المحقق أحمد الأردبيلي – بيوغرافيا، ومنهج في الفكر والأخلاق

14 مايو 2014
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
6٬247 زيارة

المحقق أحمد الأردبيلي – بيوغرافيا، ومنهج في الفكر والأخلاق

السيرة الذاتيّة، لمحة عامة ــــــــــ

الولادة والوفاة، التاريخ والمحل

أحمد بن محمد الأردبيلي ]الأفشاري الآذربايجاني[ المعروف بالمحققّ أو المقدّس الأردبيلي، علمٌ من أعلام الفقهاء، وعالم من علماء القرن العاشر الهجري، أجمع علماء التراجم على تحديد محل ولادته، وهو: نيار أردبيل([2])، رغم عدم ذكرهم شيئاً عن تاريخها، كما اتفقوا ــ تقريباً ــ على تاريخ وفاته ومكانها. وقد ووري الشيخ الأردبيلي الثرى في صفر من عام 993هـ([3]) في النجف الأشرف، حيث دُفن بالقرب من مرقد الإمام علي بن أبي طالب B.

وقد خلّد ذكره ذيل هذين البيتين المذكور فيهما تاريخ وفاته:

والأردبيلـــــــي مــــــن الأعــــاظـــم مقــــدّس ذو ورع وعفّـــــــــة

 

منه استجار صاحب المعالم وفاته في الألف إلاّ سبعة([4])

أردبيل مسقط رأسه ــــــــــ

يُعد المحيط التربوي من العوامل الأساسيّة التي أثرت في تكوين شخصيّة الأردبيلي، إضافة إلى عوامل أخرى على قدرٍ من الأهمية، لوحظ أثرها أيضاً، مثل الوراثة، والتربية وأبعادها الباطنيّة والمعنويّة، وممّا لا شك فيه وجود عوامل أسهمت في بناء هذه الشخصيّة، ألا وهي مدينة أردبيل واعتقادات أهلها وثقافتهم. ويعود ذلك لمكانة أردبيل([5]) الرفيعة، كونها امتداداً لمسار العرفان، والعلم، والثقافة، والتشيّع والولاء لأهل البيت G وعشقهم، وذلك من قَبْل ظهور السلالة الصفويّة.

وقد ذكرت دائرة المعارف البريطانيّة وجود مساجد ومدارس ذات أهميّة كبرى في بقعة الشيخ صفي الدين في أردبيل إضافة إلى مكتبة مهمّة أنشأها الشاه عباس في القرن السابع عشر، حيث أُخذت منها الكتب النادرة والقيّمة عام 1828م، ثم نقلها الروس إلى بطرسبورغ، حيث أقاموا على أساسها مكتبة قيمة([6]).

نعم، إنّ الشخصية التي حملها الأردبيلي في مرحلة الطفولة إنّما نمت وترعرعت في ظل هذا المحيط الاجتماعي.

أمّا أسرته فقد هيّأت له جوّ الطهارة والصفاء والنقاء،وممّا ساعد على هذا خاله المولى إلياس الأردبيلي، الذي كان أحد أعلام القرن العاشر، متبحّراً في العلوم، مثل الرياضيّات والنجوم والهيئة.

وقد كان الأردبيلي حضر بحثَ القبلة عند خاله الذي وصفه بنظير الخواجة نصيرالدين الطوسي في علم الهيئة([7])، بل قال عنه في زبدة البيان: إنّه لا نظير له([8]).

أمّا والده فكان من الصالحين وأفاضل زمانه، وقد ذكرت كتب التراجم عنه الواقعة التالية ومفادها ــ باختصار ــ أن والد المحقق كان مهتمّاً بالزراعة إلى جانب الوعظ والإرشاد، وفي أحد الأيام عند زراعته، رأى تفاحة في النهر فالتقطها وأكلها، بعدها تساءل عن كيفية مجيء التفاحة؟! فمضى محاذياً للنهر إلى أن وصل إلى بستان، فرأى صاحبه، حيث أخبره بما جرى هادفاً إعطاءه قيمة التفاحة.

