المجلس العاشورائي للأطفال

20 سبتمبر 2014
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
923 زيارة

المجلس العاشورائي للأطفال

نظرة مقاصدية في المادة والأسلوب

المجلس العاشورائي بين السرد التاريخي والكتابة الأدبية

1 ـ في تقديم المجلس العاشورائي، أو وقائع ثورة الإمام الحسين× للأطفال، ينبغي السُّؤال: أوَّلاً، ماذا نريد أن نقدِّم، وكيف؟ هل نريد أن نقدِّم الحدث التَّاريخي، أو نريد أن نقدِّم أدباً قصصيّاً يتّخذ هذا الحدث مرجعاً له، ويقيم، انطلاقاً منه، بناءً قصصيَّاً متخيَّلاً ينطق بدلالة تربويَّة؟ وفي صيغة أخرى للسؤال، نقول: هل نريد أن نقدِّم كتابة تاريخيَّة للأطفال، أو نريد أن نقدِّم كتابةً أدبيَّة قصصيَّة تتَّخذ التاريخ مادَّة أوليَّة لها؟

2 ـ في الإجابة عن هذا السُّؤال، يمكن القول: يمكن تقديم هذين النَّوعين، شريطة أن نعي جيِّداً أن لكلٍّ منهما طبيعته وخصائصه وشروط كتابته، ففي حين تقتضي الكتابة التاريخيَّة، وهي أقرب للعلم منها للأدب، الوقائع موثَّقة، محقَّقة، مسبَّبة ما أمكن، في سياقها التاريخي، تقتضي الكتابة الأدبيَّة تقديم الوقائع من منظور الأديب، أي من وجهة نظره وزاوية رؤيته، فيتمُّ اختيارٌ من الوقائع وعزلٌ لها، ونَظْمٌ في سياق مُتَخيَّل ينطق بالرؤية عندما يكتمل، شريطة عدم تغيير الحقائق التاريخيَّة المُثْبَتة، فصحيحٌ أن الأدب ليس تاريخاً، وصحيحٌ أيضاً أنَّه ليس تغييراً للحقائق التاريخيَّة.

خصائص الخطاب العاشورائي للأطفال

3 ـ طبيعي أن كلاًّ من النَّصَّين ينبغي أن يتّصف، على مستوى معجم الألفاظ وبنية العبارة وبنية النص، بخصائص الكتابة الموجَّهة للأطفال، فالمتلقِّي في هذا النوع من الكتابة معروف ومعيَّن، ومستواه العمري والعقلي والثقافي هو الذي يحكم طبيعة الكتابة ومستواها وخصائصها، وفي رؤية عامَّة يمكن القول:

على مستوى معجم الألفاظ، ينبغي أن تكون الألفاظ مختارة بعناية من معجم ألفاظ الطِّفل الذي توجَّه إليه الكتابة. وإن كان من ألفاظ جديدة، فينبغي أن تكون محدودة في كلِّ نصّ، وأن تُشرح.

وعلى مستوى بنية العبارة، ينبغي أن تكون بسيطة تتألَّف من عناصر محدودة تتمثَّل في أركان الجملة اسميَّة أو فعليَّة، وتتوالى مسنداً إليه ومسنداً، أو العكس، وتوابع، من دون تعقيد، وتؤدِّي معنى كاملاً أو مفيداً يُوْقَف عنده، ليسهل وضع علامات الترقيم بدقَّة، وإن كان من محسِّنات بلاغيَّة، فينبغي أن تكون محدودة وواضحة وغير متكلَّفة.

وعلى مستوى النَّص، إن كان سيُقرأ في مجلس واحد، ينبغي أن يكون قصيراً وذا موضوع واحد محدَّد، واضح التَّدرُّج، متماسكاً، مكتمل الدَّلالة.

