المدخل إلى الفقه القرآني

19 سبتمبر 2015
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
566 زيارة

المدخل إلى الفقه القرآني

 الأصول والمعالم الأوّليّة

حيدر حب الله(*)

تمهيد

الفقه القرآني أو فقه القرآن أو فقه آيات الأحكام أو أحكام القرآن بحسب التسمية الموروثة، فقهٌ يتّخذ من النصّ القرآني موضوعاً لدراسته ومرجعاً لاستنباط الأحكام الشرعية منه، فهو ملتقى علمين إسلاميّين اثنين: أحدهما تفسير القرآن الكريم، وثانيهما علم الفقه الإسلامي، فجهود هذين العلمين المتمركزة على الآيات المعنيّة بالشأن الفقهي والأحكامي هي التي تكوّن الفقه القرآني، ومن هنا يحتاج الفقه القرآني إلى خبرةٍ تفسيرية وأخرى فقهيّة.

ويحظى الفقه القرآني في العقود الأخيرة بأهميّة خاصّة، لأسبابٍ داخلية وخارجيّة سوف نتعرّض لها بعون الله، فهو يشكّل دعوةً داخليّة للعودة إلى القرآن الكريم والاهتمام به بشكلٍ أكبر في الدراسات الدينية عامّةً، وفي الفقه خاصّة. كما أنّه يشكّل مادّةً نقدية على الفقه الإسلامي تارةً؛ حيث اتّهم بمعارضة القرآن الكريم في نتائجه، ومادة نقديّة على القرآن الكريم نفسه أخرى، حيث سجّل الناقدون مجموعة من التساؤلات والإشكاليّات على النظام التشريعي القرآني، الأمر الذي بات يستدعي دراسة الأصول والمعالم النظريّة التصوّرية والتصديقيّة لعلم الفقه القرآني، وهو ما ستحاول هذه الوريقات الإطلالة على مدخلٍ أوّلي جداً له إن شاء الله تعالى، فليس هدفنا هنا هو الدراسة التطبيقية لآيات الأحكام، بل مدخل للدراسة النظريّة العامة فيما يتعلّق بهذا الملفّ المهم جداً اليوم. إنه بحث أشبه بخارطة أولية للموضوع.

مفهوم الفقه القرآني

يُطلق عنوان «الفقه القرآني» ويقصد منه ـ تبعاً للاتجاهات الفقهيّة المعاصرة ـ أحد المعاني التالية:

المعنى الأوّل: الفقه القرآني التجزيئي (الاتجاه المدرسي)

وهو المعنى السائد في الموروث الإسلامي، وهو ذلك الفقه الذي نحصل عليه من خلال دراسة آيات الأحكام، فالفقيه يقوم بالاجتهاد في آيات الأحكام، فينتج عن ذلك فقهُه القرآني.

ودراسة آيات الأحكام:

1 ـ قد تكون بنحوٍ مستقل، كما هي الحال مع المصنّفات الخاصّة بآيات الأحكام، كزبدة البيان للمحقّق الأردبيلي عند الإماميّة، وشرح آيات الأحكام للفاضل يحيى بن محمد الحسني عند الزيدية، وأحكام القرآن لأحمد بن علي الرازي الجصّاص من أهل السنّة و… حيث صنّف العلماء المسلمون في فقه آيات الأحكام مجموعةً جيّدة من الكتب، ستأتي الإشارة لبعضها.

2 ـ وقد تكون بنحوٍ غير مستقلّ، وهذا بدوره يقع أيضاً على نحوين:

أ ـ ما قدّمه الفقهاء، لاسيما الذين يملكون موسوعاتٍ فقهيّة كبيرة، تتبعثر في هذه الموسوعات بحوثهم الاجتهادية في آيات الأحكام، كالسيد الخوئي عند الإماميّة، والإمام الشافعي عند أهل السنّة.

ب ـ ما قدّمه المفسّرون الذين يملكون موسوعاتٍ تفسيرية شاملة أو شبه شاملة لآيات القرآن الكريم، فمن الطبيعي أن نستخرج من تفاسيرهم أحياناً ـ إذا كانت مبنيّةً على التفصيل لا الاختصار ـ فقهاً قرآنياً، هو تلك البحوث المتعلّقة بتفسير آيات الأحكام، وهذا ما يمكن أن نجده عند الفخر الرازي في مفاتيح الغيب (التفسير الكبير)، وعند العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان إلى حدّ جيّد.

لكن ليست كلّ التفاسير لو تناولت آيات الأحكام فهي تغوص في أبعادها الفقهيّة، فليلاحظ ذلك جيّداً، وذلك مثل تفاسير البغوي والثعلبي ومحمد جواد مغنية و..

هذا هو فقه القرآن بحسب المعنى الموروث، والذي يتميّز بما يلي:

1 ـ لا تؤخذ النظريّة الفقهية المعنيّة فيه لدراستها قرآنياً، بل تؤخذ الآيات، إما موزّعةً في البحث التفسيري أو الفقهي، أو مقسّمةً إلى الأبواب الفقهيّة، لا أننا نبحث في نظريّة فقه الدولة في القرآن الكريم مثلاً.

2 ـ لا تُعتبر النتائج المترتّبة على دراسة آيات الأحكام فيه نهائيةً ما لم نضم إليها سائر مصادر الاجتهاد كالسنّة والعقل وغير ذلك، فقد نجد مخصّصاً أو مقيّداً أو غير ذلك، ولهذا لا يخرج الفقهاء القرآنيّون هنا بنتيجةٍ فقهيّة قبل أن يستكملوا البحث الفقهيَّ نفسه؛ نظراً للبُنية الاجتهادية التي يؤمنون بها في عمليّة الاستنباط الشرعي، والتي لا تكتفي بدراسة النصّ القرآني.

المعنى الثاني: الفقه القرآني الموضوعي (الاتجاه الحديث)

وهو الذي بدأنا نلمس له حضوراً في العقود الأخيرة، ويمكن تسميتُه: «الفقه القرآني الموضوعي»، في مقابل ما تقدّم من فقهٍ قرآني قد يصحّ تسميته بالفقه القرآني التجزيئي.

والفرق هو أنّ الفقه القرآني بالمعنى الثاني لا يتناول الآيات كما في المعنى الأوّل، فليست هي مفتاح بحثه، إنما يتناول الموضوعَ الفقهيّ، ثم يحاول الخروج بنتيجة قرآنيّة منه من خلال تتبّعٍ شامل لمجمل عناصر الموضوع في ضوء القرآن الكريم.

ولكي أوضح الفكرة أكثر، نحن نجد فرقاً بين شخص يسير على ترتيب الآيات فینتقي تلك المرتبطة بالفقه، ویفسّ‍ّرها واحدًة تلو الأخرى، أو يجمع آيات الأحكام ويصنّفها على الأبواب الفقهيّة، ثم يأخذ كلّ مجموعة، فيدرس ماذا تعطي وماذا تقدّم، ويجمع النتائج التي خرج بها من خلال بحثه، وقد تشكل نظريّةً مكتملةً وقد لا تشكّل..

هذا الشخص يختلف عن شخصٍ آخر منطلقُه فقهيٌّ موضوعي، فهو يأخذ مثلاً عنوان فقه الدولة، ثم يقسّم العنوان إلى فروعه، كفقه السلطة الداخليّة وفقه العلاقات الخارجية وفقه الحرب والسلم وفقه الحاكم والرعية وغير ذلك، ثم يذهب ناحية كتاب الله، ليأخذ منه نظريّةً مكتملة (بالنسبة للقرآن) حول الدولة وأحكامها، ففي هذه الحال هناك خارطة كاملة يُراد تعبئة صناديقها بالأفكار، لا أنّ هناك آياتٍ يجب المرور عليها، وأخذ مجموعة من الأفكار منها فحسب.

وعليه، فالتفسير التجزيئي والتفسير الموضوعي بهذا المعنى، يقسمان أيضاً فقه القرآن أو فقه آيات الأحكام.

المعنى الثالث: الفقه القرآني المرجعي (اتجاه القرآنيّين)

وهو الذي ينادي به القرآنيّون ـ بالمعنى العام لا الخاصّ ـ في العالم الإسلامي، ويقصدون منه أنّ الفقه لابد وأن يكون قرآنياً دائماً، وهذه الجملة لها بدورها مدلولان ينقسم القرآنيون تبعاً لهما:

المدلول الأول: وهو المدلول الأخفّ، حيث يذهب هؤلاء إلى مرجعيّة القرآن الكريم في الاستنتاج الفقهي، وفي محاكمة سائر مصادر الاجتهاد، لاسيما الحديث الشريف، فكلّ حديث لابد وأن لا يُحكم عليه بأنّه صحيحٌ أو ضعيف من خلال السند والتاريخ فحسب، بل المعيار هو العرض على القرآن، فما وافق القرآن بروحه ومضمونه أخذنا به وإلا طرحناه.

هذا الفريق يتشدّد مع الأحاديث أحياناً، ولهذا فهو يرى أنّ البحوث الفقهيّة لابد وأنت تطالعها أن تهيمن عليها المناخات القرآنية وليس الحديث، أي أن يشعر الإنسان بحضور النصّ القرآني في البحث الفقهي، في مقابل تغييبه لصالح الحديث أو الإجماعات أو غير ذلك.

المدلول الثاني: وهو المدلول الأشدّ، حيث يذهب أنصاره المصطلح عليهم بـ (القرآنيّون)، إلى اعتبار الفقه قرآنياً فقط دائماً وأبداً، وأنه لابدّ من حذف السنّة والإجماع والشهرة وسنّة السلف وغير ذلك حذفاً تاماً نهائياً، وأن اللازم هو بناءُ فقهٍ لا يعرف مصدراً للاجتهاد غير القرآن الكريم، وعلى أبعد تقدير يمكن ضمّ العقل إليه. فعندما نقول: الفقه القرآني هنا، فهذا عندهم ليس من باب التقييد، بل من باب التوضيح؛ إذ الفقه الإسلامي لا يكون إلا قرآنياً، وأمّا الفقه غير القرآني فليس فقهاً منسوباً إلى الشريعة الإسلاميّة والإلهيّة.

هذه هي المعاني الأساسيّة لـ «فقه القرآن»، وهناك المعنى اللغوي الذي لا يهمّنا هنا، وهو فهم القرآن؛ إذ الفقه بمعنى الفهم والتأمّل، وعليه فيكون علم التفسير كلّه حتى في غير آيات الأحكام فقهاً قرآنياً، أي فهماً للقرآن الكريم.

هذا هو مفهوم الفقه القرآني بحسب مجاله التداولي عند الاتجاهات الفكرية في العالم الإسلامي المعاصر.

موضوع الفقه القرآني

أو

مادّة الاشتغال الفقهي (آيات الأحكام)

ما هي المادة التي يُخضعها فقه القرآن للبحث والاستنباط؟

الجواب واضح، هي آيات الأحكام، وهذا ما يتطلّب منّا أن ندرس آيات الأحكام بنحوٍ عام؛ لفهم موضوع أو مادّة الاشتغال في الفقه القرآني.

ولكي نطلّ بنظرةٍ عامة على «آيات الأحكام»، لابدّ من الحديث عن مجموعة نقاط:

1 ـ آيات الأحكام، المفهوم والتعريفات

لا نريد أن نستهلك وقتنا في التشريح اللغوي لكلمتي: آيات ـ وأحكام، فالمفروض وضوحهما هنا، ولهذا نحن لا نجد في التراث القديم عند كلّ أو أغلب من كَتَب في آيات الأحكام، بمن فيهم من ألّف بشكلٍ مستقلّ في ذلك، لا نجد حديثاً عن تعريف آيات الأحكام وشرح معنى هذا المصطلح، وليس ذلك ـ في تقديري ـ إلا لوضوحه وبداهته؛ إذ لا يحتاج فهم هذا المصطلح سوى إلى فهمٍ عادي للقرآن والفقه، لنفهم الكلمتين معاً، كما يقول بعض الباحثين المعاصرين([1]).

ولا نجد تعريفاً لهذا العنوان إلا في أوساط الباحثين المعاصرين، وهذه بعض التعريفات:

1 ـ ما جاء في بعض الموسوعات المعاصرة، من أنّ آيات الأحكام هي: «الآيات التي تتعلّق بغرض الفقيه لاستنباطه منها حكماً شرعياً»([2]).

2 ـ ما جاء عند الذهبي، حيث قال: «الآيات التي تتضمّن الأحكام الفقهيّة التي تتعلّق بمصالح العباد في دنياهم وأخراهم»([3]).

3 ـ ما ذكره صاحب الميسّر، حيث قال: «الآيات التي تتضمّن تشريعاتٍ كليّة»([4]).

إذا راقبنا هذه التعريفات وأمثالها فسوف نلاحظ ما يلي:

أولاً: إنّ بعض التعريفات حكمت ضمناً على آيات الأحكام بأنّها تستوعب التشريعات العامة، وكأنّه لا يوجد فيها تفاصيل، وهذا موضوعٌ محلّ جدل سوف نشير إليه لاحقاً بعون الله.

ثانياً: إنّ التعريفات تحاول أن تأخذ عنوان الأحكام أو الفقه، وهي بذلك تخرج الآيات المتعلّقة بالقضايا الأخلاقيّة أو السلوكيّة عامة؛ إذ الفقه قد يطلق أحياناً في مقابل الأخلاق. وإذا أخذناه بمعنى الآيات التي تعطي موقفاً عمليّاً صار العنوان أوسع، إذ قد تدخل بعض القصص القرآني فيها.

وعلى أية حال، فهذه ليست تعريفات علميّة مصطلحيّة وفق أصول التعاريف المنطقيّة، بل هي مجرّد معرّفات ومشيرات وموضحات لمعنى آيات الأحكام، فلا داعي للخوض فيها جمعاً ومنعاً؛ لأنّ تعريف آيات الأحكام قد يتأثر ـ سعةً وضيقاً ـ بمجموعة مفاهيم ستأتي لاحقاً بعون الله.

وبالنسبة إلينا، فإنّ آيات الأحكام ينبغي وضعها في مقابل آيات النظر، فنقسّم القرآن إلى آياتٍ يؤخذ منها موقفٌ أو توجيه عملي، وآيات يؤخذ منها موقف أو مفهوم نظري اعتقادي فكري، وبهذا التقسيم لو وضعنا آيات الأحكام عنواناً للقسم الأوّل فسوف يترك ذلك تأثيراً كبيراً على مساحة آيات الأحكام وعددها، مما نتركه لما سيأتي إن شاء الله تعالى.

بين (آيات الأحكام) و (أحكام الآيات)

ولابدّ لنا أخيراً من التمييز هنا بين مصطلح «آيات الأحكام»، ومصطلح آخر استعمل في الفقه الإسلامي، وهو «أحكام الآيات»، فآيات الأحكام هي تلك الآيات الموجودة في القرآن، والتي يُترقّب أن يكون لها دلالة على موقفٍ عمليّ للمكلّفين، وبعبارةٍ أخرى: هي الآيات التي تتحدّث ـ بشكلٍ أو بآخر ـ عن قضيّة شرعيّة أو قانونيّة.. في الإسلام، فهي لا تشمل تمام آيات القرآن الكريم، وإنما خصوص تلك الآيات التي لها بُعدٌ دلالي عمليّ.

أما أحكام الآيات، فهي مجموعة من الأحكام الفقهيّة التي تتعلّق بالتعامل مع:

أ ـ مجموع الآيات القرآنية (أو المصحف الشريف) بلا تمييز بينها، كحرمة مسّها بغير طهور، أو حرمة إهانتها وهتكها، أو حكم بيع المصحف مطلقاً، أو حكم بيعه لغير المسلم أو..

ب ـ أو مع بعض الآيات، كوجوب السجدة أو استحبابها عند سماع أو قراءة آيات السجدة، أو وجوب قراءة البسملة في غير سورة الحمد في الصلاة أو غير ذلك.

وعليه، فلا علاقة لمفهوم «آيات الأحكام» الذي يتخذه الفقيه مصدراً في الاجتهاد الفقهي، بـ «أحكام الآيات» الذي يجعل الآيات ـ كلاً أو بعضاً ـ موضوعاً لتكليفٍ شرعيّ لا يختصّ مجاله بالفقيه، بل يشمل مطلق المكلّفين.

وتجدر الإشارة إلى أنّ عنوان «أحكام القرآن» قد يطلق في التراث الإسلامي على المعنيين معاً، أي آيات الأحكام وأحكام الآيات، فليُتنبّه لهذا الأمر.

2 ـ آيات الأحكام، الكمّ والعدد

المعروف والمتداول أنّ عدد آيات الأحكام هو في حدود الخمسمائة آية قرآنيّة([5])، ولشهرة هذا الرقم سُمّيت بعض كتب آيات الأحكام باسمه، فقد ألّف ابن المتوّج البحراني (ق8 هـ) كتاباً أسماه «النهاية في تفسير الخمسمائة آية»، ونُسب إلى المفسّر مقاتل بن سليمان أنّ اسم أحد تفاسيره هو «تفسير الخمسمائة آية في الأحكام»، ومن هذا النوع كتاب «شفاء العليل في شرح الخمسمائة آية من التنزيل» لعبد الله بن محمد النجري (877هـ)، وكتاب «منهاج البداية في تفسير آيات الأحكام الخمسمائة» لأحمد بن عبد الله بن محمد بن الحسن بن المتوج البحراني (بعد 800 هـ).

ورغم شهرة هذا القول، إلا أنّه ليس المراد منه رقم الخمسمائة بالدقّة، بل هو تقريب، أي قريب من الخمسمائة، كما صرّح بذلك غير واحدٍ من العلماء مثل الفاضل التوني، والإصفهاني صاحب الفصول([6]).

وقد تدخّلت عمليّات حساب المكرّر وغير المكرّر، والعنوان والمعنون، في تقديم أرقام أخرى أيضاً:

منها: أنها في حدود الثلاثمائة آية([7]).

ومنها: أنها بالعنوان 348 آية، وبالمعنون 467 آية([8]).

ومنها: أنّها 150 آية فقط([9]).

ومنها: أنّها 900 آية قرآنيّة.

وقد ذكر بعض الباحثين المعاصرين أنّه أحصى آيات الأحكام في كتاب أحكام القرآن لابن العربي المالكي فبلغت ما يقرب من هذا العدد أيضاً.

وفي الفترة الأخيرة، ظهرت دعواتٌ للحديث عن مساحةٍ أكبر لآيات الأحكام، كالذي أطلقه الشيخ محمد مهدي شمس الدين والسيد محمد حسين فضل الله والشيخ محمد هادي معرفت، حيث بلغ الحديث ما يقرب من 2000 آية قرآنيّة، بل نُقل عن درس الشيخ محمد هادي معرفت أنّه كان يرى أنّ تمام آيات القرآن الكريم هي آيات أحكامٍ بنحوٍ من الأنحاء([10]).

ورقم الألفين لم نجده عند أحد من المتقدّمين، سوى ما يُنسب إلى القرطبي المفسّر المعروف، كما مال إلى رقم ما بين التسعمائة والألف بعض الباحثين المعاصرين([11]).

وهناك محاولة تمّ فيها استقراء الأحاديث الشريفة الواردة، والتي استندت إلى آيات القرآن الكريم، فبلغ عدد الآيات التي استند إليها في النصوص الأحكامية الحديثية ما يزيد عن 800 آية قرآنية([12]).

أسباب الاختلاف في تحديد عدد آيات الأحكام

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا وقع هذا الاختلاف الكبير في تعداد آيات الأحكام؟ ألا يمكن إحصاء الآيات التي تتحدّث عن القضايا الفقهيّة والأحكامية بحيث يقترب العدد أكثر، دون أن نجد اختلافاً يبلغ ما 150 إلى 2000 آية، بل كلّ القرآن في وجهة نظر؟!

هذا الجدل في عدد آيات الأحكام مردّه تارةً إلى بعض العمليات الإحصائية والحسابيّة، وأخرى إلى أنّ الحساب هل اعتمد كون موضوع الآية هو موضوع فقهي أو اعتمد كون الآية دالّة على موضوع فقهي ولو كان موضوعها وسياقها غير فقهي، وثالثة ـ وهو الأهم ـ إلى منطلقات فكرية ودينية تفرض تغييراً جذرياً في فهم مساحة الفقه من القرآن الكريم، وهو ما يلزمنا التوقّف عنده مليّاً.

وقد انعكس هذا الخلاف في تعداد آيات الأحكام على موضوعٍ آخر، وهو نسبة آيات الأحكام إلى مجموع آيات القرآن الكريم، حيث وجدنا اضطراباً في تعيين هذه النسبة، فبعضهم جعلها الثلث، وبعضهم الربع، وبعضهم 15%، وبعض 5%، وبعض اثنين ونصف في المائة([13]).

بل إنّ بعض الروايات الواردة عن أهل البيت^ هي أيضاً اضطربت في عملية بيان النسبة، ففي بعض الأخبار: «نزل القرآن على أربعة أرباع: ربعٌ فينا، وربع في عدوّنا، وربع سنن وأمثال، وربع فرائض وأحكام»([14])، وفي خبر الأصبغ بن نباتة، قال: سمعت أمير المؤمنين× يقول: «نزل القرآن أثلاثاً: ثلثٌ فينا وفي عدوّنا، وثلث سنن وأمثال، وثلث فرائض وأحكام»([15])، وفي خبر آخر عن الإمام علي × أنه قال: «أنزل القرآن على سبعة أحرف كلّها شافٍ كاف: أمر، وزجر، وترغيب، وترهيب، وجدل، وقصص، ومثل»([16])، ولو جعلنا الترغيب والترهيب من مجال الأحكام لصار أكثر من نصف القرآن أحكاميّاً، وإلا سبعاه في الأحكام فقط.

وفي رواية أخرى عن الإمام الصادق× أنه قال: «إنّ القرآن نزل أربعة أرباع: ربع حلال، وربع حرام، وربع سنن وأحكام، وربع خبر ما كان قبلكم ونبأ ما يكون بعدكم، وفصل ما بينكم»([17])، وهذه الرواية إن اقتصرنا على الحلال والحرام فيها صار نصف القرآن أحكاميّاً، وإذا أضفنا السنن والأحكام مع فصل ما بينكم ـ ولو في قسم منه ـ لصار أغلب القرآن في مجال الأحكام.

وهذا اللون من عملية التقسيم لآيات القرآن الكريم نجده في كلمات علماء أهل السنّة أيضاً، فلو راجعنا ـ على سبيل المثال ـ الاتقان للسيوطي لوجدنا من يتحدّث عن تقسيمٍ ثلاثيّ للقرآن: توحيد وتذكير وأحكام، أو توحيد وأخبار وديانات، أو أنّ القرآن على ثلاثين شيئاً: منها الأمر والنهي، إلى غير ذلك من التنويعات التي ذكرت للكتاب الكريم من حيث آياته الشريفة([18]).

ولسنا هنا بصدد الحديث عن حلّ مشكل التنويعات المذكورة، بما في ذلك تلك التي وردت في نصوص أهل البيت النبويّ، لكن الذي يظهر منها أنّها تحتمل أكثر من احتمال أوّلي:

الاحتمال الأوّل: إنّ التقسيم الوارد فيها إنّما هو بحسب الكمّ.

الاحتمال الثاني: إنّ التقسيم الوارد فيها إنّما يقوم على العدد، أي على حساب عدد الآيات.

والفرق بين الاحتمالين هو أنّه قد تكون عشرة آيات في الفقه مساويةً ـ من حيث الكم وعدد الكلمات والحروف ـ لآيةٍ واحدة أخرى في غير الفقه والأحكام، فبملاحظة الكمّ يكونان متساويين، ولكنّهما بملاحظة العدد لا تساوي بينهما؛ إذ هناك عشرة آيات في مقابل آية واحدة فقط، وهذا يعني أنّ الحساب الكمّي يختلف تماماً عن الحساب العددي.

وهناك مشكلة في اعتماد الحساب الكمّي لا الحساب العددي للآيات؛ لأنّ بعض الآيات هو مما فيه حكم وعقيدة وتاريخ ونحو ذلك معاً، فهل نكرّر حسابه في المجموعات المختلفة؟ وهل كرّروه كذلك؟ فأكثر الآيات يختم بصفات الله، وهذا أمرٌ اعتقادي توصيفي، ومن ثم لا تكاد تجد آية لا علاقة لها بقضايا الاعتقاد بما في ذلك آيات الأحكام. وهذه مشكلة إضافية ينبغي النظر فيها لحلّ قضيّة هذه النصوص والآراء؛ إذ على ذلك يمكن أن نقول: إنّ في القرآن الكريم 2000 آية في الأحكام و5000 آلاف في العقائد مثلاً، مع أنّ مجموع آيات القرآن لا يبلغ سبعة آلاف، إلا إذا حُسب خصوص الطابع العام للآية، كأن نقول بأنّ آية الدين في سورة البقرة طابعها العام فقهي، وإن ورد فيها بعض المشيرات العقيديّة، أو نقول بأنّ بعض هذه التنويعات قال: ثلث القرآن كذا وثلثه كذا، ولم يقل: ثلث الآيات كذا وثلث الآيات كذا.. فلعلّه حسب الكلمات والمقاطع المتصلة بالموضوع الفلاني ولو ضمن آيات متصلة بموضوع آخر، فرأى النتيجة على الثلث، وهذا أمرٌ محتمل وإن كان فيه بعض الإرباك.

الاحتمال الثالث: إنّ التقسيم والتنويع إنّما كانا بملاحظة العناوين المعالجة في الكتاب، فبدل أن يقول: قسمٌ منه في الأحكام وقسم في الفرائض وقسم السنن مثلاً قال: ثلث، باعتبار أنّ التقسيم كان ثلاثياً([19])، ومن ثمّ فهذه التنويعات كلّها لا علاقة لها بموضوعنا الذي هو حساب حجم الآيات الأحكاميّة في القرآن الكريم، وإن كان هذا الفهم ـ الاحتمال الثالث ـ خلاف الظاهر من بعض النصوص المنقولة.

وعلى أيّة حال، فالذي يهمّنا هنا هو نسبة آيات الأحكام من حيث العدد إلى مجموع آيات القرآن الكريم، وهذا الأمر من الطبيعي أن يتبع رؤية الباحث في عدد الآيات نفسها، فإذا قلنا هي 2000 آية فنحن نقترب من الثلث، وأما إذا قلنا بأنها 500 آية فنحن نتحدث عما هو أقلّ من العشر، أو ما يقرب من نصف السدس.

قيمة البحث في عدد آيات الأحكام (أو مديات الدور القرآني التشريعي)

ولكي نفهم هذه القضيّة، يجب أن نشير إلى موضوع ضروري وهو:

1 ـ إنّ البحث في عدد آيات الأحكام هو بحث ترفي لا فائدة منه لو نظرنا إليه من إحدى الزوايا، وهو بحث بالغ الأهمية لو نظرنا إليه من زاوية ثانية:

أما الزاوية التي تجعله ترفيّاً، فهو البحث عن أرقام، تماماً كبعض بحوث علماء القرآنيات، مثل كم ألف في القرآن؟ وكم باء في القرآن؟ وكم.. فقد يقال: ما الذي يهمّني لو عرفت عدد الآيات بما هو عدد؟

وأما الزاوية المهمّة، فهي أنّ رؤيتي لعدد الآيات الأحكامية ستحدِّد ـ من بعض الجوانب ـ حجم التدخّل القرآني في الشرعيّات، فكلّما زاد العدد صار يترقّب استخراج عدد أكبر من الأحكام من القرآن الكريم، وهذا معناه أنّ فهم عدد آيات الأحكام تابع لمديات استنباط الفقيه للأحكام من القرآن الكريم، لا لصراع رقمي في بحوث القرآنيات، فالعدد مهم، لكنّه معلول وناتج عن فهم الفقيه للآيات القرآنية ومجالات دلالاتها الأحكاميّة، فكلّما اختار الفقيه عدم دلالة الآيات على حكم خفّف ذلك من عدد آيات الأحكام، وفي الوقت عينه صار يترقّب قلّة حضور الآيات القرآنية في الاجتهاد الفقهي، والعكس صحيح.

لكن مع ذلك، ثمّة وجهة نظر أخرى يمكن طرحها، وهي أنّ العبرة ليست دائماً بعدد الآيات فقط، والتي لها معطيات أحكاميّة، فقد تكون هناك عشرة آيات لكنّها لا تعطي إلا حكماً فقهياً واحداً، إنّما العبرة بحجم استنطاق الآيات ـ ولو القليلة العدد ـ لإعطاء عدد أكبر من الأحكام، وهذا يعني أنّ الفقه القرآني ليس ـ في مساحة حضوره في الاجتهاد الفقهي ـ رهين زيادة أو نقصان عدد الآيات فقط، بل هو رهين أيضاً لعطاءات النصّ القرآني على مستوى عدد الأحكام، فعدد الأحكام هو المعيار لا عدد الآيات، وإن كان عدد الآيات يترقّب منه منطقياً أن يساهم في توفير النصّ القرآني عدداً أكبر من الأحكام، ومن ثم حضوره بشكل أفعل في الاجتهاد الشرعي.

إذن، بوصلة الموضوع هي إمكانات العطاء في النصّ القرآني، وهذه الإمكانات على نوعين:

النوع الأول: إمكانات كميّة رقميّة، يوفّرها لنا العدد الأكبر من الآيات الأحكامية، ولهذا وجدنا أنّ التيارات القرآنية أو ذات الميول الداعية لمرجعيّة القرآن الاجتهادية تحاول إقحام أكبر عدد من الآيات في مجال الدلالة الفقهية كالقصص القرآني، والمواعظ الأخلاقية، وحتى بعض آيات العقائد كما سيأتي بحثه بعون الله تعالى.

النوع الثاني: إمكانات كيفيّة نوعيّة، يوفّرها لنا الغوص الأكبر في النص القرآني والتفتيش عن دلالاته الكامنة عبر الاستنطاق والمقاربات والمقارنات بحيث ـ كما يرى بعض العلماء من خلال ممارساتهم الاجتهادية ـ إنّ الآيات تختزن عدداً كبيراً من الأحكام الفقهية لم يجر استنباطه بسبب هيمنة الحديث على الاجتهاد الفقهي.

وهذان النوعان من الإمكانات هما من يحدّد حجم مرجعيّة القرآن وحضوره في الاجتهاد من جهة، ويعطيان موقفاً من فكرة أنّ القرآن أعطى العمومات أو أنّه دخل في التفاصيل، وهي القضية البالغة الأهمية، فكلّما زاد عدد آيات الأحكام من جهة وزادت قدرتنا على استنطاقها فقهياً من جهة ثانية، بحيث أثّر العنصران على نسبة الأحكام القرآنية مقارنةً بمجموع قراءتنا لدور السنّة في التأسيس التشريعي ومساحة هذا الدور، فقد يستخرج الفقيه القرآني ـ ولا نستغرب ـ عشرين حكماً من آية واحدة، كما عقد الأصوليون بحوثاً مطوّلة أخذوها من عدد قليل من روايات الاستصحاب.

2 ـ تارةً ننظر إلى آيات الأحكام بوصفها عنواناً لكلّ آية وردت في مقام بيانٍ تشريعيّ، بحيث إنّ مضمونها الرئيس هو الحكم الشرعي، كآية الدين من سورة البقرة، أو آيات الإرث من سورة النساء مثلاً، وهذا ما غلبت ملاحظته عند العلماء، لاسيما المصنّفين في آيات الأحكام باستقلال.

وأخرى ننظر إلى آيات الأحكام بوصفها عنواناً لكلّ آية فيها دلالة حكميّة ولو كان موضوعها وسياقها ورسالتها الأصليّة في غير مجال الفقه، كما في استفادة بعض الفقهاء المعاصرين ـ كالشيخ شمس الدين والسيد فضل الله ـ من قصّة بلقيس جواز تولّي المرأة للسلطة، فهذه الآيات تصبح ـ لو صحّ الاستدلال، وهو عندي غير صحيح ـ آيات أحكام وإن لم يكن طابعها وسياقها أحكاميّاً، بل هو سياق قصص تاريخي. أو كجواز طلب الرئاسة الذي يستدلّ من طلب يوسف× أن يكون على خزائن الأرض، أو طلب سليمان× أن يكون له ملك لا ينبغي لأحد من بعده.

والذي يراجع التفاسير القرآنية التي نهجت نهج التفسير الاجتماعي والحركي ـ مثل تفسير نور للشيخ القرائتي، وتفسير راهنما للشيخ رفسنجاني، وتفسير من وحي القرآن للعلامة فضل الله، وتفسير في ظلال القرآن لسيد قطب و.. ـ يجد بوضوح كم استطاع هؤلاء المفسّرون أن يستنطقوا زوايا محدودة من الآيات، ليخرجوا منها موضوعاً عمليّاً شرعيّاً، ولو كان مجمل الآية يدور حول نقطة غير فقهية أبداً.

إذا وسّعنا من نظرتنا لعنوان «آيات الأحكام»، بحيث تخطّينا فكرة الطابع الأحكامي للآية أو اللسان التشريعي العام لها، فسوف نعثر بالتأكيد على عدد أكبر من آيات الأحكام، وتصبح بعض آيات الأحكام هي آيات قصص أو آيات بيان المبدأ والمعاد أو غير ذلك، ومن الواضح أنّ هذا النوع من الاجتهاد الفقهي القرآني أصعب من الاجتهاد في آيات الأحكام المعروفة؛ نظراً لدقّته وظرافته.

وعليه، فعدد آيات الأحكام ينبغي النظر فيه من الزاويتين معاً، بحيث يصبح معنى آيات الأحكام: هي الآيات التي يستفاد منها حكمٌ شرعي أو توجيه عمليّ وإن لم يكن لسانها العام لسان بيان حكم شرعي أو قانوني. وأعتقد أنّ الاتجاه المتأخّر القائل بكثرة آيات الأحكام ينطلق من هذه المساحة أيضاً.

3 ـ لا يهمّ البحث في عدد آيات الأحكام، فحتى لو توصّلنا إلى اكتشاف عددها، من المطلوب عدم الجمود على العدد، فالمهم هو أن لا نفرض رقماً عددياً لآيات الأحكام يؤثر في إهمالنا سائر الآيات، ويكوّن ثقافة جمعيّة لا ترى في فقه القرآن إلا هذه الآيات. بل على العكس ينبغي أن نعبّر ـ تربوياً ومعرفياً ـ بالتعبير التالي، فبدل أن نقول: آيات الأحكام 500 آية مثلاً، يجب أن نقول: آيات الأحكام المكتشفة ـ في وجهة نظر ـ إلى الآن هي 500 آية، حتى لا نسدّ الطريق على اللاوعي الاجتهادي أمام استنطاق نصوص قرآنيّة جديدة.

4 ـ إنني أعتقد أنّ عدد آيات الأحكام أكبر من المتداول والمشهور، مع الأخذ بعين الاعتبار ما تقدّم، مضافاً إلى التجربة العمليّة، مثلاً هناك العشرات من الآيات الآمرة أو المادحة للعمل الصالح.. لماذا لا تكون هذه الآيات أحكامية أيضاً من حيث حثها ـ وجوباً أو استحباباً أو بنحو جامع الطلب أو الإرشاد ـ على العمل الصالح؟ هذا المثال لوحده كفيل بإدخال عشرات الآيات في آيات الأحكام وكلّه تقريباً لم يشر إليه العلماء.

والنماذج على ذلك كثيرة بيّنتُ بعضاً منها في كتابي المتواضع «فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، فسورة العصر مبدأ تشريعي مهمّ في الأمر بالمعروف ونادراً ما اهتم به الفقهاء، والتفصيل في محلّه.

ولا فرق في ذلك بين أن تدلّ آيات الأحكام على حكم مولوي أو إرشادي، فكم من روايات أدخلت في الفقه وفي كتب الحديث المخصّصة للفقه ولا دلالة لها إلا على حكم إرشادي، سواء كان الإرشاد إلى حكم عقلي أم إلى حكم عقلائي، بناءً على التمييز بينهما.

3 ـ المجموعات القرآنية المختلف حول دخولها في دائرة آيات الأحكام

بعد فهم الطابع العام لطريقة اعتبار آية أنّها آية أحكام، وقع نقاش في بعض المجموعات القرآنية من الآيات، ومدى إمكانية اعتبارها من آيات الأحكام، ونشير هنا إلى أبرز هذه المجموعات، والتي سيكون الحديث عنها مساعداً أيضاً في وضع معايير سلبية وإيجابية في اعتبار آيةٍ ما أحكاميّةً أو لا.

3 ـ 1 ـ الآيات المتعلّقة بخصائص النبي الأكرم

قد يقال بخروج الآيات المتعلّقة ببيان حكم شرعي خاصّ بالنبي| عن دائرة آيات الأحكام التي تدخل في مجال عمل الفقيه والأصولي، حيث لا ثمرة عمليّة للبحث فيها، والمفروض أنّ مجال العمل المتعلّق بالمكلّفين هو المجال الذي يشتغل عليه الفقيه.

إلا أنّ هناك وجهة نظر أخرى ترى إدخال هذا النوع من الآيات في مجال عمل الفقيه، وذلك لسببين:

الأول: تضمّنها لحكم شرعي، ولو كان هذا الحكم خاصّاً بالنبي.

ولكنّ هذا السبب غير واضح؛ فحيث إنّ الأحكام الواردة في هذه الآيات ـ كآيات وجوب صلاة الليل عليه مثلاً ـ خاصّة به من الأوّل، والمفروض وفاة النبي| وارتفاعه إلى بارئه، فأيّ موجب يستدعي من الفقيه ـ بما هو فقيه ـ أن يبحث في هذه القضية من زاوية أنّ الآيات تبيّن حكماً شرعياً؟! وما هو المعيار الذي يفرض تناوله لها من الناحية الموضوعيّة؟

إنّ هذا المقدار من السبب غير واضح إلا إذا قلنا بأنّ الفقيه يبحث في الأحكام الشرعيّة، وهذا حكم شرعي، والمخاطب به أو موضوع هذا الحكم وإن لم يكن موجوداً الآن إلا أنّ هذا لا يلغي اندراج البحث في الفقه، تماماً كمسائل العبيد والإماء أو كأحكام المسلمين تجاه النبي في بعضها على الأقلّ.

نعم، لك أن تقول بأنّها لا تشكّل أولوية بحثية معاصرة، لكنّ هذا غير أن تقول بأنها لا تشكل عنواناً فقهيّاً.

الثاني: وهو أنّ المفروض بالفقيه أنه عندما ينطلق في البحث الفقهي، فهو ينطلق من نقطة الصفر، وهنا نسأل: كيف عرف الفقيه أنّ حكم وجوب صلاة الليل خاصّ بالنبي| قبل أن يدرس آيات حكم صلاة الليل في القرآن الكريم نفسه؟

وبعبارةٍ أخرى: ليس من المنطقي للفقيه أن يجزم بالاختصاص قبل أن يطالع الآيات نفسها، فلعلّها تحتوي على شاهد عدم الاختصاص، فتعارض الأدلّة غير القرآنية الدالّة على الاختصاص، وقد تكون الغلبة لها وقد لا تكون، فالمفترض لكي يتوصّل الفقيه إلى حكم صلاة الليل على المكلّفين، أن يدرس هذه الآيات في ضمن ما يدرسه من أدلّة شرعية؛ لاحتمال كشفها عن خصوصيّة تلغي اختصاصها بالرسول الأكرم، وليس من دأب الفقيه أن يصرف النظر عن الأدلّة قبل النظر فيها والبحث بحجّة التسالم والمعروفيّة.

وعليه، فحيث يترقّب من هذه الآيات أن يكون لها موقف، كفى ذلك في صحّة إدراجها في آيات الأحكام بحثيّاً، كيف وقد تكون دلالة هذه الآيات على الاختصاص أحد شواهد عدم وجوب صلاة الليل على سائر المكلّفين، الأمر الذي يفيد الفقيه هنا.

ولابدّ من الإشارة هنا، إلى أنه ليس كلّ الآيات التي تخاطب النبي| هي آيات اختصاص، بل كثير منها استفاد منه الفقهاء ما يخرجها عن الخصوصيّة، كخصوصية الأطهرية التي بيّنت العلّة في الأمر بالحجاب بين المسلمين وزوجات النبي، حيث فهم منها بعض العلماء التعميم، فالخواصّ الأحكاميّة شيء، والاختصاص الخطابي شيء آخر.

3 ـ 2 ـ الآيات التي تختصّ استفادة أحكاميّتها من الحديث

ثمّة مجموعة من الآيات القرآنيّة التي لو بقينا نحن وإيّاها لم نفهم منها حكماً شرعيّاً، إلا أنّه ورد في النصوص الحديثيّة استفادة أحكامٍ شرعيّة منها، وهذا النوع من الآيات ليس بالقليل، وله أمثلة في الروايات المرويّة عن النبي| وأهل بيته^، فقد ورد استفادة الإمام الجواد× الحكم بعدم قطع ما زاد عن الأصابع الأربعة في حدّ السرقة، من قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (الجنّ: 18)، حيث فهم الإمام من المساجدِ المواضعَ السبعة التي يسجد عليها الإنسان، وهي الجبهة والكفّان والركبتان والإبهامان في القدمين، وما كان لله فلا يُقطع، فيلزم أن يكون القطع من الأصابع ويترك الكفّان([20]).

إنّ الفقيه مهما تأمّل ـ عادةً ـ في هذه الآية الكريمة، فمن الصعب جداً الحصول على هذا الاستنتاج الفقهي منها، وهنا يُطرح التساؤل التالي: هل سيُدرج الفقيه هذه الآيات في آيات الأحكام مع أنّها قرآنياً لا دلالة لها أو سيخرجها عن آيات الأحكام مع أنّ الحديث استنبط الحكم منها؟

قد يقال بأنّ بحث الفقيه القرآني هو بحثٌ قرآنيٌّ فقط، ومن ثم لا معنى ـ لو أريد التصنيف في آيات الأحكام ـ أن ندرج هذا النوع من الآيات فيه.

وقد يقال بأنه لا مانع من إدراج هذه الآيات مع الإشارة إلى مستند الإدراج، وهو الرواية المعتبرة التي تثبت لي تعبّداً هذا الإدراج، ومن ثم فيمكن تقسيم آيات الأحكام إلى قسمين:

1 ـ آيات أحكام قرآنيّة مباشرة، وهي التي تفيد بحسب فهمنا منها معطى أحكامياً.

2 ـ وآيات أحكام قرآنية غير مباشرة، وهي التي تفيد معطى أحكامياً بتوسّط الحديث.

ومن جهتي أرجّح الموقف الثاني، على أساس أنّ وجود الحديث يجعل من المترقّب استفادة الدلالة الحكميّة من الآية الكريمة، وإن لم تتم الاستفادة فعلاً بعدُ، فنبحث في الآية الكريمة ونحاول استنطاقها، فإذا لم نوفّق نحاول الإشارة إلى دلالتها الأحكاميّة بتوسّط الحديث، فكما أنّ وجود تفسير لبعض الآيات عند بعض الفقهاء يجعلها دالّةً على حكم ومن ثم يدرجها في آيات الأحكام رغم عدم اعتقادنا بكونها من آيات الأحكام، كذلك وجود هذا الحديث أو ذاك.

فعنوان آيات الأحكام تارةً نطلقه على موضوع البحث، وأخرى على ما خرجنا به من آيات رأينا دلالتها، والمفروض أننا نبحث هنا في المعنى الأوّل.

لكن ينبغي الإشارة هنا إلى نقطة، وهي أنّ هذه الروايات التي فسّرت النص القرآني بطريقة ليست مفهومة لدينا بعدُ، هي على نوعين:

النوع الأول: ما يفيد تفسيراً للآية لا نفهمه ولم نتوصّل إليه، وهذا ما ندرجه في دراسة آيات الأحكام.

النوع الثاني: ما يفيد تفسيراً للآية لا نفهمه ولم نتوصّل إليه، بل نرى أنّ ظاهر الآية يرفضه ويعارضه، وهنا لم يصدر هذا الحديث من وجهة نظرنا بناءً على القول بأنّ مخالف القرآن لا يصدر أساساً من النبي وأهل البيت، وفي هذه الحال لا معنى ـ بعد القطع بعدم الصدور ـ لإدراج الآية في آيات الأحكام بلا مستند أساساً.

3 ـ 3 ـ الآيات الأحكامية الموجّهة للأمم السابقة (والقصص القرآني)

ثمّة العديد من الآيات القرآنية التي تتحدّث عن تشريعات خاطب الله بها الأمم السابقة، فهل هذه الآيات المتضمّنة لتشريعات تلك الأمم تندرج في آيات الأحكام أو أنّها مما لا علاقة له بعمل الفقيه؛ لعدم اشتمالها على حكمٍ متعلّق بالمسلمين أساساً؟

لابدّ هنا من التفصيل في الجواب:

1 ـ أن نقول بأنّ معنى نسخ الشريعة اللاحقة للسابقة هو أنه بمجرّد أن يبعث الله تعالى النبيَّ (التشريعيَّ) اللاحق تصبح شرائع النبوّات السابقة عليه ملغيّةً تماماً جملةً وتفصيلاً، وكأنّها لا وجود لها أساساً، فيكون إرساله بنفسه دليلاً على بطلان مفعول تلك التشريعات برمّتها وارتفاعها، ومن ثم فلا قيمة لهذه التشريعات عملياً، ولا حتى لاستصحابها.