عرف صاحب البستان قدر هذا الرجل وحسن أخلاقه، عندها قرّر مسامحته بشرط أن يقبل الزواج بابنته الصمّاء الخرساء العرجاء، فلم يكن أمام هذا الرجل الصالح حلاً سوى القبول؛ لأنّه كان يعرف أهمّية الحلال والحرام، ومدى تأثيرهما على الإنسان، وبعدما انعقد زواجهما رأى العروس سليمةً لا تشكو من عاهة، تعجّب وسأل والدها عن سبب وصفه لها بذلك الوصف، فأجابه: نعم، هي صمّاء لأنّها لم تسمع غيبةً أو صوتاً محرّماً، وعمياء لأنها لم تر شيئاً حراماً، وهي عرجاء لأنّها لم تخرج من بيتها من دون إذن والديها([9]).

شهادات مادحة ــــــــــ

ذكر كبار علماء الإسلام الكثير من المدح والثناء للشيخ الأردبيلي، ولا يسعنا هنا إلاّ أن نأتي بكلام شخصيتين بارزتين هامتين.

أ ــ كتب الشيخ أسد الله التستري: «الشيخ الأجلّ، الأكمل، الأفضل، الأعلم، الأوحد، الأورع، الأتقى، الأزهد، الأسعد، الفقيه، المفسّر، المتكلّم، المتبحّر، العظيم الشأن، الساطع البرهان، الفاتح لأبواب غوامض الأفكار، ودقائق الأنظار، التي لم يحوها قبله نطاق البيان، والمخصوص بمناقب ومزايا نفسية وبدنية، علمية، وعملية، يحار فيها الأذهان، وتقصر عنها أساطين العلماء الأعيان، المؤيّد بعواطف لطف الله الخفي والجلي، المولى أحمد بن محمد الأردبيلي»([10]).

ب ــ أمّا العلاّمة المجلسي فيقول: «والمحقّق الأردبيلي في الورع والتقوى والزهد والفضل بلغ الغاية القصوى، ولم أسمع بمثله في المتقدّمين والمتأخرّين»([11]).

وقد عبّر علماء التراجم في تراجمهم لشخصيات العلماء بكلمات دالّة عن صفات العلم والمعرفة والتقوى فيه، فقالوا: «أزهد الناس، أورع أهل زمانه، أعبدهم، أتقاهم، جليل القدر، عظيم الشأن، أشهر من أن يُذكر، يضرب به الأمثال، له كرامات ومقامات، من زهّاد الفقهاء والإماميّة، و…»([12]).

وقد وصف السيد حسن الصدر الأردبيليَّ بمحيي حوزة النجف، والمعيد إليها مركزيّتها بعد أفولها العلمي([13]).

الأعمال العلميّة ــــــــــ

هناك الكثير من المؤلّفات العلميّة والنتاجات التحقيقيّة المختلفة للشيخ الأردبيلي.

فله في الفقه الكتب التالية:

1 ــ مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان إلى أحكام الإيمان.

2 ــ مناسك الحج.

3 ــ رسالة في الذبيحة وبعض أحكامها.

4 ــ رسالة عملية.

5 ــ الخراجية.

6 ــ حاشية على الإرشاد.

7 ــ تقليد الميت أو الاجتهاد والتقليد.

وله في الأصول الكتب التالية:

1 ــ رسالة الضد أو رسالة في أن الأمر بالشيء مستلزم للنهي عن ضده.

2 ــ حاشية على شرح مختصر الأصول.

3 ــ حاشية على شرح تهذيب الأصول.

أمّا في الكلام، فله المؤلّفات التالية:

1 ــ حديقة الشيعة.

2 ــ حاشية على إلهيّات شرح الجديد للتجريد، (شرح التجريد للقوشجي).

وله في التفسير النتاجات التالية:

1 ــ زبدة البيان في براهين أحكام القرآن([14]). ويدور حول تفسير آيات الأحكام.

2 ــ حاشية على الكشاف أو تعليقة على ما قاله الزمخشري.

3 ــ حاشية على أنوار التنزيل أو تعليقة على ما قاله البيضاوي.

4 ــ شرح كلمة: لا إله إلاّ الله أو شرح كلمة التوحيد.

وله كتاب في العقائد وهو: إثبات الواجب أو أصول الدين([15]).

