخصِّصٌ في مجال العلوم القرآنيّة. له مؤلَّفاتٌ متعدِّدة.

([1]) انظر: محمد هادي معرفت، تاريخ القرآن: 182؛ محمد هادي معرفت، التفسير والمفسِّرون في ثوبه القشيب 1: 115.

([2]) ابن منظور الإفريقي، لسان العرب 12: 66؛ مجمع البحرين 1: 287.

([3]) انظر: الزبيدي، تاج العروس 8: 211؛ لغت نامه دهخدا 5: 6610.

([4]) انظر: التفسير والمفسِّرون في ثوبه القشيب 1: 116.

([5]) محمد هادي معرفت، تاريخ القرآن: 183.

([6]) Communicative translation.

([7]) Semantic translation.

([8]) انظر: درباره ترجمة، مقاله مباني ترجمه: 50.

([9]) المصدر السابق: 51.

([10]) محمد هادي معرفت، تاريخ القرآن: 184؛ التفسير والمفسِّرون في ثوبه القشيب 1: 118.

([11]) انظر: محمد هادي معرفت، تاريخ القرآن: 185؛ التفسير والمفسِّرون في ثوبه القشيب 1: 120.

([12]) محمد هادي معرفت، تاريخ القرآن: 185؛ التفسير والمفسِّرون في ثوبه القشيب 1: 119.

([13]) انظر: الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة 2: 66.

([14]) انظر: أبو عمرو الجاحظ، كتاب الحيوان 1: 75 ـ 79.

([15]) انظر: الديباج المذهَّب 1: 35.

([16]) انظر: الموافقات في أصول الشريعة 2: 68.

([17]) كتاب الحيوان 1: 75 ـ 76.

([18]) المصدر السابق: 76.

([19]) المصدر السابق: 77.

([20]) الموافقات في أصول الشريعة 2: 64.

([21]) انظر: المصدر السابق 2: 64 ـ 66.

([22]) المصدر السابق 2: 68.

([23]) محمد هادي معرفت، تاريخ القرآن: 185 ـ 186؛ التفسير والمفسِّرون في ثوبه القشيب 1: 121 ـ 127.

([24]) التفسير والمفسِّرون في ثوبه القشيب 1: 127.

([25]) محمد هادي معرفت، تاريخ القرآن: 187.

([26]) انظر: مختصر اختلاف العلماء 1: 260؛ الفخر الرازي، التفسير الكبير 1: 171.

([27]) انظر: الزركشي، مناهل العرفان 2: 115؛ السرخسي، المبسوط 1: 37.

([28]) ما بين المعقوفتين إضافةٌ توضيحية من عندنا. المعرِّب.

([29]) الزمخشري، الكشّاف في تفسير القرآن 4: 284.

([30]) الزركشي، البرهان في علوم القرآن 1: 465؛ السيوطي، الإتقان في علوم القرآن 1: 290.

([31]) انظر: النجفي، جواهر الكلام 9: 299.

([32]) محمد هادي معرفت، تاريخ القرآن: 186؛ التفسير والمفسِّرون في ثوبه القشيب 1: 123 ـ 125.

([33]) انظر: التفسير والمفسِّرون في ثوبه القشيب 1: 127.

([34]) محمد هادي معرفت، تاريخ القرآن: 187؛ التفسير والمفسِّرون في ثوبه القشيب 1: 127.

([35]) محمد هادي معرفت، تاريخ القرآن: 195 ـ 196.

([36]) المصدر السابق: 119 ـ 120.