وفي هذه الحال لا ينبغي وضع هذه المجموعة في ضمن آيات الأحكام، إلا إذا فهم الفقيه منها أو كانت تقبل اعتبار مضمونها غير خاصّ بالأمم السابقة نتيجة قرائن معيّنة.

2 ـ أن نقول بأنّ مجيء النبيّ محمد| لا يلغي التشريعات السابقة، بل يفتح المجال لنسخها، بحيث يمكن لتشريعات الشريعة اللاحقة أن تنسخ تلك التشريعات في هذا المورد أو ذاك أو مطلقاً لكن بنصّ خاص.

وفي هذه الحال لا معنى لحذف هذه الآيات من مجال آيات الأحكام بعد فرض استمراريّتها إلى قيام الدليل على نسخها، بل لابدّ من دراستها واستخراج الأحكام منها والنظر في ناسخها ومقيّدها ومخصّصها هل هو موجود أو لا؟ وهل هناك خصوصيّة تمنع عن شمولها لنا أو لا؟ إلى غير ذلك من الأمور.

بل قد يقال بأنّ ذكرها في القرآن الكريم من دون تعليق يفيد وكأنّ القرآن يريد أن يوصل مضمون رسالتها إلينا نحن أيضاً، ما لم يقم شاهد على غير ذلك، لاسيما وأنّ الأحكام التي جاءت فيها من نوع التشريعات التي غالبيّتها لا خصوصيّة زمنيّة فيه كحرمة الشرك واللواط والظلم والبخس وغير ذلك.

والرأي الراجح هو الرأي الثاني؛ حيث لا يوجد دليل مقنعٌ قاطع على تحقّق نسخ الشريعة السابقة بمجرّد مجيء الشريعة اللاحقة، وعليه، فبعض نصوص القصص القرآني وأحكام الأمم السابقة تندرج في آيات الأحكام، بوصفها موضوعاً للبحث في الفقه القرآني.

3 ـ 4 ـ الآيات المنسوخة

قد يقال ـ جرياً على بعض الطرق السابقة ـ: إنّ الآيات المنسوخة ينبغي حذفها من آيات الأحكام؛ لفرض أنه قد وقع عليها النسخ، ومن ثمّ لا أثر عمليَّ لها اليوم، والمفروض خروجها عن دائرة عمل الفقيه.

إلا أنّ هذا الكلام واضح الضعف؛ فإنّه يأخذ آيات الآحكام بملاحظة النتيجة لا بملاحظة كونها موضوع نشاط الفقيه، فالفقيه لابد له أن يدرس هذه الآيات وينظر في دلالاتها، ليتأكّد من كونها منسوخة حقاً أو لا؟ وهل النسخ طال كلّ حيثيّاتها وجوانبها أو لا؟ فبحث النسخ بين الآيات هو من أهمّ نشاطات الفقيه القرآني.

نعم، إذا ثبت له نسخ آية قرآنية نسخاً تاماً، فمن الطبيعي أن لا يعمل بالحكم الذي تضمّنته الآية المنسوخة، لكنّ هذا لا يعني حذف الآية المنسوخة قبل التحقّق من نسخها، وإلا لزم حذف الكثير من الروايات الأحكاميّة التي يسقطها الفقيه ـ أثناء بحثه ـ عن الحجية والاعتبار أو يجمّد مفعولها العملي، إما لضعف السند أو لضعف الدلالة بحيث كانت مجملةً إجمالاً تاماً أو للتعارض والتساقط أو لترجيح غيرها عليها أو غير ذلك، فلا يصحّ حذف هذه الروايات من كتب الحديث الفقهيّة ومن نشاط الفقيه البحثي وإن بطل مفعولها بعد البحث العلمي عند هذا الفقيه أو ذاك.

وهذا البحث يتبع قراءة الفقيه القرآني لحجم ومديات النسخ في القرآن الكريم، فقد يبني على عدم وجود آيات منسوخة فيه مطلقاً كما رجّحه بعضهم وانتصر له كثير من القرآنيين المعاصرين، وقد يختار وجود آيات منسوخة وكثرتها، كما اختاره كثيرون، وقد يذهب إلى وجود آيات منسوخة، لكن مع فرض قلّتها أو ندرتها، كما هو مذهب جماعة مثل السيد أبي القاسم الخوئي (1413هـ). فموقف الفقيه والأصولي القرآني من ظاهرة النسخ في القرآن الكريم يؤثر هنا في طريقة تعامله مع النصوص القرآنيّة في مجال الفقه القرآني. والراجح من وجهة نظري المتواضعة ندرة النسخ ـ بمعناه السائد ـ في القرآن الكريم، وتفصيله موكول إلى محلّه.

3 ـ 5 ـ الآيات العقائدية (وآيات الإخبار)

من الواضح أنّ القرآن الكريم مليءٌ بالآيات الكريمة التي تتناول قضايا الاعتقاد بالمبدأ والمعاد والنبوّة والصفات والأسماء الإلهية. وهذه الآيات الكريمة بعضها واضحٌ في الجانب الخبري، كأن يخبر عن وجود الملائكة أو عن القيامة أو عن نصب النبي أو غير ذلك.

إلا أنّ بين مجموعة الآيات الاعتقادية آياتٍ ذات خطاب عملي (أمر ونهي) يتعلّق بفعل الاعتقاد وعقد القلب ونحو ذلك، كقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾ (النساء: 36)، أو كقوله تعالى: ﴿فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ﴾(آل عمران: 179)، أو كقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا..﴾(الأنعام: 151)، أو كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾(الأعراف: 33). بل كثيرٌ من الآيات ولو كان لسانه غير تشريعيّ، لكنه يستبطن الدعوة والحثّ.

وهنا يُسأل: هل هذه الآيات تندرج ضمن آيات الأحكام أو لا؟

ولابدّ من التنبيه إلى أنّ اندراجها لا يُقصد منه أنّ الفقيه القرآني يدرسها كما يدرسها المفسّر والمتكلّم والفيلسوف والعارف واللغوي والأديب، بل يلاحظ الجانب الأمري والدعوي أو الجانب الزجري والتحريمي، بحيث يدرس التشريع الإلهي الآمر بالتوحيد والمحرِّم للشرك، لاسيما وأنّ الفقهاء أدرجوا الشرك في عداد المحرّمات والكبائر([21])، فهل يصحّ إدراج هذه الآيات في آيات الأحكام أو لا؟

في الحقيقة، ثمّة مشكلات تواجه إدراج هذه الآيات في مجال الاعتقاد، وذلك كما يلي:

المشكلة الأولى: إنّ الفقه والشريعة معنيّان بعمل الجوارح، فهو يحدّد وظيفةً عمليةً للمكلّف يمكنه القيام معها بشيء أو ترك شيء ما، أمّا الآيات الاعتقادية فلا معنى للفعل الجوارحي والترك فيها، فلا تندرج ضمن آيات الأحكام.

وهذه الصيغة للمشكلة غير صحيحة؛ لأنّ الفقه لا ينحصر مجاله بأعمال الجوارح، بل يشمل بعض أعمال القلوب، فالإخلاص في العمل وعدم الرياء، وترك الحسد بوصفه حالةً قلبية، وترك الحقد والضغينة على المؤمن، والحبّ في الله والبغض في الله، وحسن الظنّ بالله، والظنّ بالإجابة عند الدعاء، والخوف والخشية القلبيّة من الله، وحبّ الله وعشقه بوصفهما حالة قلبية، وحضور القلب في الصلاة، وغيرها العشرات من الأحكام الإلزاميّة وغير الإلزاميّة التي ترجع إلى فعل القلب والنفس. ولتُراجَع أحكام النية في العبادات وغيرها؛ ليُتأكّد من كونها دالةً أيضاً على ما ندّعي.

وهذه التي عددناها وإن لم تدخل جميعاً في مجال الإلزام بالفعل أو الترك، لكنّها لا أقلّ مما يُحكم باستحبابه أو كراهته، فالحسد القلبي المحض قد لا يحكمون بحرمته، لكنّك قد تجد قولاً بمرجوحيّته وكراهته.

فليس صحيحاً أنّ الفقه معنيٌ بعمل الجوارح فقط، بل له جانب قلبي أيضاً.

المشكلة الثانية: إنّ الفقه يطال الجوارح والجوانح، لكنّ القضايا الاعتقادية لها خصوصيّتها؛ وذلك أنّ الاعتقاد أمرٌ قهري، فإذا تمّت المقدمات العلميّة نتج اليقين بالنتيجة قهراً، فالذي لم تحصل لديه قناعة بالمقدّمات مادةً أو هيئة، فمن التكليف بغير المقدور إلزامه بالاعتقاد بالنتيجة، إذ لا معنى لذلك. وهذا يعني أنّ هذه الآيات التحريميّة أو الزجرية الواردة في القضايا العقديّة إنما تملك صورةً أمرية أو زجرية، ولكنّها في واقع أمرها بيانٌ للعقيدة الحقّة فقط، فبدل أن نقول: الشرك باطل وفاسد، والتوحيد حقّ وصواب، نقول: لا تشرك ووحّد الله تعالى.

وينتج عن ذلك أنّ البُعد التكليفي والتشريعي هو بُعدٌ صُوري هنا، وأنّ جوهر الآيات الاعتقاديّة ليس سوى الإخبار لا غير، فوظيفتها بيان الحقّ لك وهدايتك إليه.

ولا نريد أن ندخل هنا في حقيقة الاعتقاد وتفاصيله، وفي مراد الآيات من النهي عن الشرك بالخصوص، وهل أنّ متعلّقها أمرٌ عملي أو نظري؟ إلا أنّ ما نريد بيانه هو أنّنا سلّمنا بهذه الإشكالية لكن نسأل: ما هو السرّ في تقديم الخبر الاعتقادي بصيغة الدعوة والزجر؟ وإذا كان الاعتقاد أمراً قهريّاً والتوحيد والشرك لا معنى للحيثيّة التحريكيّة فيهما فما معنى الدعوة الأمرية والزجرية إليهما؟ بل ما معنى كلّ هذا التشديد تجاه من يُشرك بالله سبحانه؟

من الواضح أنّ هذه الآيات يمكن أن نُدخلها ضمن آيات الأحكام من خلال دلالتها العرفية الواضحة، فهي تريد أن تقول بأنّ الإنسان مطالبٌ بالعقيدة الصحيحة التي هي كذا وكذا، ومعنى أنّه مطالب هو أنّ عليه أن يبحث في هذا الموضوع أو أنّ عليه أن لا يقصّر في المقدمات، فتكون في هذه الآيات إشارتان:

أـ إشارة خبرية، وهي تتضمّن الاعتقاد الصحيح والاعتقاد الفاسد.

ب ـ إشارة إنشائية، وهي تتضمّن الدعوة للبحث والنظر في الاعتقاد مع عدم التقصير في المقدمات، ومع التخلّي عن السبل الوهمية للمعرفة العقيدية كتقليد الآباء ونحو ذلك.

فالدعوة للتوحيد هي دعوةٌ للتأمل في الخلق، وهي تحذير من الانصياع لغير الحقّ، وهي تحذير من التمرّد على الحقّ، وهي نهي عن إنكار الحقّ بعد وضوحه، وهي دعوةٌ للاهتمام بالمقدّمات وعدم التقصير فيها. فما المانع من إدراج هذه الآيات في هذا السياق لتكون بأجمعها مفيدةً لمجموعة من الأحكام الشرعية؟ وإذا كان العقل يدعو لذلك أيضاً فهذا لا يلغي وجود حكم شرعي انطلاقاً مما ذكره غير واحدٍ من العلماء في باب قانون الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع، من أنّ وجود حكم العقل لا يصيّر حكم الشرع لغواً، بل يعتبره الشارع ـ تبعاً للملاكات التي فيه ـ من باب مضاعفة المحرّكية([22])، وكفى ذلك في مقامنا. نعم لا معنى للجعل الشرعي في خصوص الأحكام المتفرّعة على الأحكام الشرعيّة كوجوب طاعة المولى سبحانه؛ لاستلزامه التسلسل.

هذا كلّه إذا فسّرنا الاعتقاد بالعلم واليقين، أما إذا فسّرناه بفعلٍ قلبيّ، وهو عقد القلب والتباني القلبي الباطني على شيء، فسيكون فعلاً جوانحيّاً، فمعنى الأمر بالإيمان بالنبي هو البناء على صدقه ولو لم يقتنع بعدُ، وكذلك الإيمان بالمعاد، ومعنى النهي عن الشرك هو عدم التباني القلبي عليه. وهذا الفهم ـ إذا صحّ ـ يجري في بعض الاعتقادات لا جميعها.

يضاف إلى ذلك كلّه، أنّ هناك جملة من الآيات ذات الطابع الخبري العقدي استفاد منها العلماء نتائج حكميّة، وإنّما أريد هنا من طرح بعض الأمثلة التنبّه لكون عقديّة آيةٍ ما مبرّراً غير كافٍ لتجاهل أصل وجودها في البحث الفقهي، فالتأمّل والتدبر في كتاب الله يمكن أن يوصلنا إلى استنتاجات عمليّة حتى من جمل خبرية عقديّة أو شبه عقدية، لا أمر ولا نهي فيها، ومن أمثلة ذلك([23]):

1ـ قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (الإسراء: 15)، فقد استفيد منها في بحث البراءة في أصول الفقه، واعتمدت دليلاً على أصالة البراءة الشرعيّة.

2ـ قوله تعالى: ﴿إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (يونس: 36)، حيث استفيد منها في عدم حجية خبر الواحد وأمثاله.

3ـ قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ﴾ (التوبة: 115)، حيث استدلّ بهذه الآية الكريمة على أصالة البراءة أيضاً.

4ـ قوله تعالى: ﴿اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ * وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (إبراهيم: 32 ـ 34)، حيث فهم بعض العلماء منها أنّ المشكلة الاقتصادية هي في الإنسان وظلمه لا في نقص موارد الطبيعة، ورتّبوا عليه نتائج، منها عدم الانصياع لتحديد النسل بحجّة عدم كفاية عطاءات الطبيعة للانفجار السكاني.

5ـ قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: 63). حيث فهم منها جماعة من الأصوليين دلالة الأمر على الوجوب.

6ـ قوله تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾(الأنفال: 38)، حيث فهم منها بعضهم قاعدة الجبّ وسقوط الحدود والعقوبات الثابتة قبل الإسلام.

7ـ الآيات التي تسرد قصّة موسى والعبد الصالح، فقد استفادوا منها كثيراً في النهي عن القياس والاستنسابات الشخصيّة، بل فهم منها بعضهم النهي حتى عن قياس الأولويّة، كما فهموا منها بناء التشريعات على جهلنا بالملاكات.

8ـ قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل: 44)، وقوله: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ﴾ (النحل: 64). حيث عدّت هذه الآيات من أدلّة حجية السنّة النبويّة، فتنفع في مباحث أصول الفقه الإسلامي.

9ـ قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: 3 ـ 4). ورغم أنها مرتبطة بالعصمة لكنّها عدّت من أدلة حجيّة السنّة. ومثلها كثير في باب حجية السنة كقوله سبحانه: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ (الحاقة: 38 ـ 39). وكذلك قوله عزّ من قائل: ﴿.. وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ..﴾ (البقرة: 151).

وفي مقابل ذلك الأدلّة التي استند إليها لنفي حجيّة السنة مثل: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ (النحل: 89). والكثير من الآيات التي بحثوها عند التعرّض لمسألة اجتهاد النبي سلباً أو إيجاباً، وكان لها دور بالغ في الاستنباط الفقهي، وقد بحثناها بالتفصيل في كتابنا المتواضع (حجية السنّة في الفكر الإسلامي)، فليراجع.

10ـ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ.. (الإسراء: 70) حيث استفاد منها بعض الفقهاء نظريّة تكريم الإنسان، وبنى عليها طرح بعض الأخبار في ذمّ بعض الأقوام كالأكراد. ومثلها النصوص التي تجعل المفاضلة بين البشر بالعلم والتقوى، حيث استفيد منها في مواضع متعدّدة على مستوى رسم النظريّة الإسلامية في إقامة المجتمع الإسلامي من حيث الأولويات التي على أساسها نعتبر مجتمعاً ما أو نظاماً ما إسلامياً أو لا.

إلى غيرها من النصوص التي إنما نريد بالإشارة إليها ـ وهي بالعشرات، بل بالمئات في الكتب الإسلامية، دون كتب آيات الأحكام ـ أن ندلّل على أنّ اللغة الخبرية أو التاريخية أو العقدية لا تلغي توظيف آيةٍ في باب العلوم الشرعية بدلالةٍ تضمنّية أو التزامية أو نحو ذلك. ولو جُمعت الآيات التي تتناثر في الموروث الإسلامي عند الفقهاء والأصوليّين (وليس عند كتّاب فقه القرآن أو آيات الأحكام فقط) لوجدنا عدداً هائلاً من الآيات التي وظّفت في الاجتهاد الشرعي، ولانكشفت لنا الحقيقة التالية:

إنّ آيات الأحكام من حيث العنوان والتصنيف تقارب الخمسمائة آية، لكنّها من حيث الواقع التاريخي للتجربة الاجتهادية عند المسلمين تفوق الألفي آية تقريباً.

وبهذا نخلص إلى أنّ عنوان آيات الأحكام هو:

كلّ آية أمكن للمجتهد (الأصولي والفقيه) أن يستعين بها أو كان يترقّب أن يستعين بها في التوصّل إلى حكمٍ شرعي إلهي أو إلى مقدّمةٍ لحكم شرعي أو نقطةٍ تتصل بفهم أو إثبات حكم شرعي إلهي، سواء كان ذلك كلّه بطريق مباشر أم غير مباشر.

ومن ثم فالتصنيف في آيات الأحكام ينبغي أن يتغيّر كلّياً، بحيث يستحضر جملة الآيات الأخرى التي هجرها فقهاء آيات الأحكام، ولكنّها موجودة في كتب الفقه كثيراً أو قليلاً، ولهذا قلنا مطلع البحث: إنّ معرفة آيات الأحكام وبحوثها قد تكون عبر المصنّفات في آيات الأحكام أو عبر الموسوعات الفقهيّة، وأنّ الخطأ الذي وقع عند تحديد آيات الأحكام كان النظر في كتب آيات الأحكام فقط، أو فيما كثر تداوله في كتب الفقه خاصّة، مع أنّ هذا غير صحيح.

وعليه، فما نفهمه هو أنّ آيات الأحكام أو الآيات التي يمكن للفقيه الاستعانة بها في الفقه والاجتهاد تزيد فعلاً عن الألفي آية قرآنية، لاسيما للفقهاء الذين يؤمنون بمثل فقه النظريّة أو لديهم فهم مختلف لنظريّة تقليد الأعلم من حيث ضرورة الثقافة القرآنية في تعيين الأعلميّة كسيدنا الأستاذ محمود الهاشمي وفق ما طرحه في هذا الصدد.

4 ـ ظواهر التنوّع في آيات الأحكام

نقصد بالتنوّع في آيات الأحكام أنّ مضمون الآيات أو أسلوبها يسمح لنا بوضعها ضمن تصنيفات وهرميات، تساعدنا أكثر فأكثر في فهم النظريّة الفقهية والتشريعيّة في القرآن الكريم.

وسوف نقسّم التنوّع إلى قسمين، مشيرين لبعض التنويعات بوصفها أمثلةً محدودةً فقط، وذلك بهدف فتح الأفق القرآني أمامنا بما يتناسب مع هذا المدخل المختصر:

4 ـ 1 ـ التنوّع بملاحظة الأسلوب والبيان

يمكن فرض أكثر من نوع قرآني لآيات الأحكام انطلاقاً من الأسلوب والبيان:

أ ـ فمن جهةٍ يمكن تنويع الآيات إلى ما يفيد الحكم مباشرةً، وما تكون له فائدة غير مباشرة.

فمثال: ﴿وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ﴾ (البقرة: 275)، هو مثال للآية التي لها دلالة مباشرة على الحكم.

أمّا مثال: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ (لقمان: 14)، فهو مثال للآية التي لها دلالة غير مباشرة، وذلك عبر ضمّ آية: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (الأحقاف: 15)، حيث سيصبح المجموع ـ من وجهة نظر بعض الفقهاء، وكما تفيده بعض الروايات([24]) ـ دالاً على أقلّ مدّة الحمل.

وطريقة الفهم القرآني عبر أسلوب ضمّ الآيات هي طريقة بالغة الأهمية، ولابد من تنشيطها في الاجتهاد الفقهي، شرط أن تكون خاضعةً لفهم عرفي سليم، وليس لتكلّفات أو تأويلات تُفرض على النصّ.

ب ـ التنويع بملاحظة مقدار المداليل التي تعطيها الآية، فبعض الآيات يفيد حكماً واحداً، وبعضها يفيد حكمين، وبعضها أكثر. بل إنّ مراجعة التراث الإسلامي توضح لنا أنّ بعض الآيات استفيد منه عشرات الأحكام الشرعيّة، فآية الدين (البقرة: 282)، استفيد منها 14 حكماً، وآية النهي عن الصلاة حال السكر استفيد منها 31 حكماً، وهكذا تجد ما هو أكثر من ذلك بكثير لو تأمّلت تحليلات العلماء عبر التاريخ للنصوص القرآنية الفقهيّة، بصرف النظر عن صحّة استنتاجاتهم هذه في هذه الآية أو تلك أو عدم ذلك.

وقدرة الفقيه القرآني الذي يدّعي اشتمال القرآن على كلّ الأحكام أو يدّعي اشتماله على أكثر الأحكام، تكمن في استنطاقه النصوص القرآنية للحصول على أكبر عدد ممكن من الأحكام الشرعية مباشرةً أو بطريق غير مباشر كما تقدّم. فكلّما نجح الفقيه القرآني ـ على مستوى التجربة الميدانية الاجتهادية ـ في توفير عدد أكبر من الأحكام عبر النص القرآني فإنّه يكون قد عزّز ـ بالتجربة والاستقراء ـ نظريّته في جامعيّة القرآن بمعناها الأعلى (كلّ) أو الأدنى (أغلب).

ج ـ التنويع بملاحظة لسان الدليل، بين قبوله التخصيص وإبائه عن التخصيص، كقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: 8)، إذ لا معنى لتخصيص العدل هنا على رأي بعضهم.

وأهميّة النصوص الآبية عن التخصيص في القرآن، أنّها تصلح مرجعاً لمحاكمة الحديث والإجماع وسائر طرائق ومصادر الاجتهاد الشرعي.

د ـ التنويع بملاحظة أنّ لسان الآية تارةً يكون وارداً في سياق بيان الحكم الشرعي كآيات الإرث، وأخرى قد يكون لسانها العام وارداً في غير ذلك، كما لو كان مساقه بيان قصص السابقين، مع الختم بأنّ في قصصهم عبرة، واشتمال طرفٍ من القصّة على خصوصيّة شرعية، أو كان مساقه تكوينياً أو غير ذلك، بحيث يستخرج منه الفقيه القرآني حكماً شرعياً غير متوقّعٍ للوهلة الأولى؛ لعدم كون اللسان أحكاميّاً.

ومثل هذا قد وقع كثيراً، فراجع على سبيل المثال كيف أنّ المحقّق الأردبيلي قد استخرج من سورة الفاتحة من مطلعها إلى قوله تعالى: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾، جملةَ أحكامٍ فقهيّة، كرجحان البدء بالبسملة لكلّ فعل وغير ذلك([25]).

4 ـ 2 ـ التنوّع بملاحظة المضمون والمحتوى

تتنوّع الآيات ذات المعطى الشرعي من حيث المحتوى أيضاً على الشكل التالي:

أ ـ فبعض الآيات هو آيات مسائل، وبعضها آيات قواعد، فآية نفي الحرج (الحج: 78)، تمنح الفقيه قاعدةً فقهيّة، بينما آية الدّين مثلاً قد لا توفّر له سوى جملة من المسائل الفقهيّة الفرعيّة.

وأهميّة النشاط الفقهي تتضاعف في مجال استنباط القواعد، فكلّما توفّرت قواعد وأصول ومرجعيّات عموميّة في النص القرآني؛ دلّ ذلك على حجم المساحة التي تستوعبها الآيات الكريمة، فمثل آيات التجارة عن تراض، أو الوفاء بالعقود، أو نفي السبيل عن المحسن، أو نفي السبيل عن المؤمن للكافر، أو نفي الحرج، أو تحريم ما ضرره أكثر من نفعه، أو أكل المال بالباطل، أو العدل والإحسان، أو غير ذلك.. كلّها قواعد فقهية عامّة تصلح لتكوين مرجعيّات عليا ذات طابع مستوعب للوقائع والأحداث، على تقدير اقتناع الفقيه بدلالة هذه الآيات على قاعدة فقهيّة هنا أو هناك.

ب ـ بعض الآيات يعطي نتائج فقهيّة (مسائل وقواعد) وبعضها يعطي نتائج أصولية كآية النبأ، وآية النفر، وآيات البراءة، وآيات الظن، وهذا يعني أنّ النصّ القرآني يمكن للفقيه أن يستنطقه على المستوى الفقهي والبناء العلوي، وكذلك على المستوى الأصولي والبناء التحتي المنهجي للاجتهاد.

ج ـ بعض الآيات يبيّن الفقه في بنائه العلوي والسفلي (آيات تشريع)، وبعضها الآخر يبيّن الأهداف والمقاصد والغايات والعلل التشريعّية العامّة أو الخاصّة مثل: آيات إرسال الرسل والشرائع لإقامة العدل والقسط.

وتوجد هنا معركة في الرأي بين فقه الأهداف والخطوط العامّة (فقه الدستور) وفقه المسائل والقواعد (فقه القوانين)؛ فمسيرة الفقه الإسلامي المتعارفة تركّز نظرها على التشريعات أكثر مما تركّز نظرها على آيات الأهداف والعلل. فمثلاً لو أخذنا قوله تعالى في سياق تحريم الخمر والميسر: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ (المائدة: 91)، فلا نجد أنّ الفقهاء اهتمّوا كثيراً بهذا التعليل، وتأمّلوا فيه وفي إمكان تحويله الى مناط قطعي، بحيث يحرّمون كلّ ما يفضي عادةً إلى هذين الأمرين معاً.

إنّ تظهير آيات التعليل أو شبه التعليل يمكن أن يساعد كثيراً في فهمٍ أكبر للفقه القرآني، لكنّ هذه المساحة غير حاضرة بقوّة في الاجتهاد الفقهيّ، ليس على مستوى ألسنة الأهداف أو التعليل في القرآن الكريم فحسب، بل وفي السنّة الشريفة أيضاً، وهناك أسباب دعت لهذا الأمر لسنا بصددها الآن في هذا المختصر.

وفي هذا السياق، من الضروري عدم هدر ـ إضافة إلى آيات التعليل ـ دلالة آيات الخطوط العريضة في الشريعة ومعالم المجتمع المسلم، فهي آيات دستورية قد تصلح للحكومة والتقدّم على دلالات نصيّة أخرى، مثل: إنما المؤمنون إخوة، وكي لا تكون دولة بين الأغنياء منكم، وللرجال نصيب مّما كسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن، وكون العلم والتقوى معيار الأفضليّة.. فإنّ أهمية هذا النوع من الآيات أنّ به قيامة وامتياز المجتمع الإسلامي، إذ التفاصيل التشريعية قد لا تكون مهمّةً قياساً بنصوص النهي عن أن يكون المال دولةً بين الاغنياء مثلاً، والذهنية الفقهيّة يجب أن تهتمّ بالخارطة العامة جداً.

د ـ التنويع بملاحظة نوعيّة الحكم المبرَز في الآية، بين كونه مولوياً أو إرشادياً لحكم عقلي، أو مشيراً لمرتكز عقلائي كبرويّ، وكذلك الى حكم إمضائي وآخر تأسيسي، مثل الأمر بإقامة الصلاة أو الأمر بالوفاء بالعقود([26]).

5 ـ التصنيف في آيات الأحكام

إذا تجاوزنا القرن الهجري الأوّل الذي لم نشهد فيه تصنيفاً في آيات الأحكام بشكلٍ رسميّ، وإنّما مرويّات شفوية عن النبي والصحابة وأهل البيت، فسوف نجد أنّ القرن الثاني يحمل لنا هنا بدايات التصنيف في آيات الأحكام.

ونحن هنا لا نريد بسط الكلام في هذه النقطة، إذ ليس غرضنا دراسة تاريخ تطوّر البحث في آيات الأحكام، وإنما نشير إلى ذلك على سبيل الإجمال، وإلا فقد أحصى العلامة الطهراني في الذريعة حوالي ثلاثين مصنّفاً إمامياً فقط بهذا العنوان أو الوصف([27])، وقد قامت موسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت^ بوضع مسردٍ بمجموعة الكتب والرسائل والمقالات التي ألّفت عند الشيعة الإمامية حتى عام 2003م، فبلغت 103 كتب، و65 رسالة ودراسة، و77 مقالة([28])، وهذا في الغالب في خصوص اللغتين العربيّة والفارسية، وهو غير مستوفٍ، وإلا فالعدد قد يبلغ ضعف هذا المجموع أو أكثر إلى يومنا هذا، عند الإمامية فقط.

وقد وضع الشيخ الدكتور محمد فاكر ميبدي فهرساً بما ألّف في آيات الأحكام فبلغ عنده كما يلي:

1ـ الإمامية: 65 كتاباً.

2ـ الزيدية: 9 كتب.

3ـ أهل السنة: 37 كتاباً([29]).

لكن إحصاءه غير شامل بالتأكيد.

5 ـ 1 ـ من أوّل من صنّف في آيات الأحكام في القرنين الأوّلين؟

وكما في كلّ علمٍ من العلوم تقريباً، وقع إشكال الأوائل، حيث اختلف الشيعة والسنّة في أوّل تصنيفٍ مستقل أو يحمل عنوان آيات الأحكام، بصرف النظر عن الحديث عن آيات الأحكام في ثنايا التفاسير والفقه والأصول ونحو ذلك.

فقد اشتهر بين بعض أهل السنّة أنّ أوّل من صنّف في آيات الأحكام أحد شخصين:

الأول: محمد بن إدريس الشافعي (204هـ)، والذي له كتاب بعنوان أحكام القرآن، وقد اشتهر هذا الكتاب باسم «أحكام القرآن للبيهقي»؛ لأنّ أحمد بن الحسين البيهقي (458هـ) هو الذي نظّمه ورواه.

الثاني: القاسم بن أصبغ بن محمد بن يوسف البياني القرطبي الأندلسي (340هـ)، وهذا غير المفسّر القرطبي المشهور صاحب (الجامع لأحكام القرآن).

إلا أنّ الشيعة ذهبت إلى تقدّمهم في التصنيف، وأنّ أقدم من صنّف هو أبو النضر محمد بن السائب بن بشر الكلبي (146هـ)، وهو من أصحاب أبي جعفر الباقر وأبي عبد الله الصادق’، وهو والد هشام الكلبي النسّابة المعروف. وقد ذكر الطهراني في الذريعة أنّ كتابه هو «أحكام القرآن»([30]). وهو غير تفسيره المعروف. كما ذكر ابن النديم هذا الكتاب أيضاً وأسماه أحكام القرآن كذلك([31]). ثم أتى بعد الكلبي مقاتل بن سليمان (150هـ)، في كتابه «تفسير الخمسمائة آية في الأحكام»، ثم أتى بعدهما الشافعي والقرطبي([32]).

ووفقاً لنصّ ابن النديم يجب اعتبار الكلبي أسبق في التصنيف من الشافعي، لكن تبقى هنا نقطتان هما:

أ ـ هل كتاب الكلبي يحتوي على مرويّات أئمة أهل البيت^، بحيث يمكن اعتباره نتاجاً شيعيّاً يعتمد مرجعيّة أهل البيت أو لا؟

إنّ كون الكلبيّ من أصحاب الإمامين: الباقر والصادق قد يقوّي هذا الأمر، لكن توجد بعض العقبات:

العقبة الأولى: إنّ ابن النديم قال: «كتاب أحكام القرآن للكلبي، رواه عن ابن عباس»([33])، وهذا يعني أنّ هذا الكتاب ليس سوى مجموعة من الروايات التفسيريّة في أحكام القرآن نقلت عن ابن عباس، فلا يمكن نسبته إلى أهل البيت أو مدرسة أهل البيت النبويّ. ولعلّ هذا يتعزّز بوجود روايات للكلبي عن ابن عباس بتوسّط شخص يدعى (أبو صالح) وقد نقلها لنا الشيخ الصدوق ([34])، وغيره.

إلا أنّ السيد المرعشي النجفي ذكر في مقدّمته على كتاب «مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام» ـ وهي مقدّمة استعرض فيها حوالي 60 أثراً إسلامياً في آيات الأحكام عند الإماميّة (29 أثراً) والزيدية والسنّة ـ أنّ في كتاب الكلبي رواية عن ابن عباس بالواسطة([35])، وهذا يعطي رواية الكلبي عن ابن عباس في هذا الكتاب لا تمحّض الكتاب في الرواية عن ابن عباس، فلا يصحّ تعميم ابن النديم وفقاً لرأي البعض([36]).

إلا أنّ هذا الكلام غير واضح، فكتاب الكلبيّ غير متوفّر بين أيدينا اليوم، وابن النديم أقدم من السيد المرعشي، ولعلّ ظاهره أنّه رأى الكتاب، فكيف نقدّم كلام المرعشي ـ على تقدير إرادته هذا المعنى ـ على كلام ابن النديم، لاسيما مع عدم وجود دليل مقنع أنّه روى في هذا الكتاب عن أئمة أهل البيت أيضاً؟ إذ مجرّد كونه من الأصحاب لا يعني روايته عنهم في هذا الكتاب بالضرورة. كما لا دليل على أنّ ما نُقل عن ابن عباس في هذا الكتاب هو من تفسير أهل البيت الذي أخذه ابن عباس عنهم.

العقبة الثانية: لو راجعنا التراث الحديثي والتفسيري عند المسلمين، فمن النادر أن نجد روايةً للكلبي في التفسير عن أحد الأئمة^، فلو كان في هذا الكتاب نصوصٌ عن أهل البيت لظهرت وبانت، ولو في ثنايا المنقولات الأخرى في مصادر الإماميّة وغيرهم، بل نحن قليلاً ما نجد له رواية عن أحد الأئمة، فكيف صحّ لنا التنبؤ هنا بكون كتابه يحوي بعض الروايات عن أهل البيت؟ ومجرّد كونه من أصحابهم لا يعني الرواية، بل يكفي فيها المعاصرة حيناً ونقل ولو روايتين أو ثلاث فقط حيناً آخر.

ب ـ هل الكلبي الأب المفسّر هذا، شيعي أو سنّي؟

إنّ لدينا اثنين يسمّيان بالكلبي، وهما معاً مشهوران:

الأوّل: هشام بن محمد بن السائب الكلبي أبو المنذر (206هـ)، وهذا هو الكلبي الابن، وهو الذي له كتاب (أمهات الخلفاء) وكتاب (مثالب العرب)، وهذا الشخص ذكره النجاشي في الرجال([37])، وقال بأنّه كان يختصّ بمذهبنا، كما أدرج مصنّفاته العلامة الطهراني في الذريعة([38])، وأدرجه السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة([39]).

وهذا الشخص يمكن القول بأنّه شيعي، لاسيما وأنّ أهل السنّة يتّهمونه بالتشيّع ويضعّفونه أشدّ التضعيف.

الثاني: محمد بن السائب بن بشر الكلبي أبو النضر، وهو الكلبي الأب، الذي نتحدّث عنه هنا، إذ قد يقال بأنه ليس شيعياً.

ذكر بعض علماء أهل السنّة أنه رمي بالرفض([40])، وأغلبهم ضعّفه بلا بيان المذهب، لكنّه غير مذكور في مصادر الشيعة بوصفه شيعياً. نعم ذكره البرقي في الرجال([41])، فإذا بُني ـ كما ذهب بعضٌ ـ إلى كون الأصل فيمن ذكر اسمه في هذا الكتاب أنّه شيعي ما لم يطعن عليه بفساد مذهبه، كانت هذه شهادة شيعيّة قديمة بتشيّعه.

وقد ذكره الطوسي أيضاً في الرجال([42])، لكن لا يوجد تعهّد من الطوسي في هذا الكتاب بذكر الشيعة فحسب، كيف وقد ذكر من غيرهم كثير. وإلى جانب هذا كلّه فقد ذكر ابن داوود الحلّي أنّ هذا الرجل مهمل([43]).

من هنا، يترجّح تشيّعه بنصوص أهل السنّة وموقفهم منه، وبنصّ البرقي على التقدير الذي ذكرناه. لكنّ تشيّعه أعمّ من كونه إمامياً أو غير إماميّ، فإثبات إماميّته صعبٌ جدّاً.

وبناءً عليه، يمكن ترجيح أنّ أقدم كتاب في أحكام القرآن (إن لم يشكّك شخصٌ في المراد من العنوان المذكور آنذاك) هو للكلبي، ثم لمقاتل بن سليمان، وبعدهما الشافعي والقرطبي.

بل قد يقال بأنّه لا معنى لنسبة التصنيف في أحكام القرآن للشافعي؛ إذ حقيقة هذا الكتاب المنسوب له هي أنّ الشافعي تعرّض في ثنايا كتبه لبعض الآيات القرآنية الأحكاميّة واستنبط منها حكماً شرعياً هنا أو هناك، ولم يصنّف كتاباً باسم (أحكام القرآن)، كلّ ما في الأمر هو أنّ الإمام البيهقي الشافعي (458هـ) قد جمع متناثر كلمات ابن إدريس الشافعي (204هـ) في كتبه، وقام بترتيبها وتنظيمها تحت عنوان كتاب مستقل، أسماه (أحكام القرآن)، وفي هذه الحال لا يصّح أن نقول بأنّ الشافعي مصنّفٌ في أحكام القرآن أساساً، وإلا فعلى هذا المعيار سيكون الإمام زيد بن علي، والإمام محمد الباقر، ثم الإمام جعفر الصادق، أسبق بكثير منه ومن الكلبي ومقاتل بن سليمان، حيث يمكن أن نجمع كتاباً كبيراً باسم (أحكام القرآن) للإمام الباقر (114هـ) مثلاً، وهو موجود في كتب الحديث والتفسير عند المسلمين، فهل يصحّ بهذه المعايير إثبات أسبقيّة التصنيف؟!

يقول البيهقي في مقدّمة كتاب (أحكام القرآن) للشافعي ما نصّه: «وقد صنّف غير واحد من المتقدّمين والمتأخّرين في تفسير القرآن ومعانيه.. فرأيت من دلّت الدلالة على صحّة قوله ـ أبا عبد الله محمد بن إدريس الشافعي المطّلبي.. ـ قد أتى على بيان ما يجب علينا معرفته من أحكام القرآن، وكان ذلك مفرّقاً في كتبه المصنّفة في الأصول والأحكام، فميّزته وجمعته في هذه الأجزاء..»([44]). بل أنا أحتمل أنّ كلّ كتب القرن الثاني الهجري هنا قد جمعت من متناثر كلمات هؤلاء العلماء، ثم وضع لها عنوان آيات الأحكام أو أحكام القرآن.

نعم، نقطة افتراق الشافعي عن الإمامين الباقر والصادق مثلاً، هي أنّ مادّة كتاب البيهقي موجودة للشافعي في مصنّفاته، لكنها غير موجودة للإمام إلا برواية متفرّقة قد تكون شفويّة، فلو ميّز شخص بين هذين الأمرين صحّ الكلام، ويمكن القول بعدم العلم بصحّة نسبة المرويّات إلى الإمامين، بخلاف النسبة للشافعي نفسه، إلا إذا كان لأحد تشكيكٌ ما.

وعلى أية حال، فلدينا في القرن الثاني الهجري الكتب الأساسيّة التالية:

1 ـ أحكام القرآن، للكلبي (146هـ).

2 ـ تفسير الخمسمائة آية في الأحكام، لمقاتل بن سليمان (150هـ).

3 ـ أحكام القرآن، ليحيى بن آدم بن سليمان (203هـ)، وهو من علماء البُترية من الزيدية.

4 ـ أحكام القرآن، لمحمّد بن إدريس الشافعي (204هـ).

هذه أهم الكتب، وإنما أدرجنا الثاني والرابع في القرن الثاني؛ لقوّة احتمال كون التصنيف قد وقع فيه، وإلا فإنّ القاعدة تستدعي الإدراج في القرن الثالث؛ تبعاً لسنة الوفاة. ومنه يعلم ضرورة حذف اسم البياني القرطبي من لائحة الأوائل في التصنيف في آيات الأحكام.

وعلى أية حال، فيمكن أن نطلق على القرن الثاني الهجري عنوان عصر التأسيس، كما سمّاه بعض الباحثين([45]).

5 ـ 2 ـ التصنيف في القرن الثالث الهجري، تطوّر محدود

ترك لنا القرن الثالث الهجري بعض النتاج العلمي الذي يبيّن التطوّر الكمّي في التأليف، مثل كتاب (أحكام القرآن) لمحمد بن عبد الله المعروف بابن الحكم المالكي (268هـ)، وكتاب (أحكام القرآن) لإبراهيم بن خالد المعروف بأبي ثور الكلبي (240هـ)، مع كتاب (أحكام القرآن) لحفص بن عمر بن عبد العزيز الأزدي (246هـ)، والأخيران محسوبان على أهل الحديث والظاهر.

وثمة كتاب باسم (تفسير خمسمائة آية) لأبي المؤتمر الصلت بن خميس البهلاوي، المحسوب ـ كما قيل ـ على مذهب الخوارج، والمذكور من علماء القرن الثالث الهجري.

نعم، فالقرن الثالث الهجري ترك بعض النتاجات العلمية، لكنّه على المستوى الشيعي لم نشهد فيه أيّ عمل يُذكر، لهذا فهو قرن مختلف الحال بين الشيعة والسنّة.

5 ـ 3 ـ التصنيف في القرن الرابع الهجري، انطلاقة قويّة

ويمضي القرن الثالث الهجري لنشهد حركةً جديدة أقوى في القرن الرابع مع مجموعة من الأعمال العلمية أبرزها:

1 ـ أحكام القرآن، لأبي الحسن علي بن موسى بن يزداد (305هـ) من الأحناف.

2 ـ (آيات الأحكام)، و(ما خالف فيه الشافعي العراقيين في أحكام القرآن)، لعلي بن موسى القمي([46]). وقد ذهب بعض الباحثين إلى أنّ هذا الرجل شيعيّ، انطلاقاً من توصيف ابن النديم له بأنّه كان نقاداً لآراء الشافعي([47]).

إلا أنّ هذا الاستدلال ضعيفٌ جداً، فليس الشيعة وحدهم الذين انتقدوا الشافعي في آرائه، بل بين المدارس السنّية جدٌل كبير ونقد كبير متداول لأفكار الشافعي وسائر أئمّة المذاهب السنّية، فهذه قرينة ضعيفة.

3 ـ (شرح آيات الأحكام)، لإسماعيل بن عبّاد (385هـ)، وهو المعروف بالصاحب بن عباد الوزير (الشيعي) المعروف في الدولة البويهية، ويذكر السيد المرعشي النجفي أنه توفّي قبل أن يكمل كتابه هذا([48]).

4 ـ (آيات الأحكام)، لأبي الحسن عباد بن عباس الطالقاني (385هـ)، والد ابن عباد المتقدّم، وقد ذكره ياقوت الحموي، وقال عنه في هذا الكتاب: «.. ينصر فيه مذهب الاعتزال، استحسنه كلّ من رآه»([49]).

ويفهم بعض الباحثين المعاصرين من هذا الكلام أنّ الكتاب لم يجرِ على طريقة الفكر الأشعري، فيُلحقه بنتاج فقه القرآن عند الشيعة([50]).

إلا أنّ هذا القدر من الدليل ضعيف، لا يكفي لإلحاق الكتاب بالنتاج الشيعي؛ إذ ليس كلّ من سار على نهج الاعتزال أو غاير الأشاعرة فهو شيعي، أو يحسب نتاجه على الشيعة، وإلا لزم أن نعتبر أنّ معتزلة بغداد شيعة كلّهم.

5 ـ أحكام القرآن، لأحمد بن علي الرازي الجصاص الحنفي (370هـ)، وهو كتاب ضخم ومهم جداً في شرح آيات الأحكام، ويعدّ من أهم الكتب في الفقه القرآني عند الأحناف، وهو موجود اليوم ومطبوع.

ويعبّر هذا الكتاب عن غزارة المؤلّف وقوّة تجواله في بحث آيات الأحكام، كما يتميّز بسعيه الدؤوب لطرح آراء مختلف المذاهب الأربعة في كتابه.

6 ـ أحكام القرآن، لعلي بن أحمد، المعروف بابن الغلس (324هـ)، وهو محسوب على أهل الحديث والظاهر.

7 ـ أحكام القرآن، لأبي جعفر أحمد بن أحمد القيرواني (319هـ).

8 ـ أحكام القرآن، للقاسم بن أصبغ بن محمد بن يوسف البياني القرطبي (340هـ).