4 ـ وفي ما يتعلَّق بالكتابة التَّاريخيَّة يبدو لي أنّه من الضَّروري إجراء ما يأتي قبل المباشرة بالكتابة:

1ـ قراءة نقديّة للنَّص التاريخي، المتوافر بين أيدينا، بعد أن يُستقى من مصادره. يجري هذه القراءة مؤرِّخون وعلماء دين محقِّقون، ينحّون ما لم تثبت صحته تاريخياً، ويبقون ما تثبت صحَّته، وما يلائم المتلقِّي الذي سيوجَّه إليه النَّص على مختلف المستويات.

2ـ اختيار وقائع تلائم المرحلة العمريَّة للطِّفل على مختلف المستويات، ويبدو لي أن الغيبيَّات والفواجـع والتَّهويل بالموت والعقاب لا تلائم هذه المرحلة من العمر.

3 ـ اختيار الوقائع ونظمها يتمَّان من منظور رؤية تربويّة تريد أن تنشئ جيلاً مُسْلماً يُعْمل عقله، يفكِّر، يكتشف الحقيقة، يتَّخذ المواقف الصحيحة، يرفض الظلم ويقاومه، يحبّ البطولة، ويقتدي بالأبطال. ومن هنا ضرورة أن تخاطب الكتابة العقل فتُقنع، والوجدان فتؤثِّر، ما يتيح تكوين شخصيَّة فاعلة في محيطها.

4 ـ يتحرَّك سياق الأحداث إلى التشكُّل في بناء مكتمل ذي دلالة، وفاقاً لمبدأ مقنع، مفهوم، واضح، وإن أثيرت أسئلة تكن الإجابة عنها موجودة في النَّص ومقنعة.

5 ـ وفي رسم الشخصيات ينبغي أن تُرسَمُ الشخصيَّة القُدْوَة شخصيَّةً إنسانيَّة، ذات قدرات إنسانيَّة مقنعة، تستمد قوّتها من الواقع المعيش القائم، كي لا يتعلَّق الطفل بكائن خارق من خارج الواقع ليحل مشكلاته، كما ينبغي أن تُقَدَّم الشخصيات الشِّريرة بوصفها شخصيات واقعيَّة، تَخْتارُ مواقفها بفعل دوافع معيَّنة…

أنموذج مؤسف ودال من واقع المجالس الحسينية

5 ـ وإن كان لي أن أقدِّم أنموذجاً وأناقشه، في ضوء ما ذكرته عن الكتابة التاريخيَّة، فليكن ما سمعته من أحد قارئي السِّيرة، في مجلسٍ ضمَّ الكبار والصِّغار. قال القارئ، في ما قال، ما مفاده باختصار:

إن أمير المؤمنين، الإمام عليّاً بن أبي طالب× مرَّ، حينما كان خليفة، في أحد طرقات الكوفة، بامرأة توهم أبناءها الجائعين، الضَّاجِّين بالبكاء، أنها تطبخ لهم… ولمّا سألها عرف أنها لا تملك شيئاً تُطْعِمُهم إيَّاه، فأسرع إلى داره، وحمل على ظهره كيس طحين وطعاماً، وعاد إليها ليعجن ويخبز ويطعم الأطفال ويُسَامرهم… وقبل قراءة هذا الحدث كان قد قرأ أبياتاً من الشِّعر، أو أنشد أبياتاً من الشعر بلهجةٍ تخلط اللَّهجات العراقية والإيرانيَّة والجنوبيَّة اللّبنانيَّة، ثم قدَّم موعظة محورها حساب القبر والبرزخ… ثم تلا رواية الحادثة وربطها بعاشوراء.