الأردبيلي، أساتذته، تلامذته، معاصروه ــــــــــ

صحيح أن الأردبيلي لم يتتلمذ عند الشهيد الثاني، إلاّ أنّه وفّق لدرسه ــ الشهيد الثاني ــ عبر التواصل مع تلامذته، حيث كان يستفيد من مدرسته الفقهيّة، لكن وللأسف لم نر في كتب التراجم دراسةً مستوفية جامعة لأساتذته، على أي حال، فإن الإساتذة المذكورين أدناه قد ذُكروا هناك نصّاً أو بالإشارة:

1 ــ جمال الدين محمود الرازي، تلميذ جلال الدين الدواني الذي كان فيلسوفاً متألهاً، جامعاً للمعقول، تلمّذ على يديه ــ علاوة على الأردبيلي ــ الملاّ عبدالله اليزدي صاحب الحاشية على تهذيب المنطق للتفتازاني، والمولى عبدالله الشوشتري، والباغوني الشيرازي، و… ([16]).

2 ــ كما وتلمّذ ــ على حد قول بعض الباحثين ــ على يد السيد علي الصائغ الحسيني العاملي الجزيني الذي كان من تلامذة الشهيد الثاني البارزين، وصاحب مؤلّفات قيّمة ومفيدة، كما وكان الأردبيلي مجازاً منه في الرواية([17]).

3 ــ وقد درس أيضاً عند المولى إلياس الأردبيلي ــ خاله ــ في مدينة أجداده، واكتسب منه علوماً متعددة كعلوم الهيئة، ومعرفة القبلة، وكتب فيها، يقول: «ولنذكر هنا ما استفدنا من خدمته ــ أي إلياس الأردبيلي ــ ممّا في قول الشارح»([18]).

وقد اعتبر الأردبيلي خاله إلياس بداية مرحلة من مراحل علم الرياضيّات والهيئة([19]).

أمّا فيما يتعلّق بالذين عاصروا المحقق الأردبيلي، فيمكن ذكر الشيخ البهائي العاملي الذي كانت بينهما قصص وحكايات([20]).

وأمّا عن زملائه في الدراسة فكان منهم: المولى الميرزا جان حبيب الله الباغنوي الشيرازي، والمولى عبدالله اليزدي صاحب الحاشية على تهذيب التفتازاني، المعروفة بحاشية الملاّ عبدالله([21]).

وقد ربّى الأردبيلي على يديه عدداً من رجال العلم الكبار كان منهم:

1 ــ أبو منصور جمال الدين الحسن العاملي، ابن الشهيد الثاني، ومؤلّف معالم الأصول، الذي يُعدّ من أشهر فقهاء القرن الحادي عشر، ومن أفضل تلامذة الأردبيلي.

2 ــ السيد شمس الدين محمد الحسيني الموسوي الجباعي العاملي، صاحب كتاب مدارك الأحكام، وغاية المرام.

3 ــ عبدالله عز الدين التستري الإصفهاني، أستاذ الملاّ محمد تقي المجلسي، شارح إرشاد الأذهان للعلاّمة الحلّي.

4 ــ الميرزا محمد الحسيني الاسترآبادي، أستاذ الملاّ محمد أمين الاسترآبادي، صاحب منهج المقال في علم الرجال.

5 ــ المير علاّم الحسيني كيا، أو المير فيض الله التفرشي([22])، جامع علوم المنقول.

والكثير غيرهم نعرض عن ذكرهم اكتفاءً بمن ذكرناه([23]).

ونحاول الآن ــ بعد المقدّمات المذكورة سابقاً ــ التحدّث عن السيرة العلميّة للمحقّق الأردبيلي في مجال الأخلاق ومبادئها، مشيرين إلى مظاهر منها.

أهميّة كسب العلم ــــــــــ

للعالم قدر رفيع ومهم في عقيدتنا، حيث عزّز الدين الإسلامي ــ من بين جميع الأديان الإلهيّة جميعها ــ هذا المفهوم، بإعطائه وقلمه علامة افتخار تفوق دم الشهداء، رمز عزة الأمّة وبقائها، ذلك لأنّ قلم العالم يتعهّد بصنع ثقافة الإيثار والتضحية، ومن هنا حكم الفقهاء بوجوب كسب العلم رغم قولهم بأن وجوبه هذا إنّما هو على نحو الوجوب الغيري.

إلاّ أنّ الأردبيلي اعتقد ــ إضافة إلى الذين تلوه، مثل صاحب المعالم وصاحب المدارك وبعض المتأخّرين ــ اعتقد بالوجوب النفسي لتحصيل العلم.