5 ـ 4 ـ التصنيف في القرن الخامس الهجري

وبانتهاء القرن الرابع الهجري، نشهد في القرن الخامس بعض الأعمال العلميّة مثل:

1 ـ آيات الأحكام، لمحمد بن الحسين بن محمد الفراء (458هـ)، من أعلام المذهب الحنبلي.

2 ـ (مختصر أحكام القرآن)، و(المأثور عن مالك في أحكام القرآن)، لأبي محمد مكّي بن أبي طالب القيسي (437هـ)، من المذهب المالكي.

3 ـ أحكام القرآن، لمحمد بن علي بن أحمد بن أبي حزم (456هـ)، من المذهب الظاهري.

ويلاحظ في هذا القرن خلوّه عن أيّ نتاج شيعي إمامي، ولهذا اعتبره بعض الباحثين عصرَ الركود الأوّل لفقه القرآن الشيعي الإمامي([51]).

5 ـ 5 ـ التصنيف في القرن السادس الهجري، ظهورٌ شيعي قويّ

لكنّ الفقه القرآني يستمرّ في القرن السادس الهجري، ويشهد أيضاً في أواخره ظهوراً شيعياً قوياً، حيث ترك لنا هذا القرن بعض النتاج العلمي، نذكر أبرزه:

1 ـ فقه القرآن في أحكام القرآن، لأبي الحسين سعيد بن عبد الله بن الحسين بن هبة الله بن الحسن الراوندي، المعروف بقطب الدين الراوندي (573هـ)، وهو من الشخصيات الشيعية البارزة في مجال الفقه والقرآنيات، ومن تلامذة الطبرسي صاحب مجمع البيان([52]).

والشيء الذي يُلفت النظر في مقدّمة الراوندي لكتابه هو قوله بأنه لم يرَ من العلماء السابقين والمعاصرين له من ألّف كتاباً مستقلاً جامعاً في أحكام القرآن([53]).

وهذا الكلام منه إذا قصد به المستوى الإسلامي عامّة ـ كما هو ظاهر عبارته ـ فهو باطل جزماً؛ إذ الوقائع تبطل هذا الكلام إبطالاً حاسماً، كيف وقبل الراوندي في القرن نفسه وسائر القرون السابقة كتب غير الإمامية العديد من الكتب الجامعة كالجصّاص وغيره، فلعلّه لم يكن مطّلعاً عليها.

وأمّا إذا كان نظره إلى الداخل الشيعي الإمامي، فكلامه صحيح؛ إذ الكتب الشيعية الإماميّة قبله قليلة جداً، فضلاً عن صعوبة إثبات وجود ولو كتاب إماميّ واحد حتى القرن السادس الهجري، وهذا يؤكّد مقولته في مقدّمة كتابه، فأبسط مقارنة بين كتابه وما سبق عند الشيعة الإماميّة قد تعطي هذا الانطباع، رغم أنّنا نواجه مشكلة أنّ الكتب الشيعية السابقة ليست كلّها متوفّرة.

يعدّ هذا الكتاب قيّماً في بابه، ويشتمل في بعض المطالب على اختصار وإيجاز.

2 ـ تفسير آيات الأحكام، لأبي الحسن محمد بن الحسن البيهقي النيشابوري (576هـ) والظاهر أنّه شيعي.

3 ـ مختصر أحكام القرآن، لعبد المنعم بن محمد بن فرس (597هـ) المالكي.

4 ـ متشابه القرآن ومختلفه، لرشيد الدين محمد بن علي بن شهر آشوب المازندراني (588هـ)، وهو من علماء الإماميّة، والكتاب ليس في فقه القرآن فقط، لكنه خصًص فصلاً تحت عنوان «باب فيما يحكم عليه الفقهاء»، جمع فيه قدراً كبيراً من آيات الأحكام والحديث حولها.

5 ـ أحكام القرآن، لعماد الدين الكياهرّاسي (504هـ)، وهو من الشافعيّة، وكتابه يعدّ من الكتب التفسيرية الفقهيّة الشافعية المهمّة.

6 ـ أحكام القرآن، للقاضي أبي بكر محمد بن عبد الله، المعروف بابن العربي المالكي (543هـ)، وهو كتاب مهم جداً، ومن أبرز كتب فقه القرآن عند المالكيّة، ويعدّ مرجعاً اليوم.

5 ـ 6 ـ التصنيف في القرنين السابع والثامن، خمود شيعي واستمرار سنّي

وإذا عبرنا القرن السادس الهجري إلى القرن السابع والثامن، فنحن نجد خموداً تاماً في التأليف عند الشيعة، باستثناء كتاب «النهاية في تفسير خمسمائة آية، لفخر الدين أحمد بن عبد الله بن سعيد، المعروف بابن المتوّج البحراني (أواخر القرن الثامن الهجري) عند الإماميّة([54])، وكتاب (شرح آيات الأحكام)، ليحيى بن حمزة بن علي الحسيني الزيدي (749هـ)، و(الأنوار المضيئة على آيات الأحكام)، لمحمد بن هادي بن تاج الدين الزيدي (ق 8هـ). ولهذا اعتبر بعض الباحثين أنّ هذين القرنين هما قرنا الخمود الثاني عند الشيعة([55]).

أما على الصعيد السني، فعرف هذان القرنان نتاجاً علمياً نذكر منه:

1 ـ تفسير آيات الأحكام، لابن قيم الجوزية (751هـ) من الحنابلة.

2 ـ أحكام الرأي، لمحمد بن عبد الرحمن بن الصائغ الحنبلي (776هـ).

3 ـ تلخيص (أو تهذيب) أحكام القرآن، لمحمد بن أحمد بن مسعود السراج (770 أو 777هـ)، وهو من الأحناف.

4 ـ أحكام القرآن (أو القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز) لأحمد بن يوسف المعروف بابن سمين (756هـ)، من الشافعيّة.

5 ـ كتاب في أحكام القرآن، لمحمد يحيى بن أحمد الأشبيلي المالكي (640هـ).

6 ـ آيات الأحكام (جامع أحكام القرآن)، لصائن الدين يحيى بن سعدون الأندلسي المالكي (670هـ).

7 ـ التبيان في أحكام القرآن، لعلي بن الحسين بن عبد العزيز المالكي (700هـ).

8 ـ أحكام القرآن، لداوود بن علي الظاهري (680هـ).

5 ـ 7 ـ التصنيف في القرون: (9 ـ 11هـ)، نهضة إماميّة متميّزة

ولو اتجهنا نحو القرنين التاسع والعاشر، سنجد مجموعة من الأعمال المهمّة، ومن أبرزها:

1 ـ منهاج الهداية في تفسير خمسمائة آية، لجمال الدين ابن المتوّج الإمامي (820هـ).

2 ـ آيات الأحكام؛ لناصر بن أحمد بن المتوج الإمامي (836هـ). وهناك نقاش في أنّ الكتاب الأوّل هو للشخص الثاني([56]).

3 ـ كنز العرفان في فقه القرآن؛ لجمال الدين المقداد بن عبد الله بن محمد بن الحسين بن محمد السيوري الحلّي، المعروف بالفاضل المقداد (826هـ)، وهو إمامي. ويتخذ هذا الكتاب أهمية خاصّة حيث يعدّ ـ تاريخياً على مستوى الأهميّة ـ الثاني بعد فقه القرآن للراوندي في التصنيف الإماميّ في آيات الأحكام.

آيات الأحكام (المعروف بتفسير شاهي)، وهو من أقدم الكتب الإمامية المدوّنة باللغة الفارسيّة في هذا المجال، لأبي الفتوح بن ميرزا مخدوم الحسيني الجرجاني العربشاهي (976هـ)، وسبب التسمية المعروفة ـ كما يذكر الآغا بزرك الطهراني ـ هو أنّ المؤلّف صنّف الكتاب للشاه طهماسب الصفوي([57]).

زبدة البيان في براهين أحكام القرآن، لأحمد بن محمد المعروف بالمحقّق الأردبيلي (993هـ)، من كبار علماء الإمامية، وهو ثالث أهم كتاب تاريخياً عند الإمامية بعد فقه الراوندي وكنز السيوري. وقد تحوّل هذا الكتاب ـ بسبب سعته وعمق أبحاثه وشخصية مؤلّفه ـ إلى محور، حتى كتبت حوله حوالي عشرة تعليقات وحواشٍ، لا داعي للإطالة باستعراضها، وهي تعود للقرن الحادي عشر وما بعده.

6 ـ آيات الأحكام، لشجاع الدين محمود بن علي الحسيني المرعشي، من تلامذة المحقّق الكركي.

7 ـ معدن العرفان في فقه مجمع البيان لعلوم القرآن، لإبراهيم بن حسن الدرّاق أو الوراق (ق10هـ).

8 ـ آيات الأحكام، لأحمد بن يحيى بن المرتضى الصنعاني (840هـ)، من الزيدية.

9 ـ حصر آيات الأحكام الشرعيّة، لمحمد بن إبراهيم بن علي الزيدي (840هـ).

10ـ شافي (شفاء) العليل في شرح (تفسير) الخمسمائة آية من التنزيل، لعبد الله بن محمد النجري اليماني (877هـ)، من الزيدية.

11ـ شرح آيات الأحكام، لمحمد بن يحيى بن محمد الزيدي (957هـ).

12ـ تفسير آيات الأحكام، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني الشافعي (852هـ).

13ـ الإكليل في استنباط التنزيل، لجلال الدين عبد الرحمن السيوطي الشافعي (911هـ).

وغيرها من الكتب.

ويستمرّ الوضع في القرن الحادي عشر الهجري، حيث نجد بعض الأعمال نذكر منها:

1 ـ تفسير آيات الأحكام، للميرزا رفيع الدين محمد بن الحسين المرعشي الإمامي (1034هـ).

2 ـ تفسير القطب شاهي في شرح آيات الأحكام؛ لمحمد يزدي المعروف بشاه قاضي (1040هـ)، وهو كتاب ألّف بطلب من السلطان محمد قطب شاه([58]).

3 ـ مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام، لأبي عبد الله محمد الجواد شمس الدين الكاظمي، المعروف بالفاضل جواد (أواسط ق 11هـ).

وقد أحسن بعض الباحثين المعاصرين عندما قال بأنّ كتاب فقه القرآن للراوندي، وكنز العرفان للسيوري، وزبدة البيان للأردبيلي، ومسالك الأفهام للكاظمي، هي الكتب الأربعة للإماميّة في فقه القرآن([59]).

فتح أبواب الجنان في تفسير آيات الأحكام، لمحمد بن الحسين العاملي (1080هـ) وهو إمامي.

5 ـ آيات الأحكام الفقهيّة (فارسي)، للمولى ملك علي التوني، وقد كتب الكتاب باسم الشاه سليمان الصفوي عام 1098هـ.

أنوار القرآن في أحكام القرآن، لمحمد بن كافي بن الحسن البوسنوي (1052هـ)، من الأحناف.

7 ـ منتهى المرام في شرح آيات الأحكام، لمحمد بن الحسين الحسني (1067هـ).

وغيرها من الكتب الكثيرة عند المذاهب المختلفة.

5 ـ 8 ـ التصنيف في القرنين (12 ـ 13هـ)، التمدّد الإخباري والتراجع الشيعي

وبدخول القرنين الثاني عشر والثالث عشر، سيطر التوجّه الإخباري على الاجتهاد الشيعي ولم يظهر خلال هذه المدّة شيء يُذكر بوصفه تطوّراً في الفقه القرآني؛ لأنّ الفقه غلب عليه الحديث بشكل مضاعف في فترة القرنين الأوّلىن من الألفيّة الهجرية الثانية، من هنا فما نجده في هذه الفترة على المستوى الإمامي هو في الغالب تعليقات أو حواشٍ على الكتب السابقة، مثل كتاب زبدة البيان، وكتاب مسالك الأفهام، وحتى ما كتب في تفسير آيات الأحكام في هذه الفترة كان يغلب عليه التفسير الروائي، ككتاب (إيناس سلطان المؤمنين باقتباس علوم الدين من النبراس المعجز المبين) للسيد محمد العاملي المكي (1139هـ)، وكذلك كتاب (تفسير آيات الأحكام) لأحمد بن إسماعيل الجزائري (1151هـ).

نعم، شهدنا في أواخر هذه الفترة ـ حيث تراجع المدّ الإخباري ـ حركةَ تأليف جديدة، مثل كتاب آيات الأحكام لمحمد إبراهيم الحسيني المرعشي (1240هـ)، وكتاب تقريب الأحكام إلى تفسير آيات الأحكام (فارسي) لمحمد قلي بن محمد حسين بن حامد حسين النيشابوري (1260هـ)، وكتاب دلائل المرام في تفسير آيات الأحكام، لمحمد جعفر بن سيف الدين الاسترابادي (1263هـ) وغيرها من الكتب.

أمّا سنيّاً فقد استمرّ التصنيف، لكن بوتيرة أخفّ من الماضي، فترك لنا محمد شمس الدين أبوبكر الهروي الحنفي (1109هـ) كتابَ (أنوار القرآن في أحكام القرآن)، وترك لنا إسماعيل حقّي البرسوي الحنفي كتاب (أحكام القرآن) وهو متوفّى عام 1127هـ، وألّف عبد الله البلخي الحنفي (1189هـ)، كتاب مدارك الأحكام (أحكام القرآن)، كما ألّف عبد الله أبو محمد الحسيني الهندي الحنفي (1270هـ) كتاب آي أحكام القرآن. وغير ذلك من الكتب.

5 ـ 9 ـ التصنيف في القرن الرابع عشر، عودة الحياة للفقه القرآني

وبدخول القرن الرابع عشر، تشهد الحركة عودةً جديدة ونشاطاً مختلفاً في الفقه القرآني، وتظهر مجموعة من الأعمال أبرزها:

1 ـ (نثر الدرر الأيتام في شرح آيات الأحكام)، و(الدرر الأيتام في تفسير آيات الأحكام)، لعلي بن ملا محمد جعفر الأسترآبادي المعروف بشريعتمدار (1315هـ).

2 ـ أحكام القرآن، لشرف الدين علي الحسيني المرعشي (1316هـ).

3 ـ أحكام القرآن، لغلام رضا أميري كرمنشاهي، وقد فرغ من تأليفه عام 1369هـ.

4 ـ لبّ اللباب في تفسير أحكام الكتاب، لعبد علي بن أبي القاسم الموسوي (1336هـ).

5 ـ تفسير آيات الأحكام وفق المذهب الجعفري والمذاهب الأربعة، للسيد حسين الطباطبائي اليزدي (1386هـ)، وهو من التفاسير الفقهيّة المقارنة النادرة والقليلة.

6 ـ آيات الأحكام، للشيخ خلف آل عصفور.

7 ـ آيات الأحكام، للشيخ إسماعيل بن علي نقي الأرومي التبريزي.

8 ـ أقصى البيان في آيات الأحكام وفقه القرآن، لمسعود سلطاني الآذربايجاني (1410هـ).

وهؤلاء كلّهم من الإمامية، وقد كتب الزيدية كتباً أيضاً، منها: آيات الأحكام للقاضي الحسيني العمري الصنعائي (1380هـ)، وكذلك شرح آيات الأحكام للإمام يحيى بن محمد الحسني (1367هـ).

وكتب الأحناف أيضاً كتباً منها: نيل المرام في شرح آيات الأحكام أو نيل المرام من تفسير آيات الأحكام، لمحمد صديق خان ملك الواسطي الهندي (1307هـ).

وكتب الشافعية أيضاً كتباً، منها: آيات الأحكام لمحمد علي السايس المصري (1396هـ).

كما كتبت المالكية بعض الكتب، مثل: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الأحكام لمحمد أمين بن مختار (1393هـ).

إلى غير ذلك الكثير من الكتب والدراسات الأخرى.

5 ـ 10 ـ التصنيف في العصر الحاضر، مجالات جديدة وابتكارات

أما العصر الحاضر والقرن الخامس عشر الهجري، فشهد مجموعة أعمال تدور حول المحاور التالية([60]):

أولاً: الفهرسة: وقد كتب في هذا الصدد كتاب «فرهنگ آيات فقهي قرآن كريم بر أساس موضوعات فقهي» وهو معجم فارسي بالآيات القرآنية الفقهية وفقاً للموضوعات الفقهية، وقد أعدّه ورتّبه محمد أراكي، ونشر عام 2004م. ويوجد غيره مجموعة من كتب الفهرسة الخاصّة بآثار بعض العلماء كالسيد الخميني والشيخ الأنصاري والفاضل المقداد وغيرهم.

ثانياً: التصنيف الموضوعي، مثل كتاب دروس في آيات الأحكام لداريوش زركري مرندي، وهو في المعاملات والعقود، وكتاب آيات الأحكام لمحمد علي آقائي، وهو يدور حول القانون المدني والجزائي، وكذلك كتاب (آيات الأحكام حقوقي) لأسد الله لطفي، ويبحث في العقود والمعاملات، وأيضاً كتاب (بازپژوهي آيات فقهي قرآن)، للشيخ محمد فاكر ميبدي، والمخصّص للعبادات تقريباً. وكذلك كتاب آيات الأحكام للشيخ عباس علي عميد الزنجاني، وهو يتركّز حول البحوث القانونيّة.

ثالثاً: التصنيف المقارن، ويبرز هنا كتاب تفسير آيات الأحكام مقارن، والذي أعدّ بوصفه مادة دراسية في جامعة المصطفى العالميّة.

رابعاً: التصنيف التعليمي، وهو الذي صُنّف الكتابُ وِفْقَهُ ليكون مادةً دراسيّة، مثل كتاب آيات الأحكام لأستاذنا الشيخ محمد باقر الإيرواني، وكتاب آيات الأحكام للدكتور كاظم مدير شانه جي، وآيات الأحكام للدكتور عابدين مؤمني، وله أيضاً (درسنامه آيات الأحكام). وهذه كلّها وغيرها كتبٌ ألّفت للتدريس في الحوزة تارةً ككتاب الإيرواني، وفي الجامعات المختلفة أخرى.

خامساً: الترجمة، حيث ترجمت بعض كتب آيات الأحكام إلى اللغة الفارسية، مثل زبدة البيان للأردبيلي (ترجمة وتلخيص)، وكنز العرفان للسيوري.

ونكتفي بهذا القدر، وإلا فدراسة المسار التاريخي تحتاج لمجال أوسع بكثير لا يتحمّله هذا المدخل المتواضع.

مناهج التصنيف في آيات الأحكام، عناصر القوّة والضعف

تعدّدت ألوان التصنيف في آيات الأحكام، وذلك على النحو التالي:

أ ـ وفق ترتيب الجمع القرآني

النوع الأول: التصنيف في آيات الأحكام وفقاً لترتيب هذه الآيات في القرآن الكريم كما هو موجود بين أيدينا.

وعليه، فآية الدين من سورة البقرة سوف تُذكر قبل آيات الحجاب والزينة في سورة النور أو الأحزاب، تبعاً لتقدّم ذكرها في القرآن الكريم.

وقد غلب على التصنيف غير الشيعي (السنّي) في مجال آيات الأحكام هذا النوع من التأليف، ويمكننا أن نسمّي هذا اللون من التصنيف بالتفسير التجزيئي لآيات الأحكام تبعاً للجمع القرآني؛ لأنّ الفقيه القرآني هنا يستخدم أسلوب المفسّرين في طريقتهم المعروفة من البدء بسورة الحمد والانتهاء بسورة الناس، غاية الأمر يقوم بحذف الآيات التي لا علاقة لها بالفقه.

ويبدو لي أنّ مشكلة هذه الطريقة ما يلي:

أولاً: إنها تجزّء البحث في الموضوع الواحد تبعاً لحديث كلّ آية قرآنية عنه من زاوية معينة، الأمر الذي يصعّب من إمكانية الخروج بنظريّة موضوعية قرآنية حول هذه القضية الفقهيّة أو تلك.

ثانياً: إنه يلزم منه التكرار، حيث تلتقي آيتان في موضوعٍ واحد، وقد تشتركان في إفادة فكرةٍ ما، فيلزم تكرار الحديث مرة أخرى، أو الإحالة على ما تقدّم.

ثالثاً: إنّ هذه الطريقة إما تلغي نظام المقارنة والمقاربة بين الآيات القرآنية، أو تفرض على الفقيه أن يعالج ذلك في إحدى الآيات، ثم يحيل عليه في آية أخرى.

رابعاً: لا توجد خصوصية منطقية تبرّر هذا النحو من التصنيف، ففي التفسير التجزيئي الكامل للقرآن الكريم قد يقال بأنّ ترتيب الآيات والسور وجمعها بهذه الطريقة في القرآن له خصوصيّة، فيكون السير وفقها منطقياً؛ لكنّ هذا الأمر لا يبدو واضحاً لو انتقينا خصوص الآيات الفقهيّة الأحكامية وفصلناها عن سائر آيات القرآن، ثم رتّبناها على طريقة الجمع القائمة اليوم، إذ أيّ خصوصية تستدعي هذا الترتيب؟!

ب ـ وفق ترتيب النزول القرآني

النوع الثاني: التصنيف في آيات الأحكام وفقاً لترتيب نزولها أو على الأقل وفقاً لترتيب نزول السور.

وامتياز هذا التفسير عن سابقه أنه يعتمد المنهج التاريخي، وهو مبرّر منطقي كافٍ في التصنيف بهذه الطريقة؛ لأنّ المنهج التاريخي يساعد على:

أ ـ تمييز الناسخ من المنسوخ، وعدم الخلط بين الاثنين، الأمر الذي يساعد الفقيه بشكل جيد في الوصول إلى النتيجة الفقهية القرآنية، والأمر عينه أو قريب منه فيما يتّصل بالتخصيص والتقييد على اختلاف النظريّات الأصولية في هذا المجال.

ب ـ فهم طريقة البيان القرآني في إصدار الأحكام، كقضيّة التدريج في البيان، كما قيل مثله في تحريم الخمر، وهذا ما يساعد الفقيه على فهم الذوق القرآني في بيان الأحكام الشرعيّة.

لكنّ هذا النوع من التصنيف، يظلّ تجزيئياً يعاني من بعض ما كان يعاني منه النوع الأوّل، لكنه أفضل منه كما بيّنا ويقوم على مبرّر منطقي معقول.

ج ـ وفق تنظيم الأبواب الفقهيّة

النوع الثالث: وهو ما اشتهر في تصنيفات آيات الأحكام عند الإماميّة، وهو التصنيف وفقاً لأبواب الفقه.

فالأبواب الفقهية المعروفة يصار إلى جمع كلّ الآيات المتصلة بالباب الأوّل منها كالطهارة، أو الصلاة، أو الصوم، أو الحج، أو النكاح، أو الديات.. وتوضع كلّ مجموعة من الآيات في موضعها الطبيعي من هذه الأبواب تبعاً لما تتحدّث عنه.

وهنا نبتعد عن المنهج التجزيئي الجمعي أو التاريخي، ونقترب من المنهج الموضوعي، وهذا امتياز جيّد لهذا المنهج؛ لأنّ المعالجات الموضوعيّة أفضل من المعالجات التجزيئية، بحيث يمكن للفقيه القرآني أن يكوّن صورةً عن الفقه القرآني الصلاتي أو الفقه القرآني المعاملي أو الفقه القرآني السياسي وهكذا، فتلتئم أجزاء الصورة في ذهنه وتقترب النصوص من بعضها تبعاً لحكايتها عن موضوعات متقاربة.

لكنّ هذه الطريقة تواجه بعض المشاكل أو الضرورات:

أولاً: إنّ بعض الآيات لا يختصّ ببابٍ فقهي على الطريقة القائمة، كما لو تحدّث عن مطلق العبادات ولزوم الإخلاص في النية فيها، أو تحدّث عن مطلق المعاملات والعقود وضرورة الوفاء بها، فإنّ مباحث الكلّيات ينبغي وضعها في أبواب مستقلّة إما قبل الشروع في الأبواب الفقهية أو قبل الشروع في كّل بابٍ على حدة على الطريقة القانونيّة المعاصرة، وهذا ما لم نلاحظ تداوله في المصنّفات المتعلّقة بآيات الأحكام، مع أنّه ضروري جداً.

ثانياً: إنّ بعض الآيات القرآنية يتحدّث عن أكثر من موضوع رغم وحدة السياق فيه، والتصنيف في آيات الأحكام على هذه الطريقة سوف يفرض تقسيم البحث في الآية الواحدة إلى مقاطع موزّعة على الموضوعات، مع أنه قد يقال بأنّ هذا الأمر قد يخلّ بالفهم السياقي للآيات.

ولهذا يؤخذ على طريقة بعض الفقهاء في فهم النصوص القرآنية أنهم يقومون بتقطيع النصّ أحياناً، سواء في القرآن أم الحديث، وأنّ هذا التقطيع الناشيء من البحوث الموضوعية يسبّب هدراً للسياق، فكلمة (أحلّ الله البيع) جرى اقتطاعها وكثيراً ما تمسّكوا بإطلاقها لتصحيح البيوع ونحو ذلك، كما سيأتي عند الحديث عن السياق القرآني، مع أنّه لو قُرأت في سياقها لانكشف أنها ليست في مقام بيان حليّة البيع بأنواعه، بل هي في مقام بيان أصل حلّيته مقابل أصل حرمة الربا، رداً على من جعل البيع كالربا وبالعكس.

إنّ ظاهرة تقطيع الرواية الواحدة أو الآية الواحدة، ثمّ غلبة النظر إلى المقطع، يمكن أن تشكّل عائقاً أمام الفهم الإجمالي لبعض الآيات، ولابدّ من تلافي هذه القضية من خلال فرض الدراسة الإجمالية للآية قبل البحث في الدراسة التفصيلية للمقطع المراد الاستشهاد به، وهذا ما يفرض ـ للضرورة ـ بعض التكرار أو الإحالات عندما يراد دراسة مقطع آخر من الآية في باب فقهي آخر، وللضرورة أحكامها.

د ـ وفق التنظيم الموضوعي المستحدث

النوع الرابع: وهو الطريقة التي بدأت تظهر في القرن الأخير؛ ويمكن أن نطلق عليها عنوان: الفقه القرآني الموضوعي، لكن لا على طريقة الأبواب الفقهية، بل على طريقة أكثر موضوعيّةً.

وذلك بأن نأخذ ملفّاً فقهياً محدّداً، لا مجموع الملفّات الفقهيّة على شكل دورةٍ فقهيّة، ونقوم بدراسته وفقاً للنصوص القرآنية ذات الصلة به من قريب أو بعيد.

وامتياز هذا النوع من التصنيف عن النوعين الأوّلين واضح، فهو موضوعي وهما تجزيئيان، أما امتيازه عن النوع الثالث فمن جهتين:

الجهة الأولى: إنّ النوع الثالث يعتمد نظام الدورات الفقهيّة الكاملة أو شبه الكاملة، فيكون كتاب واحد عبارة عن دورة فقهية قرآنية على أبواب الفقه الإسلامي، في حين أنّ نظام الدورات الفقهية لم يعد مجدياً في التصنيف؛ لأنّ الفقه اتسع جداً بحيث صار حصره في كتب دورات موجباً لضعف العمق البحثي فيه، فالأفضل هو التخصّصات والتأليف في موضوعات محدّدة؛ لكي يكون البحث الفقهي أكثر جدّيةً وأبعد عن منهج التعليقات والشروح والتكرار.

الجهة الثانية: إنّ هذا النوع من التصنيف لا يأخذ باباً فقهياً بل يأخذ موضوعاً قد يكون باباً أو ملتقى بابين أو أخصّ وأضيق من باب، ويجمعه همّ تكوين نظرية في ملفّ معاصر، مثل الفقه القرآني الاقتصادي الذي هو ملتقى أكثر من باب فقهي، أو الفقه القرآني الأسري الذي يستوعب كتاب النكاح والطلاق وغيرهما، أو فقه الحكومة والسلطة أو فقه العلاقات الداخلية بين المسلمين، وأحياناً يأخذ عنواناً جديداً مثل فقه الإعلام، أو فقه التربية أو فقه الحقوق أو فقه الستر والنظر أو فقه الحريات، أو فقه الأقليّات..

وقد أصبح الفقه اليوم بحاجة ـ كما تحدّثنا عن هذا الموضوع في دراسة سابقة ـ إلى العناوين الأكثر تحديداً وتضييقاً وتحديثاً، بدل الاكتفاء بمجرّد معالجة الأبواب الفقهيّة.

المنهج الراجح في التصنيف في الفقه القرآني

وبناءً عليه، فنحن نرجّح طريقتين في التدوين في الفقه القرآني:

الطريقة الأولى: التدوين على الأبواب الفقهية دورةً كاملة، وهي النوع الثالث المتقدّم، لكن مع الأخذ بعين الاعتبار ترتيب معالجة الآيات على الطريقة التاريخية (النوع الثاني المتقدّم)، وذلك داخل كلّ موضوع، حيث يمكن ذلك.

الطريقة الثانية: وهي الأفضل، اعتماد التدوين على الأساس الموضوعي العنواني لا على الأساس الموضوعي الأبوابي (أبواب الفقه)، على أن يتمّ ملاحظة كلّ من ضرورة العنوان زمكانياً، والبُعد التاريخي النزولي للآيات حيث يمكن.

كما نقترح دوماً في الأبحاث الفقهيّة المتداولة أنه عندما يقوم الفقيه بمعالجة باب فقهي معيّن أن يُصار إلى تخصيص الفصل الأوّل من دراسته لهذا الباب لعنوان الفقه القرآني في هذا الباب، فمثلاً لو أراد دراسة فقه الطهارة (الوضوء) أن يخصّص فصلاً للفقه القرآني في الوضوء، بحيث يدرس المسألة من زاوية قرآنية بحتة، ثم يشرع في البحث الفقهي.

وقيمة هذه الدراسة أنّها تحدّد الإطار القرآني الذي يتحوّل إلى معيار لاحقاً في وزن الأحاديث والإجماعات والشهرات والسِّيَر والعادات وأقوال الفقهاء. وقد طبقتُ هذا المنهج في كتابي المتواضع (فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ورأيت له نتائج طيّبة والحمد لله.

البنيات التحتيّة للفقه القرآني

أو الأصول الموضوعة لفقه آيات الأحكام

المقصود من هذا العنوان مجموعة الأصول والمبادئ والفرضيّات القبلية المسبقة التي على أساسها يمكن أن نطرح أو لا نطرح مشروع الفقه القرآني، حيث نزعم أنّ هناك مبادئ تحتية أوليّة مسبقة يجب افتراض وجودها كي نتحدّث عن فقه قرآني، وأنّه من دونها لا معنى لمقولة: الفقه القرآني، أو فقه آيات الأحكام.

ومن الواضح أنّ الفقيه القرآني يجب أن يكون قد أثبت حجيّة القرآن في مرحلة مسبقة وانتساب هذا الكتاب إلى الله تعالى، حتى يصبح لنتائج اجتهاده بُعدٌ ديني، فالبحث في أصل حجيّة القرآن، هو بحث مهم جداً في هذا السياق، وهو يكوّن بُنية تحتية أوّلية جداً ـ على المستوى الديني الداخلي ـ قبل الشروع في أيّ عمل.

وعلى أيّة حال، فأهم هذه المبادئ والأصول ما يلي:

1 ـ إمكان فهم القرآن الكريم (البُعد الإمكاني للتفسير)

إذا قلنا بأنّ القرآن الكريم كتابٌ يمكن فهمه للناس، فإنّ باب الفقه القرآني سيُفتح، أما إذا قلنا بأنّ القرآن لا يُمكن أن يفهمه البشر، وأنّه لا يفهمه إلا المعصوم مثلاً أو لا يفهمه إلا المعاصرون له، ففي هذه الحال لا معنى للحديث عن فقه قرآني؛ لأنّه سيكون فقهاً مستحيلاً غير ممكن التحقّق؛ لأنّ الفقه القرآني قائم على فهم القرآن، والمفروض عدم إمكان هذا الأمر.

فكلّ من ينادي بفقهٍ قرآني يجب عليه أن يتحدّث عن إمكان الفهم بوصفه فرضيّة قبلية مسلّمة تمّت البرهنة عليها في محلّه، أو عليه أن يبحثها في قسم (أصول الفقه القرآني).

وأبرز ما يعيق إمكان فهم القرآن الكريم نظريّتان:

1 ـ 1 ـ نظرية البُنية اللغوية القرآنية

نقصد بهذه النظرية الاتجاه الذي يقول بأنّ لغة القرآن ولسانه هما لغة غير عرفيّة ولا عقلائية، وإنما هي لغة متعالية عنهما، فلم يستخدم القرآن اللغات والبيانات المتداولة والسائدة بين البشر للكشف عن مراداتهم، وإنما كانت له لغته الخاصّة التي تفرّد بها. ومهما درسنا وفهمنا لغة البشر فلا علاقة لذلك كلّه بفهم القرآن الكريم، إذ سيكون حالنا حال شخص أصبح فقيه لغةٍ عربية، وأراد بعلمه هذا أن يفهم نصّاً إنجليزياً، والحال أنه لم يسمع باللغة الإنجليزية من قبل!

وهذه النظرية لها أنصار متعدّدون مختلفو الاتجاهات فيما بينهم، وهم يتفاوتون في درجة تشدّدهم لها، فبعضهم يرى القرآن كلّه من هذا النوع، وبعضهم يرى أنّ لغة بعض نصوص القرآن كانت كذلك دون اللغة الأخرى.

وانطلاقاً من ذلك يقوم أنصار هذه النظرية ـ على اتجاهاتهم المختلفة ـ بتحديد من يمكنه فهم القرآن الكريم، فبعض العرفاء أو بعض الباطنية يحصرون ذلك بالأولياء، لكنّهم لا يمنعون صيرورة الإنسان وليّاً، فهم لا يسدّون نهائياً فهم القرآن بالنسبة إلينا، لكنّهم يجعلون تحقّق ذلك نادراً، ولأشخاص قليلين عادةً.

لكن من بين هذه الاتجاهات يوجد اتجاه يغلق على البشر إمكان فهم القرآن، وهو الاتجاه الإخباري بنزعته المتشدّدة لا المعتدلة، إذ يقول هؤلاء أنه لا يمكن لأحد فهم القرآن الكريم إطلاقاً إلا نادراً، إذ القرآن لا يفهمه إلا المعصوم فقط، وهذا يعني سدّ باب فهم القرآن الكريم للناس من غير طريق المعصوم، أي عدم قيام فقهٍ قرآني محض، بل هو في الحقيقة فقه حديثي أولاً وآخراً.

وتُعرف هذه النظرية بنظريّة عدم حجيّة ظهورات القرآن الكريم كما درسها الأصوليون، لكنّ التيارات الإخبارية المتشدّدة لم تسقط حجية الظهورات فقط، بل هي في الحقيقة لا ترى وجود نصّ أساساً إلا نادراً، ومن ثمّ فالقرآن مجمل بالنسبة إليها لا نصّ فيه، وظهوره ظنّي لا اعتبار له.

وبهذه الطريقة يمكن الحديث عن انسدادين:

أ ـ الانسداد الغالبي، وهو الذي يذهب إليه بعض الإخباريين الذين قالوا بسقوط حجية ظهورات القرآن، مع الاعتراف بوجود نصوص فيه صريحة وواضحة يمكن الاعتماد عليها.

ب ـ الانسداد التام، وهو الذي يذهب إليه بعض متشدّدي الإخباريّة، حيث يرون عدم إمكان فهم أيّ آية قرآنية إطلاقاً، وإذا كان فهو حالة نادرة.

وهناك بحوث مطوّلة ومعركة رأي كبيرة بين الأصوليين والإخباريين في هذه النظرية، وقد انتصر الأصوليّون، لكنّ الفكرة الإخبارية لم تنته بشكل كامل في المعاهد الدينية إلى يومنا هذا. وقد بحثنا هذه النظرية بالتفصيل في موضع آخر.

1 ـ 2 ـ نظرية التزامن والتماهي في إمكانات الفهم

وعنوان هذه النظرية أنّه لا يمكن فهم مراد المتكلّم دون تماهٍ معه واتحاد ولو زماني على الأقلّ، ولهذا فكلّما ابتعدنا عن عصر النصّ ونزول القرآن الكريم غابت عنّا اللغة وسياقاتها، وغاب عنّا التاريخ الذي نزل النصّ فيه، ولهذا تغيب عنّا الكثير من القرائن ويصبح من الوهم عملياً تصوّر أننا فهمنا النصّ، فالمعاجم اللغوية نفسها هي اجتهادات مختلطة بين اللغة والعلوم الدينية، ولهذا من الصعب حصول معرفة تفسيرية أساساً.

وهذا المنهج الانسدادي في المعرفة لا يختصّ ـ على خلاف المنهج الأول ـ بالقرآن الكريم، بل هو يشمل السنّة والحديث أيضاً؛ لاشتراك الجميع في أزمة اللغة وتحوّلاتها وضياع قرائنها وسياقاتها، وفي أزمة البعد عن التاريخ الحافّ بنزول أو صدور النصوص.

وهذه الفكرة التي تطرحها بعض الدراسات اللسانية والهرمنوطيقية الحديثة تجعل من المستحيل عملياً فهم مراد المتكلّم بعد الفاصل التاريخي واللغوي معه، وهي فكرة تلتقي فيها بعض الالتقاء المدرسة الأصولية الانسدادية مع التأويّلية الحديثية، فالانسداديون بقولهم باختصاص الخطاب بالمشافهين أو بالمقصودين بالإفهام أثاروا هناك سلسلة تشكيكات جعلت فهم (أو حجية) النصّ مستحيلاً عملياً، ولهذا رفضوا الظهورات والآحاد معاً تقريباً.

ولابدّ لي أن أشير هنا إلى أنّ القضية ليست قضية حجيّة ظهور فقط، بل هي قضية واقعيّة؛ لأنّ التأويلية لا يهمها موضوع الحجج، بل كلامها في إمكان المعرفة وعدمه، فلا يصحّ أن أناقشها ـ كما فعل بعضٌ ـ بأنّ العقلاء جروا على فهم النصوص القديمة والشارع سكت عن ذلك، مما يفهم منه حجيّة تفسيرهم وطريقتهم في فهم النصوص.. فالموضوع ليس سكوت الشارع، إنما هو في أنّ ما أفهمه من النصوص هل هو منتمٍ إلى الفضاء الذي تريد أن تحكي عنه النصوص نفسها أو هو من صنع مخيّلة القارئ لا أكثر، وأنّ المؤلّف قد مات وانتهى، وأنّه من العبث البحث عن مراده؟

وبناءً عليه، فلكي يقوم فقهٌ قرآني لابدّ من أصول موضوعة، ويقف في مقدّمتها إمكان فهمه، وهو ما لا يتحقّق إلا بتخطّي العقبات التي تطرحها كلّ من بعض نظريّات الإخباريين وبعض نظريّات التأويليّة الحديثة.

التأثير النسبي لنظرية تحريف القرآن على إمكان الفقه القرآني

لسنا نريد هنا أن نخوض في موضوع تحريف القرآن والنظريات والخلافات الكبيرة التي دارت وما تزال في هذا الموضوع، لكن ما اُريد أن ننتبه إليه هو أن يكون للفقيه القرآني مقولته في هذا البحث بطريقة علميّة واضحة؛ لأنّ القول بتحريف القرآن ـ ولو بالنقيصة ـ يمكن أن يترك تأثيرات ليست سهلة على الاستنتاجات الاجتهادية من نصوص آيات الأحكام، بل وغيرها.

ولكي أقترب من هذا الموضوع بإيجاز، فإنّ مجموعة الأدلّة الدالّة ـ وفق رأي المعتقدين بها ـ على تحريف القرآن الكريم، سواء كانت أدلّةً حديثية أم غيرها مما ذكره المستشرقون وغيرهم، قد تهدم بدرجة كبيرة الدلالة القرآنية، ومن ثم تعيق الرجوع إلى القرآن الكريم بنسبة كبيرة، وهذا شيء ملموس.

وقد حاول الفيض محمد محسن الكاشاني (1091هـ) أن يتلافى تأثير فكرة تحريف القرآن الكريم على القوّة الدلاليّة في النص الكتابي، فاعتبر أنّ التحريفات الثابت وجودها في القرآن الكريم لا تخلّ بالدلالة ولا المقصود فيه؛ ذلك أنها في الغالب من قبيل ذكر الأسماء، كاسم عليّ، وآل محمد، وأسماء المنافقين ونحو ذلك، وبهذا لا تنهدم الدلالة في النص القرآني، فيبقى على مرجعيّته([61]).

إلا أنّ هذا الكلام ـ رغم بذله جهداً في الحفاظ على الدلالة القرآنية ـ يعاني من مشكلة افتراضه أنّ التحريفات الواقعة هي ما دلّتنا عليه الروايات، وقد دلّت الروايات على أنّ التحريف قد طاول مثل بعض الأسماء على المستوى الشيعي، لكن:

1 ـ إنّ بعض الروايات الشيعية التي انطلق منها وذكرها الفيض الكاشاني نفسه ـ وبينها رواية صحيحة السند في كتاب الكافي للكليني (329هـ) ـ تتحدّث عن سقوط أعداد كبيرة من السور، بل ما يقرب من ثلثي القرآن([62])، فكيف يحصر الكاشاني، وهو الذي ذكر هذه الروايات، التحريفَ بذكر أسماء؟ فهل كلّ هذا الحجم كان مجرّد أسماء؟! ومن أين عرفنا ذلك؟!

2 ـ حتى لو غضّينا الطرف عن الملاحظة السابقة، إلا أنّ مشكلة التحريف تظلّ قائمة في وجه قيمة الدلالة القرآنية؛ لأننا لا نبحث فيما علمنا بكونه محرّفاً بالعلم التفصيلي، بل نبحث في العلم الإجمالي الذي قام على التحريف، أي العلم بوجود تحريف في القرآن لا نعرف مواضعه بالضبط كاملةً حتى نعيّنها، وهذا العلم لا يختصّ بالأسماء، من حيث إنّ الأدلّة والروايات التي اعتمدها القائلون بالتحريف لم تحصر، وإنما ذكرت الأسماء من باب عرضها نماذج التحريف، بل يشمل احتمال وقوع تحريفات أخرى لم تصلنا، ولو كان المقدار المحرّف هو خصوص ما دلّت عليه النصوص من أسماء لارتفع التحريف في القرآن بضميمة ما أخبرتنا به هذه النصوص؛ فالعلم بالتحريف في القرآن ولو لم يحدّد مكانه، بل حدّدت بعض مصاديقه، يهدم الدلالة القرآنية على قول المستدلّ، فلا يصحّ ما ذكره الكاشاني ردّاً عليه أو مخلصاً منه.

كما حاول المحدّث يوسف البحراني (1186هـ) تلافي هذه المعضلة التي تواجه الاستناد لنصّ القرآن مع الأخذ بنظرية التحريف، عبر القول بأنّ أدلّة التحريف إنما تثبت التحريف بالنقيصة لا الزيادة، وحيث إننا مأمورون بالرجوع إلى القرآن الكريم فنأخذ به حتى مع النقيصة، فكما أننا مأمورون بالرجوع إلى السنّة مع ما فيها من نواقص ومع ما ضاع منها وحُرّف دون مشكلة في الرجوع هذا، كذا لا مشكلة هنا أيضاً، والحصيلة عدم هدر الدلالة القرآنيّة وانهيار اعتبارها وحجيّتها حتى لو ثبت التحريف([63]).

وهذه المحاولة تسعى للتعامل مع النص القرآني المحرّف بوصفه أمراً واقعاً يتمّ التوصّل إلى معطياته وفقاً لقانون الضرورة، إلا أنّ هذا الكلام يواجه مشكلة لغوية وفق معايير النقد اللغوي في علم أصول الفقه الإسلامي، وهي أنّ القارئ عندما يواجه نصّاً ثمّ يشك ويتردّد في وجود شاهد وقرينة دلالية تعدّل من دلالة النصّ بحسب المتوفر منه، فإنّ الشك في هذا الشاهد تارةً يكون شكّاً في القرينة المنفصلة، وأخرى يكون شكّاً في القرينة المتصلة:

أ ـ أما الشك الأوّل، وهو الشك في القرينة المنفصلة، فيمكن نفيه وإلغاؤه ـ عملياً ـ بمبدأ عدم القرينة؛ فإنّ العقلاء ونظام المحاورة العقلائي يعتمدون على ظهور كلام المتكلّم متى أنهى شخص كلامه ـ أي الجملة الآنية التي يتلفظ بها الآن بحيث وصل إلى حالة السكوت وانتهى كلامه ـ دون أن يلتفتوا إلى احتمال وجود قرينة منفصلة سابقة أو لاحقة، وبهذا يكون هذا الشك في حكم الملغي.

ب ـ وأما الشك الثاني، وهو الشك في القرينة المتصلة، فعادةً ما يرفعونها إما بقاعدة عدم الغفلة فيما لو كان البحث في السامع نفسه على أساس أنه لم يغفل عن سماع تمام الخصوصيات والعناصر التي وردت في حديث المتكلّم، أو بأصالة شهادة الراوي أنه نقل تمام ما له علاقة بالمفاد النهائي للكلام، وذلك عندما ينقل لنا ما حصل، فنحن نضمّ مبدأ عدم الغفلة، لنصون الراوي عن أن يكون ضاع عليه شيء، إلى مبدء أمانة الراوي في شهادته أنه ينقل تمام ما سمع ورأى، وبهذا نضمن أنّ ما حصل على أرض الواقع قد وصلنا بشكل سليم، وفي غير ذلك يقع الإجمال، وبعضهم ذهب إلى أصالة عدم القرينة مطلقاً.