نلاحظ، أوَّلاً، عدم التَّرابط بين الأجزاء الأربعة التي تكوَّن منها هذا المجلس، وهي: المقدِّمة الشعرية، والموعظة، والحدث التاريخي الأوَّل، والحدث التاريخي الثاني، وثانياً، لم يصل من الشِّعر إلى المتلقِّين سوى الصَّوت المنغَّم، فالتواصل تمَّ على هذا المستوى فحسب، إذ إن القارئ خلط بين اللَّهجات، وغلَّب التنغيم والجهر بالصَّوت الحزين ليؤثِّر، علاوة على أنَّ ألفاظ القصيدة التي أُنشدت غريبةٌ وصعبةٌ، كما أن تركيب العباراتِ معقَّدٌ يصعُبُ فهمه إن قُرئ فكيف إن أُلقي إلقاءً منعَّماً. وثالثاً، وإن وصل شيء من هذا الشِّعر فهو غير مفهوم للجميع، إذ إنَّه قديم وبعيدٌ عن فضاء المكان الذي يُلقى فيه، ورابعاً، جاءت الموعظة مكرَّرة ومُشْبَعة بالغيبيَّات وهزيلة، ولم يراع القارئ المقام. ففي المجلس علماء كبار ومثقَّفون، فهو يقرأ كما كان يقرأ من قبل، ولم يَدُر في ذهنه أن المتلقين تغيّروا، ما يقتضي تغيير الخطاب، وخامساً، أن المجلس طال ما يزيد على السَّاعة، ما جعل الحاضرين يغادرون المكان تباعاً، ولعلَّنا نلاحظ أن الناس صاروا يغادرون الحسينية، في مناسبات ذكرى الأسبوع، قبل بدء قارئ العزاء مباشرة لعلمهم بطبيعة ما سوف يُقرأ.

تشير هذه الملاحظات إلى ضرورة إعادة النَّظر في بناء مجلس العزاء الموجَّه للكبار، وفي مكوّناته، وإن كان من إصرار على تضمّنه شعراً وموعظة وحدثاً… فليكن الرَّابط غير شكلي، وليكن الشعر شعراً جيِّداً ومفهوماً، ولتكن الموعظة جديدة وتُعْنَى بالشأن الحياتي، وليكن الحدث التاريخي كما وصفناه من قبل، وفي ما يتعلَّق بالحدث الذي قدَّمناه، بوصفه أنموذجاً، نقدِّم الملاحظات الآتية:

(1) إن قارئ السيرة يريد أن يقول: هوذا الحاكم العادل، المتواضع، المبادر…، لكنْ أيُّ حاكم عادل هذا الذي تعيش في عاصمة حكمه مثل هذه العائلة في حالتها تلك، فإن كان الفقر قد وصل بالنَّاس إلى هذا الحدّ، فأين العدل؟ ولهذا ليس من المعقول تاريخياً، وانطلاقاً من معرفة شخصيَّة الإمام علي× ونهجه عائلة تشكو الفقر إلى هذا الحدّ.

(2) ثمَّ هل وجد خليفة المسلمين، الذي كان يحكم الدولة العظمى في عصره، لديه الوقت الكافي ليقوم بكل ما قام به؟ وهل كان يجيد جميع تلك الأعمال، ثم أليس من الأفضل، أن يكلِّف من يقوم بها؟ ثم أليس من الأكثر فضلاً أن يجد حلاًّ جذرياً للمشكلة، وليس حلاًّ آنياً لا يجدي لا على المدى الطويل، ولا على مستوى الناس جميعهم؟

(3) هل يعقل أن يدخل الإمام علي× بيتاً ربَّتُه امرأة ليست من محارمه، ويجلس فيه طوال هذه المدِّة، ويتصرَّف كأنَّه صاحبه؟

(4) هل هذه هي طريقة الإمام علي× في مواجهة هذه المشكلة الاجتماعيَّة ـ الاقتصاديَّة؟ إنَّ طريقته، كما تفيد الوقائع التاريخية المحقَّقة، تنبع من رؤية إسلاميَّة شاملة للنِّظام الاقتصادي، ومن مبادئها الأسوة في العطاء، فتطبيق هذا المبدأ لا يُبْقي فقراء في المجتمع. ومبدأ «الأسوة»، كما هو معروف، هو سبب خروج الكثيرين عليه، ومنهم طلحة والزُّبير، فكيف يبقى فقير إلى هذا الحد الذي تقدِّمه الرواية إن طُبِّق هذا المبدأ؟

(5) إن ما يروى عن الإمام علي بن الحسين×، من قيامه بأعمال مشابهة مختلف، إذ إنه كان يحصي الفقراء، ويضع الأكياس أمام أبوابهم! علاوة على أنه لم يكن الحاكم، وإنما كان مواطناً رأى ما ينبغي عليه القيام به، فقام به.