وهنا رواية عن الأردبيلي تدلّ على مدى حرصه على كسب العلم والمعرفة، وهي ــ بحقّ ــ مثيرة للتعجّب والاستغراب، حيث يكتب مؤلّف روضات الجنّات ــ نقلاً عن حدائق المقرّبين ــ فيقول: «قال: وحكوا أيضاً أنّه كان إذا أراد الحركة إلى الحائر المقدّس لأجل الزيارات المخصوصة يحتاط في صلواته بالجمع بين القصر والإتمام ويقول: إنّ طلب العلم فريضة وزيارة الحسين B سنّة، فإذا زاحمت السنّة الفريضة، يحتمل تعلّق النهي عن ضدّ الفريضة بها وصيرورتها من أجل ذلك سفر معصيّة، مع أنّه في الذهاب والإياب لا يدع ــ مهما استطاع ــ مطالعة الكتب والتفكّر في مشكلات العلوم»([24]).

الاعتدال في البحث العلمي ــــــــــ

يكتب المرحوم الخوانساري حول المنهج العلمي الوسطي للأردبيلي: «وكان شريكاً في الدرس مع المولى عبدالله اليزدي، والمولى ميرزا جان الباغنوي عند المولى جمال الدين محمود، الذي هو من تلامذة المولى جلال الدوّاني، ونُقل أنّ منزله أيضاً كان في جنب منزل المولى ميرزا جان المذكور، وكان اشتغال المولى ميرزا جان بالمطالعة في الليل…، ولكن مولانا المقدس كان ينام من أوّل الليل إلى قريب من ذلك الوقت ثمّ ينهض إلى صلاة الليل، فلمّا كان يفرغ من الصلاة يتفكّر فيما كان تفكّر فيه المولى المذكور من أوّل الليل إلى آخره، فيفهم من ساعته مالم يكن فهمه جدّ المولى ميرزا جان، هذا»([25]).

منهجه التربوي والتعليمي ــــــــــ

واحدة من الأساليب التي استخدمها الأردبيلي تعاملُه مع طلاب العلم والباحثين عن المعرفة تعاملاً قائماً على الحث والتشجيع، ما يبعث في النفس إحساساً بالثقة، وممّا يدعو إلى الاندهاش أن هذا الأستاذ القدير كان يدعو تلامذته إلى قراءة مؤلّفاته، ومن ثم نقدها وتصحيح الخطأ الكامن فيها.

وينقل الخوانساري أن شرح الأردبيلي لإرشاد الاذهان الذي ألّفه الحلّي، وهو ــ أي شرح الأردبيلي ــ المسمّى «مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان».. من أشهر مصنّفاته وأبرزها، كان قد عرضه على اثنين من تلامذته الماهرين المتميزين وهما: الشيخ حسن العاملي، والسيد محمد العاملي، وذلك بغية الاستفادة من ذوقهما وسليقتهما، والاستزادة من رؤاهما ووجهة نظرهما([26])، وكان حينما يطلب منهما التدقيق وإمعان النظر يقول بكلّ تواضع: إنّني أعلم أنّ بعض عبارات هذا الكتاب غير صحيحة([27]).

الأخلاق العلميّة ــــــــــ

تتضح ضرورة الأخلاق في أحد أبرز مجالاتها المهمّة، عنيت: مجال عقد المباحثات العلميّة الفكريّة، لأنّه في هذه المجالات ــ التي يحكمها الوجدان ــ يتهيّأ الكمال العلمي، وفي حالة عدم حضور الورع يفرّ العلم والحقيقة من النفس، كما يفرّ الغزال من كمين الصياد.

التواضع العلمي ــــــــــ

من أخلاقيّات المعلّم التواضع لطلابه واحترامهم وعدم تحقيرهم وازدرائهم.

ينقل الملاّ علي الخياباني عن كتاب بحر العلوم ــ الذي ألّفه الميرزا حسن الزنوزي ــ الحادثة التالية: عندما تشرّف الشيخ محمد بهاء الدين بزيارة المشهد الغروي، حضر يوماً مجلس درس الملاّ أحمد الأردبيلي، فشاهده من بين تلامذته في حلقتهم الدراسيّة في تواضعٍ تام، حتّى لا يكاد يُفرّق فيها بين الأستاذ وتلميذه، فقد كان صدر المجلس خالياً وهم منشغلون بالدرس والمباحثة.