وهنا نقول: إنّ الشك في الآيات القرآنية بعد العلم بالتحريف إجمالاً، تارةً يكون للشك في قرينة منفصلة، كآيةٍ نزلت فيما بعد هذه الآية التي نحن بصددها هنا، ثم حذفت من الكتاب، وأخرى للشك في قرينة متصلة، كما لو كان الشك في سَقَطٍ حصل للآية نفسها يغيّر معناها على تقدير وجوده، أو لآية أخرى لحقت أو سبقت هذه الآية لكنها كانت متزامنةً معها من حيث النزول، ثم حذفت الآية الثانية من القرآن الكريم.

1 ـ فإذا كان الشك في قرينةٍ منفصلة، فلا ينبغي الريب في إجراء أصالة عدم القرينة، وفقاً لما يراه العقلاء في باب الظهورات والدلالات، ومن ثم يمكن التعامل مع الآية حتى لو حصل علمٌ بتحريف القرآن.

2 ـ أما لو كان الشك في قرينة متصلة، وهو شك يطال أغلب الآيات القرآنية بعد حصول علم إجمالي بتحريف بعضها، أو لا أقلّ من الشك، فهل يمكن الأخذ بهذه الآيات حينئذٍ والعمل بها؟

أما إجراء أصالة عدم الغفلة، فلا معنى له في عصرنا وبالنسبة إلينا مباشرةً، فنحن لم نسمع جبرائيل ولا النبي؛ حتى نجري في حقّنا أصالة عدم الغفلة، كما أنّ مبدأ شهادة الراوي بأنه نقل تمام ما له دخل في المراد، لا محلّ له هنا أيضاً؛ لأنّ المفروض أن الشبهة محصورة، وهي جملة الآيات القرآنية الموجودة فيما بأيدينا، كما أنّ لدينا علماً إجمالياً بسقوط شيء من القرآن، وسقوط القرائن المتصلة يمثل أحد أطراف هذا العلم الإجمالي، فنحن نعلم بحصول خرق لقانون النقل، وبأنه لم يصلنا القرآن كما هو، وبأنّ الرواة لم ينقلوا لنا آياته على الصورة الصحيحة، وفي مثل هذه الحال هل يُجري العقلاء مبدأ الشهادة ويتمسّكون به؟!

قد تقول: إنّ الأمر نفسه موجودٌ في السنّة، فنحن نعلم إجمالاً بحصول سقط في الروايات، فهل نجري هذا الكلام أيضاً، ومن ثمّ تنهار كل نظم الدلالة في السنّة الشريفة؟!

لكنّ الجواب يقوم على التمييز؛ فإنّ الروايات الصحيحة المعتبرة لسنا متأكّدين من حصول سقط فيها من الرواة ـ بغير الحالات التي علمت بنحو التفصيل ـ حتى ينعقد علم إجمالي حقيقي، بعد إخراج آلاف الروايات الأخرى غير المعتبرة، إلا بنحو الافتراض المحض، على اختلاف نظرياتنا في معايير اعتبار الروايات إلا من يقول بحجية جميع الروايات، على خلاف الحال هنا، فإنّ المفروض حصول علم يقيني بالتحريف، وأحدُ أطرافه التحريف في القرائن المتصلة، لاسيما بعد أن دلّت نصوص التحريف على وقوع التحريف بالقرائن المتصلة كحذف كلمات أو مقاطع من آيات قرآنية كريمة، ولا موجب لانحلال هذا العلم لا حقيقةً وهو واضح، ولا حكماً؛ لأنه ـ على الأقلّ ـ ليس علماً منجزاً حتى ينحلّ انحلالاً حكمياً، بل هو علم حقيقي لا نستهدف منه التنجيز، بقدر ما نريد الاستطراق منه إلى حصول شك حقيقي في وجود قرينة متصلة، فهو ليس علماً إجمالياً تجري عليه قواعد التنجيز في البحث الأصولي؛ لفرض شموله هنا لغير الآيات الفقهية الأحكامية، بحيث يؤثر على فهم النصوص بصرف النظر عن كون محتواها مما يملك جانب عملياً قابلاً للتنجيز أم لا، ومعنى ذلك أنه لا يوجد مرجع عقلائي دلالي يُرجع إليه هنا لرفع احتمال القرائن المتصلة، فتسقط الدلالات القرآنية عن إمكان التمسّك بما فيها من دلالة وظهور، إلا في حالة إحراز استبعاد آية ما عن أن تكون طرفاً من أطراف العلم الإجمالي المذكور، وبهذا يكون التحريف مفضياً إلى سقوط حجيّة الدلالة القرآنية.

هذا، وقد ذكر السيد الخوئي أنّه حتى لو ثبت التحريف ـ وهو غير ثابت ـ لا يمنع عن الأخذ بظهورات القرآن الكريم؛ لأنّ أخبار العرض والترجيح أمرتنا بعرض الحديث على الكتاب، وهذا كافٍ في منح ظهورات القرآن الحجيّة ولو مع احتمال التحريف([64]).

ولكنّ هذه المقاربة للموضوع يمكن التعليق عليها، بأنّ أخبار العرض والترجيح أمرت بالعرض على الكتاب، ويكفي فيه وجود دلالات في الجملة في الكتاب الكريم، أي مبدأ وجود دلالة، وهذا غير أن نقول بأنّ كلّ ظهورات القرآن حجّة فتأمّل جيداً. وبعبارة أخرى: إن الأخبار تأمر بالعرض على الكتاب، فتنتفي لغويّتُها بوجود مقدار من الدلالة في الكتاب، وهو ما لا يقتضي حجية تمام ظهورات آيات الكتاب كافّة.

وهذا كلّه يعني أنّ نظرية التحريف ستربك أيّ اجتهاد يمكن أن يولَد للفقه القرآني، وليس هناك سوى أحد مخرجين:

المخرج الأوّل: أن نلتزم ببطلان نظرية التحريف تماماً، ونعتبر أن أدلّة تحريف القرآن بالزيادة والنقيصة مردودة تماماً بأجوبة مفصّلة في محلّها، فلا أساس لهذه المشكلة. وهذا جواب مبنائي، أي يجيب عن الافتراض الأساس الذي قام عليه هذا المنطلق.

المخرج الثاني: أن يُلتزم بالتحريف، ويُصار إلى الأخذ بالقدر المتيقّن من دلالات القرآن حيث تتوفّر، وهذا ما سوف يقلّص ـ بدرجة كبيرة ـ إمكانية الحصول على نتائج فقهيّة واسعة من الكتاب العزيز.

وممّا تقدّم يظهر أنّنا لم ندرج عدم القول بالتحريف في أصول ومصادرات الفقه القرآني، وإنّما ألحقناه بها إلحاقاً ؛ لأنّه يمكنه أن يقوم حتى مع مبدأ التحريف، لكنّ قيامته ستكون عرجاء واهنة. وغرضنا هنا معرفة أنّ الموقف من نظريّة التحريف بالغ الأهميّة في موضوع الفقه القرآني من جهة، ومسألة السياقات والقرائن المتصلة والمنفصلة من جهة ثانية كما سيأتي، وأنّ بعض الذين يطرحون قضيّة التحريف في الداخل الديني بنطاق غير ضيّق أو محدود، ربما لا يلتفتون إلى النتائج التي تتركها هذه القضيّة على الاجتهاد الديني عموماً، حتى لو لم تغلق باب المعرفة الدينية النصيّة إغلاقاً تامّاً.

2 ـ شرعيّة فهم القرآن الكريم

إذا فرضنا أنّنا تجاوزنا إمكان فهم القرآن الكريم، وبات من الممكن لنا فهمه، فهل يجوز لنا شرعاً الإقدام على تفسيره واستنطاقه وفهمه والتدبّر في نصوصه بطريقة التفسير التجزيئي أو الموضوعي أو بأيّ طريقةٍ أخرى أو لا؟

السؤال هنا ليس واقعيّاً وإمكانياً، بل هو سؤال الشرعيّة والرخصة في الإقدام على التفسير، فإذا لم يكن تفسير القرآن شرعياً فقد انسدّ باب الاجتهاد القرآني تماماً، وصار محرّماً شرعاً، فكلّ اجتهاد قرآني لابد له من أصل موضوعي يشرعنه، وإلا كان مرفوضاً من الناحية الدينيّة.

لكن لماذا نسأل عن شرعية التفسير؟ ألا يبدو السؤال غريباً؟

والجواب: إنّ من المنطقي أن لا يُطرح هذا السؤال؛ لأنّ القرآن نزل للناس وقدّم نفسه بلغة العرب هدىً وبياناً ونوراً وتبياناً وعربياً ومبيناً، بل أمر الناس بالتدبّر فيه وفهمه، ولم تذكر أيّ آية قرآنية نهياً عن تفسيره وفهمه.. لكنّ القضية أنّ بعض الإخباريين منعوا تفسير القرآن الكريم، واعتبروا ذلك منهيّاً عنه شرعاً، وأنّ تفسيرنا للقرآن الكريم هو نفسه اتّباع المتشابه منه، وهو نفسه التفسير بالرأي الذي نهت عنه النصوص الحديثية، وهو نفسه ضرب القرآن ببعضه، وهو ما ورد النهي عنه في الأحاديث المنقولة عن أهل البيت النبوي.

وقد تعرّض الأصوليّون لهذه الأدلّة كلّها، كما بحثناها نحن بالتفصيل في موضعٍ آخر، وأثبتوا عدم نهوضها للمنع عن فهم القرآن الكريم وتفسيره، وإنما غاية ما تفيد النهي عن التفسير الذاتي الذوقي غير القائم على أسس موضوعيّة للكتاب، أو كون الغرض من التفسير غرضاً منبوذاً كالفتنة، أو الأخذ بالقرآن مع عدم الأخذ بالسنّة مطلقاً أو نحو ذلك من المعاني، فضلاً عن مناقشات أخرى أيضاً في أسانيد هذه الروايات وعددها ومقدار حجيّتها، إضافة إلى طوائف حديثية أخرى تدلّ على عكس ما تدلّ عليه هذه الروايات وتفيد شرعيّة تفسير القرآن الكريم.

إذن، فلكي نشقّ طريق الفقه القرآني لابدّ من شرعنة التفسير، وهذه من أصول الفقه القرآني التي لابدّ للفقيه القرآني أن يؤمّنها مسبقاً قبل خوض التجربة التفسيرية القرآنية.

3 ـ تشريعية النصّ القرآني (أو قانونية القرآن الكريم)

تأتي هذه الفكرة في بداياتها ـ على ما يبدو ـ من خلال ما طرحه بعض المستشرقين مثل أجناس جولدتسيهر (1921م) حول القرآن، بل حول غير كتابٍ سماوي، وقد نفذت إلى بعض الأوساط الإسلامية، وتبنّتها بعض التوجّهات الحداثيّة والنقدية في العالم الإسلامي. ويمكننا فرض مستويات لهذا الطرح:

المستوى الأوّل: تقول هذه الفكرة بأنّ القرآن الكريم لا يحوي نظاماً قانونياً ولا يستوعب دستوراً للحياة على خلاف ما يقوله الإسلاميّون، وإنما يغلب عليه طابع التوجيه الإرشادي والتربوي؛ ولهذا تختلط اللغة القانونية والأخلاقية والعقائدية فيه.

فهناك فرقٌ بين ما يكتبه رجال القانون ويصوّب عليه البرلمان بعد تقديمه من قبل اللجان النيابية، ثم يصادق عليه المجلس الدستوري أو غيره بحسب هذا البلد أو ذاك.. وبين التوجيهات التي يطلقها مرشدٌ اجتماعي أو تربوي أو عالم أخلاق أو مرشد صحّي من على شاشات التلفزة يوجّه الناس فيها لفعل شيء أو ترك آخر، في لغةٍ تربوية تحذيرية أو ترغيبية، فمثل هذا الشخص لا يقال بأنّه يقدّم نظاماً قانونياً لحياة الناس، بل هو موجّه ومرشد ومخبر عن محاسن هذا الفعل ومساوئ ذاك الفعل لا غير.

المستوى الثاني: وحتى لو سلّمنا بوجود بعض الآيات القانونية بالمعنى الدقيق للكلمة، إلا أنّ عددها بسيط، لا يصحّ معه افتراض القرآن الكريم مرجعيّة قانونية أو الحديث عن فقه قرآني أو قانون قرآني أو نظام حقوقي قرآني أو غير ذلك من التعابير. نعم هناك إرشادات وتوجيهات وقيم أخلاقية وتربوية وروحية، مع عدد قليل جداً من الأحكام المبعثرة، لكنّ هذا ليس نظاماً قانونياً، وإنما الذي حوّله إلى نظام قانوني هم الفقهاء أنفسهم بصياغتهم الفقه صياغةً قانونية وتكميل الفراغات الكثيرة فيه بالأدلة العقلية والعقلائية والإجماعات والشهرات والاحتياطات وغير ذلك، لا أنّ هذا النظام الذي نجده في كتب الفقه والفتاوى والرسائل العملية موجودٌ في القرآن الكريم.

إنّ معنى أن يكون الكتاب كتاب قانونٍ يضع للبشر حقوقاً وواجبات لتنظيم حياتهم، هو أن يكون مستوعباً للوقائع ـ ولو أغلبها ـ من جهة وأن يكون واضحاً في دلالاته من جهة ثانية، وأن يصاغ على نسقٍ قانوني منسجم، ومن دون ذلك فهذا ليس كتاب قانون.

وهذه الإشكالية سرّاها كثيرون إلى السنّة الشريفة أيضاً؛ نظراً لبعثرة نصوصها التي قام العلماء بجمعها وتنظيمها، ولهذا يقول هؤلاء بأنّ الإسلام ليس فيه نظم قانونية، وهذا على العكس تماماً من مشروع فقه النظريّة أو فقه النظم الذي تحمّس له فقهاء الحركة الإسلامية والنهضة الدينية خلال القرن العشرين من السنّة والشيعة على السواء. وهذا الموضوع هو في الحقيقة موضوع إشكاليّ كبير اليوم بين الإسلاميّين والعلمانيين.

ولتقريب الفكرة بعض الشيء أيضاً إلى أذهان المتشرّعة الإسلاميّين، نأخذ المسيحية والإنجيل مثالاً، فلو نظرنا في موقف علماء المسلمين تجاه المسيحية القائمة اليوم، لوجدنا صورةً نمطية تحكي عن أنّه ليس في المسيحية نظامٌ فقهي أو شريعة، على خلاف الحال في اليهودية التي يغلب عليها الطابع القانوني الصارم والمتشدّد. إنّ سبب هذه الصورة في أذهان متشرّعة المسلمين هو عدم وجود منظومة تشريعية مسيحيّة، مع أنّك لو ذهبت إلى العهد الجديد من الكتاب المقدّس واستخدمت معه نفس طرق الاجتهاد التي يستخدمها الفقهاء المسلمون مع القرآن، لوجدت العشرات، بل المئات من النصوص التي يمكن استخراج أحكام فقهيّة منها، بحيث لو لم نقل بأنه بحجم نصوص القرآن الفقهيّة فهو أقلّ بقليل منها.

وسبب تصوّرنا هذا أنّه لم يُنقل إلينا مشروع فقهي إنجيلي على الطريقة الاجتهادية الإسلاميّة، أو اليهوديّة، فتعاملنا مع نصّ العهد الجديد بطريقة عفوية، ولاحظنا ـ محقّين ـ أنه كتابٌ وعظي إرشادي لا أكثر.

المستوى الثالث: ولوأعدنا النظر مرّةً ثالثة في الموضوع، فسوف نجد أنّ القرآن الكريم تحدّث عن بعض الأمور العامة، والأمور القانونية العامة تمثل مبادئ تشريعيّة وليست قوانين، فمبادئ القانون شيء، والقانون نفسه شيء آخر، فالإسلام والقرآن أمرا بالعدل والإحسان، والصدقة والتكافل الاجتماعي، والدفاع والمقاومة، والدعوة إلى الخير، والزواج، والعبادة، واحترام الوالدين، وصلة الرحم، والعدل في المكيال والميزان، والتواضع، والعدل في القول، والصدق، والوفاء بالعهد والعقد، والشكر و.. ونهيا عن الفحشاء والمنكر والبغي والظلم وأكل مال الضعيف كاليتيم، والتبذير والإسراف، والبخل والتقتير، والقتل بغير حقّ، والعدوان، والسرقة وغير ذلك.

وهذه قيم ومبادئ وأصول تشريعيّة، لكنّها ليست قوانين لتنظيم حياة البشر في الإجارة والتجارة والمعاملات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية و.. فأين هو النظام الاقتصادي في القرآن؟ ليس فيه إلا تداول المال والزكاة والخمس والصدقة، هذا ليس نظاماً، هذه قيم تهدف لحلّ مشاكل الإنسانية. وأين هو النظام القضائي بقوانينه وتعقيداته؟ وأين النظام التربوي؟

وبعبارة أخرى: هناك فرقٌ بين الدستور والقانون، فالدستور عبارة عن الكلّيات العامة التي في ضوئها يتم سنّ القوانين الجزئية، لا أنّ فيه قوانين جزئية، ولهذا لاحظوا كيف أنه لا يوجد فقه عبادي في القرآن، فأنت لا تجد في القرآن إلا واحداً في المائة من فقه العبادات الذي تجده في منظومة الفقهاء القانونية! هذا أمر مثير يحكي عن أنه لا فقه في القرآن وإنما أصول أخلاقية وكلّيات ومبادئ تشريعيّة لا أكثر ولا أقلّ، وهذا بالضبط ما نجده في الإنجيل أيضاً لو تأمّلنا فيه.

ولعلّ ما يدعم وجهة النظر هذه أمور:

أ ـ قلّة عدد آيات الأحكام التي لا تزيد ـ كما هو المتعارف ـ على الخمسمائة نصّ. وهو عدد قليل جداً لصياغة نظام قانوني، فضلاً عن أنّ هذه النصوص بعضها مكرّر حول موضوع واحد، كما في التيمّم، فلو قارنّا العقائد والقصص بذلك لعرفنا أنّ القرآن ليس كتاب فقه، وإنما هو كتاب أخلاق وعقائد وتوحيد وقصص.

ب ـ الجدل الكبير بين العلماء في استخراج الكثير من الأحكام من هذه الآيات، فكم من أحكام استخرجت منها لكن ظلّ الموضوع جدلياً غير محسوم في دلالة هذه الآيات على هذه الأحكام؟

ج ـ إقرار علماء المسلمين ـ في أغلبيّتهم الساحقة ـ أن ليس في القرآن إلا بعض الأحكام العامة الإجمالية، وأنّ الباقي من الحديث، ومع عدم أخذنا بالشقّ الثاني من كلامهم، إلا أنّ الشق الأوّل فيه إقرار واضح بعجز النص القرآني عن تقديم منظومة قانونيّة.

د ـ نزول بعض الآيات في المدينة رغم أن موضوعها كان مبتلى به في مكّة، كالوضوء والتيمم وصلاة الجمعة.

وخلاصة القول: لا معنى لفقهٍ قرآني، وإنما في القرآن قيم وأخلاقيات وتوجيهات وإرشادات، وعلى أبعد تقدير مبادئ ومؤشرات تشريعيّة لا قوانين وأحكاماً، وإلا فلو قارن شخص النص القرآني مع كتب القانون الضخمة اليوم لما تردّد في اعتباره (مدخلاً) إلى القانون، لا قانوناً ونظاماً. فلا ينبغي البحث في تشكيل فقه قرآني؛ لأنه بحث قائم على فرضية مسبقة غير صحيحة، وهذا ما يوصلنا إلى استحالة التأصيل لفقه قرآني بالمعنى المعاصر لكلمة قانون. ومن ثم فلا معنى للتدقيق في آيات القرآن لاستنباط أحكام تفصيلة منها أو إجراء مقاربات ومقارنات بينها، أو حديث عن مستحب وواجب وخاص وعام ومطلق ومقيد وغير ذلك، كما نتعامل مع النصوص القانونيّة.

وهذا بعينه ما ينطبق على قرأنة العلوم الإنسانية، من حيث كونه وهماً لا محصّل من ورائه([65]).

وقفة مع القانونية القرآنية (الإشكالية العلمانية)

لا ينبغي الاستهانة بهذه الإشكالية العميقة والجادّة التي ـ وبعناوين متعدّدة ـ شغلت بال الفقهاء المسلمين النهضويين، وتناولوها عند حديثهم عن نظم الإسلام الحياتية، أو تحت شعار: الإسلام هو الحلّ، أو ضمن ما عرف بقضيّة الثابت والمتغيّر في الفقه الإسلامي أو منطقة الفراغ أو.. وكانت هناك مواقف وفهوم متعدّدة للموضوع.

وقد تعرّضنا في بحث مفصّل لإشكالية الثابت وللتغير ومنطقة الفراغ وغير ذلك مما يتصل في بعض أبعاده بهذه القضية، ولن نعيد أو نكرّر، لكننا سنكتفي هنا ببعض المداخلات والوقفات الضرورية، والتي تصوّب بمجموعها رؤيتنا لهذا الموضوع الإشكالي وأبرزها:

أ ـ معيار قانونية القضيّة القانونيّة

الوقفة الأولى: وهي تتعلّق بالصيغة الأولى والمستوى الأوّل لإشكالية عدم تشريعيّة القرآن، إذ تُسقط هذه القراءة لتشريعيّة القرآن الكريم نمط القانون المعاصر على حقيقة القانون وهويّته، وتركّز كثيراً على اللغة القانونية وعلى نظام البيان والتنظيم لبنود القانون، وكأنّ هذه القراءة تعتبر قانونيّة كتاب بالعناصر التالية:

أ ـ تمحّضه في معالجة القضايا القانونية والشرعيّة.

ب ـ تنظيمه على أبواب القضايا القانونية والشرعية وفصولها، كالقوانين المدنية والجزائية والجنائية وغير ذلك.

ج ـ استخدامه لغة البيان القانوني الصارمة ذات الزوايا المحدّدة.

فإذا لم يحتوِ كتابٌ ما على هذه الخصائص فهو كتاب توجيهٍ أخلاقي.

وهذا النمط من التفكير يحكم على الفقهاء الشرعيين أيضاً، كما ألمحنا سابقاً، فكتاب الفقه لابد أن يكون مشتملاً على هذه الخصوصيات، وإلا صار كتاب أخلاق أو توجيه أو تربية، بل إنّ هذه الفكرة دفعت بعض الفقهاء للتمييز بين لغة الحكم الشرعي في الأحاديث واللغة الأخلاقية، ولم يستنبطوا حكماً شرعياً مما كان لسانه لساناً أخلاقياً بحسب تعبيرهم.

والسؤال هنا: من وضع هذه الشروط بوصفها مقوّمةً لحقيقة القانون؟ وهل هي شروط واقعيّة أو هي اعتبارات وطرائق تصنيف للقانون بفعل تطوّر الدرس القانوني أو هي شروط للقانون الأفضل لا لأصل كونه قانوناً؟

ما يبدو لي أنّها مجرّد اعتبارات تصنيفية وتدوينية ولا تجوهر القضية القانونيّة، وإنما جوهر قانونية قضيةٍ ما هو كونها «قضية تحدّد الحقوق والواجبات أو أحدهما بطريقة تدعو لفعل أو ترك أو تسمح بفعل أو ترك». هذا هو جوهر القضيّة القانونية، لا كيفية وضع البنود أو طرائق التدوين أو كون الكتاب مشتملاً على قانونٍ وغيره أو ما شابه ذلك، فهذه شروط القانون الأفضل على أبعد تقدير.

ونحن إذا رجعنا لنصوص الأحكام القرآنية نجد التعريف المتقدّم لقانونية قضيةٍ ما تعريفاً منطبقاً عليها، فآيات الإرث أو الطلاق أو الدين أو الأطعمة والأشربة أو الحرب والسلم أو المعاملات المالية والربا أو الوضوء والتيمّم والغسل أو غير ذلك تتضمّن وبوضوح مجموعةً من القضايا الحقوقية والإلزامية الداعية لفعل أو ترك أو المرخصة في فعلٍ أو ترك، وكونها تنتهي أو تتضّمن أو يسبقها أو يلحقها موضوع قصصي أو عقائدي أو ترغيبي أو ترهيبي لا يضرّ بهويّتها القانونية، بل غاية ما يُثبت أنّ المقنّن القرآني يستخدم أسلوبه الخاص في بيان القانون مازجاً بين بيان الحكم القانوني وبين عناصر التأثير في المتلقّي والتي تدفعه ـ ترغيباً أو ترهيباً ـ للالتزام بالقانون الشرعي، بل إنّ الإرفاق بعناصر الترهيب يقوّي من إلزاميّة وقانونية الحكم الصادر.

وما يؤكّد البُعد القانوني في بعض نصوص القرآن الكريم أنّها اُرفقت بعقوبات، كعقوبة الزنا والسرقة والقذف والمحاربة، إضافة إلى تشريع القصاص في النفس والأطراف، فضلاً عن العقوبات الأخرويّة، فإنّ وضع عقوبات يجعل التوجيهات ذات منحى قانوني إلزامي أكثر من كونه مجرّد توجيهٍ أخلاقي.

ب ـ النصّ الديني، من بيان القانون نحو التحفيز لتطبيقه

الوقفة الثانية: إنّ ما طرحوه هنا يتجاهل طبيعة أنّ النص القرآني هو نصّ ديني لديه أغراضه الأخرى غير القانونية، ومن ثم فهو ملزم بأن لا يتمحّض بالقانون؛ لأنّ التمحّض بالقانون قد ينقض بعض الأغراض التي يريدها النص الديني، ولهذا لم يكن القرآن ـ ولا عموم الكتب السماويّة ـ كتاباً مصنّفاً على طرائق العلوم الأخرى بما فيها الأخلاق؛ لأنه لا يخاطب النخب فقط، بل يأخذ بعين الاعتبار مخاطبة الشرائح المختلفة في المجتمع.

كما أنّ النصوص الدينية عادةً ما لا يهمها فقط أن تلعب دوراً معرفياً في شكل قضايا خبريّة كما هي الحال في العلوم الأخرى؛ بل إنّ طريقتها هي المزج بين تقديم المعلومات وجعل ذلك بطريقة تكون بنفسها محفّزاً للعمل، على خلاف الكتب العلمية الأخرى التي قد يكون غرضها تقديم المعلومة أو الدعوة إليها، فإنّ تقديم المعلومة أو الدعوة إليها شيء مختلف عن استخدام أسلوب في تقديم المعلومة يخلق في النفس انبعاثاً نحو العمل بها، ولهذا قلنا في بعض محاضراتنا التفسيرية بأنّ القرآن هو كتاب معرفة وهداية وتربية، فهو بنفسه يقوم بالتربية لا أنّه يدعو إليها فقط. ولهذا تعدّ قراءة القرآن في الثقافة الدينية تسامياً روحياً لا أنها معرفة ذهنية حصوليّة تدعو للتسامي الروحي، تماماً كالصلاة فهي بنفسها فعلُ تسامٍ روحي لا أنّها حركات جسدية فقط.

ومن قضيّة تجاهل أنّ القرآن كتابٌ ديني عام، يمكن أن نعرف لماذا لم تكن صياغته قانونيّةً تفصيلية على طريقة كتب القانون المعاصرة؛ لأنّ هذا معناه أنه سيصبح في عشرات المجلدات، وسيكون مرجعاً لعدد محدود من الناس، وهذه كلّها معيقات وصول رسالته لأكبر قدر من البشر، بل قد يزيد ذلك ـ كما يقول بعض الباحثين ـ من احتمال حصول تحريف أو تصحيف أو أخطاء في تناقله، تماماً كما حصل مع السنّة الشريفة([66]).

هذا، وهناك بحوث قرآنية مطوّلة حول سبب تبعثر الآيات القرآنية وعدم كونها في كلّ المجالات ـ وليس فقط الفقه ـ منظّمةً، وطريقته الخاصة في البيان وعدم تناسق الآيات والقفز من موضوع لآخر وغير ذلك، تراجع في الدراسات القرآنية العامة؛ لأنها ليست خاصة بالجانب التشريعي، بل تشمل القرآن كلّه بمختلف موضوعاته، وقد تابعها بعض الباحثين هنا فيمكن مراجعتها([67])، كي لا نطيل.

وبهذا يتبين قانونية الإلزامات القرآنيّة بصرف النظر عن حجمها وكونها نظاماً متكاملاً أو لا.

ج ـ ضرورات التمييز بين قانونيّة القرآن وجامعيّته التشريعيّة

الوقفة الثالثة: إنّ الحديث عن وجود نظام قانوني متكامل في القرآن الكريم يقوم على تحليل قضية «ما من واقعة إلا ولها حكم»، وأنّ الشريعة الإسلامية هي نظام متكامل ينظّم حياة الإنسان في كلّ تفاصيلها، وهذه المصادرة الكلامية والأصولية التي طرحها العلماء المسلمون قد خضعت مؤخّراً لجدل كبير جداً عندما تمّ تداول إشكاليّة الثابت والمتغير في الفقه الإسلامي، وقد درسنا بالتفصيل هذه القضية في دراستنا حول الثابت والمتغير تارةً، وأشرنا إليها في بحثنا حول فلسفة الفقه أخرى، ولا مجال لإعادة تلك الأبحاث هنا.

لكن، لنفرض أنّ القرآن الكريم ـ وكما يقول أكثر إن لم يكن كلّ الفقهاء ـ ليس مشتملاً على نظام قانوني متكامل، لكنّ هذا لا يعني عدم كونه كتاباً قانونياً، فإننا نبحث هنا في تشريعيّة الآيات القرآنية لا في جامعيّتها القانونية، ويكفي اشتمال نصوص القرآن الكريم على ألف حكم شرعي ليكون كتاباً دينياً مرجعاً في القانون الشرعي عند من يؤمن بهذا الكتاب، فعدم جامعيّة القرآن قانونياً غير عدم قانونيّته، وما نريده هنا هو الثاني، فإنّ الفقه القرآني يقوم على مبدأ تشريعيّة الآيات لا مبدأ جامعيّتها القانونيّة.

يضاف إلى ذلك أنّ الحكم بكون آيات القرآن الكريم تشتمل على عدد قليل من الأحكام هو حكم استقرائي، بمعنى أنه لا يمكن البتّ به إلا بعد تتبّع نصوص القرآن الأحكاميّة واستنطاقها، مادام مبدأ تشريعيّتها محفوظاً، فإذا عجزنا عن الخروج بعدد جيّد من القوانين صحّ في هذه الحال القول بأنّ القرآن الكريم ليس فيه سوى مجموعة قليلة من القوانين العامّة، أما إذا تمكّن المفسّر والفقيه من الخروج بكمٍّ كبير من الأحكام فإنّ الصورة سوف تتغيّر.

وهذا معناه أنّ الدخول إلى النصّ القرآني بمصادرة قبليّة غير مبرهنة هي وجود نظام قانوني متكامل فيه يغطّي كلّ صغيرة وكبيرة، أو الدخول إليه بمصادرة قبليّة أخرى غير مبرهنة وهي خلوّه من القانون، كلتا الحالتين خطأ فادح، فإما أن تثبت إحدى المصادرتين من برهان مسبق([68])، ليتحكّم هذا البرهان في طريقة إثارتك للأسئلة التي توجّهها للنص القرآني أو أن تترك الأمر للتجربة الميدانية الاستقرائية القائمة على الفهم اللغوي والعقلائي للنصّ لترى ما الذي يوفّره هذا النص من معطيات قانونيّة.

د ـ القانون بين القرآن والإنجيل، تمايز أو تماهٍ

الوقفة الرابعة: إنّ الإشكال على المسلمين بالإنجيل غير صحيح؛ لأنّ نفس الكلام يمكننا قوله عن الإنجيل نفسه، ولعلّ الصورة التي ارتسمت في أذهان المسلمين وغيرهم عن الإنجيل من أنه كتاب غير قانوني خاطئة، فإذا طبّقنا معايير الاجتهاد الإسلامي على النصّ الإنجيلي وخرجنا بأحكام كثيرة جداً وبرهنّا على صحّة منهجنا في الفهم، فلماذا لا يكون تصوّرنا عن الإنجيل خاطئاً وساذجاً أيضاً؟!

هـ ـ مساحة التشريع بين عدد النصوص ونوعيّتها

الوقفة الخامسة: إنّ عدد آيات الأحكام وإن كان له دور في معرفة حجم القوانين التي يقدّمها لنا القرآن الكريم، إلا أنّ العبرة في النص الديني هنا ليس عدد النصوص فقط، بل نوعيّة النص، فلو قال النصّ: إنّ العقود كلّها صحيحة وملزمة عندي إلا كذا وكذا، فإنّ هذا النص وإن كان واحداً لكنه قادر على إنتاج مئات من البنود القانونية في المعاملات المختلفة التجارية وغيرها، فليس المهم عدد النصوص بل المهم أيضاً نوعية النص وطبيعة القانون الذي يعطيه.

وإذا تأملنا النصوص الأحكامية القرآنية نجد جملةً ممتازة منها تمثل نصوصاً دينية عامة، يمكن إعادة صياغتها ضمن عشرات البنود القانونية، فبدل أن يقول النص مسهباً في الكلام: البيع والإجارة والنكاح و… عقود صحيحة، اختصر ذلك كلّه في كلمتين عندما قال: ﴿..أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ..﴾ (المائدة: 1)، فقلّة النصوص لا تعني قلّة القوانين بالضرورة.

و ـ الدستوريّة القرآنية ودورها في القانون الديني

الوقفة السادسة: لنسلّم بأنّ في القرآن الكريم مجموعةً من الكليات والمبادئ والأصول والمرجعيّات القانونية العليا، ألا يكفي هذا في اعتباره مرجعاً في الفقه؟! ألا يعني ذلك إمكان صياغة دستور منه، لتُستنبط تفاصيل القوانين من السنّة الشريفة أو من العقل الإنساني في ضوء الدستور القرآني؟!

إنّ هذه غاية قصوى تميّز القوانين الشرعية الدينية عن القوانين الوضعية؛ حيث إنّ القوانين الوضعية لا توجد مبادئ دستورية تحكمها إلا وهي من وضع الإنسان، بينما القوانين الدينية ولو كانت بفعل العقل البشري تظلّ ميزتها أنها محكومة للدستور والمبادئ والمؤشرات والأطر والمعايير العليا التشريعية التي جاءت في القرآن الكريم. وهذا كافٍ في اعتبار تشريعٍ ما دينياً وتمييزه عن القوانين الوضعية الصرفة، وبذلك نخرج بفائدة من وراء (الفقه الدستوري القرآني). وهذا ما تحدّثنا عنه بالتفصيل في بحوثنا حول شموليّة التشريع الديني، وأنّه ليس من الضروري أن تكون بمعنى وجود تمام التفاصيل في النصّ الديني.

ز ـ نوع الجديد في القانون القرآني

الوقفة السابعة: إنّ الحديث عن وجود فقه قرآني لا يعني أنّ كلّ حكمٍ في القرآن الكريم هو جديد ولا سابق له، فهذا ما لم يدّعه أحدٌ من العلماء حتى الذين قالوا بالإعجاز التشريعي للقرآن الكريم، بل إنّ مصطلح الأحكام الإمضائية مقابل الأحكام التأسيسية رائجٌ في الثقافة الفقهيّة عند المسلمين. كلّ ما يُدّعى هو وجود مجموعة من الأحكام تمثّل بمجموعها حالةً مختلفة، بل لعلّ هذا هو مدّعى حتى القائلين بالإعجاز التشريعي بناءً على نظرية الإعجاز التشريعي للقرآن الكريم.

وحصيلة الكلام: إنّ القرآن الكريم كتاب تشريعي قانوني، أمّا مساحة تغطيته القانونيّة وكيفيتها، والمجالات التي يعالجها، وطبيعة أحكامه من حيث العموميّة والخصوصيّة، والدستورية والقانونيّة، والزمنيّة والتأبيديّة وغير ذلك، فهذا ما لابدّ فيه من الرجوع إلى التجربة الاجتهاديّة العمليّة التي قد تختلف من باحث إلى آخر ومن فقيه إلى آخر.

كانت هذه أبرز مصادرات الفقه القرآني وبنياته التحتيّة التي لا يمكنه الانطلاق من دونها أبداً أو غالباً، وهناك مصادرات أخرى نتركها طلباً للاختصار، فليس بحثنا هنا سوى مدخل للإضاءة على مفاتيح هذا الموضوع وخارطته كما قلنا من قبل.

 الاجتهاد في الفقه القرآني

المصادر والآليّات

تمهيد

بعد أن تحدّثنا عن «مفهوم الفقه القرآني» و«موضوع الفقه القرآني ومادّته»، وأبرز «أصول الفقه القرآني ومصادراته»، وصل بنا المطاف للحديث عن المصادر والمرجعيّات التي نؤول إليها في ممارسة الاجتهاد في الفقه القرآني، وآليات هذا الرجوع وطرائق هذه الممارسة، وهو موضوع مهم جداً، بل بالغ الأهمية؛ لأنه يحدّد لنا طريقة الفهم ومستنداته وأسلوب تعاملنا مع آيات الأحكام في القرآن المجيد.

وسوف نقوم بتقسيم البحث ـ إن شاء الله ـ وفقاً للمرجعيّات التي يعتمدها الفقيه القرآني عند الاجتهاد في آيات الأحكام، ونتحدّث ـ باختصار شديد ـ عند كلّ مرجعيّة أو مصدر منها عن آلية التعامل معه، وكيفية فهم النصّ القرآني في ضوئه، كالحديث عن مرجعيّة اللغة، والتاريخ، وأسباب النزول، والسياق القرآني، وعلاقة الآيات ببعضها كما في الناسخ والمنسوخ، ومرجعية السنّة والحديث وعلاقتهما بالقرآن الكريم، ومرجعيّة الإجماع والسِّيَر والشهرات، ومرجعية العقل، وغير ذلك.

1 ـ الفقه القرآني ومرجعيّة اللغة

تحتلّ اللغة أهميّةً فائقة في فهم القرآن الكريم؛ إذ هذا الكتاب نزل متكوّناً من حروف وكلمات وتراكيب تنتسب إلى اللغة العربيّة، ومن الطبيعي أنه ـ مادام قد نزل بهذه اللغة ـ أن تكون هذه اللغة مرجعاً ومُعيناً لنا في فهم مراداته، سواء في آيات الأحكام أم في غيرها.

وكان من المفترض أن يكون هذا الأمر بديهيّاً، على أساس أنّ القرآن استخدم لغة العقلاء في البيان، فيُعرف مراده من لغتهم وطريقتهم في الفهم، إلا أنّ بعض الجدالات وقعت في التراث الإسلامي والمعاصر من الفكر الديني، جعلت مرجعية اللغة قضيّة غير واضحة أو فرضت آليّة معينة للتعامل مع اللغة في فهم القرآن الكريم، وسوف نشرح موضوع اللغة وطريقة التعامل معها باختصارٍ شديد ضمن نقاط، لتكون مدخلاً لتوضيح آليات العمل وضوابطه.

1 ـ 1 ـ مرجعيّة اللغة بين البُعد المعجمي والذوق اللغوي

لا تعني اللغة ـ عندما نتحدّث عنها ـ خصوص المعاجم والقواميس، فهذه ليست سوى مساعِدات في فهم النصّ القرآني، من خلال شرحها لبعض استعمالات العرب للكلمة، بل هي في بعض الأحيان مضلّلات؛ وذلك:

أ ـ لأنّ اللغويين المعجميّين قد يقعون في الخطأ أحياناً؛ فإنّ بعض جهودهم تعتمد على الاجتهاد والتحليل، وليست كلّها سماعيةً، فعندما يقول ابن فارس مثلاً بأنّ هذه الكلمة لها أصلٌ واحد، فهذا استنتاجٌ منه وليس سماعاً بالضرورة.

ب ـ كما أنّ المعجميّين يعتمدون على الاستعمالات، ولا يبيّنون مصدر معلوماتهم، فكيف عرفوا هذا المعنى أو ذاك؟ وهنا قد نحرز في كثير من الحالات مصدر معلوماتهم ـ وأغلبهم جاء بعد القرن الثالث الهجري، بل بعضهم جاء في القرون اللاحقة ـ لكن في بعض الأحيان نحتمل أنّ مصدر المعلومة هو أهل البادية، وقد تختلف لغة أهل البادية عن لغة قريش التي نزل القرآن الكريم بها في معظمه على الأقلّ.

ج ـ لست أريد هنا الدخول في دراسة مستقلّة عن معاجم اللغة وقد كتب حولها الكثير، وتحدّث الباحثون عن أنّ بعض اللغويين كان يخلط بين لُغَويّته التي يفترض أن يكون حيادياً فيها وبين نزعته الكلاميّة والفقهية، فيشرّح الكلمة وفقاً لبناءاته ومذهبه، كما قيل ذلك في الراغب الإصفهاني في مفرداته، حتى أخذ بعض الناس يلاحظ على العلامة الطباطبائي إفراطه في اعتماد مفردات الراغب الإصفهاني في تفسير الميزان متجاهلاً كتب اللغة العربية المعجميّة، والحال أنّ الإصفهاني قد توفّي في القرن السادس الهجري.

بل هناك دراسات نقدية لبعض أهل اللغة والعربية تصل حدّ اتهام بعض النحاة أو المعجميّين أو البلاغيّين بالتدليس والجعل والاختلاق للشواهد النحوية واللغوية، فالموضوع يحتاج للكثير من النقد والتحليل وليس نزهةً أو فسحة.

د ـ ونواجه مع كتب اللغة المعجميّة أزمةً أخرى تتصل بفهم نصوص القرآن والقديم من الحديث الشريف؛ فإنّ اللغة العربية قد طرأت عليها تحوّلات بعد الفتوحات الإسلاميّة نتيجة اختلاط العرب بسائر الأمم كالفرس والروم والبربر والترك والهنود، وعلى هذا الأساس اعتمد كثيرٌ من اللغويين على فهمهم المعاصر لزمنهم، وقد يكون مطابقاً لمعنى الكلمة في العصر القرآني وقد يكون مختلفاً ولو بشكل جزئي.

وهذا ما يعني أنّ معاجم اللغة لا تكفي لخلق وعي لغوي أصيل لفهم القرآن الكريم إلا في بعض الحالات التي هي ليست بالقليلة حيث يحصل اطمئنان من إطباق المعجميّين على معنى كلمة محدّدة بأنه هو معناها في العصر النبوي، فالمعاجم تساعد في فهم الحديث ونصوص القرن الثاني الهجري وما بعد، أكثر ممّا تساعد في القرآن وسنّة النبي. ولهذا وجب أن يحكّم المفسّر ثقافة عصر القرآن دون ما بعده (زمانياً)، وثقافة لغة قريش والحجاز بالدرجة الأولى (مكانياً) كونه نزل بها غالباً على الأقلّ.

1 ـ 2 ـ كيف نفهم القرآن عبر مرجعيّة اللغة؟!

وعليه، يأتي السؤال هنا: كيف نفهم القرآن الكريم عبر مرجعيّة اللغة العربية إذاً؟

والجواب: إننا أمام سبل ينبغي أن نطرقها لفهم القرآن، وهي تحاول أن تقرّبنا من فهمه، لكن تظلّ احتمالية الخطأ واردة في فهمنا اللغوي في كثير من الأحيان، وهذه السبل التي ينبغي اعتمادها، أذكر منها باختصار ما يلي:

أ ـ الأنس بالعودة إلى كتب المعاجم وسائر فروع اللغة (نحو ـ صرف ـ بلاغة) بشكلٍ مستوعب، وعدم حصر مرجعيّتنا المعجمية بكتاب واحدٍ أو كتابين، والتأكيد باستمرار على الذهاب خلف الكتب الأقدم والأجود منهجياً وفق رؤية علميّة مسبقة.

ب ـ ممارسة الاجتهاد في المعطيات التي تقدّمها كتب اللغة من حيث الشواهد التي يذكرونها، والنظر للشواهد بعين اجتهادية تحليليّة لا بعيون التقليد.

ج ـ الأنس وإدمان مطالعة الكتب والأشعار والنثر العربي القديم حيث يتوفّر، فهذا الوعي الناتج عن الأنس مع اللغة القديمة قد يكون أهم بكثير من مراجعة المعاجم، فالمعاجم تساعدنا في المفردات، ولكنها لا تساعدنا ـ بالضرورة ـ في التراكيب والبنى السياقية والانصرافات والدلالات الجملية والفقريّة.

المهم جداً هو خلق الذوق اللغوي، وليس التعامل مع اللغة بطريقة هندسيّة جامدة. يجب أن نعيش اللغة كما كان يعيشها العربي بالسليقة، وهذا يعني أن لا يكون أنسنا اللغوي بخصوص تراكيب العلوم النخبويّة التي ظهرت فيما بعد، بل بمتناثر المنقول من كلام العرب كما في مثل كتاب الأغاني لأبي الفرج الإصفهاني.