(6) يبدو أنَّ قارئ السِّيرة، أو مؤلِّف أحد الكتب، عثر على هذه الرِّواية في أحد المصادر ولم يحقّقها؛ إذ إن رواية شبيهة بها تُنْسَبُ إلى الخليفة عمر بن الخطاب، فما ينبغي القيام به هو التَّحقُّق من سند الرِّواية أوَّلاً وإثباته، ثم يُناقش المتن في ضوء معرفة تاريخيَّة شاملة.

(7) النَّص الذي يقدَّم في مجالس العزاء مهمٌّ جدّاً، ولهذا ينبغي أن يُعَدَّ إعداداً جيِّداً، وأن يُعَدَّ قارئه إعداداً جيِّداً، وبخاصَّة أن المتلقِّين صاروا أكثر تنوُّعاً وأكثر معرفةً وقدرةً على النَّقد، وأكثر حاجةً إلى ما يُقْنِع… نحن بحاجة إلى نصٍّ عاشورائي يخاطب العقل والوجدان المعاصَرين بلغة العصر.

الكتابة الإبداعية في النّص العاشورائي

5 ـ أمَّا في ما يتعلَّق بالكتابة الإبداعية فينبغي أن ننظر، علاوة على ما سبق، إلى أربعة أمور هي:

1ـ أن يكون النَّص أدباً، ليس إنشاءً ولا وعظاً، ولا خليطاً من شعر ونثر بمختلف أنواعه، والأدب يتميَّز بخصائص نوعيَّة تميِّزه من أي كتابة أخرى، وأبرز هذه الخصائص: البناء اللَّغوي المتخيَّل، المتحوِّل بالمادَّة الأوَّليّة إلى كائن لغوي يجسِّد رؤية كاشفة… والرؤية، في أدب الأطفال، جماليّة تربويَّة، تنتظم في منظومة تربوية عامَّة هي منظومة الأمَّة.

2 ـ يحكم المتلقِّي، وهو الطفل، النَّص الذي يوجَّه إليه، ما يعني أن الكاتب ينبغي أن يمتلك معرفة تربويَّة نفسيَّة ـ اجتماعية بالمتلقِّي الذي يكتب له.

3 ـ ينبغي أن يمتلك الكاتب معرفة بالمنظومة التربوية ووعياً لها، وأن يكون مقتنعاً بها، لتتمثَّل في أدبه التزاماً وليس إلزاماً، معرفةً أدبيةً جـمالية، وليس تاريخاً أو وعظاً.

4 ـ إن الأدب لا يُصْنَعُ بقرار، وإنما هو بالدَّرجة الأولى نتاج إنسان متميِّز موهوب، والموهبة ينبغي أن تُنمَّى بالثقافة وتتفتَّح بالدُّربة، ولهذا فأهم ما ينبغي عمله هو البحث عن المواهب الحقيقية، وتنميتها وتوجيهها وإتاحة الفُرص لها. وهنا لا تفيد الوساطات والعلاقات والمجاملات و…

أنموذج كتابة تاريخية مستوعبة

5 ـ وفي ما يأتي نقدِّم مادَّة تاريخيَّة تمثِّل بداية السِّيرة الحسينية الكربلائية، ونرى إليها على مستوى الكتابة التاريخية والإبداعية.

* توفي معاوية بن أبي سفيان، في دمشق، في الثاني والعشرين من رجب سنة ستين للهجرة، فتولَّى الخلافة من بعده ابنه يزيد، وكانت أولى مهمَّاته الحصول على بيعة المسلمين، وبخاصَّة الحسين بن علي وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير المقيمين في المدينة المنوَّرة.

كان والي المدينة، آنذاك، الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، فكتب يزيد إليه:

ـ خذ حسيناً وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير بالبيعة أخذاً شديداً ليست فيه رخصة حتى يبايعوا.

لمَّا وصلت الرِّسالة إلى الوليد استعظم الأمر، فبعث إلى مروان بن الحكم ودعاه إليه، وكانا متخاصمين، ل