وقد مارس الشيخ بهاء الدين ضغطاً شديداً على المحقّق الأردبيلي فأجلسه في صدر المجلس، وفي هذا الوقت سمعوا صوتاً مرنّماً يتلو الآية القرآنية: >تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ< القصص: 83، وكلّما بحثوا كلّما عجزوا عن معرفة صاحب الصوت ومصدره، لقد أدى سماع هذه الآية إلى ارتعاش فرائص الأردبيلي، وتغيّر لونُه وبكى، ثم جلس بين طلابه منشغلاً بالتدريس([28]).

وقد تركت أخلاقيّاته هذه تأثيراتها الواضحة على منهجه في الاجتهاد الفقهي، كما ترشدنا إليه نتاجاته العلميّة.

يعدّ الشيخ الأردبيلي من الفقهاء النادرين، وصاحب مدرسة فقهيّة خاصة، وأنصار مهمّين في تاريخ الفقه، حيث كانت له آراء لم يتبنّاها أحد غيره، ومن تلك المباني الأصولّية عدم حجية الشهرة الفتوائية، ورغم اعتباره فهم المجتهد واستنباطه استدعاءً للاحتياط العلمي، إلاّ أنّه كان من الناحية العلميّة يولي الإجماع وحتى آراء مشهور الفقهاء اهتماماً خاصاً، ومنهجه هذا دليل على احتياطه العلمي واحترامه لقراءات الآخرين وتواضعه. ويمكن مشاهدة سلوكه العلمي هذا في مواضع متعددة من أهم كتاب فقهي اجتهادي له، ألا وهو: مجمع الفائدة([29]).

وعلى سبيل المثال، اعتقد الأردبيلي في مسألة حرمة قول آمين في الصلاة بل وبطلانها بذلك ــ كما هو رأي المشهور ــ اعتقد بعدم وجود أيّ دليل يقبل الاعتناء به لتأييد وجهة النظر هذه، مثبتاً صحة الصلاة وإباحة آمين، تمسّكاً بأصالة البراءة وعدم ثبوت شيء من العهدة، كما وعدم قيد أو شرط في الأوامر المتعلّقة بالمسألة، بيد أنّه في نهاية هذا البحث يعلّق قائلاً: «ولكن الاحتياط والشهرة يقتضي الترك، وعدم الفتوى بالتحريم أيضاً»([30]).

الاعتماد على أهل البيت في كشف الحقائق العلميّة ــــــــــ

يتحدّث العلماء الكبار عن علاقة الأردبيلي العلميّة والمعنوية بأهل البيت G، وفي هذا المجال، يكتب السيد نعمة الله الجزائري: «وقد حدثني أوثق مشايخي علماً وعملاً أنّ لهذا الرجل، وهو المولى الأردبيلي، تلميذاً يروي أنّه قد كانت لي حجرة في المدرسة المحيطة بالقبّة الشريفة، فاتفق أنّني فرغت من مطالعتي وقد مضى جانب كثير من الليل، فخرجت من الحجرة أنظر في حوش الحضرة، وكانت الليلة شديدة الظلام، فرأيت رجلاً مقبلاً على الحضرة الشريفة، فقلت: لعلّ هذا سارق جاء ليسرق شيئاً من القناديل، فنزلت وأتيت إلى قربه، فرأيته وهو لا يراني، فمضى إلى الباب ووقف، فرأيت القفل قد سقط، وفتح له الباب الثاني، والثالث على هذا الحال، فأشرف على القبر فسلّم، وأتى من جانب القبر ردّ السلام، فعرفت صوته، فإذا هو يتكلّم مع الإمام B في مسألة علميّة، ثمّ خرج من البلد متوجّهاً إلى مسجد الكوفة، فخرجت خلفه وهو لا يراني، فلمّا وصل إلى محراب المسجد، سمعته يتكلّم مع رجل آخر بتلك المسألة؛ فرجع ورجعت خلفه، فلمّا بلغ إلى باب البلد أضاء الصبح، فأعلنت نفسي له وقلت له: يا مولانا! كنت معك من الأوّل إلى الآخر؛ فأعلمني من كان الرجل الأوّل الذي كلّمته في القبّة، ومن الرجل الآخر الذي كلّمك في مسجد الكوفة؟ فأخذ عليّ المواثيق أنني لا أخبر أحداً بسرّه حتى يموت.