إنّ فقداننا هذا الأنس سيشوّه فهمنا اللغوي بحيث نصير نفهم بطريقة مختلفة تماماً، فما من عام إلا وقد خُصّ وما من مطلق إلا وقد قُيّد، قد يعني أنّ العرب ليس عندها ـ من الأوّل ـ عام ومطلق بالمعنى الأصولي والفلسفي إلا بقرينة خاصّة، وأنّ نظام بيانها هو نظام البيان الأكثري لا الكلّي، إنّ مثل هذه الفكرة ـ إذا قبل بها الإنسان ـ ستغيّر فهمه للكثير من نصوص القرآن الكريم التي صُوّرت متناقضةً أو بينها نسخ أو غير ذلك.

وعليه، فاللغة ليست معاجم فقط، بل هي تحصيل الذوق اللغوي من خلال مراجعة اللغة والأشعار والأدب والقديم من الكتب والمعاجم، وليس فقط كتب النخب ولو القديمة ككتب الأصول والفلسفة والكلام والفقه والحديث وغيرها وإن كانت مهمةً أيضاً في الجملة. فبذلك يحصل الانسان على اقتراب أكبر من الوعي الاجتماعي والسياقي لطرائق البيان القديمة والتي قد تكون فقدناها بمرور الزمن وعبر عملية التعقيد المبالغ بها.

وإلى جانب هذا كلّه، هناك الأنس بالقرآن نفسه بوصفه الكتاب العربي الأكثر يقيناً عن تلك الفترة، فهو مرجعيّة لغوية من الطراز الأوّل، حيث يمكن أن تساعدنا بعض كلماته في فهم بعضها الآخر أو في فهم معنى مفردة أو جملة أو سياق في مكان آخر.

1 ـ 3 ـ كيف نقترب من الإحساس بفهم لغوي مطابق لفهم العربي زمن النصّ؟!

من المهم جداً أن يصبح فهمنا للنصوص عفوياً عرفياً، فهذا الأمر متفقٌ عليه أصولياً وفقهياً، لكنّ أم المعارك في كيفية تطبيقه، فكم من أصلٍ نُسب للعقلاء ولا علم لهم به ولا خبر؟! وكم من فهمٍ عرفي نسب لأهل عرف اللغة العربية وهو أبعد ما يكون عنهم؟!

فعندما يتحدّث السيد محمّد باقر الصدر عن الظهور الذاتي والظهور الموضوعي في العصر الحاضر للانتقال منهما إلى الظهور الموضوعي في عصر النصّ، فهذه العمليّة وان كانت صحيحةً من جهة، لكنها لا تشرح لنا كيف حصل الظهور الذاتي؟ وكيف يفترض حصوله للانطلاق به نحو فرضيّة التطابق؟

إنّ دراسة فلسفة تبلور الظهور الذاتي قضيّة معقدة جداً؛ فلعلّ تربيتنا الحاضرة على اللغة وفهمها لعبا دوراً كبيراً في حصول ظهور ذاتي لنا غريب عمّا كان ظهوراً موضوعياً عصر النصّ، فكيف أقيّم الظهور الذاتي عندي؟ هنا المشكلة.

إنّ الظهور الذاتي التطابقي رهينٌ بمدى قرب ذاتي نفسها من ذلك العصر، فكلّما صرت أعيش عصر النص وفضاءه التاريخي وأبتعد عن عصري ونظامه الفكري والبياني، وكلّما سعيت للتماهي مع اللغة وأهلها في تلك الأزمنة.. أمكن لي أن أفترض تطابق أو اقتراب الظهور الذاتي الذي عندي أو الظهور الموضوعي الذي في عصري مع الظهور الموضوعي في عصر النصّ، وإلا كانت دعوى التطابق مجازفة كبرى.

السيد الصدر بيّن التطابق، لكنّه لم يشرح لنا هناك ضمانات هذا التطابق، ولماذا يكون الظهور اليوم مطابقاً لما مضى؟

إنّ أصالة عدم النقل هي عمليّة افتراضية؛ لأنّ واقع البشر في تطوّر لغتهم يحكي عن اختلافات كبيرة في الفهم بمرور الزمن، ونحن لا نتكلّم في وجود أصل شرعي أو عقلائي يحلّ لنا افتراض عدم التطابق، بقدر ما يهمنا الحديث عن آليات السعي للتطابق الفعلي والواقعي، فأصالة عدم النقل تبرّر لي ـ ظنياً ـ تطابق فهمي مع ذلك العصر، لكنّ السؤال: ما هي الضرورات التي لابد لي من القيام بها لأحصّل فهماً واستظهاراً يسمح منطقيّاً بإجراء أصالة عدم النقل معه.. فلو جاء أنجليزيٌّ حديث عهدٍ باللغة العربية وفَهِمَ من النص شيئاً فلا نسمح له بإجراء أصالة عدم النقل قبل توفّر ذوقٍ لغوي له أوضح وأعمق. وكلامنا في هذه المرحلة بالذات. وكيف نفترض أنّنا حصلنا على الحدّ المطلوب من الذوق اللغوي الذي يسمح بإجراء مثل أصالة عدم النقل؟

وخلاصة القول: إنّ الفهم العرفي ليس مزعمةً أو شعاراً، بل قيمته في دراسة العناصر التي توفّر فهماً عرفياً أقرب إلى زمن النص، وهذه العناصر هي العيش في اللغة والتاريخ والأنس بهما وتذوّق الأدب، واستشعار حياة العرب وثقافتهم وهمومهم ونمط عيشهم، والاندماج في العفوية التفسيريّة، وعدم الجمود على النمط التقعيدي الفلسفي في التعامل مع النصّ..

وهذه كلّها ملفات كبيرة تحتاج لاشتغال ميدانيّ كبير ـ في نظام تعليم اللغة وتاريخ العرب ـ في المؤسّسة الدينيّة؛ لضمان قيامة فقهٍ قرآنيّ سليم.

1 ـ 4 ـ مرجعيّة اللغة ودورَي: الإثبات والإبطال

وعندما نتحدث عن اللغة ومرجعيّتها في فهم القرآن وأحكامه، فهذا يعني أن نُقرّ سلفاً بالاحتكام سلباً وإيجاباً لهذه اللغة وأهلها:

أما الاحتكام الإيجابي الإثباتي، فيعني أنّ ما يفهمه أهل اللغة من هذه الآية هو حجّة ومعتبر، وطريقٌ ومعبرٌ لنا لفهم مراد المتكلّم.

وأما الاحتكام السلبي الإبطالي، فيعني أنّ ما يرفضه الفهم اللغوي العرفي ويراه غريباً عن النصّ، فهو مرفوض ولا يشكّل دلالةً.

لكن تبقى هناك مساحة وسطى، وهي فهمٌ لا يرفضه أهل اللغة لكنه لا ينسبق إلى أذهانهم من سماع النص أو قراءته، فهل هو معتبر أو لا؟

لا شك أنه إذا لم يقم شاهد على إرادة المتكلم لهذا المعنى فلا قيمة لهذا الافتراض، لكن لو قام الشاهد على ذلك فما هو الموقف؟ لو قمنا بمقاربة بين آيتين مثلاً لنأخذ منهما معنى، فهذه المقاربة قد تكون على وفق طرائق أهل العرف واللغة في الفهم، لكنهم لم يلتفتوا إليها؛ لعدم انتباهم لعنصر المقاربة نفسه، فهنا هل نأخذ بمثل هذا الفهم أو لا؟

الجواب هو بالإيجاب، فليست العبرة بما فهم العرب والصحابة عصر النص من القرآن بوصفه الحدّ الأعلى للفهم، فلا يصحّ التوصّل لفهم جديد؛ لأنه سوف يكون فهماً لم يعرفه العرب ولا أهل اللغة، بل العبرة بنظام الفهم اللغوي عند أهل اللغة، لا بواقع الفهم اللغوي الذي حصلوا عليه من خلال سماع الآيات الكريمة.

فقد تحصل للإنسان فهومٌ من الكلام جديدة عندما يعيد سماعه، وهذا ليس بخروج عن قواعد الفهم العرفي لأهل اللغة، بل هو تطبيق مجدّد لها؛ لأنّ طبقات النص ودلالاته الالتزامية والتضمّنية لا تظهر دفعةً واحدة، ولا سيما عندما يراد الحصول على معلومات جديدة من خلال عناصر المقارنة والمقاربة والضمّ والجمع بين الآيات، بحيث يكون فهم العرب آنذاك للقرآن فهماً عربياً لكنّه تجزيئي، لا فهماً لمجموع نصوص الكتاب في لحظةٍ واحدة حول موضوع واحد، وهذا أمرٌ يحصل في مختلف النصوص واللغات، وليس خاصاً بالكتاب الكريم، ولو كان الفهم الأوّلي هو الفهم الأكثري بحيث لا فهم بعده يقدّم فكرةً إضافية، لما كان هناك معنى لأن يتحدّث القرآن عن ضرورة تدبّر العرب والكافرين في القرآن الكريم قال تعالى: ﴿أفلا يتدبّرون القرآن أم على قلوب أقفالها﴾ (محمد: 24) بناءً على فهم التدبّر بمعنى النظر والتأمّل.

لكن، ووفقاً للمرجعيّة السالبة لأهل اللغة وعرفهم في فهم النص، يجب أن نميّز بين حالتين:

الحالة الأولى: أن يأتي النص قائلاً: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾، ثم نوسّع معنى الطعام لكلّ رزق، فهنا يكون الأمر محتملاً، ويحتاج فقط لشاهد.

الحالة الثانية: أن يقول النصّ: ﴿وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾، ثم نجعل الغليظ تعبيراً عن المنيّ، فيما الميثاق هو عبارة عن عقد النكاح، فهذا شيء غير منسجم مع اللغة؛ لأنّ اللغة تجعل غليظاً صفةً للميثاق، ولا معنى للتوصيف لو فسّرنا غليظاً بمعنى ماء الرجل.

فهناك فهمٌ لم ندركه لكنّه محتمل، وهناك فهمٌ يستنكره أهل اللغة، فالأوّل ممكن دون الثاني انسجاماً مع مرجعيّة العرف اللغوي.

ومن هنا، فمن يريد طرح تفاسير يسمّيها باطنيةً للقرآن، عليه ـ إذا لم يعتمد طريقة الفهم العرفي التي بيّناها والتي تفتح على معاني كثيرة جداً وليس كما يُتصوّر من أنّها توجب تقليص الثروة القرآنية وشحّها ـ عليه أن يقيم الحجّة على منطقية أو علمية أو شرعيّة هذه الطريقة التي يعتمدها، أما مجرّد الأحاسيس الباطنية والتفاعلات الوجدانية أو وصول العلم إلى اكتشافٍ ما مع رغبتنا في إثبات جدارة القرآن أو غير ذلك مما تورّط فيه بعض أنصار التفسير الصوفي والعرفاني تارةً والتفسير العلمي تارةً أخرى، والتفسير الاستغرابي ثالثة، فهذه ليست حجّةً ولا تفيد علماً ولا عملاً.

1 ـ 5 ـ الدلالة اللغويّة بين الإمكان والواقعيّة

إنّ إمكان دلالة النص لغةً لا يعني فعليّة هذه الدلالة وفقاً للفهم العرفي، فمن الممكن أن يراد من (فرعون) القلب القاسي، لكنّ الإمكان هنا لا ينفع في عالم اللغة، بل المطلوب هو أن نحقّق الشواهد التي تدفع بهذا الإمكان اللغوي التفسيري إلى حدّ الفعليّة والظهور والترجيح، ومجرّد أنّ الآخرين لا يوجد لديهم برهانٌ نافٍ بالكلّية لهذا الافتراض الإمكاني لا يعني صحّة هذا الافتراض منطقياً، وهذا أمرٌ مهم جداً وشديد البلوى.

في هذا السياق، وعندما نراجع اللغة نحصل على استعمالات للمفردة الواحدة، وفي سياق ترجيح استعمالٍ على آخر لا يكفي وجود استعمال لهذه الكلمة في معنى معيّن نصّ عليه المعجميّون، بل المطلوب ملاحظة الانسباقات العرفية للجملة وليس الإمكانات الدلالية؛ إذ ليس كلّ إمكان بواقعٍ، كما أشرنا قبل قليل.

ومثال ذلك بعض الكلمات في العربية التي ذُكر أنه جرى استعمالها في معنى معيّن؛ لكنّ هذا الاستعمال نادر التحقّق أو قليل، مثل استعمال كلمة (ثياب) وإرادة القلب منها، فإنّ هذا الاستعمال لو صحّ وجوده في لغة العرب، لكنه نادرٌ جداً، ويحتاج في إجرائه إلى قرينة.

وعليه، فلا يصحّ أن أختار من بين الاستعمالات أيَّ استعمالٍ ينسجم مع قناعتي فأعتبر ـ كما ذكره بعضٌ ـ أنّ المراد من قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (المدثر: 4)، هو الأمر بتطهير القلب؛ لأنّ العبرة ليست بأصل وجود استعمال حتى أقوم باختياره، وإنما في رجحان هذا الاستعمال ومدى غلبته وانسجام السياق معه وما ينصرف إليه اللفظ عند العرب في العادة حيث لا قرينة خاصّة. فالآية تأمر النبي بطهارة ثيابه ونظافتها؛ لأنّ هذا هو الاستعمال الغالب للكلمة والذي يعطيها رجحاناً ما لم تقم قرينة عكسيّة.

وهذا ما نلاحظه على بعض مفسّري القرآن العزيز، حيث لا يخضعون اختيار معنى المفردات على أساس معين، وإنما يذهبون بها ناحية ما يميلون هم إليه، فكأنّهم يمارسون اختياراً للمعنى من بين استعمالات الكلمة؛ لكونه يتناسب مع ذهنيّتهم، دون تقديم مرجّحات لتفسيرٍ على آخر، إلا وجود هذا الاستعمال في الموروث اللغوي وإمكانه الأوّلي في حدّ نفسه، وهذا ليس بمرجّح، وإنما هو يسمح بالافتراض فقط.

1 ـ 6 ـ الاحتكام اللغويّ وضرورات المنبّه الوجداني

ومن هنا تأتي فكرة المنبّهات الوجدانية الدلاليّة التي تنبّه وتدلّل معاً على أرجحيّة فهمٍ على آخر، فإنّ قضية الظهور العرفي اللغوي حالة ذاتية قد تصبح مجرّد إحساس داخلي غير مبرهن، وهذا ما يدخل الاستظهارات العرفية في فضاء مزاجي ويعطّل من إمكانية محاكمتها سلباً أو إيجاباً.

لهذا نحن بحاجة دوماً إلى ذكر الشواهد والقرائن والمنبّهات التي قد لا تكون دليلاً برهانياً على صحّة الفهم، بل هي مثيرٌ وجداني يلفت نظر الآخر لينتبه وجدانُه اللغوي إلى ما استظهرته أنا شخصياً، وبهذه الطريقة نخفّف من فوضى الاستظهارات المزاجيّة، ونحاول الاحتكام ـ ولو النسبي ـ إلى معطيات اللغة والسياق والقرائن والشواهد بواسطة الإفصاح عنها لا عيشها فقط.

1ـ 7ـ أصول الفقه بين الوقوف على مباحث الألفاظ وتكوين نظريّة في اللغة القرآنية

أشير أخيراً إلى ضرورة تكوين الفقيه القرآني نظرّيةً لغويّة خاصة يكتشف من خلالها نظام البيان القرآني، فيدرك لغة القرآن الخاصّة به، فهل في القرآن ترادف أو الترادف فعلٌ عبثي يتنزّه عنه تعالى؟ وهل في القرآن تكرارٌ أو التكرار فعل غير حكيم؟ وهل المجاز والاستعارة والكناية وغير ذلك من أساليب البيان والتعبير والبلاغة موجودٌ في القرآن الكريم أو هذه لا معنى لها بل تحمل الألفاظ على حقائقها دون فرض دلالات من هذا النوع؟ وهل يعتمد القرآن على تقدير محذوف أو تقدير المحذوف اختراع المفسّرين للخروج من المآزق التي وقعوا فيها بسوء تفسيرهم لكتاب الله، كما يذهب إلى هذه النظريات قومٌ من المتقدّمين والمتأخّرين، ليس آخرهم الباحث عالم بسيط النيلي& في نظريّته القصديّة؟

لا يمكن للفقيه إلا أن يدرس نظام لغة القرآن وفقاً لخصائص هذا الكتاب وكونه صادراً من الله تعالى، وبناءً عليه قد يخرج بنتائج في النظام اللغوي القرآني بالغة الأهمية.

وليست مباحث الألفاظ في أصول الفقه القرآني خاصةً بنظام المفاهيم والإطلاق والتقييد والعموم والخصوص والإجمال والتبيين وصيغ الأمر والنهي و.. بل من أصول فهم القرآن التي يحتاجها الفقيه جداً هو تحديد موقف من لغة القرآن وسماتها بوصف القرآن كتاباً صادراً من العليّ الأعلى، فهل هي لغة حقيقيّة أو مجازيّة أو رمزية أسطوريّة أو عرفية عادية أو غير ذلك؟ وهل تعتمد الترادف والمجاز والتكرار والكنايات و.. أو لا؟ فهذا كلّه يؤثر في فهم آيات الأحكام جداً.

خذ مثالاً آية التيمّم التي تكرّر مقطع التيمم فيها بعينه في القرآن مرّتين مع فارق كلمةٍ واحدة فقط، فهل هذا التكرار عبثي أو توكيدي أو لابد أن يكون خلفه تغايرٌ في معاني الآيات أو..؟

وهذا كلّه يعني أنّ جزءاً من بحوث علوم القرآن لا تنفكّ عن عمل الفقيه، ليس فقط مثل بحث النسخ وظهورات الكتاب، بل أيضاً النظام اللغوي القرآني العام وميزاته، فالفقيه القرآني مفسّرٌ أيضاً كما قلنا، لهذا فهو بحاجة إلى نظريّة تفسيرية في الموضوع اللغوي القرآني.

2 ـ الفقه القرآني ومرجعيّة التاريخ

ما أقصده من مرجعيّة التاريخ هنا هو الاحتكام للمعطيات التاريخية الموثوقة التي تساعد على فهمٍ أفضل للقرآن وآياته الأحكاميّة. ولكي ندرس هذا الموضوع ـ باختصار ـ لابدّ من دراسة أبعاده المتنوّعة.

الأبعاد الثلاثة لمرجعيّة التاريخ في الاجتهاد القرآني

هناك ثلاثة أبعاد لمرجعيّة التاريخ بالنسبة للفقيه القرآني، وهي:

البعد الأوّل: بُعد الترتيب النزولي

من الواضح أنّ القرآن الكريم قد نزل نجوماً وبالتدريج خلال ثلاثة وعشرين عاماً، ومن الواضح أيضاً أنّ ترتيب الآيات والسور القرآنية بهذه الطريقة الموجودة اليوم في المصاحف، لا تتطابق مع ترتيبها بحسب النزول بإجماع علماء الإسلام، وهذا يعني أنّ هناك ترتيبين للقرآن:

أ ـ ترتيب جمعي، وهو القائم اليوم، والذي يُنسب إلى رسول الله| أنّه كان يقوم به، فيأمر بوضع هذه الآية في الموضع الفلاني من هذه السورة، وتلك الآية في موضعٍ آخر.

وهناك من قد يناقش في توقيفيّة هذا الترتيب للآيات والسور، ويرى أنه لو أمكننا إثبات ذلك في بعض الآيات والسور، إلا أنّ إثباته في تمامها وأنّ كلّ حرفيات هذا الترتيب توقيفيّة أو حتى منتسبة إلى النبي بدليل علمي أمرٌ صعب جداً.

ب ـ ترتيب نزولي، وهو الترتيب بحسب نزول الآيات زمنيّاً وتاريخياً، وهو ترتيبٌ نفتقده اليوم بوصفه نسخةً شائعة، وحتى لو حاولنا فعله بجمع الآيات بطريقة النزول فإنّ التأكّد من هذا الجمع أمرٌ بالغ الصعوبة في كلّ الآيات، وإن كان ممكناً، بل سهلاً في بعضها، لكثرة الاختلاف والنقاش في تاريخ نزول مجموعة وافرة من السور والآيات، وكثير من وسائل الإثبات غير مؤكّدة.

والسؤال هنا: هل من طرق وإمكانات لتوفير معرفة المتقدّم والمتأخّر أو المكّي والمدني من الآيات الأحكامية أو السور أو لا؟

يوجد هنا طريقان أساسيّان يشتهر الأوّل منهما أكثر، وهما:

الطريق التوثيقي التاريخي: وهو الطريق الذي نرجع فيه إلى الروايات والأحاديث المروية عن أهل البيت والصحابة والتابعين، فيخبروننا أنّ الآية الفلانية نزلت في التاريخ الفلاني أو في مكّة، فيما الآية الأخرى نزلت في التاريخ الآخر أو في المدينة.

وهذا الطريق جيّد ومثمر، لكنّه غالباً ما يعاني من مشاكل:

أ ـ إما من حيث الإثبات الصدوري لمرويّاته عن النبي وأهل البيت والصحابة.

ب ـ أو من حيث الشكّ في كون ما قيل كان عن علم أو عن حدس واجتهاد، كما فيما ينقل عن ابن عباس أو أنس بن مالك، وهما صغيران سنّاً جداً في العصر المدني.

ج ـ أو من حيث كثرة التعارض والاختلاف في تحديد التواريخ أو المكّي والمدني بين هذه المرويّات اختلافاً كبيراً، حتى حاول بعض العلماء أحياناً أن يوفّق بين الاختلافات التاريخية هذه بدعوى تعدّد نزول الآية الواحدة مرتين أو ثلاث على حسب اختلاف عدد الروايات التاريخية في زمان نزولها أو موضعه.

لكن في الجملة تظلّ هذه الطريقة جيّدةً في بعض المواضع على الأقل، وتمنحنا ترجيحاً ولو لم تعطنا جزماً وتعييناً دائماً.

الطريق الاجتهادي المتني: وهو طريقٌ استخدمه أحياناً بعض المفسّرين والعلماء، ويقوم على رصد الآية نفسها أو مجموعة الآيات أو السورة، وتحليل متنها ورسالتها وغرضها وجِهَة نظرها؛ لترجيح تاريخ نزولها، ولو لم يكن بالتعيين، بل بالتحقيب، كأن نقول: نزلت في المدينة لا في مكّة، أو نزلت بعد تشريع الجهاد لا قبله، أو نزلت أواخر العهد المدني، أو نزلت بدايات البعثة أو نحو ذلك.

وعبر هذا الطريق نستطيع ـ أحياناً ـ إبطال روايةٍ في تعيين زمان النزول نقلت عن أحد الصحابة أو التابعين مثلاً.

والتحليل في رصد سياقات ومضامين الآيات ونسبتها إلى بعضها، والسعي لترجيح ترتيب نزولي فيها أمرٌ بالغ الأهمية، ولا يقلّ أحياناً في قوّته الظنية عن القوّة الظنّية الحاصلة من الروايات التاريخية. ومن الضروري تفعيل هذا المنهج الذي إذا التأم مع المنهج الأوّل أوجب تقوية احتمال زمن النزول في بعض الأحيان.

لكنّ السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما حاجة الفقيه القرآني لرصد ترتيب النزول في الآيات الأحكاميّة؟

والجواب: إنّ الحاجة كبيرة، ويمكن الإشارة لأبرز جوانبها:

أولاً: معرفة المتقدّم والمتأخّر من الآيات، الأمر الذي يساعد في تمييز الناسخ عن المنسوخ أو في التمييز بين النسخ والتخصيص، فلا نقلب الأمور بل نضعها في مكانها الصحيح.

ثانياً: فهم طبيعة البيان التشريعي القرآني، وهل استخدم الأسلوب التدريجي في البيان، كما قيل في تحريم الخمر في الإسلام أو لا؟! إنّ هذا الوعي التاريخي لطريقة البيان القرآني تساعد على تشكيل صورة أجلى لفهم التشريعات في القرآن، وتعطينا اُنساً بنمط هذا الكتاب وطريقته في بيان التشريعات.

ثالثاً: ترجيح تفسيرٍ على آخر أحياناً، فعندما نعرف أنّ هذه الآية نزلت أواخر الهجرة فسوف يترجّح أحد محتملي تفسيرها، وهكذا لو أخذنا فرضية نزولها أوائل الهجرة أو حتى أوائل البعثة، حيث سيترجح تفسيرٌ آخر عندما تتزاحم المحتملات التفسيرية.

هذا هو البُعد الأول من أبعاد مرجعيّة التاريخ في الفقه القرآني.

البُعد الثاني: بُعد السياق التاريخي الخاص، أو أسباب النزول

من الواضح أنّ بعض آيات القرآن الكريم قد نزلت نتيجة وجود وضع معيّن في الواقع استدعى نزولها، وهو ما تعبّر عنه ـ على الأقلّ ـ كلمة (يسألونك) الواردة في القرآن الكريم مرّات عدّة، بل يذهب الدكتور أحمد صبحي منصور إلى أنّ كلّ مرّة جاءت فيها كلمة (قل) في القرآن الكريم، فإنه يسبقها سؤال أو شبهه من طرف الناس أو المؤمنين أو غير المسلمين، وجاء الجواب للنبيّ ليقول لهم كذا وكذا.

وليس بحثنا هنا في أسباب النزول، وهل كلّ آيات القرآن جاء لها سبب نزول أو لا توجد آية في القرآن كان لها سبب نزول أو أنّ القضية متنوّعة، كما هو الأصحّ والأقرب (والقضية موضع جدل متأخّر شارك فيه الدكتور نصر حامد أبو زيد والدكتور محمد شحرور وغيرهما)([69]).

وليس حديثنا هنا عن عدد الآيات التي جاء فيها سبب نزول والتي اختلفوا فيها بين 564 آية، كما جاء عند الطبري، و629 آية، و858 آية، و857 آية، و954 آية، وأكثر من ذلك([70]).

إنما نريد أن نرصد تأثير فكرة أسباب النزول على فهم الفقيه لدلالات الآيات القرآنية، مع إشارتنا إلى أنّ أسباب النزول كما يمكن أن تُعرف من خلال التوثيق التاريخي، كذلك يمكن معرفتها من خلال تحليل المتن، ولو من دون معرفة الأسماء والجزئيات في الحالة الثانية.

أسباب النزول بين الدور التفسيري والدور التطبيقي

ما نريد أن نعرفه في سبب النزول هو دوره في فهم الآيات نفسها، إذ هناك سؤالٌ يُطرح حول أنّ معرفتنا بالسياق النزولي هل تساعد على فهم الآيات نفسها، على أساس أنّ العلم بالسبب يساعد على العلم بالمسبّب، أو أنّ هذه المعرفة لا دور لها إلا من حيث التطبيق، عنيت تطبيق الآيات على مصاديق معيّنة في عصر النص واتخاذ موقفٍ من هذه المصاديق تبعاً لدلالة الآية، كما في أسباب نزول آية التطهير أو آية الولاية أو آية إكمال الدين أو آية البلاغ أو غير ذلك مما يكرّس مفهوم الإمامة من وجهة النظر الشيعية مثلاً، فتكون معرفة أسباب النزول لصالح توظيف الآية في خدمة السبب، لا توظيف السبب في خدمة فهم الآية، فأيّ من الخطّين يعطيه التعرّف على أسباب النزول؟

من الواضح أنّ فكرة التطبيق تشكّل مقداراً مؤكّداً لخدمات معرفة أسباب النزول، لكنّ السؤال يدور حول التفسير، فهل يساعد موضوع أسباب النزول في تفسير القرآن وفهمه؟

توجد هنا نقطتا ارتكاز متباينتان، لا بأس بالإشارة إليهما:

1 ـ نقطة ارتكاز ترى ارتباط القرآن بوصفه ظاهرة زمكانيّةً حاصلة في التاريخ وموجوداً حادثاً وليس بقديم، وتعتقد هذه الرؤية بأنّ القرآن والتاريخ المحيط يشكلان ثنائياً لا ينفكّ، فلا يمكن فهم القرآن دون وعي مبرّرات النزول ودون فهم السياق التاريخي العام للعرب وغيرهم في عصر النزول، فالقرآن في نزوله هو كالحديث في صدوره، فكما أنّ سؤال السائل يساعد ـ في الجملة على الأقلّ ـ في فهم جواب المجيب، كذلك الحال في سبب النزول والسياق التاريخي العام يساعدان أيضاً في فهم الجواب القرآني أو العلاج القرآني النازل، ومن ثم فلا يمكن فهم القرآن ـ في كثيرٍ من آياته على الأقلّ ـ دون فهم المحيط التاريخي.

وهذا المحيط التاريخي علينا اكتشافه من الحديث وروايات أسباب النزول تارةً، ومن كتب التاريخ ـ وتاريخ العرب خاصّة ـ أخرى، ومن تحليل النصّ القرآني ثالثة.

2 ـ نقطة ارتكاز ترى أنّ القرآن الكريم حيث إنه كتاب سماوي للخلائق أجمعين إلى يوم الدين، وحيث إنه بيان ونور وتبيان وعربي مفصح ومعبّر، فلا يمكن أن يكون بياناً لزمان النزول؛ لأنّ المخاطبين آنذاك يدركون الملابسات المحيطة، ولا يكون بياناً لما بعد هذا العصر بحيث تسقط منه قرائن البيان التاريخية والنزولية ويغرق شيئاً فشيئاً في الإجمال.

وهذا يعني أنّ عناصر البيان موجودة في القرآن نفسه، وأنّ أيّة معلومة تاريخية وإن ساعدت في وضوح الصورة إلا أنّها لا تشكّل أساساً في فهم الآية، فالآية كيانٌ مستقلّ له بياناته حتى لو ذهبت كلّ المعطيات الحافة، وإنما أسباب النزول تنفع في الفهم التاريخي للآية دون الفهم الدلالي لها، وتنفع في التطبيق لا في التفسير.

إلا أنّ وجهة النظر الثانية لا يبدو أنها تقوم على دليل علميّ قاطع، فكما أنّ القرآن يعتمد على اللغة ونحن نتصارع اليوم لفهم المفردة أو دلالة الهيئات التركيبة لنفهم الآية، ولا يضرّ ذلك ببيانية القرآن، واللغة التي نبحث عنها هي في نهاية المطاف كائنٌ في التاريخ، كذلك الحال في أسباب النزول والمحيط التاريخي العام الذي اعتمدت عليه الآيات كقرائن حافة وشواهد سياقية.

نعم، عندما يعتمد القرآن على الجزئيات التاريخية المحيطة به بحيث يصبح كلّه كذلك، وهي جزئيات تتلاشى تاريخياً عادةً، وعندما تكون دلالات القرآن كلّها رهينة التاريخ الجزئي، بحيث لا يقدر النصّ لوحده أن يعبّر عن شيء، فهنا قد ندخل في مشكلة البيانية أيديولوجياً، لكنّ الحال ليست كذلك أبداً.

إنّني أعتقد أنّ فهم أسباب النزول تساعد في بعض الأحيان في التفسير وإن كانت في كثير من الأحيان لا تنفع إلا في التطبيق، أي تنفع في توظيف القرآن لا في فهمه، وكمثال على ذلك آية السعي بين الصفا والمروة، حيث قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 158)، فهذه الآية ـ كما يقول بعض العلماء([71]) ـ توحي بدلالة الآية على جواز السعي بين الصفا والمروة، مع أنّ هذا السعي واجب، لكن عندما نعرف السبب وأنّه وجود الأصنام في المسعى وقلق المسلمين من السعي بينهما مع وجود الأصنام، نفهم أنّ نفي الجناح في الآية ليس عن السعي، بل عن حالة وجود الأصنام وأنت تسعى، فيختلف فهمنا للآية الكريمة ـ نسبياً ـ إذا صحّ سبب النزول هذا.

البُعد الثالث: بُعد السياق التاريخي العام

أقصد منه أن تكون لدى الفقيه القرآني ثقافة تاريخية عن الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية في شبه الجزيرة العربية وفي المنطقة عموماً؛ لأنّ القرآن الكريم جاء ليصحّح الانحرافات القائمة، فكلّما وعينا بواقع المجتمع المحيط، فهمنا نظر الآيات إلى أين يكون.

ولهذا لا يمكن للإنسان أن يفهم جملة من الآيات القرآنية ما لم يفهم ثقافة المجتمع الذي نزلت فيه هذه الآيات، والأديان التي كانت موجودة، والمعتقدات، والعادات، والأعراف، والطقوس و.. ففهم هذا المحيط يعطي وضوحاً أكبر.

وكمثال على ذلك مسألة الشرك والتوحيد، فالقرآن حرّم الشرك ونهى عنه، لكن ما هو الشرك الذي ندّد القرآن به ودان العرب على فعله؟ إنّ فهم عقائد العرب ضرورة كبيرة لفهم مراد القرآن من المنهيّ عنه في الشرك، فهل شرك العرب شركٌ في الألوهية أو الخالقيّة أو الربوبية أو العبادة أو غير ذلك؟ وبفهم السياقات التاريخية سيساعدنا الأمر كثيراً هنا.

وبعض المعلومات التاريخية عن المجتمع المحيط وإن أمكن أخذها من القرآن نفسه، إلا أنّ بعضها الآخر يحتاج لمعرفة تاريخية جيّدة مخارجة للنصّ القرآني.

هذه ثلاثة أبعاد أكتفي هنا بلمحةٍ إليها، تتصل بمرجعيّة التاريخ، وعندما نتحدّث عن مرجعيّة التاريخ فهذا لا يعني أنّه لا يمكن فهم شيء من القرآن الكريم إلا عبر فهم التاريخ، بل يعني أنّ التاريخ يساعد بالتأكيد على فهم ما أجمل من بعض الآيات أو على ترجيح تفسيرٍ على آخر، أو على اتضاح معنى ومدلول إضافي جديد من الآية، أو الإطلالة على زاوية في النص القرآني لم نكن منتبهين إليها أو ما شابه ذلك.

ويبقى أن أشير أيضاً إلى أنّ مرجعية التاريخ التي تساعد أحياناً في تفسير آية أو في تطبيقها أو في تعيين مساحاتها، لا تفرض تقييد الآيات بما نزلت فيه، لقاعدة المورد لا يخصّص الوارد، وهذا ما يستدعي فهماً أوضح لدور التاريخ في التخصيص والتطبيق، وعلاقة هذه القاعدة بقاعدة حجيّة السياق.

مرجعيّة التاريخ بين قاعدة السياق وقانون عدم تخصيص الوارد بالمورد

يوجد في الاجتهاد الشرعي وقواعد تفسير القرآن الكريم قاعدتان مهمّتان هما: قاعدة السياق، وقاعدة عدم تخصيص الوارد بالمورد، ولا بأس بالتوقّف عندهما؛ لتمييزهما عن بعضهما، حيث سيتبيّن أنّ قاعدة السياق حجّة في بعض الموارد ولا يؤثر عليها التاريخ، فيما قاعدة عدم التخصيص ترتبط بالمشهد التاريخي لا سيما المرتبط بأسباب النزول.

أما قاعدة السياق، فهي ـ كما سوف يأتي إن شاء الله ـ كلّ قرينة تسبق أو تلحق أو تقارن الكلام بحيث تؤثّر في ظهوره ودلالاته أو في المراد منه.

ولا شك في حجيّة السياق في الجملة وتأثيره على تضييق دلالة الآية أو توسعته، فلو أخذنا آية الخمس في القرآن الكريم وفصلناها عن سياقها المحيط لأمكن أن تعني مطلق ما يغنم ويكتسب من قبل الإنسان في حياته، إلا أننا عندما نضعها في سياق ما قبلها وما بعدها بل في سياق ذيلها أيضاً، حيث الحديث عن الحرب والجهاد والقتال، فسوف يتغيّر الاستنتاج، لاسيما وأنّ سورة الأنفال التي جاءت فيها آية الخمس سياقها برمّته تقريباً هو سياق الجهاد والقتال والحرب.

وهنا يقول الفقيه القرآني بأنّ هذا السياق وإن أمكن أن يراد معه مطلق الغنيمة إلا أنّه يوجب ترجيح المعنى الخاص للغنيمة ـ وهو غنائم الحرب ـ على المعنى العام، وهو مطلق ما يغنم، ولا أقلّ من أنّ السياق يعيق الاطمئنان بانعقاد الإطلاق في الآية الكريمة.

إنّ السياق هنا يؤثر على المعنى ويكتسب حجيّته من حجيّة القرينة، وهو مقبول من حيث المبدأ.

أما قاعدة عدم تخصيص الوارد بالمورد أو ما يسمّى بقاعدة: العبرة بعموم اللفظ أو الصيغة لا بخصوص السبب، فهي قاعدة تساعد على فكرة خلود القرآن وتشريعاته، وهو ما ورد في بعض الأحاديث عن النبي وأهل بيته من أنّ القرآن لا يموت بموت من نزل فيهم.

وتؤكّد هذه القاعدة أنّ الآية التي تحمل مفهوماً أو تشريعاً لا تقف عند سبب نزولها، أو بتعبير أدقّ: عند من نزلت فيهم؛ لأنّ هذا يعني أنّ القرآن سينتهي بمجرد ذهابهم، وكأنّ الحكم الذي في القرآن جاء لهذه الجماعة المعدودة المعاصرة لنزوله على النبي|.

إنّ قاعدة الوارد والمورد لا ترتبط بالسياق القرآني الذي يشكّل عناصر دلالته على المعنى، وإنما ترتبط بالموضوع أو المخاطب الذي جاء القرآن بمناسبته، كما في آيات الظهار أو الإيلاء أو اللعان أو القذف أو غيرها، وهذا في حدّ نفسه لا يشكّل قرينة التضييق والتقييد في الآيات من الناحية الدلاليّة، بعد تجاوز إشكاليّة اختصاص الخطاب بالمشافهين أو المقصودين بالإفهام، وتكريس مبدأ وقاعدة الاشتراك في الأحكام.

لكن قاعدة الوارد والمورد تحتاج لتفصيل، وذلك:

أ ـ لا يصحّ إجراء قاعدة الوارد والمورد إلا عندما يكون اللفظ القرآني في نفسه عاماً، أي هو على مستوى سياقاته ودلالاته وتركيبه يتّسم بالعموم، فهنا نقول: إنّ السبب مجرّد مثير خارجي لنزول النص العام، وليس بموجبٍ تقييداً في الدلالة.

أما لو كان النصّ القرآني خاصّاً في حدّ نفسه، ولم تسعفنا القرائن لتعميمه، فلا يمكن الاستناد إلى قاعدة عموم اللفظ هنا؛ لفرض فقدان العموم، فمثل الآيات الخاصّة بالنبي أو ببقاء المسلمين عنده بعد تناولهم الطعام أو بزوجاته حال حياتهنّ.. لا يمكن القول بأنّ العبرة بعموم اللفظ، بل غاية ما نقول هو أننا نستوحي من هذه الآيات قيماً، لا أنها دالّة على حكم شرعي أبدي، كيف وبموت زوجات النبي يفترض أنه انتهى حكم حرمة الزواج بهنّ لانعدام موضوعه، ما لم يقل شخص بأنّ الحكم ما يزال قائماً، لكنّه ليس محل ابتلاء، فتكون قاعدة العموم هنا خاصّة بالنبي محمد ولا تشمل نبياً آخر، كما لا تشمل أهل البيت النبوي، ولا تشمل مطلق أئمة المسلمين وأولياء أمورهم.

ب ـ قد تساعد الأحاديث الشريفة على فرض مصاديق جديدة للآيات لم ننتبه لها، كما في آيات الإعراض عن اللغو، والتي طبّقت على حرمة الغناء في بعض النصوص الحديثية، أو على حرمة حفظ كتب الضلال.

والتوسعة من الحديث للقرآن بنحو الحكومة أو غيرها هو ما يسمّى ـ في بعض صوره على الأقلّ ـ بقاعدة الجري والتطبيق، حيث لا تريد الرواية حصر الآية بمورد، بل تريد ـ بحسب لسانها ـ تطبيق الآية على موردٍ جديد.

لكن في بعض الأحيان تكون الآية ذات لسان يقبل العموميّة، فتأتي بعض الروايات لتحصره بما وردت الآية فيه، فيصبح المورد موجباً لتضييق الوارد بمعنى من المعاني، كما في بعض الآيات التي حصرت في الحديث بأهل البيت حصراً بلسان (إنما أراد بها نحن) وأمثاله، ففي هذه الحال التي يتكشّف لنا فيها أنّ النص وإن ورد بلسان عام لكنّه أريد منه الخاص، لا يمكننا تطبيق قاعدة عمومية النص؛ لأنّ عمومية النصّ مفهومٌ لا يقصد منه طريقة التعبير الواردة في النصّ فقط، بل يقصد المفهوم الحاكي عنه التعبير.

فإذا كان النصّ عاماً والمراد من النص هو العموم جدّاً، أمكن تطبيق قاعدة عمومية النص، أما في مثل آية الولاية عندما نريد حصرها ـ لسببٍ من الأسباب وفقاً للتفسير الشيعي مثلاً ـ بشخص الإمام عليّ، أو آية ﴿أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ (النساء: 59)، عندما نريد حصرها بأئمّة أهل البيت وفق المعتقد الشيعي ومشهور التفسير الإمامي، ففي هذه الحال لا يمكن تطبيق هذه الآيات على مطلق أولي الأمر، كما في عصر عدم حضور المعصوم، ولا يمكن تطبيقها على كلّ من آمن وأقام الصلاة وأتى الزكاة وهو راكع، حتى لو صدر هذا الأمر اليوم.

فعموميّة اللفظ عموميّة بدوية هنا، لكن وفق التفسير الشيعي هي عمومية مشيرة إلى خاصّ، ومعه فيكون سبب النزول ومورد النزول موجبين لتقييد العموم الأوّلي الظاهر من هذه الآيات الكريمة وفق هذا التفسير لها.

من هنا، يجب أن نميّز بين حجيّة السياق وقاعدة الوارد والمورد، ثم نميّز مرّة أخرى في القاعدة نفسها فنخصّص جريانها في كلّ حال حصل لنا فيه عموم في اللفظ مقصودٌ جداً للمتكلم لا مطلقاً.

ج ـ في بعض الحالات قد يأتي النص القرآني في موردٍ ما وبيانه خاص بهذا المورد بحسب الظاهر، لكنّ الفقيه يجرّد النصّ من الظهور الخاصّي، ويرى أنه يقبل التعميم لغير المورد الذي جاء فيه، وبهذه الطريقة يتعدّى الفقيه كلاً من قاعدة المورد وعموميّة اللفظ.

وهنا، لا يصحّ ذلك إلا مع وجود قرائن أو شواهد أو مؤشرات على التسرية والتجريد، أعني تجريد النص من كلّ من مورده ولفظه، ومثال ذلك حكم الربائب حيث ورد في الآية التقييد بأنهنّ اللاتي في الحجور، قال تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ (النساء: 23)، فإنّ المورد هنا خارجاً ولفظاً مقيّد بحالة اللاتي في الحجور؛ لكنّ الفقيه يقوم بتجريد النصّ عن هذا القيد بحمله على الحالة الغالبة للربيبة، وهي أن تكون في الحجر، وهنا إذا حصل له شاهد على ذلك فهذا جيّد، وإلا فمقتضى القاعدة تقييد الحكم وعدم تعميمه لغير اللواتي في الحجور؛ لاحتمال الخصوصية المعقولة في كونهنّ في الحجر ويعشن مع زوج الأم في بيتٍ واحد.

ومن أمثلة ذلك أيضاً، الموارد القرآنية الكثيرة التي ورد فيها ذمّ المنافقين والمشركين واليهود والنصارى على مسلكيات فعلوها، مثل كتمانهم الحقّ، وتزوير كتاب الله، والافتراء على الله كذباً وزوراً فيما ينسبونه إليه، وعدم أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وتثبيطهم العزائم، ونزعتهم المصلحيّة، وغير ذلك الكثير، فالآيات وإن وردت ـ لفظاً وسبباً ـ في الكافرين والمنافقين، لكنّ الفقيه قد يفهم منها رفع خصوصيّة المورد، ليستنبط من هذه الآيات حرمة الأفعال التي ارتكبوها حرمةً ثابتةً في شريعة الله تعالى.

وهكذا المحرّمات التي نزل العذاب بموجبها على بعض الأقوام أو أرسل بعض الأنبياء لمواجهتها، كالتطفيف في المكيال والميزان وعدم القيام بالقسطاس المستقيم (قوم شعيب)، واللواط (قوم لوط)، بل حتى الأوامر التي تُوجّه للأنبياء أنفسهم يمكن القول بشمولها لغيرهم في كثير من الأحيان، عندما يستظهر الفقيه ذلك ويرفع الخصوصيّة، لهذا تُجعل سيرة الأنبياء والتوجيهات الإلهية لهم بمثابة مرجع شرعي وأخلاقي للعاملين في سبيل الله أيضاً، وما ذلك إلا لفهم روح الفكرة وليس خصوصية المخاطب بها، ولو لفظاً وسبباً.

وقصص الأنبياء جاءت للعبرة والاعتبار كما ذكر القرآن الكريم، والاعتبار يأتي من العبور والتجاوز، أي تجاوزها لأخذ المفاهيم منها.

3 ـ الفقه القرآني ومرجعيّة القرآن الكريم

يمثل القرآن الكريم مرجعيّةً لنفسه، بمعنى أنّه تساعد آياته ومقاطعه وكلماته على فهم المراد من آيات أخَر منه أو مقاطع أو كلمات، وهذا ما يشكّل منهجُ تفسير القرآن بالقرآن أوسع أطره العامّة.

ولكي نطلّ على هذه القضيّة، يمكننا أن نطرحها ضمن محاور عدّة بارزة، نشير إلى بعضها باختصار، وهي:

3 ـ 1 ـ  قاعدة السياق القرآني أو المرجعيّة القرآنية السياقيّة

تعدّ قضيّة السياق عموماً والسياق القرآني خصوصاً من الموضوعات بالغة الأهميّة في فهم الكتاب والسنّة؛ نظراً لما للسياق ـ بأنواعه وأقسامه ـ من دورٍ دلالي بالغ في إيصال أغراض المتكلّم ومقاصده إلى السامع وتوضيح مراده من كلامه، وهي تشكّل الإطار العام لفهم القرآن عبر القرآن، وهي الحاضن لكلّ من فكرة: المحكم والمتشابه، والنسخ، والتخصيص، والتقييد أيضاً.

ولم يُغفل العلماء المسلمون البحث في قضايا السياق، ولو ضمن عناوين أخرى ومجالات ومسمّيات أخرى، مثل حديثهم عن القرائن وأنواعها من حاليّةٍ ومقالية، ومتصلة ومنفصلة، ولفظية ولبيّة، ومتقدّمة ومقارنة ومتأخّرة، وكذلك مباحث الإطلاق والتقييد والتخصيص والعموم والحكومة والمجمل والمبيّن وغير ذلك. وقد أفاضوا في بحث الكثير من زوايا النظر في هذا الموضوع.

لكنّ هذه الموضوعات لم تطرح تحت عنوان السياق، بل أخذت لنفسها مسمّيات أخَر في علوم التفسير وأصول الفقه الإسلامي.

وقد استخدم العلماء كلمة السياق عَرَضاً في أبحاثهم فقالوا مثلاً: النكرة في سياق النفي أو النهي، أو سياق العلوم. لكنّ هذا لم يكن نتيجة أخذ هذا المصطلح بوصفه عنواناً لمجموعة نشاطات دلاليّة لها ضوابطها ورؤيتها وقوانينها، وإنما جاء عرضاً في التعبير عندهم.

وبصرف النظر عن ذلك، لم نجد اهتماماً متميّزاً بموضوعة السياق القرآني، والخصائص التي يتمتع بها هذا السياق، فلم يفرد هذا البحث بالدراسة في كلمات الفقهاء والأصوليين، نعم تحدّث علماء القرآنيات عن شيء يتعلّق بالنَّظم، وأنّ الآيات لها نظمها الخاصّ، وتحدّثوا كذلك عن توقيفيّة الترتيب في الآية وبين الآيات وبين السور كذلك، وهذه أمورٌ لها علاقاتها ببحث السياق، تماماً كعلاقة بحث ترتيب النزول وترتيب الجمع بموضوعنا هنا.

لكن في الفترة الأخيرة، ظهرت نظريّة السياق في الغرب على يد فيرث، وأخذت لها مكاناً مرموقاً في الدراسات اللغويّة والأدبية، وظهر هذا المصطلح بوصفه أساساً في عمليّة الفهم اللغوي، فانبرى الكتّاب لدراسته وتحليله.

السياق، تعريفه ومفهومه

لو أردنا أن نعرّف السياق، فنحن لا نجد عند الأصوليّين تعريفاً للسياق، كما أنّهم لم يفردوا هذا العنوان بدراسة مستقلّة حتى يكون لهم اصطلاح فيه، وإن استخدموه في ثنايا كلماتهم كالنكرة في سياق النفي وسياق النظم والكلام المسوق لكذا وكذا، من هنا لا معنى للبحث عن مفهومٍ مصطلح هنا، وإنما يريدون منه معناه اللغوي.

ولهذا، انبرى بعض الباحثين الجدد لتعريف السياق، فذكروا تارةً بأنّ دلالة السياق هي تلك المعاني التي تُفهم من تراكيب الخطاب ويُشعر المنطوق بها بواسطة القرائن المعنوية([72])، وأخرى عرّفوه بأنّه الكلام المتتابع إثره على إثر بعض والمقصود للمتكلم، والذي يلزم من فهمه فهم شيء آخر([73])، وغيرهما من التعاريف([74]).

لكن ما نرجّحه تعريفاً للسياق بكلّ أنواعه ونضعه لهذا المصطلح، ما يلي: «السياق هو التركيب اللفظي والمعنوي المولِّد لمجموعة الدوالّ الحافّة بالمفردة أو الجملة، والتي تقدّم مدلولاتٍ مقصودة للمتكلّم ـ ولو ضمناً ـ من خارج دلالة كلّ مفردة على معناها المنفصل المستقلّ لها».

وميزة تعريفنا هذا أنّه:

أولاً: اعتبار السياق ظاهرة مولِّدة لمجموعة دوالّ في نظام اللغة والمحاورة، ومن ثم كان السياق دالاً، وكانت له دلالة.

ثانياً: اعتبار السياق مجموعة دوالّ لا دالاً واحداً، وهذا ما يجمع كل الدوالّ الحافة بالكلمات (المفردات) من القرائن اللفظية والمقامية والحالية والداخلية والخارجية وغيرها، وعدم الاقتصار على القرائن اللفظية أو على خصوصيّة تتابع الكلمات كما فعلت بعض التعاريف المتقدّمة، حيث أهملت السياقات المقاميّة والحالية وأمثالها.

ثالثاً: إنّ تعريفنا يعطي السياقَ بُعده البشري واللغوي العام، ولا يحصره بالخطابات الشرعيّة كما فعل تعريف العنزي، حيث قال: «إنّها القرائن الدالّة على المقصود في الخطاب الشرعي»([75])؛ لأنّ السياق ليس ظاهرةً شرعية أو خاصّة بالخطابات الشرعية، بل هو ظاهرة بشريّة عامة تجري في التفاهم والتفهيم ونظام اللغة والمحاورات.

رابعاً: إنّنا بهذا التعريف نفصل بين الدلالة المنفصلة لكلّ مفردة والدلالة السياقيّة لها، بمعنى أنّ لكلّ مفردة دلالة على معنى حتى لو نطقنا بها لوحدها، ولها دلالة عندما تقع ضمن جملة على إرادة معنى خاصّ من كلمة أخرى وقعت في الجملة سابقاً أو لاحقاً.

فالنوع الأول من الدلالة هو دلالة المفردة الذي لا علاقة له بالنظم والتتابع والترابط، بينما الدلالة الثانية ناتجة عن السياق الذي ربط بين الكلمات والجمل. فدلالة كلمة «يستحمّ» في قولنا: «رأيت أسداً يستحم»، على إرادة الرجل الشجاع من الأسد، هي دلالة سياقيّة؛ لأنّ المفردة لوحدها لا تعطي هذا المعنى، لا مفردة الأسد ولا مفردة يستحمّ، لكن عندما جاءتا في سياق واحد أثرت الثانية في الأولى، وهذا التأثير سياقي؛ إذ لولا التركيب اللفظي المشار إليه لما ولدت هذه الدلالات وهذا التأثير.

خامساً: إنّ قيد «ولو ضمناً» الذي أضفناه يستطيع أن يفسّر لنا دلالة بعض القرائن على مقصود المتكلّم، ولو لم يذكرها في كلامه، لكنّها كانت حافّة بالكلام برمّته، وكان المتكلّم ـ كالسامع ـ ملتفتاً التفاتاً واعياً لقرينيّة هذه القرائن ولانضمامها إلى التركيبة التي قدّمها لنا، وهذا ما يستوعب القرائن المتصلة اللبية، كالقرائن العقلية أو المرتكزات التي يقوم الكلام عليها بين الطرفين، إذ قد لا يشعر المتكلم بهذا النوع من القرائن، لكنّه يكون مقصوداً له ومبنيّاً كلامُه عليه.

سادساً: وعليه، فالسياق هو الحاضنة والبيئة المولّدة لنظام القرائن، ومن ثم يمكن أن يطلق بهذا المعنى على مجموعة القرائن التي أفرزتها عملية التركيب، كما يمكن أن يطلق على البيئة الحاضنة والمولّدة لهذه القرائن نفسها أيضاً.

وبعد هذه المقدّمة العامّة الموجزة، لابدّ من الدخول في مسألة السياق القرآني، فمن الواضح أنّ مسألة السياق القرآني ـ كأيّ قضيّة سياقيّة أخرى ـ تلعب دوراً في فهم مراد المتكلّم، فإنّ الجمع والضمّ لأطراف كلام المتكلّم الواحد يساعد على فهم كلامه ويوصل القارئ أو السامع إلى مراده.

ويعدّ السياق بهذا المعنى والأخذ به بهذه الطريقة شكلاً من أشكال تفسير القرآن بالقرآن، وقد مارسه النبيّ والأئمة والصحابة كثيراً، فيما اُثر عنهم في كتب التفسير والحديث.

أنواع السياقات القرآنية وتأثيراتها

ولكي نفهم زوايا السياق القرآني ودوره لابد من معالجة أنواع السياق القرآني، وهي:

النوع الأوّل: سياق الآية الواحدة أو السياق داخل الآية

فالآية القرآنية الواحدة لها سياقها التركيبي وغيره، وهذا السياق يساعد في فهم المراد منها، تبعاً لنظام اللغة العام، وقد اعتمد العلماء والمفسّرون على سياقات الآيات بشكل كبير جداً، فنظروا في أوّله وضمّوه إلى آخره، وقاربوا بين الجمل والفقرات في الآية الواحدة وخرجوا بمعانٍ متعدّدة.

وهذا النوع من السياق حجّةٌ معتبر، ويدخل في القرائن المتصلة التي لا ينعقد في الكلام دلالةٌ ولا ظهور من دونها، ومعنى ذلك أنه لا يمكن الاكتفاء بمقطعٍ من الآية الكريمة دون النظر في سائر المقاطع، وفي سباقه ولحاقه ومقارناته في هذا المضمار.

وقد يرتكب الفقيه أو المفسّر (بالتفسير الموضوعي) خطأ هنا عندما يقوم بأخذ موضع الشاهد من الآية الكريمة، ثم يركّز دائماً نظره عليه دون أن يلتفت بعد ذلك إلى السياق وأنه مؤثر في الدلالة، وهذه طريقة لاحظنا أنه وقع فيها غير واحد من العلماء والباحثين. وسأعطي أمثلة:

المثال الأوّل: قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ﴾، فهذه الآية الكريمة جاءت كثيراً في استدلالات الفقهاء للاستناد إليها في إثبات حليّة بيعٍ هنا أو هناك، فكانوا يقولون دائماً: إنّ هذا البيع أو ذاك صحيح؛ تمسّكاً بإطلاق أحلّ الله البيع، وعادةً ما يقتطعون هذه الجملة من الآية الكريمة فينظرون إليها لوحدها.

والملاحظة هنا هي أنّه لو نظرنا إلى سياق هذه الآية الكريمة لرأينا أنه بصدد المقارنة بين البيع والربا، قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة: 275).

إنّ هذا السياق يعطي أنّ المتكلم في مقام بيان أصل المقارنة بين البيع والربا، فالأوّل حلال والثاني حرام، وليس في مقام بيان حكم جميع أنواع البيع وتفاصيل أحكامها حتى يكون هناك إطلاق يستند إليه ويرجع في الحالات التفصيليّة.

فهذا مثل قول القائل: لا تقارن شرب الخمر بشرب الماء، فالماء حلال والخمر حرام، فهذا النص لا يريد به المتكلّم تحليل شرب مختلف أنواع المياه، وإنّما يريد المبدأ من ذلك، فالغياب عن سياق هذه الآية الكريمة والناتج عادةً عن أخذ المقطع محلّ الشاهد دون نظر في السياق السابق واللاحق، يفضي إلى أخطاء في الاستنتاج.

المثال الثاني: قوله تعالى: ﴿عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾، فقد استند العديد من الفقهاء إلى هذه الآية الكريمة لإثبات أنّ العبد لا يملك من أمره شيئاً ولا تنفذ معاملاته وغيرها، بل ولا يَمْلِك أساساًَ، بل يملكه سيّده.

لكنّنا لو تأملنا في سياق الآية القرآنية، وجدناه سياق ضرب الأمثال، لا سياق بيان حكم شرعي أو تأسيس قواعد أو مبادئ شرعيّة، قال سبحانه: ﴿ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (النحل: 75 ـ 76).

فإنّنا لو لاحظنا السياق اللفظي للآية، وضممناه إلى الآية اللاحقة، مع الأخذ بعين الاعتبار قول من قال بأنّ السورة مكيّة، لفهمنا أنّ الله تعالى لا يريد هنا تأسيس حكم شرعي في العبيد، وإنما هو بصدد ضرب مثال لشخصين أحدهما له الفعاليّة والقدرة وثانيهما عاجز غير قادر، وأنّ هذين لا يشبهان بعضهما، فيريد أن يقارن في الآية الأولى ـ كما في الثانية ـ بين الفعل والخمول، وبين النشاط والكسل، وبين العمل والترك، وهذا المثال كما يمكن أن يستقي بنوده من واقعٍ شرعي كذلك ـ لأنّه مجرّد مثال ـ يمكن أن يأخذه من واقع عرفي، فليس في مقام بيان حكم شرعي. وحيثية التمثيل لا تستدعي حكماً شرعياً بل تُشبعُها الحالةُ العرفية الغالبة أيضاً، كما في المثال الثاني، فيصعب مع هذا السياق اللفظي ـ وهو سياق التمثيل إلى جانب السياق الزمني، وهو السياق المكّي المعروف بعدم وجود تشريعات فيه، لاسيما لقضايا من هذا النوع ـ أن نلتزم بأخذ حكمٍ شرعيّ من هذه الآية الكريمة.

إلا أنّه كيف نعرف أنّ الآية الواحدة نزلت كلماتُها معاً حتى تشكّل قرينةً متصلة وسياقاً لفظياً واحداً؟ ألا يمكن أن تكون بعض جمل الآية قد نزلت على حدة وبعض جملها الأخرى قد نزلت في مواضع أخرى، ثم وضعت الجملتان معاً، إما بأمر من الرسول| أو بغير ذلك؟

الذي يبدو أنهم متفقون على الوحدة النزولية للآية الواحدة، إلا ما يلوح من بعض كلمات العلامة المجلسي والعلامة الطباطبائي من احتمال وضع آية إكمال الدين وإتمام النعمة في الآية الثالثة من سورة المائدة، ووضع آية التطهير في الآية الثالثة والثلاثين من سورة الأحزاب، فما الموقف في هذه الحال؟

توجد هنا حالتان:

الحالة الأولى: أن يساعد السياق التركيبي نفسه على تقوية احتمال الوحدة النزولية بحيث لا يسمح بافتراض أنهما آيتان نازلتان ثم اُقحمتا في آية واحدة، وهذا ما هو الحاصل عملياً في أغلب إن لم نقل جميع آيات الكتاب الكريم. وفي هذه الحال يجعل المتن نفسه دليلاً على الوحدة النزولية، لاسيما إذا لم تذكر أيّة منقولات تاريخية افتراضاً من هذا النوع.

الحالة الثانية: أن لا يكون الأمر كذلك، وهنا يستند إلى الإجماع وعدم النقل لإثبات الوحدة، وهما دليلان جيّدان في حالة الشك الافتراضي الصرف، أما مع حصول شكّ حقيقي في الأمر فمن الصعب الالتزام بهما، إلا إذا قيل بأنّ حوادث من هذا النوع لو وقعت لأوجبت تغيّراً في معنى الكتاب مما يستوجب تناقلها، فإنها لو صدرت من غير المعصوم لعدّت نمطاً من التدخّل؛ لأنّ ذلك يؤدّي إلى التصرّف في الآية الواحدة الموجب للتأثير على المعنى في الجملة، ولو حصل لتناقلوه، وأغلب الظنّ أن يخالفوا فيه، فلمّا لم نسمع أيّ شيء من هذا النوع عنى ذلك أنّه لم يحصل.

نعم، هذه الظاهرة ـ إشكاليّة الوحدة السياقية الاتصالية للآية الواحدة ـ يمكن أن تظهر بقوّة عندما يحصل اضطراب في تحديد الآية الواحدة، فهناك بعض الآيات التي وقع فيها نقاش على مستوى حجمها بحيث عدّت ثلاث آيات آيةً واحدة كآية الكرسي، ولهذا اختلف العلماء في عدد آيات القرآن الكريم تبعاً للاختلاف الذي من هذا النوع، وهنا إذا أحرزنا أنّ هذه الآيات الثلاث هي آية واحدة أو أحرزنا العدم فلا بأس، وإلا نأخذ بالقدر المتيقّن كونه آيةً واحدة، ولا نستطيع حينئذٍ افتراض أنّ ما زاد داخلٌ في تلك الآية الأولى.

لكنّ هذا الشك يؤثر على فهم الآية الأولى نفسها بحجمها الأصغر؛ لأنّ احتمال وحدتها مع الآيتين اللاحقتين معناه أنّ هاتين الآيتين صارتا بمثابة القرينة المتصلة المحتملة، فكأنّنا نشكّ في وجود قرينة متصلة بالآية الأولى؛ لأنّه على تقدير اندراج الآيتين اللاحقتين بها صار الاتصال حتمياً، وإلا وقع الانفصال مع عدم إحراز الوحدة النزولية على أيّ حال بين الآيات الثلاث، ومع الشك في الاتصال يقع الإجمال، بمعنى ضرورة الأخذ بالقدر المتيقن من دلالة الآية الأولى على تقدير وجوده، وإلا أوكل علمها إلى الله تعالى.

والأرجح أنّ سياق الآية الواحد حجّة؛ لوحدة النزول في العادة، ولو حصل شكّ حقيقي فالموقف هو ما تقدّم.

النوع الثاني: السياق المقطعي، أو السياق بين مجموعة آيات

ويقصد بهذا السياق اعتبار مجموعة من الآيات مقطعاً واحداً والأخذ بسياق هذا المقطع، فبعد أن كانت كلمات الآية تفسّر في ضوء سائر أجزائها، صارت الآية الواحدة كلّها هنا تفسّر في ضوء سائر الآيات في المقطع الواحد، فهل هذا السياق حجّة اتصاليّة أو لا؟

هنا يمكن فرض صورتين:

الصورة الأولى: أن نحرز أنّ هذا المقطع المفترض، له وحده نزولية إما من قرائن داخليّة فيه تؤكّد وحدته النزوليّة أو من دليل خارجي كأدلّة أسباب النزول ونحو ذلك إذا كانت أدلّةً معتبرة.

وفي هذه الحال من الطبيعي أن يكون لهذا المقطع سياقٌ حجّة؛ لأنّ الوحدة النزوليّة تؤمّن اعتبار كلّ آيات المقطع جزءاً من شخص الكلام، وهذا ما يعني أنّ كلّ آية هي قرينة متصلة في حقّ الآية الأخرى، واتصال القرينة كفيل بتحقيق حجيّة السياق الاتصالي كما قلنا سابقاً.

الصورة الثانية: أن لا نحرز أنّ هذا المقطع المفترض، له وحدة نزولية، لا من قرائن الداخل ولا شواهد الخارج، وفي هذه الحال تارة نتأكّد من أنّهما لا يشكّلان نزولاً واحداً رغم اجتماعهما في المجمع القرآني مع بعضهما، وأخرى نشكّ ونحتمل ذلك كما نحتمل عدمه.

ففي الحالة الأولى: من الطبيعي ـ بصرف النظر عما سيأتي ـ أن لا تكون هناك أيّة علاقة قرينيّة اتصاليّة لكلّ من المقطعين أو الآيتين في حقّ الآخر؛ لأنّ المفروض أنّ كل آية نزلت لوحدها فكيف نفرض الوحدة السياقيّة الاتصاليّة؟!

أما في الحالة الثانية، فصحيح أننا لم نتأكّد من الوحدة السياقيّة الاتصالية، إلا أنّ شكّنا في الاتصال والذي نشأ من التتالي الموجود الآن في آيات الكتاب مع استشراف طبيعة المعنى الذي يحتمل الاتصال.. هذا الشك يرجع إلى الشك في قرينيّة هذا الموجود أو إلى الشك في القرينيّة المتصلة، وفي هذه الحال لا ينعقد ظهور في الكلام لو أردنا حذف هذا المقطع على تقدير الوحدة السياقية النزولية للمقطعين، وهذا ما يفرض الأخذ بالقدر المتيقن من دلالة الآية والذي يأخذ بعين الاعتبار الآية الأخرى.

وهذا التأثير اثنينيّ الطرف، أي يشمل الآية الأولى والثانية معاً، فلو كانت إحدى الآيتين لو اتصلتا تفرض تقيّد دلالة الآية الأخرى، فالمفترض جعل القدر المتيقّن هو الدلالة المقيّدة؛ لأننا لا نحرز ما هو أوسع من هذا المقدار؛ إذ على تقدير الاتصال النزولي يكون المقيَّد هو المراد، وعلى تقدير عدمه يكون ظاهر الكلام عاماً، ومع التردّد في دلالة الكلام بين العام والخاص نأخذ بما هو مؤكّد؛ للشكّ في انعقاد الظهور في العام بعد فرض احتمال القرينة المتصلة به.

وفي بعض الأحيان قد لا تتردّد المسألة بين الأوسع والأضيق في الدلالة، بل بين متباينين، وهنا لا مفرّ من الالتزام بالإجمال والانتقال إلى مراحل دلاليّة أو حلول أخرى في الموضوع.

النوع الثالث: سياق السورة

طُرحت فكرة سياق السورة في كلمات المتأخّرين من الباحثين كالدكتور محمد عبد الله دراز([76]) وأنصار التفسير البنائي ـ كالدكتور محمود البستاني ـ الذين اعتبروا أنّ كلّ سورة في القرآن الكريم لها هيكلها الخاصّ ونظامها ومكوّنها الذي يعبّر عن وحدةٍ تجمعها رغم تعدّد مقاطعها واختلاف نزولها، فآخر السورة يحكي عن أوّلها، ووسطُها يرتبط بطرفيها. وقد كان لدى القدماء محاولات ميدانية قد توحي بفكرة من هذا النوع كما نجد في مثل تفسير مجمع البيان للطبرسي والتفسير الكبير للرازي. وقد يُطلق على النظر في السورة الكاملة بوصفها مكوّناً متكاملاً ذا وحدة موضوعيّة عنوان: (فقه السورة القرآنية).

ولإثبات السياق المتصل بالسورة سبيلان هما:

السبيل الأوّل: الملاحقة الميدانية للسور بحيث يحصل للباحث اطمئنان بالوحدة هذه.

وهذه المراجعة الميدانية فيها مشاكل متعدّدة، ودونها عقبات لإثبات قاعدة عامة في كلّ السور، فإنّها لو صدقت في بعض السور التي نحتمل أنها نزلت كلّها نزولاً واحداً، لكانت شاهداً على الوحدة النزوليّة للسورة كما هي الحال في سورتي يوسف والدهر، وكثير من قصار السور، دون إمكانية إثبات الوحدة السياقية مع تعدّد النزول؛ لأنّ ما نريده هنا هو إثبات الوحدة السياقية للسور كلّها مع تعدّد النزول، وإلا لم يقدّم هذا الطرح أيّ جديد.

فلابد هنا من إثبات أنّ كلّ السور القرآنية بلا استثناء تخضع لهذا المنطق دون استخدام أساليب الضمّ والترقيع التي قد يبتلي الباحث بها هنا، فإنك لو أتيته بأيّ تركيبة قد يصطنع لها في ذهنه صورةً تكامليّة، إنّ مثل هذا الذهن الأيديولوجي يمكنه أن يعطي كلّ سورة ـ مهما شكّلناها له ـ وحدةً سياقية، الأمر الذي لا يخضع لمعطيات علمية ولغوية واضحة في كثير من الأحيان.

أضف إلى ذلك موضوعاً لابد من طرحه، وهو: مَنْ أمر بوضع الآيات في مواضعها؟ الرسول أو المسلمون؟

فإذا بُني في الدراسات القرآنية على أنّ ذلك كان من المسلمين أنفسهم فيما رأوه من مصالح ومقاصد في الصدر الأوّل، فإنّ هذا يهدم فلسفة وحدة السورة؛ لأنّ فعلهم هذا ليس حجّةً علينا، ولا يكشف بالضرورة عن وجود قصدٍ إلهي بترتيب السورة حتى ننسب نتائج هذا الترتيب إلى الله تعالى نفسه، فنظريّة سياق السورة أو التفسير البنائي يجب أن تثبت هذا الأمر مسبقاً.

وأما إذا كان الواضع هو الرسول، مما ينفتح معه احتمال مجال التوجيه الإلهي في ذلك، كما ورد هذا الأمر في بعض المرويّات التاريخية، فإنّه يصبح أمر سياق السورة أسهل، فيما لو أمكن إثبات أنّ كلّ الآيات والمقاطع قد تمّ ترتيبها عن طريق الوحي الإلهيّ للنبي، بحيث أثبتنا أنّ تعمّد هذا الترتيب من النبيّ كان بوحي إلهي يهدف إلى قصد جعل السورة وحدةً اتصاليّة حقيقيّة، ولو لم تكن وحدةً اتصاليّة نزوليّة، وهذا موضوع بالغ الأهميّة جدّاً، ولولا بناء بحثنا هنا على الاختصار والتكثيف، لخضنا في محتملات هذا الموضوع وفروعه، فليلاحظ جيّداً.

النوع الرابع: السياق القرآني العام، معانيه ودلالاته

ويمكن طرح أكثر من تصوّر حول السياق القرآني العام هنا، وذلك كما يلي:

1 ـ أن يُقصد بالسياق القرآني العام اعتبار كلّ آيات الكتاب الكريم بمثابة قرائن متصلة محكومة بنصّ واحد صدر من شخص واحد في مجلس واحدٍ. وبهذا تتأثر كلّ الآيات القرآنية ببعضها، ولا ينعقد لأيّ آية ظهور إلا بضم كلّ الآيات ذات الصلة إليها.

ويتفرّع على هذا التصوّر أنه لا يمكن ممارسة تفسير تجزيئي للقرآن الكريم بالطرق المألوفة لدى كثير من المفسّرين، وهي تلك الطرق التي تنظر في الآية وما قبلها وما بعدها، وأحياناً تطلّ على بعض الآيات ذات الصلة، بل لابد أن تفهم كلّ آية في سياق مجموع آيات الكتاب، ويغدو التجزيئي قريباً من الموضوعي بمعنى من معاني الثاني.

إلا أنّ اعتبار النصّ القرآني وحدةً اتصاليّة بهذا المعنى يحتاج إلى إثبات؛ لأنّه يحوّل القرآن من خطاب إلى كتاب، فيلغي فيه خصوصيّة النجومية النزوليّة والبُعد الخطابي والحواري والشفوي الذي جاء فيه، فالنزول التدريجي للقرآن الكريم على شكل مقاطع متفرّقة لها سياقاتها الخاصّة يحول دون افتراض تحوّله فيما بعد إلى سياق اتصالي واحد بهذا المعنى الذي يشبه تأليف شخص لكتاب ثم نشره دفعةً واحدة في الأسواق.

ويشهد لذلك ظاهرة النسخ وظاهرة التدرّج في بيان الأحكام، فلو تعاملنا اليوم مع القرآن الكريم بوصفه وحدةً اتصاليّة بهذا المعنى للزم فهم ظاهرة النسخ على أنها شكلٌ من أشكال الإضراب لا غير! ولم يعد هناك معنى لفكرة التدرّج القرآني في بيان الأحكام.

2 ـ أن يُقصد بالسياق القرآني العام، تفسير القرآن بالقرآن، وهذا المعنى مقبول؛ لأنه مقتضى قانون الفهم اللغوي العقلائي لأيّ كلام يصدر من متكلّم عاقل حكيم، فإذا كان هذا المتكلّم هو الله سبحانه، فمن الطبيعي ـ حيث لا تناقض في كلامه، وحيث لا تغيّر في علمه ـ أن يكمل كلامُه كلامَه الآخر، وتتحوّل الآيات والسور والمقاطع إلى مداميك مكمّلة لبعضها بعضاً، لا بمعنى الوحدة الاتصاليّة التي أشرنا إلى صعوبة إثباتها في كلّ الآيات، بل بمعنى الوحدة المجموعيّة التي تعني أنّ آيةً ما أو سورةً ما أو مقطعاً ما يفيد معنى، وبمعرفتنا إرادة المتكلّم هذا المعنى نستطيع فهم مراده من كلامٍ آخر له، لا تحقَّق ظهور الكلام في مكان آخر كما هو مقتضى القرينة المتصلة، فالكلامان ينعقد فيهما ظهور، غايته يكون أحدهما شاهداً على المراد من الآخر أو موضحاً لمقصود المتكلم من الكلام الآخر، تماماً كما في تعاملنا مع الأحاديث النبويّة، حيث يُجعل حديثٌ ما بمثابة القرينة المنفصلة الموضحة للمراد من الحديث الآخر.

3 ـ أن يُقصد بالسياق القرآني العام، الدوافعُ والأغراض التي جاء القرآن لها أو استجابةً لموجباتها، بحيث تحكم على فهمنا لدلالاته وتشكّل إطاراً لحركته، فمثلاً إذا اعتبرنا أنّ القرآن الكريم جاء لغرض الهداية لا لغرض بيان كلّ العلوم والفنون، فإنّ هذا السياق (في الأغراض) سيؤثر على فهمنا للنصوص وكيفيّة استنطاقها.

وهذا المعنى للسياق العام صحيح ومعمول به في مختلف الميادين؛ لأنّ الأطر العامّة التي تحيط بمجموعة نصوص نزلت خلال مدّة زمنيّة معيّنة، يمكنها أن تؤثر في تفسير مجموع هذه النصوص ولو لم يكن بينها وحدة اتصاليّة.

وفي هذا الإطار، تأتي النظريّة المعاصرة في فلسفة الدين والكلام الجديد (حدود الدين أو توقّعات البشر من الدين) فإنها ـ إذا صحّت ـ تؤثر على فهم النص ومراداته وغاياته.

كما وفي هذا الإطار تأتي فكرة أنّ القرآن جاء لبيان الأحكام الإلهية أو الأعمّ منها ومن الزمنيّة، وأنّه هل هو خطاب ما فوق زمكاني أو مزيج من الخطاب الزمكاني والمتعالي، كما ذهب إلى القول الأخير غير واحد من الباحثين، من أمثال الدكتور نصر حامد أبو زيد.

4 ـ أن يُقصد بالسياق القرآني العام، كما ذكره بعضٌ، العرفُ الاصطلاحي الخاصّ للقرآن الكريم، فإنّ اللفظ إذا غلب في القرآن الكريم استخدامه في معنى اصطلاحي خاصّ (أهل الكتاب مثلاً..)، فإنه عندما يأتي في موردٍ معيّن فلابدّ من حمله على هذا الاصطلاح القرآني والعرف القرآني ما لم يقف شاهد معاكس لذلك.

ويستند بعضهم في ذلك إلى الاستقراء، حيث نقوم بتقرّي القرآن وآياته، فإذا وجدنا حالةً عامّة مطّردة أفدنا منها في حلّ الموضع المشكوك أمره، ويكون هذا من مصاديق تفسير القرآن بالقرآن. وهذا ما يسمّيه بعضهم بـ (كلّيات الألفاظ)، ومثّلوا له بلفظ الغلبة.

وإلى جانب كلّيات الألفاظ، هناك ما يعرف بكلّيات الأسلوب أو عادات القرآن، ومثّلوا لذلك بأنّ أسلوب القرآن قائم على استخدام الترهيب عند استخدام الترغيب وبالعكس([77]).

وهذا المعنى للسياق يمكن قبوله حيناً، لكنه غير مقبول في أحيان أخرى، وذلك أنّ هنا حالات:

أ ـ لابد من ملاحظة الآية أو الكلمة التي نريد الاستعانة بهذا النوع من السياق لفهمها، وذلك من حيث تاريخ النزول، فإنّه من الممكن جداً أن يكون القرآن الكريم في الآيات التي نزلت في بداية الدعوة الإسلاميّة قد استخدم المفردات بطريقتها المعهودة دون وضع اصطلاح جديد، ثم بعد ذلك جاء الاصطلاح، فإذا كانت الآية مورد البحث مما نزل في بدايات البعثة فقد يكون من الصعب أن نسرّي الحكم لها نتيجة غلبة الاستخدام في آيات أخَر، على عكس ما لو كانت الآية قد نزلت بعد تبلور المصطلح وتحوّله إلى حقيقة جديدة في النظام اللغوي القرآني، كما لو نزلت أواخر العهد المدني، ففي هذه الحال يصبح السياق العام قرينة مرجّحة للحمل على المعنى المصطلح.

وبناء عليه، لا يصح تغييب الجانب التاريخي في هذا الموضوع. ومن أمثلته النصوص التي تحدّثت عن الجهاد وكانت قد نزلت في مكّة المكرّمة، أي قبل تشريع الجهاد على المسلمين.

وضمن هذا السياق، يأتي البحث الأصولي المعروف ببحث الحقيقة الشرعيّة، وهو بحثٌ بالغ الأهميّة من حيث متابعاته الميدانيّة والتاريخيّة في زمانيّات حصول التحوّل في المصطلحات في التاريخ الإسلامي والعصر النبويّ؛ فكثيراً ما اُسقطت فهومنا المتأخّرة للمصطلح والتي تبلورت ضمن التراث والثقافة الإسلاميّة بمرور الزمن.. اُسقطت على النصوص القرآنية والنبويّة، وسبّب ذلك إرباكاً في بعض المجالات، بينما لو عدنا إلى تاريخيّة تحوّل المصطلح من اللغة العربيّة إلى اللغة القرآنيّة لربما اكتشفنا أنّ الحلّ يكمن في العودة إلى المدلول الأصل والأساس في اللغة، وأنّ القرآن استخدم الكلمة بحسبه، لا بحسب المصطلح الإسلامي الذي تبلور بمرور الزمان، وربما يكون من أمثلة ذلك كلمة الزكاة والإيمان والإسلام والصلاة والصلاة على النبي والفسق والكفر وغير ذلك.

ولهذا، فمن أهمّ أدوار الفقيه القرآني هو دراسة تحوّلات المفردات في الاستخدام القرآني، ومحاولة التحرّر من الاستخدامات اللاحقة زمناً للعودة إلى الاستخدام في فضاء اللغة الأصليّة وفضاء التراكيب القرآنيّة نفسها، وهذا باب قد يفتح على حلول كثيرة في مجال تصويب فهم الكتاب الكريم.

ب ـ من الضروري هنا ملاحظة السياق الموردي والداخلي والقريب من الآية؛ لأنه قد يحظى بأولويّة على السياق العام، فلو كان سياق الآية نفسها أو سياق المقطع يرجّح افتراضاً في التفسير، فمن غير الصحيح تجاهل هذا السياق الحافّ لصالح سياق بعيد نسبياً؛ لأنّ قرينية السياق الداخلي أقوى من قرينية السياق البعيد عادةً، ما لم يكن السياق البعيد شديد الرسوخ في الوعي العام، بحيث يشكّل قرينة متصلة لبيّة، ولا تكون دلالة القرينة القريبة بتلك المثابة مثلاً.

ومما تقدّم كلّه، نعرف أنّ الفقيه القرآني لا يمكن أن يدرس من القرآن الكريم آيات الأحكام خاصّة، دون أن يملك ثقافةً تفسيرية شاملة، يتمكّن من خلالها معرفة أغراض القرآن ومصطلحاته ومزاجه العام، ليضع الفقه في الموضع الطبيعي من المنظومة القرآنية، ولا يبتر نصوص الأحكام عن مجمل النصوص الدينية القرآنيّة، وكأنّه لا صلة بين الإثنين.

ونكتفي بهذا القدر من موضوع المرجعيّة القرآنية السياقيّة، لننتقل إلى موضوع آخر يتصل أيضاً بمرجعيّة القرآن في الاجتهاد القرآني نفسه.

3 ـ 2 ـ النسخ في القرآن الكريم

الحديث عن النسخ ـ بوصفه ظاهرةً تشريعيّة ـ وقع بصورة مطوّلة ومتفرّقة محلاً لنظر علماء القرآن الكريم والسنّة الشريفة، وكان له محلّ في علمَي الأصول والكلام أيضاً، ومن هنا اتخذت له جوانب متعدّدة عولج كلّ جانب منها في علمٍ من هذه العلوم الأربعة (القرآنيات، والحديث، وأصول الفقه، والكلام).

وأهميّة البحث عن ظاهرة النسخ تعود ـ فيما يبدو ـ إلى أنّ الباحث لا يتمكّن من الخروج بنتيجة قرآنية تشريعيّة ما لم يكن له اطّلاع على تطبيقات هذه الظاهرة (النسخ) في القرآن الكريم، فهي تماماً كالبحث عن المخصِّص الذي هو شرط في إمكان الأخذ بالعام بناءً على التمييز بين النسخ والتخصيص بالمخصّص بالمنفصل اللاحق زمناً. وقد دلّت جملة من الروايات على عدم القدرة على تفسير القرآن واستخراج الأحكام منه ما لم تكن عند الإنسان معلومات كافية حول النسخ الوارد فيه.

وعلى أية حال، فمجمل ما أفيد عندهم حول هذه الظاهرة يمكن ذكره موجزاً في جهات من البحث:

3 ـ 2 ـ 1 ـ حقيقة النسخ

مفردة النسخ من المفردات التي كان لها ـ إلى جانب مدلولها اللغوي الأوّلي ـ مدلولٌ ثانوي اصطلاحي؛ لأنّها عندما دخلت في الظاهرة القرآنية واُخضعت للبحث العلمي اتخذت شكلاً مضمونياً محدّداً يرجع في روحه إلى المعنى اللغوي.

أ ـ أمّا المعنى اللغوي، فالمستفاد من كتب اللغة أنّ النسخ له عدّة معانٍ: الأوّل: الاستكتاب. والثاني: النقل والتحويل ومنه تناسخ المواريث. والثالث: الإزالة أو إبطال الشيء وإقامة آخر مقامه، أو إزالة الشيء بشيء آخر يتعقّبه على اختلاف تعبيراتهم الواردة، إذ يقال: نسخت الشمسُ الظلَّ إذا أزالته.

وقد قيل: إنّ المعنى الأخير كثر استعمال النسخ فيه عند الصحابة والتابعين، ومن هنا اُطلق على المخصِّص والمقيِّد اسم الناسخ، خصوصاً في التفسير المنسوب إلى ابن عباس؛ فإنّ التقييد والتخصيص نحوٌ من الإزالة ولو الجزئيّة. ولعل المراجع لهذه المعاني الثلاثة يجد أنّها تعود ـ بحسب الروح ـ إلى مضمون واحد.

ب ـ وأمّا المعنى الاصطلاحي، فقد أفيد في صياغة تعريفه بيانات أبرزها ثلاثة:

البيان الأوّل: ما لعلّه المشهور، وذكره السيد الطباطبائي في تفسير الميزان، من أنّ النسخ عبارة عن الإبانة عن انتهاء أمد الحكم وانقضاء أجله([78]).

البيان الثاني: ما ذكره أمثال السيد الخوئي، من أنّه رفع أمرٍ ثابت في الشريعة المقدّسة بارتفاع أمده وزمانه([79]).

البيان الثالث: ما أفاده مثل المحقّق الخراساني، من أنه رفع الحكم إثباتاً ودفعه ثبوتاً([80]).

وهذه البيانات الثلاثة ترجع ـ حسب الظاهر ـ إلى روح واحدة أريد الكشف عنها وإن كان المجال مفتوحاً للملاحظة عليها من ناحية فنيّة، كما تطرّق له جماعة، إلا أنّ المراد هو أن النسخ له بُعدان:

بعدٌ ثبوتي، ويتلخّص في أنّ الحكم منذ تحقّقَ في عالم الجعل والإنشاء كان محدّداً بحدوده الزمانية الخاصّة، وبالتالي فإنّه بصورة طبيعيّة سوف يزول وجوده في ذلك العالم بارتفاع تلك الفترة وانقضائها.. ومجرّد ارتفاعه عن رتبة الفعليّة دون المرتبة الإنشائية لا يكون نسخاً.

وبُعدٌ إثباتي، ويتلخّص في أنّ الذي يبدو إثباتاً في النسخ هو أنّ هناك رفعاً للحكم الذي كان ثابتاً وإلغاءً له. ولهذا توجد مفارقة بين عالمي الإثبات والثبوت؛ فإنّ ما يُبديه عالم الإثبات هو عمليّة رفعٍ للثابت، وأمّا واقع الأمر وعالم الثبوت فهو ارتفاع ذاتي يحسن تسميته بالدفع، فالحكم بالنسبة لي كأنه بالنسخ قد ارتفع، ولكنّه بالنسبة إلى الله كأنّه بالنسخ قد انتهى أمده الذي حدّد له من الأوّل.

وهذه القضيّة لابد من الانتباه إليها؛ لأنّ تشوّشها يوجب الوقوع في محاذير عديدة من وجهة نظرهم.

هذا ما طرحه العلماء، أما ما نفهمه نحن من تحليلنا للظواهر التشريعيّة في القرآن الكريم فهو أنّ النسخ ظاهرة تشريعية عامّة تلتقي عند عنوان واحد، وهو قيام المشرّع بوضع حكم في دائرة معيّنة كانت مشمولةً سابقاً لحكم آخر، ولو كان الحكم الآخر السابق ظاهريّاً بمعنى من المعاني، ولتوضيح نظريّتنا في النسخ فإننا سوف نقسّمه إلى قسمين:

القسم الأوّل: النسخ الخارجي، وهو نسخ الحالة السابقة التي كان ظاهر المشرّع أنه قد غضّ الطرف عنها، وهذا القسم يشمل ظهور التشريعات الإسلامية بشكل تدريجي بعد أن كانت غير موجودة، بل كان يحلّ مكانها ممارسات البشر وجري الناس عليها بطريقةٍ ما، إما مأخوذة من الأعراف والتقاليد، أو من الديانات السابقة، أو من بناءاتهم العقلائية ونحوها.

فكلّ تعديل أتت به الشريعة الإسلاميّة على واقع سابقٍ يظهر سكوتها عنه في المرحلة السابقة فهو نسخ، لا سيما مع وجود المنسوخ في الشرائع السابقة. وهذا ما اُسمّيه النسخ الخارجي، وهو النسخ الذي تمارسه الشريعة القرآنية في حقّ ما هو خارج عنها، فتلغيه وتمسحه لتضع مكانه شريعةً أخرى وحكماً أخر.

القسم الثاني: النسخ الداخلي، وهو الذي يكون في داخل الشريعة الواحدة، وينطلق من الضرورات الزمكانيّة.

وهذا النسخ تارةً يكون كلياً للحكم السابق في الزمان اللاحق، وهو المسمّى بالنسخ بينهم، وأخرى يكون جزئياً للحكم السابق في الزمان اللاحق، وهذا هو التخصيص والتقييد والحكومة المضيِّقة إذا جاءت هذه في زمن لاحق بدليل منفصل غير متصل، وكان ورودها بعد الابتلاء بموردها، وهذا في نظري نسخٌ، لكنّه جزئي، وأما إطلاق دعوى كونه بياناً للعام أو المطلق، فقد ناقشناه في محلّه من كتابنا (حجية السنّة في الفكر الإسلامي).

فالنسخ حالة تعبّر عن كيفيّة استجابة المشرّع لضرورات التدريجية والزمكانية في تشريعه، فيُصدر ـ مثلاً ـ الأحكام بشكل تدريجي، كأن يسنّ العام ليؤسّسه قانوناً، ثم يذكر لاحقاً الاستثناءات الجزئية التي تقوم بتعديل ما قدّمه العام.

3 ـ 2 ـ 2 ـ إمكان النسخ

من الطبيعي أنّ عامّة المسلمين ـ إلا من شذّ كما نُقل ـ يرون النسخَ ظاهرةً ممكنةً من الناحية الكلاميّة؛ لأنّ قوام شريعتهم على النسخ؛ فإنّهم يقولون بأنّ شريعة محمّد صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم نسخت الشرائع السابقة، ولهذا فإنّ من ناقش في إمكان النسخ نجده عادةً من اليهود وأمثالهم كما نُسب إليهم.

وقد أثاروا في ذلك الإشكاليّة التالية، حيث قالوا بأنّ الحكيم تبارك وتعالى بتشريعه الحكمَ الأوّل يكون قد لاحظ مصلحةً في ذلك، وعليه فنسخه واستبداله بحكم آخر يستبطن أحد أمرين لا ثالث لهما:

أ ـ أن يكون علمه بالمصلحة في الحكم الأوّل ثابتاً، ومع ذلك شرّع الثاني، وهذا لازمه ارتكابه خلاف الحكمة الإلهيّة بتشريع غير ما كانت المصلحة فيه.

ب ـ أو يكون ما انكشف له من المصلحة في الحكم الأوّل لا واقعيّة له، وهذا لازمه أنّه كان جاهلاً في الحكم الأوّل جهلاً مركّباً، وأنّه تبيّن له الحال فيما بعد. والقول بنسبة الجهل وخلاف الحكمة إلى الله سبحانه باطل. وعليه فلا يكون النسخ ممكناً في ساحته تبارك وتعالى.