فقال لي: يا ولدي! إن بعض المسائل تشتبه عليّ، فربّما خرجت في بعض الليل إلى قبر مولانا أمير المؤمنين B وكلّمته في المسألة وسمعت الجواب، وفي هذه الليلة أحالني على مولانا صاحب الزمان، وقد قال لي: إنّ ولدنا المهدي هذه الليلة في مسجد الكوفة، فامض إليه وسله عن هذه المسألة، وكان ذلك الرجل هو المهدي B»([31]).

وممّا يجدر ذكره أنّ للأردبيلي ذكريات أخلاقيّة وقصصاً مشوّقة لا مجال لذكرها هنا.



[1]) أستاذ مساعد في جامعة طهران.

[2]) تقع قرية نيار أو نيارق بالقرب من أردبيل، أمّا اليوم فقد أضحت بعيدة عنها، يكتب الدكتور معين: تبعد نيارق 24 كيلو متر شرق أردبيل.

[3]) ذكر الكثير من المحققّين أنّ وفاة الأردبيلي كانت عام 993هـ، راجع: الشيخ محمد حرز الدين، معارف الرجال 1: 56.

[4]) ذُكر هذان البيتان أيضاً في معارف الرجال ونخبة المقال، لكن جاء بدل كلمة «منه» «عنه»، وبدل «عفة» «رفعة». راجع: معارف الرجال 1: 56؛ والسيد حسن البروجردي، نخبة المقال في علم الرجال: 28؛ والشيخ أسد الله التستري، مقابس الأنوار ونفائس الأسرار: 21؛ والميرزا محمد علي المدّرسي، ريحانة الأدب 5: 370.

[5]) لمزيد من الاطلاع على أردبيل تلك المدينة الصانعة للتاريخ والمواقف، راجع: السيد محمد حسين الطباطبائي، شيعة در اسلام: 31؛ ومحمد حسين خلف التبريزي، برهان قاطع 1: 99؛ وعبدالحسين سعيديان، دائرة المعارف شهرهاي جهان (شهرهاي بلند آوازاه أي كه دنيا را تغيير داد) 1: 87؛ وعلي أكبر دهخدا، لغت نامه 1: 169؛ ودائرة المعارف بزرك اسلامي 7: 481 ــ 482.

[6]) The new Encyclopdia Britannica Voluem: 1494.

[7]) راجع: المولى أحمد الأردبيلي، مجمع الفائدة والبرهان 2: 71 ــ 72.

[8]) راجع: الأردبيلي، زبدة البيان: 67.

[9]) السيد محمد تقي مقدّم، سرمايه سعادت ونجات: 29 ــ 31، بتصرف يسير، والجدير بالذكر أن والدة الأردبيلي التي أتينا على ذكرها من السادات العلويات، راجع: محمد حرز الدين النجفي، معارف الرجال 1: 55.

[10]) الشيخ أسد الله التستري، مقابس الأنوار: 15.

[11]) العلاّمة المجلسي، بحار الأنوار 1: 42.

[12]) راجع: الشيخ علي العاملي، الدر المنثور 2: 199 ــ 202؛ والسيد عبدالحسين الحسيني، وقائع السنين والأعوام: 492 و494؛ والحاج ملاّ علي العلياري، بهجة الآمال: 107؛ وخير الدين الزركلي، الأعلام 1: 234؛ والسيد أبو القاسم الخوئي، معجم رجال الحديث 2: 225؛ والشيخ آغا بزرك الطهراني، أعلام الشيعة، القرن العاشر؛ ومحمد علي المدرّسي، ريحانة الأدب 5: 366؛ والسيد مصطفى التفرشي، نقد الرجال: 29؛ ومحمد تقي المجلسي، روضة المتقين 14: 383؛ والشيخ موسى الزنجاني، الجامع في الرجال: 158؛ ودائرة معارف الأعلمي 3: 138؛ ويوسف البحراني، الكشكول 1: 38 و127 ــ 128؛ وثقة الإسلام الميرزا محمد علي التبريزي، مرآة الكتب 1: 307 و 308؛ وملاّ حبيب الله الكاشاني، لباب الألقاب: 89؛ وعبدالله المامقاني، تنقيح المقال 1: 469؛ ومحمد هاشم الخراساني، منتخب التواريخ: 173 ــ 183.

[13]) راجع: السيد حسن الصدر، تكملة الآمال: 143.