وأجيب عن هذا الكلام:

أولاً: بجواب نقضي، وهو أنّ الشواهد الكثيرة قامت بين أيدينا في التوراة على وقوع النسخ، فكيف يفسّر أهل الكتاب ذلك؟ فما يفسّرون به ذلك عندهم نفسّر نحن به النسخ الذي نؤمن به عندنا.

وثانياً: بجواب حَلّي، وهو أنّ الحكم الأوّل منذ تحقّقه في عالم الجعل القانوني وإبرازه للمكلَّفين كان في عالم ثبوته في علم الله مقيّداً بزمان خاص، والبداهة قائمة على دور الأزمنة ـ كالأمكنة ـ في ملاكات ومصالح الأحكام، غايته لم يُبرز المولى لنا التقييدَ الزماني إلا بعد حين؛ وذلك لمصلحة قد تكون في إيهام المكلّف بخلود التكليف مما يجعل له محرّكيّة أعمق ليكون الموقف أشبه شيء بالتورية على حدّ تعبير أمثال المحقّق العراقي([81])، لا كذباً؛ لأنّ المتكلّم لم يبرز قيد الخلود، لا أنّه أبرزه فكذب بذلك علينا.

وعليه، فيكون الحكم الأوّل على صلاحه في دائرته الزمنيّة والحكم الثاني على صلاحه فيما بعد زمن الحكم الأوّل، من دون لزوم الجهل وخلاف الحكمة عليه سبحانه.

ومن هنا، تتضح حكمة النسخ، وأنّه أمرٌ ضروريّ في التشريع أحياناً، تبعاً لطبيعة دور الظروف والأزمنة في الحكم، وهذا ما نصّت عليه الآية الكريمة: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة: 106)، من أصلحيّة الحكم الجديد أو لا أقلّ مماثلته لما سبق، بناءً على كون هذه الآية بصدد الحديث عن النسخ التشريعي.

هذا ما طرح في الموضوع، والذي يبدو لي أنّ النسخ لا يواجه أيّ مشكلة بحسب تفسيرنا له؛ لأنّ النسخ ليس سوى وجود تشريعات زمكانيّة في ضمن التشريعات الدينيّة، وأنّ التشريعات الزمكانيّة قد بانت لنا في عصر الوحي، وأنّه لا يمكن لأيّ شريعة أن تأتي فقط بأحكام خالدة، فلابدّ في مرحلة الوحي من وجود أحكام استدعتها أوضاع معيّنة، فإذا حصلت التحوّلات الظرفيّة في عصر الوحي فمن الطبيعي أن تتغيّر هذه الأوضاع، فتتغيّر الأحكام تبعاً لها، فالخلل نشأ من تصوّر أنّ الشرائع الدينية لا تكون إلا شرائع ثابتة لا تتغيّر، وأنّها تخاطب المافوق الزمان والمكان إلى يوم القيامة فقط، أمّا لو نظرنا إلى المشرّع الديني على أنّه يمارس قوانين ثابتة وأخرى قابلة للزوال، واعتبرنا ذلك أمراً منطقيّاً نتيجة مراعاته ظروف عصر الوحي، لفهمنا أنّ النسخ فكرة طبيعيّة جداً ضمن هذا السياق الزمكاني، فالتدريجيّة وخصوصيّات مرحلة التأسيس وظروف الحالات الاستثنائيّة كلّها تندرج ضمن هذا الموضوع، وسيأتي ما ينفع في استجلاء أكبر لفكرة النسخ في الشريعة، وأنّ النسخ هل هو مستمرّ أو لا؟ وهل يلغي الأحكام المنسوخة تماماً أو لا؟

3 ـ 2 ـ 3 ـ أنواع النسخ وأحكامه

إنّ للنسخ تقسيمان:

التقسيم الأوّل: وهو التقسيم العام، وينقسم فيه إلى قسمين:

1 ـ النسخ التكويني: وهو المسمّى بالبداء في الأدبيات الشيعية ـ وإن كان اصطلاح البداء قابلاً للشمول للنسخ التشريعي أيضاً ـ وهو بحث فلسفي كلامي معروف.

2 ـ النسخ التشريعي: وهو المعبّر عنه بالنسخ بصورة مطلقة، ويعني نسخ تشريعٍ لتشريع آخر، كما تقدّم.

وهذا النسخ التشريعي ينقسم بدوره إلى قسمين أيضاً:

أ ـ النسخ بملاحظة الشريعة الواحدة: وهو أن يشرّع المولى ضمن شريعة الإسلام مثلاً حكماً من الأحكام، ثم بعد مضيّ فترة ينسخه في إطار نفس الشريعة، وهو المعبّر عنه بنسخ الحكم.

ب ـ النسخ بملاحظة الشرائع المتعدّدة: وهو المعبّر عنه بنسخ الشريعة. وهو يعني أنّ مجيء الشريعة اللاحقة ـ كالشريعة الإسلاميّة ـ موجبٌ لنسخ الشرائع السابقة وإبطالها، وقد فسّر هذا النسخ عندهم بمعنيين:

المعنى الأوّل: أنّ نفس ظهور الشريعة اللاحقة موجبٌ لعمليّة إلغاء كاملة للشرائع السابقة، بحيث لا يعود من الممكن الأخذ بأيّ حكم من أحكامها على الإطلاق، ما لم ينصّ عليه في الشريعة اللاحقة، أي هو نسخٌ على سبيل الكلّية.

المعنى الثاني: أنّ الشريعة اللاحقة موجبة لعدم بقاء الشرائع السابقة على اكتمالها وكلّيتها، ولا يمنع ذلك من بقاء شيء منها لم تتعرّض له الشريعة اللاحقة اكتفاءً بوروده في الشريعة السابقة.

وهذا المقدار هو المتيقّن، وهو المصحّح لإجراء استصحاب الشرائع السابقة كما بحثوا ذلك في علم أصول الفقه، وليس لدينا دليل علمي حاسم يُثبت المعنى الأوّل لنسخ الشرائع، بل توحي نصوص القرآن الكريم بعكس هذا المعنى في غير مورد ممّا لا مجال للإطالة فيه الآن.

التقسيم الثاني: وهو التقسيم الخاصّ ـ أي في دائرة الشريعة الإسلاميّة ـ وله شكلان أساسيّان:

الشكل الأوّل: النسخ في القرآن الكريم، بمعنى نسخ جملة من آياته، ويمكن ملاحظته من ناحيتين:

الناحية الأولى: من حيث نوعيّة المنسوخ في النصّ القرآني، وهناك ثلاثة أنواع له:

النوع الأوّل: نسخ الحكم دون التلاوة، وهو المشهور، ويعني بقاء الآية على ما هي عليه في المتن القرآني تُقرأ وتكتب وتتداول، غايته يكون حكمها مرتفعاً، وهذا النوع لم يشكّكوا في جوازه، بل قالوا بوقوعه. ويمكن تسميته عندهم بنسخ الأثر دون العين.

النوع الثاني: نسخ التلاوة دون الحكم، ويعني أنّ الحكم الوارد في الآية يظلّ ثابتاً، غايته أنّ متن الآية يُحذف من النص القرآني ويُعدم بوصفه فقرةً قرآنية، وهذا النوع هو المسمّى في علوم القرآن بنسخ الأعيان دون الآثار، وقد ذهبت إلى جوازه، بل وقوعه، جماعة من أهل السنّة، بل نسبه السيد الخوئي إلى أكثرهم([82])، وقد مثّلوا له بآية الرجم المنسوبة إلى عمر بن الخطاب، وهي الآية التي ذكرت في النصوص بأشكال متعدّدة منها: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة نكالاً من الله والله عزيز حكيم).

ورغم أنّ الشيعة وغيرهم ينسبون هذا النسخ لآية الرجم إلى عمر بن الخطاب إلا أنّه ورد في مصادر الحديث الشيعي أيضاً، فقد روى الشيخ الكليني والطوسي([83])، بسند صحيح على المعروف، عن عبد الله سنان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: «الرجم في القرآن قول الله عز وجل: إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة فإنهما قضيا الشهوة»، وروى الشيخ الصدوق([84])، عن سليمان بن خالد قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: في القرآن رجم؟ قال: «نعم»، قلت: كيف؟ قال: «الشيخ والشيخة فارجموهما البتة فإنّهما قضيا الشهوة»، وقد حملهما العلماء على أنّهما صدرا بنحو التقيّة.

لكن مع ذلك لم يثبت عندهم هذا النوع من النسخ في غير هذا المورد، وهو أمرٌ لا يمكن القبول به؛ لأنّ الدليل عندهم قام على عدم جواز نسخ القرآن الكريم بأخبار الآحاد الصحيحة فضلاً عن الضعيفة، وهذا المورد الوحيد لم يثبت بأزيد من ذلك، فقرآنية هذه الآية المدّعى نسخها لم تثبت الا بخبر آحادي لا يُثبت قرآناً عندهم؛ لأنهم أخذوا في القرآن ثبوته بالتواتر.

نعم، لو قلنا بحجية خبر الواحد في نفسه فيمكن إثبات القرآنية به بمقتضى إطلاق دليل الحجيّة، فيكون لدينا قرآن قطعي الصدور وآخر ظني الصدور وهذا في نفسه لا مانع منه لولا قضيّة التحريف.

النوع الثالث: نسخ التلاوة والحكم معاً، وهو المعبّر عنه بنسخ الأعيان والآثار، وقد صار معناه واضحاً، ومثلوا له بما روته عائشة: «كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخت بخمس معلومات..».

وهذا النوع من النسخ مرفوض عند كثيرين أيضاً؛ لثبوته بأخبار الآحاد، على أنّ لازمه لو تمّ بعد زمنه ـ صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم ـ هو تحريف القرآن الكريم.

الناحية الثانية: من حيث نوعيّة الناسخ، فإنه يمكن أن يكون بأحد أمور:

أولها: النصّ القرآني نفسه كما ذكر في جملة من الآيات الكريمة، ولا إشكال إثباتي أو ثبوتي فيه، فإنّه القدر المتيقّن من النسخ، وسيأتي الحديث عن فعليّته وتحقّقه ومقداره، ويشهد له آية: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة: 106)، بناءً على تفسيرها بالآية القرآنيّة، وأيضاً قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 101).

ثانيها: الدليل القطعي، كالإجماع المفيد للقطع أو الاطمئنان أو النصّ المتواتر عن النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، وهذا النوع منعه ـ كما قيل ـ الشافعي وأكثر أهل الظاهر وابن حنبل في إحدى الروايتين عنه، وقبله غيرهم؛ لعدم المحذور العقلي ولا النقلي فيه، وإن أنكر جماعة وقوعه نتيجة عمليّة استقرائيّة.

إلا أنّ الشيخ المفيد ناقش في ذلك بنصّ آية: ﴿ما ننسخ..﴾، على أساس أنها تضمّنت أنّ الناسخ لابد أن يكون خيراً من المنسوخ وأصلح منه وأقوم، ومن الواضح أنّ غير القرآن الكريم لا يمكن اتصافه بذلك.

وبالرغم من أنّ الشيخ المفيد ناقش نفسه بأنّ الأصلحيّة المذكورة في الآية الكريمة إنما هي بلحاظ المحتوى والمضمون، لكنّه أجاب بإنكار ذلك وأنّ ظاهر الآية لغة وعرفاً غيره([85]).

ثالثها: الدليل المعتبر غير القطعي، كخبر الواحد الحجّة، وقد التزم المشهور بعدم نسخ الكتاب به؛ لأمورٍ:

منها: الإجماع الإسلامي العام المنعقد على ذلك والمحقّق لتسالمٍ متصل.

ومنها: ما أفاده صاحب الكفاية من أنّ النسخ كان مورداً لاهتمام المسلمين بشدّة، فعملوا على ضبطه وسطر موارده بدقّة بالغة، وعليه فإذا جاء خبرٌ آحادي فلا يمكن نسخه للكتاب؛ لأنّ مضمونه لو كان من موارد النسخ لسجّل ونقل وتواتر؛ لكثرة الدواعي إلى نقله، ومع عدمه يكون ذلك كاشفاً عن كذب هذا الخبر الناسخ وبطلانه([86]).

ومنها: أنّ النصوص دلّت على طرح مخالف القرآن الكريم، وهذا معناه أنّ النسخ بخبر الواحد لو كان جائزاً لما كان هناك معنى لأخبار الطرح كما هو واضح.

وسوف يأتي الحديث ـ ولو بنحو الإشارة ـ عن الموقف من ذلك كلّه عند الكلام عن علاقة القرآن بالمصادر المعرفيّة الأخرى إن شاء الله.

الشكل الثاني: النسخ في السنة الشريفة، وهناك كلام في هذا الموضوع لا يدخل ضمن نطاق بحثنا فنتركه إلى محلّه، عند الحديث عن علاقة الكتاب بالسنّة.

3 ـ 2 ـ 4 ـ دائرة وقوع النسخ في القرآن الكريم

بالرغم من دعوى كثرة وقوع النسخ في القرآن الكريم، حتى أوصله أبو بكر النحّاس ـ على ما نقل عنه ـ إلى 138 آية منسوخة، إلا أنّ بعضاً آخر قلّل من هذا العدد، حتى ذهب السيد الخوئي إلى عدم وجود آية منسوخة في الكتاب، عدا آية النجوى، بل بعضٌ قليل جداً نفى أصل وجود النسخ في القرآن الكريم.

ولعلّ الذي يمكن قوله هنا هو أنّ الآية الكريمة التي يفترض كونها ناسخة، إن كانت بحسب لسانها ناظرة إلى الآية المنسوخة، فلا إشكال في النسخ، وإلا فمجرّد ما يبدو من التنافي بين الآيتين بلا خصوصيّة النظر هذه لا يبرّر دعوى النسخ، كيف وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾، وهو يعني أنّ التنافي إنّما هو بدويّ يزول بالتأمّل واستخدام طرق التوفيق العرفية بين النصوص.

أكتفي بهذا القدر من الحديث عن موضوعة النسخ، وهي من الملفّات الكبرى التي لابدّ أن يدرسها الفقيه القرآني من زواياها المتعدّدة.

3 ـ 3 ـ القراءات القرآنية والنزول المعنوي للقرآن، ودورهما في الاجتهاد القرآني

لا أريد أن أطيل في ملفّ القراءات القرآنية، فالكلام فيه لا ينتهي بسهولة، لكنّ الشيء الذي أريد أن أشير إليه هنا هو دور النظريّات المختلفة في القراءات في مرجعيّة النصّ القرآني، وسأكتفي بمثال واحد، فإذا بنينا على أنّ القراءات القرآنية متواترة ـ لا أقلّ المشهورة منها ـ وأنّها تنتسب جميعها للنصّ القرآني، فسوف يكون لذلك تأثير كبير على الاستعانة بها في تشكيل فهم متعاضد لسائر الآيات الكريمة، أمّا لو قلنا بأنّ هذه القراءات أخبار آحاد، وأنّ المتواتر ليس سوى متن الآية بعيداً عن النُقَط والتشكيل، كما ذهب إليه أمثال الشيخ كاظم الخراساني والسيد أبو القاسم الخوئي([87])، ففي هذه الحال، سوف يتمّ التعامل مع القراءات بطريقة مختلفة، وسيكون المقدار المتيقّن من النص القرآني هو المتن بلا نقط ولا تشكيل، أو فقل: القاسم المشترك بين القراءات المختلفة، وهو ما سيؤثر على الاستنتاجات الفقهيّة والاجتهاديّة في بعض الحالات.

وهذا يعني أنّ الفقيه القرآني ملزم في أصول الفقه القرآني بتحديد نظريته من موضوع القراءات القرآنية ونهج التعامل معها، بوصفها مرجعاً قرآنيّاً أو لا؛ لأنّ هذا الموقف سيكون له تأثيره على أنماط تعامله مع النصّ القرآني.

أكتفي بهذا المقدار، وللكلام في القراءات تتمّات كثيرة.

ولعلّ من هذا القبيل أيضاً تأثير نظرية النزول المعنوي للقرآن في التعامل مع نصوصه من حيث كونها وحياً أو صنيعة نبويّة، وهي النظرية التي تنسب لبعض العرفاء، وطرحها مؤخّراً الدكتور عبد الكريم سروش وغيره، فهناك فرق في مرجعيّة الآيات بين مرجعيّتها اللفظيّة ومرجعيّتها المعنائيّة، وهذا ما يفترض بالفقيه القرآني حسمه لتحديد موقفه من الدلالات والتعابير القرآنية، وقد سبق لنا بحث هذه النظرية بالتفصيل فلا نطيل.

4 ـ الفقه القرآني ومرجعيّة السنّة الشريفة

من المرجعيّات التي يؤول إليها الفقيه القرآني في اجتهاده هو السنّة الشريفة، فالفقيه القرآني يرجع إلى السنّة لتُساعده في الاجتهاد الشرعي.

وموضوع مرجعيّة السنّة هنا من أهم وأعقد الموضوعات المعاصرة:

فهناك من يرى غياباً للنصّ القرآني عن العمليّة الاجتهاديّة، وأنّ الحديث قد ابتلع دور القرآن في الاجتهادات الشرعيّة، وتضخّم حدّاً كبيراً فاق الدور المخوّل إليه في بناء منظومة التشريع الإسلامي.

فيما يرى فريقٌ آخر أنّ القضية لا تبلغ ها الحدّ، وأن الفقيه حافظ على دور الكتاب والسنّة في موقعهما الصحيح والطبيعيّ، غاية الأمر أنّ القرآن الكريم قام بوضع الأطر العامة والعناوين الأوّليّة والعريضة، فيما دخلت السنّة في التفاصيل التي تلامس حالات الابتلاء اليوميّة التي يواجهها المكلّف؛ ولهذا ظهرت مرجعيّتها بشكل أكبر، فالحال يشابه تماماً حال العلاقة بين الدستور والقوانين، حيث نجد الرجوع إلى القوانين أكثر؛ لكونها التي تتدخل في التفاصيل والظواهر اليوميّة للناس، فليس في البين غبنٌ للقرآن الكريم إطلاقاً.

ولسنا نريد الكلام في فضّ هذا النزاع، وإن كنّا نميل إلى القول الأول بصيغته الوسطيّة غير المفرطة، وما نريده هنا هو دراسة أطر هذه العلاقة بين الكتاب ومرجعيّة السنّة، ليدرسها الفقيه القرآني في أصوله الاجتهاديّة وتكون خارطتها واضحةً أمامه، وهذا ما سنقوم بعرض بعض مفاتيحه وإشاراته ـ بإيجاز ـ ضمن المحاور التالية:

4 ـ 1 ـ أدوار السنّة و.. بالنسبة إلى القرآن الكريم

من الواضح أن السنّة الشريفة بإمكانها أن تقوم بدورٍ فاعل بالنسبة إلى القرآن الكريم، وهذا الدور يمكن تلخيصه بما يلي:

أ ـ الدور الإثباتي والدفاعي

ويتجلّى في السعي لإثبات القرآن وحجيّته واعتباره ومكانته والدفاع عنه أمام الشبهات التي تثار ضدّه، فنحن نجد في نصوص النبي والأئمة والصحابة الكثير من المأثور الذي يوضح قيمة القرآن ومكانته ويدعو الناس إليه، ويدافع عما يثيره الآخرون ضدّه.

ب ـ الدور التقريري

وهو الدور الذي يؤكّد المضمون القرآني، حيث يقوم الحديث بتقديم عين المعطيات التي يقدّمها القرآن، لكن بأسلوب مختلف وطريقة مختلفة، وهذا ما يسمّيه بعضهم ببيان التقرير، فالقرآن يوجب الصلاة ونجد الروايات توجب الصلاة أيضاً، وقد تشير أحياناً إلى موقف القرآن في هذا المجال، هذا الدور التقريري أو التأييدي ينسجم مع القرآن في المضمون، كما ينسجم معه في الإجمال والتفصيل.

وما تهمّنا الإشارة إليه هنا هو أنّ من المناسب فقهيّاً عند عرض الأدلّة على أمرٍ ما أن نبدأ بالكتاب، ثم السنة، ثم الإجماعات ونحوها، لو اعتبرنا الاجماعات دليلاً، فيما نجد أن الكثير من الفقهاء عندما يطرح مسألةً فقهية ويستعرض أدلّتها فهو يبدأ بالعكس في عملية العرض، حيث يشير للإجماع، ثم السنّة، ثم يشير للكتاب، إذا ذكر الكتاب، وأحياناً لا يشير إليه، وهذا خلل بياني لا يوافق قيمة هذه الأدلّة ومستوى كل واحدٍ منها، فهذه الطريقة توحي وكأن السنّة مقدمة على الكتاب، أو الإجماع مقدّم عليهما، في لا وعي الفقيه أو عقله الباطن.

وهذه مؤاخذة شكلية تنظيمية نراها تتسم بالضرورة أيضاً، فعندما يكون في المسألة دليل من الكتاب والسنّة فلماذا نذكر السنّة ونترك ذكر الدليل القرآني؟! ولماذا نذكر أولاً الأخبار الآحاديّة الظنية ونؤخّر ذكر الدليل القرآني قطعي الصدور؟!

أعتقد بأنّ الجميع يوافق على أنّ الصيغة التنظيمية الأفضل هي الرجوع إلى الأقوى صدوراً ويقينيةً ثم الأقلّ منه وهكذا.

ولابد لي أن أشير إلى أمرٍ آخر، وهو أنّ الفقيه في بعض الأحيان عندما يجد نصوصاً حديثية على مسألة فقهية فهو يكتفي بها، وقد لا يجد بعد ذلك ضرورة للبحث والتفتيش في دلالة القرآن على ما دلّ عليه الحديث، مكتفياً بالنصوص الحديثية التي تكفيه مؤونة البحث القرآني.

لكنّنا نجد أنه كلّما أمكن الفقيه أن يعثر على دليل قرآني كان أفضل؛ وذلك:

أ ـ تارةً لأنّ المنظومة الفقهية اليوم تتهم بأنها تقوم على نصوص تاريخية غير مؤكّدة، الأمر الذي يرفع ـ بنسبة كبيرة ـ هذه التهمة، بمرجعيّة القرآن.

ب ـ وأخرى لأنّ الفقيه قد يواجه بعد ذلك نصوصاً حديثية تعارض هذه الأحاديث التي بنى عليها أوّلاً، فلو أولى العناية للنص القرآني من الأوّل لسهل الأمر عليه في اتخاذ موقف نهائي من التعارض.

ج ـ الدور الدلالي التصرّفي

وهو الدور الذي يمارس التصرّف الدلالي في القرآن الكريم، وهذا هو دور التخصيص والتقييد والحكومة وأمثال ذلك، فالحديث هنا يقوم بتخصيص عموم آية، أو تقييد إطلاقها، أو يوسّع أو يضيّق من دائرتها عبر قانون الحكومة الذي ذكروه في علم أصول الفقه.

وهنا، لاشك عندهم ـ ظاهراً ـ في أنّ السنّة الواقعية، وكذا المتواترة المحكيّة، يمكنها فعل ذلك، ما دامت معصومةً، إلا أنّ الكلام وقع بين العلماء في إمكانية تخصيص العام الكتابي بخبر الواحد، فالعديد من المتقدّمين رفض ذلك، فيما المعروف بين المتأخّرين أنّ التخصيص والتقييد بيانٌ للمراد الجدّي، وأنّ ظنية الطريق في خبر الواحد لا تضرّ بإمكانية تخصيص العام الكتابي به؛ معتبرين أنّ العلاقة بين الحجج بعد ثبوت حجيتها تخضع لنظام الجمع والتوفيق العرفي بين النصوص، بلا نظر بعد ذلك لحيثية القطع الصدوري والظنّ الصدوري، على تفاصيل تبحث في محلّها.

وقد يأتي منّا الحديث بعون الله تعالى عن علاقة القرآن بسائر المصادر المعرفيّة الأخرى في الدين، وهناك نتعرّض لنسخ أو تخصيص القرآن بالسنّة القطعية والظنية. لكننا توسّعنا بعض الشيء في هذا الموضوع في كتابنا «حجية السنّة في الفكر الإسلامي» فليراجع.

د ـ الدور الاستقلالي التأسيسي

ويسمّى بالسنّة المستقلّة أو المؤسّسة، ويعبّر عنها أحياناً ببيان الزيادة، ويقصد بذلك أن تأتي السنّة والحديث بأحكام أو مفاهيم لا وجود لها أساساً في القرآن الكريم بحسب فهمنا له، مثل تشريع الرجم، ومثل حرمة ذات البعل المزني بها على الزاني حرمةً مؤبّدة، على القول بها.

والمعروف بين المسلمين أنّ بيان الزيادة حجّةٌ معتبر، لكن ذهب بعض العلماء ـ وعلى رأسهم الإمام أبو إسحاق الشاطبي (790هـ) ـ إلى عدم حجية السنّة المستقلة عن الكتاب([88])، وانتصر لهذه الفكرة بعض المتأخّرين في أوساط أهل السنّة.

ويحتمل كلام الشاطبي ردّ أيّ سنة تأتي ولا بيان في القرآن لها أساساً، كما يحتمل أنّ مراده أنّ النبي عندما يشرّع لا يشرّع شيئاً لا وجود له في القرآن، غاية ما في الأمر أننا لا نفهم القرآن حقّ فهمه كي نعرف كيف فهم النبيّ منه ذلك.

وقد بحثنا عن السنّة المؤسّسة بالتفصيل في محلّه، وقبلنا بها ببعض الشروط، فليراجع([89]).

ولا بأس بالإشارة هنا إلى مسألة مهمّة يجب طرحها في أصول الفقه القرآني أيضاً، وهي أنّ بعض الأحكام التأسيسيّة التي تقدّمها السنّة الشريفة قد ترجع في واقعها إلى أحكام (حماية وتوفير) أو (أحكام تحفّظيّة)، أو ما عبّر عنه بعض الفقهاء في بعض المواضع المتفرّقة بالأحكام التي تصدر حمايةً للحمى، والمقصود بها تشريع السنّة ـ وقد يكون التشريع قرآنياً أحياناً ـ حكماً لا لوجود مصلحة أو مفسدة في متعلّق لذلك الحكم بنفسه، بل لسدّ الطريق أمام المكلّف عن اختراق حكم آخر أو لفتح الطريق أمامه للاقتراب من حكم آخر.

ومثال ذلك ـ وهذا مجرّد مثال، كان طرحه شيخ الشريعة الإصفهاني، وتابعه عليه الشيخ ناصر مكارم الشيرازي([90]) ـ الحكم بحرمة العصير العنبي المطبوخ مطلقاً ما لم يذهب ثلثاه، حذراً من التورّط في شرب المسكر من حيث لا يعلم المكلّف ذلك؛ على أساس أنّ هذا العصير يسرع إليه الإسكار لو تُرك.

ومن أمثلة ذلك ما طرحه الشيخ مكارم الشيرازي أيضاً([91]) من تحريم الجلوس على مائدةٍ يُشرب عليها الخمر، فهذا الحكم قد لا تكون فلسفته في نفسه، بل في سدّه الطريق أمام تورّط المكلّف في شرب الخمر نفسها، فيكون حكماً للحماية.

والنصّ المثير للدهشة هو ما قاله الميرزا القمّي ـ وهو أحد أبرز الذين فتحوا باب إثارة هذه الفكرة مبعثرةً في كتبه([92]) ـ: «.. ولمّا كان أغلب أحكام الشرع من باب سدّ الأبواب وحماية الحمى..»([93]).

إنّ فكرة الأحكام التحفّظيّة التي فصّلنا الكلام فيها في موضعٍ آخر تعيد رؤية الإنسان لمنظومة الشريعة بشكل كامل، وتضع أحكاماً أصليّة تقع في مركز الدائرة، وأحكاماً للحماية تحيط بنقطة المركز، ولا يبعد ـ كما بحثنا في محلّه ـ أن تكون مجموعة وافرة من المستحبّات والمكروهات قد جُعلت للسبب عينه، ولا أريد التفصيل هنا فليُترك لمحلّه، لكنّه موضوع مهم للغاية ويرسم خارطةً أخرى لوعي منظومة التشريع الإسلامي.

هـ ـ الدور التفصيلي

ونقصد به أن تقوم الروايات بتفصيل ما جاء في الكتاب، مثل بيان تفاصيل كيفية الصلاة، فإنّ الصلاة قد جاءت في القرآن، وثمة إشارات في القرآن للركوع والسجود والقنوت، لكن السنّة جاءت لتفصّل ما جرى بيانه إجمالاً في الكتاب.

والمعروف بين المسلمين حجية السنّة الواقعية والمحكية المعتبرة مطلقاً في هذا المجال، ويكون هذا بيان التفصيل للإجمال، ولم يخالف في ذلك إلا قلّة قليلة، مثل الحركة القرآنية في شبه القارّة الهندية.

وهذا البيان يمكن أن يكون في روحه راجعاً إلى الدور الاستقلالي للسنّة بناءً على التشكيك في كون هذه التفاصيل قد جاءت في القرآن وبيّنت فيه، فيجري على الدور التفصيلي عين حكم ما جرى على الدور التأسيسي.

و ـ الدور التفسيري

ونقصد بهذا الدور كلّ ما يتصل بتفسير الروايات للقرآن بأيّ شكل من أشكال التفسير.

وأشكال التفسير متعدّدة أهمها:

أ ـ تفصيل المجمل وتخصيص العام وتقييد المطلق، وهذا سمّاه العلماء بياناً وتفسيراً، وربما من حيث إنّ فيه كشفاً عن المراد الجدّي من الآيات.

لكنه في واقع أمره ليس تفسيراً للنص نفسه وإنما سمّوه تفسيراً ليجعلوا الحديث هنا مندرجاً ضمن النطاق الدلالي للقرآن نفسه حتى لا يقعوا في إشكالية التناقض بين الكتاب والسنّة، كما يقول بعض الباحثين المعاصرين([94]).

لهذا فصلنا فيما تقدّم هذا الدور عن الدور التفسيري، لكنه على أيّ حال قد ينطبق عليه هذا العنوان التفسيري في بعض الموارد.

ب ـ توضيح الدلالات القرآنية وفقاً لقواعد الفهم العقلائية والعقلانية، أو الدور الإرشادي والتوجيهي، كأن تأتي الروايات وتشرح ما تدلّ عليه الآيات لغةً وعرفاً أو تقوم بمقاربة بين آيتين لتوضيح معنى جديد يمكن أخذه منهما وفقاً للقواعد العقلائية للفهم. وهذا دور مهم وجليل وردت فيه العديد من الروايات والآثار.

فالحديث يقوم بإرشادنا إلى نقاط موجودة في النص القرآني، قد لا نكون ملتفتين إليها، وهذا ما يحصل كثيراً في الروايات، كأن ترشدنا إلى آية مخصّصة لآية أخرى، أو تشرح لنا طبيعة العلاقة بين آيتين، أو تبيّن لنا أنّ الآية الفلانية تنسخ الآية الأخرى، بحيث عندما نقرأ القرآن ـ بعد اطّلاعنا على هذه الرواية أو تلك ـ يحصل لنا استظهار النسخ أو التقييد أو التخصيص أو الفكرة الجديدة الناتجة عن ضمّ آيةٍ إلى أخرى.

فالحديث هنا لم يقدّم لنا أمراً آخر غير ما في الكتاب، لكنه أرشدنا إلى ما في الكتاب الكريم ولفت نظرنا إليه، فصرنا نفهم الكتاب فهماً جديداً من حاقّ الكتاب لكن بمعونة التوجيه الذي قدّمته لنا الرواية الشريفة.

ج ـ بيان ملابسات النزول المساعدة على فهم الآيات وتفسيرها، فكثيرٌ من التفسير المأثور عن النبي وأهل البيت والصحابة يوضح ظرف نزول الآيات ويحدّد السياق المحيط بها، وهذا ما يجعله يلعب دوراً تفسيريّاً كبيراً لتوضيح معناها وتجلية المراد منها.

وهذا ما يعرف بروايات أسباب النزول، والمؤسف أنّ الكثير من هذه الروايات ضعيف السند والمصدر لا يوجد ما يؤكّده، وكثير منه ورد مرسلاً، ونسبة ليست بالقليلة منه اجتهادات من بعض التابعين ومن بعدهم، لكنه يظلّ مفيداً للمساهمة في تكوين صورة عن السياقات المحيطة بنزول الآيات الكريمة كما تقدّم.

وتظلّ روايات أسباب النزول المعتبرة الصدور ذات قيمة حتى لو لم تصدر من المعصوم، بشرط أن تصدر ممّن عاصر نزول الآية لكي يخبر عن الجوّ الذي رآه وأحسّ به قبيل وبعد نزولها.

د ـ بيان القراءات القرآنية؛ لأنّ بعض القراءات يرشد ـ على أقلّ تقدير ـ إلى معاني الآيات المحتملة، وأكثر القراءات وردت عن أهل البيت والصحابة والتابعين وتابعيهم.

ز ـ الدور التطبيقي

والمقصود بهذا الدور أنّ السنّة التي لا تمثّل تأسيساً لحكم شرعي، بل تطبيقاً لقاعدة قرآنية، لاح لنا في تطبيقها أنها حكم جديد.

ومثال ذلك العديد من الروايات في باب المزارعة والمساقاة والخرص و.. تحرّم أشياء يلوح لنا للوهلة الأولى أنها تبيّن أمراً جديداً، كلّ ما في الأمر ـ حسب ما يظهر من القرائن ـ أنها تعتبر هذا المورد مصداقاً للربا.

وهنا، لو قلنا بحجية السنّة فلا تنافي هذه الحجية بيانية القرآن؛ لأنّ السنّة ليست سوى معين لتطبيق القاعدة القرآنية على مصاديقها، غايته ربما لو بقينا والقاعدة القرآنية لم نلتفت إلى هذا التطبيق، فتأتي السنّة وترشدنا إليه.

وأعتقد ـ وهذه فكرة مهمّة ـ أن عدداً كبيراً من نصوص السنّة لو راجعناه لرأيناه يرجع بالتحليل إلى الدور التفسيري والتطبيقي من السنّة الشريفة، ومن مهارات الفقيه القرآني محاولة اكتشاف هذا البُعد التطبيقي في السنّة الشريفة.

وإذا اكتشف ذلك صار الدور التطبيقي شكلاً من أشكال التفسير من جهة، وشكلاً من أشكال التقرير من جهة ثانية فلاحظ، وإنما فصلناه للتوضيح.

وبهذا تبيّن مما تقدم أن السنّة تقدّم خدمات عدّة للنصّ القرآني ولمفسّره وللمجتهد فيه، فهي تثبته وتدافع عنه، وتؤيّده وتكرّس مضمونه، وتتصّرف في بعض دلالاته (على كلام في هذا)، وتستقلّ عنه بتشريع أحكام معينة، لاسيما تفصيل ما أجمل من عناوين فيه كالصلاة وغيرها، وتقوم بتفسيره وتعليم المسلمين كيفية فهمه..

وعلاقة بالسنّة بالكتاب ـ بناءً على هذا ـ يمكن أن نقسّمها إلى قسمين:

1 ـ علاقة اتحاد وتبعيّة، وتتجلّى في الدور الإثباتي، والدور التقريري، والدور التفسيري، والدور التطبيقي.

2 ـ علاقة انفصال واستقلال، وتتجلّى في الدور الدلالي التصرّفي، والدور الاستقلالي.

والتجربة الاجتهادية للفقيه القرآني هي التي سوف تحدّد ميدانياً مساحة هذين الدورين، فإذا توصّل إلى معدّل كبير جداً من الأحاديث يرجع للدور الإثباتي والتقريري والتفسيري والتطبيقي، فسوف تتحدّد لديه المساحة التشريعية للقرآن بشكل أكبر بكثير مما لو توصّل إلى معدّل أكبر يرجع للدور التأسيسي الاستقلالي والدور التصرّفي، لكن بشرط أن يرجع في كلّ قضية إلى الكتاب والسنّة معاً، لا إلى الكتاب لوحده، ولا إلى السنّة لوحدها.

ومن الواضح أنّ مرجعية السنّة في الاجتهاد القرآني إنّما تكون في الدائرة الأولى، أي في دائرة علاقة الاتحاد والتبعيّة؛ إذ في هذه الدائرة يصحّ أن نقول بأنّ الفقيه القرآني يرجع إلى السنّة ليخرج باستنتاج فقهي قرآني، بمعنى صحّة نسبة هذا الاستنتاج للقرآن الكريم مباشرة، فيكون دور السنّة هو دور الواسطة في استنطاق القرآن من قبل الفقيه نفسه أو الواسطة في اكتشاف الموقف القرآني، أما في غير هذه الحال، فلا يصّح نسبة ما يعطيه الحديث للقرآن من الناحية الإثباتية، بل يصّح نسبته للحديث نفسه، كما في السنّة المؤسّسة.

4 ـ 2 ـ مرتبة السنّة من الكتاب

علاقة القرآن بالسنّة، والسنّة بالقرآن، موضوع يعدّ من أهم موضوعات المنهج في إطار علاقات المصادر المعرفية ببعضها، من حيث طبيعة الرجوع إليها، ومن حيث ـ أيضاً ـ كيفية تقدّم بعضها على بعض، وتفسير بعضها لبعضها الآخر.

من هنا، وجدنا في التراث الإسلامي، موضوعات عدّة يمكنها أن تنتمي إلى إطار علاقة هذين المصدرين المعرفيّين في الدين الإسلامي، فقد بحث علماء أصول الفقه الإسلامي في تخصيص السنّة الكتابَ وتقييدها له والعكس، كما تعرّض العلماء لبحث آخر يتصل بهذا الموضوع، وهو نسخ السنّة للكتاب أو العكس، ووجدنا لهم في هذين الموضوعين كلمات وأفكاراً كثيرة مهمة جداً.

وبحثوا أيضاً في موضوع ثالث في تفسير السنّة للكتاب، وشكل بيانها له وتوضيحها لمضمونه، حتى ظهرت كلمات حسبت عند بعضهم متطرّفة، مثل كلمات الإخباريين الشيعة الذين منعوا إمكانية فهم القرآن إلا بالسنّة، وفي الوسط السنّي تعابير منقولة، قد يستثقلها بعضٌ؛ فهذا الإمام الأوزاعي يقول وينقل عن مكحول قوله: «القرآن أحوج إلى السنّة من السنّة إلى القرآن»، وينقل عن يحيى بن أبي كثير قوله: mالسنّة قاضية على الكتاب، وليس الكتاب قاضياً على السنّة»([95])، وهي جملة استثقلها أحمد بن حنبل (241هـ) حينما خفّفها بالقول: «السنّة تفسّر الكتاب وتعرّف الكتاب وتبيّنه»([96])، وهو تعبير يوجد ما يشبهه عند غيره كحسّان بن عطية([97])؛ من هنا اختلفو في معنى البيان.

وإلى جانب هذه الموضوعات، جاء موضوع حجّية السنّة المؤسّسة المستقلة، فهل يمكن للسنّة أن تستقلّ عن القرآن بأحكام أو لا؟ وهو الموضوع الذي سبق أن أشرنا إليه آنفاً، حيث كان للشاطبي دور أساس في هذا الملف الشائك اليوم.

إلى غيرها من الموضوعات، التي لن ندرسها هنا حاليّاً، إنّما سنبحث قضية أخرى، غلب تداولها في الاجتهاد السنّي أكثر من علوم الاجتهاد الشيعي؛ إذ قلما نجد عالماً شيعياً يفرد لها بحثاً في علم الكلام، أو أصول الفقه، أو الحديث أو..([98])، وهي قضية تحتوي على لُبس وغموض، حيث وقع بحثٌ في الاجتهاد الإسلامي كان للإمام أبي إسحاق الشاطبي (790هـ) دور مهم فيه، وهو تقدّم الكتاب على السنّة وتأخر السنّة عن الكتاب، أو بتعبيرٍ آخر مرتبة السنّة من الكتاب.

تفكيك مفهومي لمقولة تقدّم الكتاب على السنّة، تفسيرات متعدّدة

لكن هذا العنوان أورث ومايزال ـ كما يشير إلى ذلك السيد محمد تقي الحكيم([99]) ـ الالتباس أو الشبهة من حيث المقصود منه، فما معنى تقدّم الكتاب على السنّة؟ وما معنى تقدّم السنّة أو تأخرها عن الكتاب؟ مفهوم يمكن أن يتناوله أيّ باحث ضمن تفسير مختلف؛ لهذا كان من الضروري لنا منهجيّاً أن نطرح تفاسيره ولو المحتملة، ثم نعمد إلى معالجة الأدلّة على هذه النظرية من موقع رصد التفسيرات المحتملة؛ لنرى ـ إن شاء الله تعالى، وباختصار شديد ـ ماذا تفيد؟ وأيّ شيء تُنتج؟

أ ـ التفسير الأنطولوجي الوجودي

يعني هذا التفسير أن يكون المقصود هنا أنّ القرآن في نفسه ووجوده، حيث إنه كلام الله تعالى مباشرةً، مقدّم على قول النبي$ من حيث إنه كلام بشري، حتى لو كانا معاً معصومين في الإخبار عن الواقع، لاسيما مع كون القرآن معجزةً تمتاز بمزايا تفتقدها السنّة الشريفة، مثل المستوى الأرفع من البلاغة والفصاحة و..

وهذا التفسير لا يبدو أنّ هناك معارضين أساسيين كُثُر له، فالقرآن هنا مقدّم على السنّة بهذا المعنى، وليس لهذا التقدّم أيّ أثر ميداني بالنسبة لعمليّة الاجتهاد.

نعم هناك من ذهب إلى أنّ القرآن الكريم وحيٌ إلهي من حيث مضمونه ومعناه، إلا أنّ الألفاظ التي نجدها الآن في هذا الكتاب يعود إنتاجها إلى شخص الرسول محمد$ لا إلى الله تعالى.

وتنسب هذه النظرية إلى العارف الكبير محي الدين بن عربي (638هـ) فيما يُفهم من بعض كلماته في كتاب mالفتوحات المكيّةn([100])، بل قد حكى الزركشي في mالبرهانn([101])، عمّن نقل عن السمرقندي (375 أو 376 أو 383هـ) أنّه نقل وجود ثلاث نظريات في قضيّة النزول هذه، وأنّ النظرية الثانية كانت عبارة عن نزول المعاني وصناعة النبي للنصّ اللفظي، مما يكشف عن وجود رأي بهذا الصدد يعود إلى القرن الرابع الهجري في الحدّ الأدنى.

وطبقاً لهذه النظرية، لا يعود هناك تقدّم أنطولوجي من هذا النوع بين القرآن والسنّة، وقد طرح الدكتور عبد الكريم سروش مؤخراً مطلع عام 2008م هذه النظرية، بل وما هو أزيد منها لتثير جدلاً واسعاً في الأوساط الدينية والثقافية.

وليست هذه المسألة موضوع بحثنا هنا، وقد بحثناها مفصّلاً في موضعٍ آخر يراجع في محلّه.

ب ـ التفسير الرتبي لتقدّم النص القرآني، البدأة بالكتاب

يعني التقدّم الرتبي في هذا التفسير لتقدّم القرآن الكريم أنّ الباحث في الفقه والأصول والكلام والتاريخ و.. عليه ـ أولاً ـ أن يرجع إلى القرآن فيأخذ منه ما يقدّمه، فإذا انتهى من البحث القرآني، أتى بعد ذلك إلى السنّة، لينظر فيما تقدّمه من تفصيلات وإضافات وقيود فرعية، فلا يصحّ في أيّ بحث في الدين مراجعة السنّة قبل مراجعة الكتاب، بل العكس هو الصحيح، وفهم الكتاب هو الذي يهيمن على فهم السنّة، وليس العكس، حتى مع كونهما معاً معصومين مؤيّدين من الله تعالى.

وليس المقصود هنا الخروج بحكم تكليفي يحرّم الرجوع إلى السنّة قبل النظر في الكتاب، وإنّما حكم معرفي يمنع فهم السنّة واستنتاج شيء منها والأخذ بها قبل الرجوع للكتاب، ويمنع هيمنة فهم السنّة على فهم الكتاب معرفيّاً، وتعبيره الطبيعي هو التقدّم الزمني في المراجعة.

وهذا التفسير الذي يصرّح به جماعة([102])، تارةً ينظر إليه من حيث إن المراد بالسنّة فيه السنّة الواقعية، وأخرى من حيث إنّ المراد بها السنّة المنقولة المحكية:

أ ـ فإن أُريد السنّة الواقعية، فمعنى ذلك أننا لو كنا نعيش في عصر النبي، كان المفترض بنا ـ أولاً ـ مطالعة القرآن، فإن أتممنا المطالعة لجأنا حينئذٍ إلى رسول الله$، لنسأله عن تفاصيل هذا الحكم أو بعض البنود الملحقة به، ولا يصحّ منا التوجّه إلى النبي قبل مطالعة القرآن.

ومن الواضح ـ على هذا التقدير ـ بطلان ذلك على المستوى الإسلامي السائد؛ لأن المفروض أن النبي معصوم في قوله كما أن القرآن معصوم في قوله؛ فأيّ من الطرفين نسأل، سوف يكون طريقاً إلى الله تعالى وأحكامه الشرعية، فلا معنى لتقديم هذا على ذاك ولا ذاك على هذا، ولا دليل عليه، بل قد تقدّم السنّة على الكتاب على القول بعدم إمكان فهمه، وسيأتي بعض التعليق.