[14]) جاء هذا الكتاب بعنوانين مختلفين: أ ــ زبدة البيان، ب ــ آيات الأحكام، وقد سجّل صاحب الذريعة هذا الكتاب بعنوان زبدة البيان، واستخدمه بعنوان آيات الأحكام على نحو الترديد. راجع: الشيخ آغا بزرك الطهراني، الذريعة 4: 73، أمّا مؤلّف كشف الأستار فذكره بعنوان آيات الأحكام ثمّ كتب يقول: «وهذا الكتاب كان مسمّى بزبدة البيان في شرح آيات أحكام القرآن، لكن لمّا سمّاه بهذا الاسم هذا الشيخ الجليل، وهكذا في ألسنة أصحاب العلم الذين لا يكون لهم عديل ولا بديل، أوردناه في هذا الباب تبعاً للكاملين في الأصحاب»، انظر: كشف الأستار 1: 68.

[15]) الشيخ آغا بزرك الطهراني، الذريعة إلى تصانيف الشيعة 12: 21 وج 4: 73، وطبقات أعلام الشيعة، قرن 10: 8؛ والشيخ الحر العاملي، أمل الآمل 2: 23؛ والسيد مصطفى التفرشي، نقد الرجال: 29؛ والميرزا عبدالله الأفندي الإصفهاني، رياض العلماء 1: 56؛ والسيد أحمد الصفائي الخوانساري، كشف الأستار 1: 67…

[16]) راجع: معارف الرجال 2: 6؛ والسيد محسن الأمين، أعيان الشيعة 3: 80؛ وعلي الدواني، شرح زندكاني جلال الدين الدواني: 110.

[17]) راجع: الطهراني، طبقات أعلام الشيعة، القرن العاشر: 155؛ والأمين، أعيان الشيعة 3: 80.

[18]) مجمع الفائدة 2: 72.

[19]) راجع طبقات أعلام الشيعة، القرن العاشر: 23، نقلاً عن زبدة البيان 2: 72.

[20]) الشيخ الحر العاملي، أمل الآمل 2: 23؛ والشيخ يوسف البحراني، لؤلؤة البحرين: 149؛ ومحمد علي المدرّس، ريحانة الأدب 5: 369.

[21]) راجع: الحاج علي العلياري، بهجة الآمال 2: 112.

[22]) يعتقد القمّي أنّ الحواشي المكتوبة على آيات الأحكام للأردبيلي، والتي كتب في آخرها كلمة «فيض» ترجع إلى المير علاّم الحسيني كيا. راجع: الفوائد الرضويّة: 356.

    والجدير ذكره أن صاحب رياض العلماء ذكر شخصاً باسم السيد مير فيض الله بوصفهأحد أساتذة الأردبيلي وشيوخه، مصرّحاً أنّه غير فيض الله التفرشي. راجع: رياض العلماء 1: 56

[23]) راجع: آغا بزرك الطهراني، طبقات أعلام الشيعة، القرن العاشر: 143؛ والشيخ عباس القمي، الفوائد الرضويّة: 246؛ والسيد حسن الصدر، تكملة أمل الآمل: 143.

[24]) روضات الجنّات 1: 198؛ والمحدّث حسين النوري، مستدرك الوسائل 3: 392؛ وأعيان الشيعة 3: 81.

[25]) روضات الجنّات 1: 82 و83، والأمين، أعيان الشيعة 3: 81.

[26]) الخوانساري، روضات الجنات 2: 298.

[27]) المصدر نفسه 7: 49.

[28]) راجع: الملاّ علي الخياباني، وقائع الأيام: 307 و 308، وقد نقل السيد الجزائري الحادثة المذكورة بتفاوتٍ يسير، لدى حديثه عن علائم الكبر والتكبّر، راجع: السيد نعمة الله الجزائري، الأنوار النعمانيّة 3: 40.

[29]) راجع: الأردبيلي، مجمع الفائدة 2: 234 و60؛ وج 1: 137.

[30]) الأردبيلي، مجمع الفائدة 2: 235.

[31]) الجزائري، الأنوار النعمانية 2: 303. وقد نقل بعض العلماء الكبار هذه القصة أيضاً مع قليل من التفاوت، راجع: المجلسي، بحار الأنوار 52: 174 و175؛ والبحراني، الكشكول 1: 127 و128؛ والتنكابني، قصص العلماء: 345؛ والخوانساري، روضات الجنّات: 196؛ والتويسركاني، ليالي الأخبار 1: 114.