ب ـ وأما إذا أريد السنّة المنقولة المحكية؛ فإن ثبتت بطريق يقيني مؤكّد، كان الحال مثل السنّة الواقعية على كلام سيأتي، وإن كانت أخبار آحاد، جاء هنا البحث المعروف في الأصول والتفسير ـ وأشرنا له من قبل ـ في إمكان فهم دلالات القرآن بعيداً عن السنّة؛ فإن قيل بعدم إمكان الفهم ـ كما هي نظريّة بعض العلماء الإخباريين من الشيعة ـ كان من الواضح حينئذٍ أنه لا معنى لتقدّم الكتاب على السنّة، إذ الفرض عدم إمكان فهمه قبل الرجوع إلى السنّة لتفسيره، فكيف يقدّم في المراجعة عليها؟! بل قد تكون حينئذٍ بياناً حصريّاً له فلا يمكن الرجوع إليه قبلها أو بدونها، وإذا قيل بإمكان الفهم، كان الصحيح تقدّم الكتاب على السنّة، استناداً لما دلّ من نصوص السنّة نفسها على لزوم عرض أخبارها على الكتاب للتأكّد من سلامة هذه الأخبار عن الدسّ والوضع ما دامت ظنية؛ لأنّ حجية الخبر لا تولد إلا مقيّدةً بعدم مخالفة القرآن، لظاهر الأمر الوارد في بعض أخبار الطرح من الأمر بعرض كل ما يأتينا على كتاب الله، فلابد أولاً من فهم القرآن كي نستطيع في المرحلة اللاحقة عرض الأخبار عليه.

بل قد يقال: إنه لا يصحّ من الناحية المنطقية ادّعاء تواتر حديث أو قطعية صدوره قبل العرض على القرآن؛ إذ القرآن مصدر تاريخي معرفي قطعي الصدور في الثقافة الإسلامية، فيما الأحاديث فيها دسّ ووضع وتحريف والتباس، فلا يصحّ دعوى القطع بنسبة حكم إلى الشارع دون أن يلحظ المصدر الأول للتشريع؛ لاحتمال المعارضة له الأمر الذي يسقط حالة اليقين في الخبر القطعي الصدور، كما هو واضح، فالسنّة المنقولة متأخرة ـ بهذا المعنى ـ عن الكتاب.

ج ـ التفسير الرتبي لتقدّم النص القرآني، الاستغناء بالكتاب

يقصد بالتقدّم الرتبي بمعنى الاستغناء بالكتاب، الرجوع إلى القرآن أولاً، فإذا وجدنا فيه حديثاً عن موضوع ما، لم نرجع إلى السنّة بعد ذلك، حيث نكتفي بما قدّمه لنا القرآن الكريم، فإذا حرّم القرآن لحم الخنزير حكمنا بحرمته دون حاجة بعد ذلك إلى الرجوع إلى نصوص السنّة، نعم إذا طالعنا القرآن حول موضوع ما ولم نجده يتحدّث عنه، مثل كيفية الصلاة على المعروف، هنا نرجع إلى السنّة الشريفة لننظر ماذا تعطي في هذا الإطار، فهذا هو معنى تقدّم الكتاب على السنّة، بلا فرق بين السنّة الواقعية والمنقولة المحكيّة.

لكن هذا التقدّم باطل على أساسين:

الأساس الأوّل: وهو الأساس المنظّر له في علم أصول الفقه من إمكان تقييد السنّة أو تخصيصها للقرآن، وعلى قولٍ إمكان نسخها للقرآن، فكلّما حكم الأصولي بإمكان ذلك لم يعد يمكنه ـ بمجرّد توصله إلى حكم في القرآن ـ أن يكتفي به ويذر السنّة؛ لأنّهم قرّروا في أصول الفقه أنه لا يجوز العمل بالعام قبل الفحص عن المخصّص، واليأس من الظفر به، كما لا ينعقد الإطلاق إلا بمقدّمات الحكمة التي منها عدم المقيّد، فما لم نحرز هذا العدم أو يحكم بثبوته بشكل منطقي لا ينعقد هناك إطلاق، فالأخذ بنظرية إمكان تخصيص السنّة للكتاب يؤثر ـ سعةً وضيقاً ـ على هذا الطرح هنا.

من هنا يُعلم أنه لو واجهنا نصّاً قرآنياً آبياً عن التخصيص والتقييد، وأنكرنا نسخ السنّة للكتاب، لم تعد هناك حاجة للرجوع إلى السنّة في المسألة التي ورد فيها نصّ كتابي واضح متعالٍ عن التخصيص وأمثاله.

الأساس الثاني: بصرف النظر عما تقدّم، لا نوافق على هذا التفسير، من حيث إنّ النبي$ أعرف بالقرآن، فمن الممكن ـ بمراجعة تفسيره ـ الالتفات إلى معطيات إضافية؛ من هنا يصعب الأخذ بشكل كلي بهذا التفسير طبقاً لذلك، فهذا تماماً مثل عدم صحة جزمك بتفسير آية دون مراجعة كتب اللغة وأحكامها المتوقع في مظانّها أن تؤثر على لفت نظرك إلى معنى معيّن، بل وبعض التفاسير وتجارب التفسير السابقة التي من شأنها إنضاج قراءتك للنص القرآني وتوفير الوقت عليك أحياناً، فهذا أشبه شيء بما ينقل عن الشافعي من أنّ القرآن وعاء والسنّة غطاء، من حيث تأثير كشف الغطاء على معرفة محتويات الوعاء.

لكن من الضروري أن نعلم أنّ هذا الأمر على مستوى السنّة الواقعية أوضح؛ لأن السنن المحكية الظنية بالخصوص فيها الغث والسمين، فقد تشوّه قراءتك للقرآن أحياناً، فهي سيف ذو حدين يفترض وضع ضوابط دقيقة لكيفية مراجعتها لأيّ باحث أو مفسّر أو فقيه.

د ـ التقدّم التشريفي الاعتباري للكتاب الكريم

يقصد بهذا التفسير للتقدّم القرآني أنّ القرآن متقدّم بالشرف والرتبة الاعتباريّة المحضة، ربما لأنّه أصل حجية السنّة أو لغير ذلك من الأسباب.

وهذا التفسير وإن كان في نفسه جيّداً، وقد يترك تأثيراً على مكوّن الوعي عند المسلمين، لكنّه لا أثر له ولا مردود عمليّاً في المستويات المعرفية والاجتهاديّة، وإنّما هو شأن تشريفي اعتباري لا أكثر ولا أقلّ، فلا قيمة لهذا التقدّم على مستوى الاجتهاد حتى نوليه ـ هنا ـ هذه الأهميّة.

نعم، عندما يكون القرآن ـ لا غير ـ أصل حجية السنّة، يحصل تقدّم حقيقي واحد وهو عدم جواز الرجوع إلى السنّة قبل الرجوع إلى القرآن لأخذ حجية السنّة منه، وهذا واضح.

هـ ـ التقدّم الترجيحي للكتاب الكريم على السنّة الشريفة

ربما يقصد بنظريّة التقدّم القرآني ـ وهو ما احتمل([103]) أنّه مراد الشاطبي من نظريّته هنا ـ أنّه إذا تعارض القرآن مع السنّة، يقدّم القرآن حينئذٍ ولا يؤخذ بالسنّة، فلا تستوعب نظريّة التقدّم القرآني غير حالات التعارض.

وهذا الكلام صحيح من جهة، ولا موضوع له من جهةٍ أخرى، وذلك أنّه:

أ ـ إذا كان المقصود بالسنّة هو السنّة الواقعيّة، أي واقع ما صدر عن النبي، فلا معنى ـ طبقاً لنظرية العصمة وحتى غيرها إلى حدّ ما ـ لفرض تعارض بين الكتاب والسنّة، إلا إذا كان تعارضاً بدويّاً، أو صورة تعارض موهومة؛ فنظريّة تقدّم القرآن لا معنى لها في هذه الدائرة، لعدم وجود مصداق لها حينئذٍ.

ب ـ وأما إذا كان المقصود هو السنّة المحكيّة، مثل أخبار الآحاد، فمجال الحديث وارد، ونظرية سقوط حجية السنّة المحكيّة الظنيّة بمعارضة القرآن صحيحة وثابتة، وقد درسناها دراسةً موسّعة في موضعه، وأثبتنا ـ على مستوى صياغة القاعدة ومنهجيّتها ـ ليس فقط سقوط حجيّة الخبر بمعارضة الكتاب، وإنّما عدم ولادة الحجيّة في أيّ خبر إلا بعد عرضه على الكتاب للتأكّد من أنّه غير معارض له؛ فنظرية التقدّم القرآني بهذا التفسير الخامس لها صحيحة.

هذا، وقد تعرّضنا في محلّه بالتفصيل لمسألة تقدّم الكتاب على السنّة، وأدلّة ذلك، وكذلك مسألة السنّة المؤسّسة ودورها في موضوع التقدّم، فلا نعيد ولا نطيل، فليراجع([104]). وإنّما أحببنا هنا فتح النوافذ لتأسيس أصول فقه قرآني.

5 ـ الفقه القرآني والمرجعيّات المساعدة (الإجماع والشهرة والسيرة و..)

من المعلوم أنّ الاجتهاد الإسلامي حاول ابتكار منافذ اجتهاديّة زائدة على الكتاب والسنّة، إما بنحو تكون في عرض هذين المصدرين، أو في طولهما، والقول بأنّ هذه المنافذ ليست سوى كواشف عن السنّة نفسها.

وأبرز هذه المنافذ هو الإجماع والشهرة والسيرة وعمل أهل المدينة ونحو ذلك. وليس هدفنا هنا رصد مديات قيمة هذه المنافذ الاجتهاديّة، بقدر ما نريد الحديث عن علاقة الكتاب الكريم بها بالنسبة للفقيه القرآني.

وهناك فارقٌ جوهري بين كلّ من الإجماع والشهرة وسيرة المتشرعة وعمل أهل المدينة من جهة، والسيرة العقلائية أو العرف العام من جهة ثانية:

أ ـ فالسيرة العقلائية محكومة لأيّ نصّ تقع أمامه، فلو واجهها نصٌّ قرآني كان ردعاً عنها، وقد تقرّر في أصول الفقه أنّ حجية سيرة العقلاء إنّما تكون بسكوت المشرّع عنها، فلو ورد النهي أو الردع لم يكن لها أيّ اعتبار، من هنا تكون علاقة القرآن بالسيرة:

إما سكوتاً منه عنها وهو يدلّ على رضاه بها.

أو إبرازاً لنصّ يؤيّدها فتكون السيرة حجّةً حينئذ ببركة النصّ القرآني، وفي هاتين الحالتين يؤخذ بالسيرة.

أو إبداءً لموقفٍ يعارضها فيكون النصّ القرآني ردعاً عنها بشكلٍ كامل أو جزئيّ، وهنا يقدّم النصّ القرآني عليها، مهما كانت دلالته بالعموم أو الإطلاق أو النصّ والطرق المباشرة.

وأما ما طرحه السيد محمّد باقر الصدر، من أنّ الردع يجب أن يكون متناسباً ـ كماً وكيفاً ـ مع حجم السيرة واستحكامها([105])، فهو أمرٌ يمكن قبوله في الجملة في مثل نصوص السنّة التي ترد متفرّقةً هنا أو هناك في جوابٍ عن سؤالٍ فرعي هنا أو هناك، أما في مثل النصّ القرآني فإنّ له خصوصيّته التي تقوم على قطعيّة الصدور من جهة، وتداوله العام من جهة ثانية، وكونه بمثابة الأساس الحاضر في الوعي الإسلامي على الدوام ثالثاً، فالنصّ الواحد منه ـ نتيجة هذه الخصوصيّات وأمثالها ـ يسمح له بالردع عن سِيَر مستحكمة ولو بآية واحدة، وهذا تمييز لطيف بين القرآن والحديث غالباً في قضيّة الردع عن السِّير والأعراف.

نعم، يبقى أنّ وجود هذا النصّ مع خلوّ السنّة من الحديث حول الموضوع الردعي هذا، قد يُضعف من الوثوق بفهم الردع من النصّ القرآني نفسه؛ إذ عادةً ما تثير السنّة ما يطرحه الكتاب، ويثير السائلون ما جاء من ردعٍ في الكتاب، فعندما تخلو السنّة من شيء من ذلك يكشف هذا الأمر عن أنّ فهمنا للكتاب كان غير دقيق؛ إذ لم يفهم المعاصرون ذلك، وهو أمرٌ قد يحصل في بعض الموارد لا في جميعها.

وكلّ ما أسلفناه مبني على فرضيّة الحجيّة الإمضائيّة للسيرة، لا على الحجيّة الذاتيّة التي تُرجع السيرةَ إلى أحكام العقل العملي، كما طرحه بعض المعاصرين، وتفصيل البحث نوكله إلى محلّه.

ب ـ أما الإجماع والشهرة وسيرة المتشرعة وأمثال ذلك، فإنّ قيمتها في كشفها عن وجود موقفٍ شرعي صدر من المعصوم، ومن ثم سيعني ذلك أنّ لدينا موقفاً شرعيّاً معلوماً ـ في الجملة ـ صادراً عن المعصوم، ويقع على خلاف نصّ آيةٍ قرآنية كريمة، وهنا:

إما أن يكون وجود الآية أحياناً موجباً لشكّنا في كاشفيّة الإجماع والسّيرة عن موقف المعصوم، وهذا ما يحصل في بعض الموارد، فيوجب سقوط الكاشفيّة، ومن ثم الحجيّة عن الإجماع والسيرة.

أو لا يفرض وجود الآية ذلك، مما يعني أنّنا أمام تعارض الكتاب والسنّة المعلومة، فيرجع في حلّ القضية الى ما أسلفناه آنفاً في علاقة الكتاب بالسنّة.

ولهذا ذهب بعض العلماء المسلمين الى جواز نسخ القرآن بالإجماع؛ لأنه في روحه نسخٌ للقرآن بالسنّة، وبدليل الإجماع([106])، فيكون الاستدلال بالإجماع على النسخ، لا النسخ بالإجماع كما ذكره الشيرازي([107])، وبه يتبيّن فساد القول بعدم النسخ به([108]).

واستمراريّة الإجماع والسّيرة تقع حينئذ لصالح تأخير موقف المعصوم زمناً عما بعد نزول الآية الكريمة، مما يعزّز إمكانية تخصيص القرآن بهذه المدارك أو حتى نسخه بها بناءً عليه؛ إذ من البعيد أن يكون مرجع الإجماع والسيرة خطأ من المعصوم جاء متقدّماً على نزول الآية الناسخة له دون أن يترك نزول الآية تأثيره في تغيير الإجماع والسيرة.

نعم، في التخصيص لا بأس به، إذ تكون الآية الدالّة على العموم مخصّصةً بالمخصّص المنفصل السابق زمناً والذي يكون حينئذ بمثابة المخصّص المتصل؛ نظراً لحضوره في الوعي المتشرّعي لحظة نزول العموم القرآني.

ويجب أن نشير هنا إلى أننا نتحدّث عن الإجماع أو الشهرة أو السيرة أو عمل أهل المدينة بوصفها مصادر اجتهادية حجّة بناءً على الكشف، أما على غير ذلك فتختلف النتائج.

كما أنّنا نفرض هنا أنّ الإجماع والشهرة والسيرة عناوين قد فرغنا عن تحقّقها في الواقع التاريخي بمعنى تحقّق صغراها وكبراها، وإلا فنحن وإن كنّا نوافق نظرياً على كاشفيّتها قاعدةً ومن حيث المبدأ، إلا أنّ تحقّق مصاديقها الخارجية المتوفّرة تماماً على شروط الكشف عن موقف المعصوم أمرٌ في غاية الصعوبة؛ لأسباب أشرنا لبعضها في محلّه، وليست هي موضع بحثنا هنا، مثل احتمال المدركيّة، وصعوبة إثبات اتصال السيرة، وقلّة عدد الوثائق القادرة على تكوين إجماع.

وهناك نقطة لابد من الانتباه لها هنا، وهي أنّ الرائج بينهم أنّه كلّما وجد نصّ في الكتاب أو السنّة وكان ثابتاً من حيث الصدور والدلالة، ومع ذلك كان هناك إجماع على عكسه أو شهرة، فإنّهم يقولون هنا بأنّه كلّما ازداد النصّ وضوحاً وقوّةً ازداد بالإجماع أو الشهرة العكسيّة ضعفاً ووهناً، إمّا على المستوى الصدوري لو كان خبراً ظنياً مثلاً، أو على المستوى الدلالي لو كان آيةً قرآنية، ومرجع ذلك إلى قاعدة الوهن؛ لأنّ الشهرة أو الإجماع على الخلاف مع النصّ يشكّل إعراضاً عنه، وكلّما ازداد النصّ قوّةً ازداد بالإعراض ضعفاً ووهناً([109]).

وقد ناقشنا نظريّة الوهن في محلّه وقبلنا بها في الجملة، لكن لا يمكننا القبول بها هنا في معارضة النصّ القرآني الواضح والصريح، مثل آيات لزوم ذكر الله تعالى كثيراً في الحجّ، والتي لم يفتِ الفقهاء وفقها، بل جعلوا الذكر هناك مستحباً؛ وذلك أنّ قوّة دلالة النصّ القرآني الماثل أمامنا مقطوع الصدور هي التي تشكّكنا في إجماعهم وشهراتهم لا العكس، تارةً من حيث صغراه، وثانية من حيث احتمال اجتهادهم في فهم الدلالة.

كما أنّ اختلافنا معهم في الدلالة لا يلزمنا بالتخلّي عن الظهور الذي انكشف لنا من النصّ القرآني لصالح فهمهم الذي يقع على خلاف ظهور الآية وفق ما فهمناه منها، فإنّ الحجيّة في باب الدلالات اللفظية ثابتة للظهور المترائي عند القارئ نفسه، فإذا تمّ تحقّقه بالنسبة إليه تحقّق موضوع حجية الظهور، وليس موضوع حجية الظهور هو الظهور عند الغير مع انعقاد خلافه عند الشخص نفسه، ما لم يكن استظهار الغير موجباً ـ لكونهم من العرب الأقحاح ـ في حصول الشك عندي في المعنى الذي استفدته من الآية الكريمة، فينعدم الظهور عندي قهراً، ومن ثم تزول الحجيّة حقيقةً.

وعليه، فالصحيح أنّه مع إعراض الفقهاء عن دلالة آيةٍ ما ظاهرة في معنى معيّن لا تنهدم حجيّة الظهور في الدلالة ما لم نفقد صغرى الظهور ويزول الظنّ أو الاطمئنان بما فهمناه، والمفترض قاعدةً أو غالباً عدم زوال الظنّ؛ لاحتمال أنّهم تركوا العمل بالظهور القرآني عن اجتهاٍد في فهم النص، أو عن أخذهم بروايةٍ فهموا منها ذلك، ولعلّنا لو عثرنا عليها لم نفهم منها ذلك، أو لم نرَ لها حجيّةً صدورية، ومن هنا كلّما كشفوا عن مبرّرات إعراضهم عن الدلالة القرآنية سهل علينا الأمر، حيث سيكون لمحاكمة مبرّراتهم أكبر الدور في الأخذ بإعراضهم أو الإعراض عنه.

ومرجع ذلك كلّه إلى إعاقة كشف الإجماع أو الشهرة العكسيّة على السنّة من الناحية الميدانية، وإن كانت القاعدة رجوع ذلك إلى نسخ السنّة للكتاب كما قلنا.

6 ـ الفقه القرآني ومرجعيّة العقل (نظام التوفيق والتأويل والمعارضة)

من الواضح أنّ القرآن الكريم ما دام من عند الله تعالى وكان حقّاً واقعاً، فمن الطبيعي أن لا يناقض الواقع بحسب رسالته الأساسيّة، في كلّ مقام نحرز فيه أنّه كان بصدد الإخبار عن الواقع، وهذه نقطة مهمّة، فإذا صاغ المولى كلامه بصيغة الإخبار لكنّنا وجدنا أنّ مراده ليس هو الإخبار، فلا يمكننا أن نتكلّم عن عدم مناقضة كلامه للواقع؛ لأنّ المناقضة متفرّعة على كونه بصدد أن يخبرنا شيئاً، وهذا تماماً مثل بحث القصص القرآني، فإنّه لو توصّل الباحث القرآني إلى أنّ القصص عبارة عن صورة فنيّة تخيليّة غرضها تربوي روحي، فإنّ الإخبارات الواردة فيها لن يكون هناك معنى لفرض عدم مناقضتها للواقع، إذ ليس في مقام الحديث عن الواقع حتى يكون في تنافيها معه تناقضاً.

وهذا أمر بالغ الأهميّة ويجب التنبّه له، ويكشف عن أنّ علاقة النصّ بالواقع تخضع في فهمها لنظريّتنا المسبقة لطبيعة البيان الديني من حيث كونه إخباريّاً أو رمزيّاً أو غير ذلك. نعم عندما تكون القصّة تربوية فنيّة تخيليّة فإنّ مطابقتها للواقع تتصل بجانب كون الأغراض أو الرسائل التي فيها هل هي صحيحة أو لا؟ لا في جانب مطابقة الوقائع للخارج.

لكن سنتجاوز هذه النقطة المفصلية هنا، لنؤكّد على مسألة عدم مناقضة القرآن للواقع، فهي مسألة ثابتة من حيث المبدأ، والعقل هو الوسيلة أو إحدى الوسائل البشرية لاكتشاف هذا الواقع، وهذا يعني أنّه من الممكن أن يكشف العقل هذا الواقع ويخبر القرآن نفسه عن هذا الواقع أيضاً، كما ومن الممكن أن ينكشف للعقل شيء لا يتحدّث عنه القرآن والعكس هو الصحيح، وهذا يعني أنّنا أمام حالات:

الحالة الأولى: أن يقدّم لنا القرآن الكريم فكرةً أو معلومةً أو مفهوماً لا يتحدّث العقل عنه لا نفياً ولا إثباتاً، أو يتوصّل العقل إلى معطى معيّن دون أن تكون في القرآن إشارة إليه. ومن الواضح في هذه الحال أنّ المطلوب هو الاحتكام إلى من قدّم هذا المعطى المعرفي ما دام غير معارض بمرجعيّة معرفية أخرى.

ولا فرق فيما نتحدّث فيه هنا بين أن يكون القرآن ساكتاً واقعاً عن هذا الموضوع الذي تحدّث فيه العقل أو ساكتاً بحسب تصوّرنا، أي أننا نحن الذين لم نجد في النصّ القرآني شيئاً يرتبط بالموضوع الذي تحدّث فيه العقل، وربما كان موجوداً في واقع الأمر ولكنّه لم ينكشف لنا لسببٍ أو لآخر؛ لأنه على أيّ من الافتراضين لن تكون هناك مرجعية معرفيّة في هذه الحال سوى المرجعية التي بدا لنا موقفها من موضوع البحث.

لكنّ السؤال هنا: لو حكم القرآن بأمرٍ ما ـ عمليّ أو علمي ـ فهل يفترض إكمال المسير، للنظر فيما يراه العقل في الموضوع نفسه أو لا؟ ولو حكم العقل بأمرٍ ما فهل يجب الرجوع إلى القرآن الكريم للنظر فيما يدلي به في الموضوع أو لا؟

والجواب: إذا كانت النتائج التي توصّلنا إليها في الكتاب أو العقل يقينيةً مؤكّدة حاسمة وليس حولها شبهة أو إشكالية، فلا ملزم معرفي أو علميّ بالرجوع إلى مصدر آخر، فلو اكتشف العلم أمراً ما لا يجب النظر في موقف القرآن منه حتى نصدّقه ما دامت المعطيات العلميّة حاسمة ولا تشوبها التباسات، وهكذا الحال على الخطّ القرآني.

ولا يناقض ذلك مرجعية التسليم للقرآن والرسول: ﴿..حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65)؛ فإنّ هذه المرجعيّة التي تتحدّث عنها الآية الكريمة ظاهرة في حال الخلاف والاختلاف بحيث يحكّم النبي في الموضوع ويسلّم له، لا في مطلق الأحوال، على أنّ ظاهرها الأوّلي وإن أوحى بالعموميّة إلا أنّه من الصعب تسرية هذه الآية لغير حالات الخلاف القضائي أو الخلاف الذي يحتاج إلى حكم قضائي يفصل فيه النزاع. نعم، ذيل الآية يشير إلى عنوان عام وهو التسليم الذي يكون بعد ﴿قضيت﴾ لا قبله، كما هو واضح من سياق الآية الكريمة.

إلا أنّه مع ذلك، من المستحسن ـ معرفيّاً ـ أن لا يخرج الإنسان بنتيجةٍ في أمر ما قبل مراجعة تمام المراجع المعرفيّة ذات الصلة بهذا الموضوع؛ لتتكامل الصورة أمامه، وهذا مشروط بأن تكون المراجع المعرفيّة الأخرى ذات صلة بهذا الموضوع أو لها حقّ البتّ فيه.

الحالة الثانية: أن يقدّم القرآن معلومةً معيّنة ويقدّم العقل معطى معيّناً أيضاً يتصل بالموضوع نفسه وهنا:

أ ـ أن يتوافق المعطى العقلي والقرآني، ولا إشكال هنا، فيفترض الأخذ بهما معاً وتوكيد المعطى بمرجعيّتين معرفيتين.

ب ـ أن لا يتوافق المعطى العقلي والقرآني، فيقع بينهما تعارضٌ واختلاف، وهنا:

1 ـ أن لا يكون القرآن في دلالته ـ في حدّ نفسها ـ حاسماً، ومن الواضح تقدّم العقل على القرآن هنا؛ لتقدّم اليقين على الظنّ، وربما يكون العقل حينئذٍ بمثابة المساعد في فهم الدلالة وتصويب وجهتها في الكتاب الكريم.

2 ـ أن يكون القرآن في دلالته حاسماً، وهنا ينبغي التفصيل، وذلك أنه:

إذا كان المعطى العقلي بديهيّاً، فمن الواضح أنه لا يولد فهمٌ دلالي في الكتاب من رأس إلا بمعونة هذا المعطى البديهي؛ لأنّ المتكلّم الحكيم يلقي كلامه آخذاً بعين الاعتبار المعطيات المشتركة المختزنة في ذهنه وذهن السامع. وأولى المشتركات هي البديهيات العقلية وما هو في قوّتها، ومعه فلا يصحّ فهم القرآن بمعزل عن هذه المعطيات البديهية، الأمر الذي يجعل فهم الكتاب العزيز خاضعاً لمعطيات العقل الأوّلية أو الواضحة جداً للجميع، فلا يصحّ فرض المعارضة والاختلاف بين العقل والنقل حينئذٍ، بل لا يولد الفهم النقلي إلا في ضوء الوعي العقلي المذكور.

أما إذا لم يكن المعطى العقلي بديهياً، كما هي الحال الغالبة، بل يحتاج إلى نظر ومراحل للتوصّل إليه، بحيث لا يكون حاضراً في الذهن الإنساني العام، فالمعروف بين علماء المسلمين هنا تأويل النصّ القرآني بما ينسجم مع هذا المعطى العقلي فيصرفون اللفظ عن دلالته.

ويحتجّون لذلك تارةً بأنّ القرآن لا يناقض الواقع، والمفروض أنّ العقل كشف الواقع، فننزّه القرآن عن الخطأ بالتأويل، وأخرى بتصوير الرسالة القرآنية على أنّها دلالة ظهوريّة ظنيّة بما يفتح كوّةً في جدار النص الكتابي ليتقدّم العقل عليه تقدّمَ اليقين على الظنّ.

وربما يصحّ لنا أن نقول بأنّه قد قامت نظريّة المعتزلة والعدليّة والإمامية وغيرهم على هذا المنهج عبر مقولة المجاز.

لكنّ هذا الكلام يمكن التوقّف عنده مليّاً، من حيث خضوعه للمنهج الأيديولوجي لا العلمي الموضوعي المحايد، وذلك أنّه مهما دافعنا عن هذا الكلام فلن نتمكّن من الجواب عن السؤال المعرفي العقلاني الذي سيثيره هذا الوضع وهو: إذا كان حقاً قد أراد الله هذا المعنى الذي يتلاءم مع النظريّة العقلية الفلانية التي ظهرت فيما بعد، فلماذا إذاً كان كلامه ـ بحسب الإفادة اللغوية ـ على عكس مراده؟ وهل هناك نظام لغوي ودلالي حكيم يطلق الكلام ليفيد معنى معيّن دون أن يكون هذا المعنى هو المراد الحقيقي للمتكلّم، معتمداً في فهم المعنى الحقيقي له على معطيات نظريّة تحليلية توصّلت إليها البشريّة بعد قرون مع الفلسفة والعلم وغيرهما؟!

ومهما حاولنا تصوير الدلالات الظنية واستفدنا من نظام الحقيقة والمجاز في اللغة فسنبقى مطالَبين بالجواب عن هذه الأسئلة المتقدّمة، ما لم نغيّر من فهمنا لبنية الخطاب القرآني فنقول ـ من الأوّل ـ بأنّه خطاب نخبوي لا يُفهم إلا بعد تطوّر العلوم، وقد كان مضطراً لإفادة عكس مراده للعوام قبل تطوّر العلوم للعجز عن صياغة فكرته بغير ذلك!!

من هنا، فنحن نعتقد أنّ قضايا من نوع التجسيم والتشبيه والعصمة والمعاد الروحاني والجسماني وقدم العالم وحدوثه وعلوم الأنبياء والأولياء وإمكاناتهم التكوينية ورؤية الله وغير ذلك، لا يمكن حلّ إشكالية الآيات الدالّة في موردها عبر القول بالتأويل، خضوعاً للعقل، وتسمية ذلك توفيقاً ومصالحة بين العقل والنقل، فإنّ المصالحة تقع عندما يظلّ كلا المصدرين المعرفيين على مكانته ونحاول اكتشاف أنظمة داخل كلّ مصدر معرفي تستطيع إخراجنا بنتائج ترفع التنافي والتعارض، أما صرع أحد المصدرين المعرفيين لصالح الآخر تحت اسم التأويل فهذه ليست مصالحة بل صرع ومصارعة.

ولهذا نفترض أنّ حلّ مثل هذه الإشكاليات يكمن في التفتيش داخل نظام اللغة القرآنية عن مؤشرات تعدّل تصوّرنا الأوّلي عن المراد من هذه الآيات، وإلا فلا مناص من الإقرار بوجود تعارض مستقرّ يفرض علينا إما إعادة النظر في أصل المصدريّة المعرفية المضمونة للكتاب أو العقل، أو في فهمها وإعادة اكتشافها مرّةً أخرى، وإلا فعلينا الاعتراف بالعجز عن العثور على حلّ.

ويبقى أن أشير أخيراً إلى أنّ العلوم الأخرى وإن لم تصلح للقرينية على كلام الله سبحانه؛ لعدم قرينيّة كلام شخصٍ في فهم كلام شخص آخر، إلا أنّ العلوم النظريّة يمكنها أحياناً كثيرة أن تنبّه المفسّر والباحث والفقيه لدلالةٍ في النصّ أو إشارة أو قرينة لم يسبق له أن انتبه إليها من قبل، نظراًَ لمستوى ونمط تفكيره الخاصّ، وهذا ما يجعل العلوم النظريّة ـ الفلسفيّة والإنسانيّة والطبيعيّة ـ منبّهات للوعي الدلالي في النصّ، لا قرائن على هذا الوعي، بما تحمله القرينة من معنى في البُنية البيانية في اللغة.

كلمة أخيرة

نكتفي بهذا القدر من تناول هذه الموضوعات، وقد كان هدفنا في هذه الوريقات تقديمَ ما يُشبه المدخل أو الخارطة المنظّمة بعض الشيء، تتصل بأبرز الملفّات التي ينبغي للفقه القرآني أن يعالجها قبل الانطلاق في مشروعه التطبيقي، ولو لاحظنا ما أثرناه في عناوين هذه الوريقات وما في مضمونها فربما يكون هو أبرز القضايا التي ينبغي أن يصار إلى تدوين أصول فقه قرآني من خلالها، إضافة إلى جملة بحوث تمثل مشتركات بين البحث القرآني وغيره يمكن الرجوع فيها إلى علم أصول الفقه، كبعض مباحث الألفاظ والتعارض.

فما أثرناه هنا هو أشبه بالمسرد لموضوعات هذا الفقه القرآني من ناحية أصوله وبُنيته، وعبر هذه الطريقة يمكن الاشتغال الهادئ على تأسيس وعي فقهي قرآني قائم على بحث أصولي معمّق ومتمركز ومجتمع في مكان واحد، وقديماً كان الكثير من الأصوليين ـ بل حتى زمن متأخّر ـ يفردون القرآن بالبحث فيما يتصل بقضايا مختصّة به، ونحن نؤيّد هذا المقترح، وأشرنا لشيء يتصل بذلك في مقدّمة كتابنا (حجية السنّة)، بحيث تُفرد منظومة الأبحاث المتصلة بالمصادر الاجتهاديّة لوحدها.

ومع الأسف، ففي الكتب الأصوليّة المتأخّرة ـ لاسيما الإماميّة ـ لا نجد غالباً فصلاً تحت عنوان القرآن ولا تحت عنوان السنّة، بل نجد في باب الحجج عناوين مثل: حجية خبر الواحد، والإجماع، والشهرة، والعقل، وحجية الظهور.. وداخل حجية الظهور يُتعرّض لحجية ظهورات القرآن. وأغلب الموضوعات التي تحدّثنا عنها في هذه الوريقات يتعرّض لها الباحث المسلم مبعثراً في فقه آيات الأحكام تارةً، وفي أصول الفقه أخرى، وفي التفسير وعلوم القرآن ثالثة. واقتراحُنا أن تُجمع وتفهرس ويصار إلى تكوين وعي أصولي قرآني من خلال البحث الموسّع فيها إن شاء الله.

 __________________________________________________________

(*) نشر هذا البحث في المجلّد الخامس من كتاب (دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر)، للمؤلّف، وذلك عام 2015م.

([1]) انظر: موسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت 2: 37؛ ومحمد فاكر ميبدي، باز بژوهي آيات فقهي قرآن: 28، سازمان انتشارات پژوهشكاه فرهنك وانديشه اسلامي، ايران، الطبعة الثانية، 2008م.

([2]) دائرة المعارف الإسلامية الكبرى 2: 722؛ ودائرة المعارف الشيعية 1: 237.

([3]) محمد حسين الذهبي، التفسير والمفسّرون 2: 432.

([4]) الميسّر في أصول الفقه: 377.

([5]) انظر: الغزالي، المستصفى 2: 35؛ والسيوري، كنز العرفان 1: 5؛ والحلي، مبادئ الوصول: 243؛ والتوني، الوافية: 256.

([6]) الوافية: 256؛ والفصول الغروية: 404.

([7]) طبقات مفسّري الشيعة (فارسي) 2: 293.

([8]) الجمان الحسان في أحكام القرآن: 2.

([9]) جلال الدين السيوطي، الإتقان في علوم القرآن 4: 40؛ والطنطاوي، الجواهر في تفسير القرآن الكريم 1: 3.

([10]) انظر: محمد فاكر ميبدي، بازپژوهي آيات فقهي: 53، هامش 4.

([11]) المصدر نفسه: 54.

([12]) راجع: موسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت 2: 48، 437 ـ 442.

([13]) محمد فاكر ميبدي، بازپژوهي آيات فقهي: 54.

([14]) الكافي 2: 628.

([15]) المصدر نفسه 2: 627.

([16]) بحار الأنوار 90: 97.

([17]) الكافي 2: 627.

([18]) راجع: السيوطي، الإتقان 4: 37 ـ 40.

([19]) انظر: موسوعة الفقه الإسلامي 2: 49؛ وميبدي، بازپژوهي: 55.

([20]) انظر: تفصيل وسائل الشيعة 28: 252 ـ 253.

([21]) راجع ـ على سبيل المثال ـ: الخوئي، منهاج الصالحين 1: 10.

([22]) انظر ـ من باب المثال ـ: محمد باقر الصدر، بحوث في علم الأصول 4: 139؛ ودروس في علم الأصول، الحلقة الثالثة، القسم الأول: 429.

([23]) يعدّ عماد الدين الطبري الكياهرّاسي (504هـ) من أكثر العلماء الذين استندوا إلى آيات العقائد في بحثهم عن آيات الأحكام، وذلك في كتابه في أحكام القرآن.

([24]) راجع: الدرّ المنثور 1: 288، و6: 40.

([25]) انظر: الأردبيلي، زبدة البيان: 4 ـ 7.

([26]) انظر: موسوعة الفقه الإسلامي 2: 39 ـ 40.

([27]) الذريعة 1: 40 ـ 49.

([28]) موسوعة الفقه الإسلامي 2: 485 ـ 522.

([29]) باز پژوهي آيات فقهي قرآن: 377 ـ 386.

([30]) الذريعة 1: 40.

([31]) ابن النديم، الفهرست: 41.

([32]) راجع: محمد فاكر ميبدي، بازپژوهي آيات فقهي قرآن: 34.

([33]) الفهرست: 57، ط دار المعرفة.

([34]) الأمالي: 559، 601؛ والتوحيد: 118؛ والخصال: 181؛ وكمال الدين: 176، 177، 182.

([35]) مسالك الأفهام: 8، المقدّمة للمرعشي.

([36]) انظر: ميبدي، فقه القرآن عند الشيعة، مجلة الاجتهاد والتجديد، العدد 13 ـ 14: 327.

([37]) رجال النجاشي: 434.

([38]) انظر: الذريعة 1: 273، 320، 323 ـ 324، 325، 326، 328، 329، 331، 339، 343..

([39]) أعيان الشيعة 1: 154، 155.

([40]) انظر: تذكرة الحفاظ 1: 343.

([41]) رجال البرقي: 20.

([42]) الطوسي، الرجال: 145.

([43]) رجال ابن داوود: 172.

([44]) أحكام القرآن 1: 18 ـ 19.

([45]) ميبدي، فقه القرآن عند الشيعة، مصدر سابق: 328 ـ 329.

([46]) انظر: ابن النديم، الفهرست: 292.

([47]) ميبدي، فقه القرآن عند الشيعة، مصدر سابق: 330.

([48]) النجفي، (مقدمة) مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام: 9.

([49]) الحموي، معجم البلدان 4: 7.

([50]) ميبدي، فقه القرآن عند الشيعة، مصدر سابق: 330.

([51]) المصدر نفسه.

([52]) انظر: الراوندي، فقه القرآن 1: 13 (المقدّمة).

([53]) المصدر نفسه 1: 3 ـ 4.

([54]) يوجد نقاش في أنّ الكتاب للأب أو للابن أو لهما كتابان.

([55]) ميبدي، فقه القرآن عند الشيعة، مصدر سابق: 331.

([56]) راجع: الذريعة 23: 181؛ وأعيان الشيعة 3: 14؛ ومقدمة السيد المرعشي على مسالك الأفهام 1: 9.

([57]) الذريعة 1: 41.

([58]) انظر: مقدمة السيد المرعشي على مسالك الأفهام 1: 11.

([59]) انظر: ميبدي، فقه القرآن عند الشيعة، مصدر سابق: 336 ـ 337.

([60]) يراجع في هذا الصدد، ميبدي، فقه القرآن عند الشيعة، مصدر سابق: 342 ـ 346.

([61]) الكاشاني، تفسير الصافي 1: 89، 90.

([62]) الكليني، الكافي 2: 634.

([63]) البحراني، الدرر النجفية 4: 67 ـ 70.

([64]) الخوئي، مصباح الأصول 2: 124.

([65]) لمزيد من الاطلاع في هذه النقطة، راجع: محمد علي أيازي، فقه پژوهي قرآني: 53 ـ 60.

([66]) انظر: أيازي، فقه پژوهي قرآني: 63.

([67]) المصدر نفسه: 66 ـ 74.

([68]) كما هو استدلال القائلين بمرجعيّة القرآن من القرآن نفسه، بقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ (النحل: 89)؛ وقوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ﴾ (النساء: 105) بصرف النظر عن مديات صحّة هذا الاستدلال.

([69]) وأنصح بمراجعة ما يمكن اعتباره من أهمّ الدراسات التي كتبت حول أسباب النزول، وهو كتاب (أسباب النزول) للكاتب بسّام الجمل.

([70]) راجع: فضل عباس، إتقان البرهان 1: 251؛ وبسّام الجمل، أسباب النزول: 109، 111، 121.

([71]) محمد باقر الحكيم، علوم القرآن: 39 ـ 40.

([72]) إدريس حمادي، المنهج الأصولي في فقه الخطاب: 45.

([73]) أشرف الكناني، الأدلة الاستئناسية: 220.

([74]) دلالة السياق عند الأصوليين: 62 ـ 63.

([75]) المصدر نفسه: 63.

([76]) انظر له: النبأ العظيم: 154 ـ 155.

([77]) السياق القرآني وأثره في التفسير: 122 ـ 126.

([78]) انظر: الميزان 1: 249.

([79]) انظر: البيان في تفسير القرآن: 277 ـ 278؛ ومحاضرات في أصول الفقه 5: 328.

([80]) انظر: كفاية الأصول: 239.

([81]) انظر: العراقي، مقالات الأصول 1: 485؛ ونهاية الأفكار 1 ـ 2: 552، 556.

([82]) انظر: البيان في تفسير القرآن: 201.

([83]) الكافي 7: 177؛ وتهذيب الأحكام 10: 3.

([84]) كتاب من لا يحضره الفقيه 4: 26.

([85]) المفيد، أوائل المقالات: 123.

([86]) انظر: كفاية الأصول: 237.

([87]) انظر: كفاية الأصول: 328، ومباحث القراءات من كتاب البيان للسيد الخوئي.

([88]) انظر: الموافقات 4: 396 ـ 437.

([89]) انظر: حيدر حب الله، حجية السنّة في الفكر الإسلامي: 503 ـ 569.

([90]) الإصفهاني، إفاضة القدير: 129 ـ 130؛ ومكارم الشيرازي، التعليقات على العروة 1: 66؛ وانظر له أيضاً: أنوار الفقاهة (كتاب التجارة): 366؛ وتفسير الأمثل 1: 539.

([91]) مكارم الشيرازي، تفسير الأمثل 1: 539.

([92]) انظر: جامع الشتات 3: 51؛ ورسائل الميرزا القمّي 1: 211؛ وغنائم الأيّام 1: 223، 423، و 5: 226، 266.

([93]) غنائم الأيّام 1: 223.

([94]) نصر حامد أبو زيد، الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية: 117 ـ 119، المركز الثقافي العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 2007م.

([95]) انظر: الخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرواية: 30؛ وابن عبدالبر، جامع بيان العلم وفضله 2: 191؛ والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن 1: 39؛ وابن قتيبة، تأويل مختلف الحديث: 186؛ والحاكم النيسابوري، معرفة علوم الحديث: 65؛ والأنصاري الهروي، ذم الكلام وأهله 2: 56، 58، و..

([96]) الكفاية في علم الرواية: 30؛ وابن عبدالبر، جامع بيان العلم وفضله 2: 191 ـ 192؛ والجامع لأحكام القرآن 1: 39.

([97]) الخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرواية: 30.

([98]) ربما من الذين امتازوا شيعياً بتناول الموضوع باختصار هو العلامة السيد محمد تقي الحكيم (1424هـ) في كتابه المشهور: الأصول العامة للفقه المقارن.

([99]) محمد تقي الحكيم، الأصول العامّة للفقه المقارن: 248.

([100]) انظر: الفتوحات المكية 3: 108.

([101]) بدر الدين الزركشي، البرهان في علوم القرآن 1: 229 ـ 230.

([102]) انظر: عبدالكريم إسماعيل صباح، الحديث الصحيح ومنهج علماء المسلمين في التصحيح: 325؛ وأحمد محمود الشافعي، أصول الفقه الإسلامي: 81.

([103]) انظر: الموافقات 4: 392، الهامش.

([104]) انظر: حيدر حب الله، حجيّة السنّة في الفكر الإسلامي، قراءة وتقويم: 573 ـ 597.

([105]) انظر ـ على سبيل المثال ـ: محمد باقر الصدر، دروس في علم الأصول، الحلقة الثالثة: 182، من موسوعة أعمال السيد الصدر، مج7.

([106]) انظر: ابن نجيم المصري، البحر الرائق 2: 419؛ وتفسير الآلوسي 10: 50، 122 و18: 87؛ والميرداماد، الرواشح السماوية: 249؛ والنووي، شرح مسلم 1: 35؛ والعيني، عمدة القاري 8: 117؛ والآمدي، الإحكام 3: 161.

([107]) انظر: اللمع في أصول الفقه: 174.

([108]) راجع: السرخسي، أصول الفقه 2: 66 ـ 67.

([109]) انظر ـ على سبيل المثال ـ: الخوئي، مصباح الأصول 2: 241؛ ومستند العروة (كتاب الصلاة) 2: 160، و3: 305، و8: 379، والبجنوردي، القواعد الفقهية 4: 354، و5: 321، 350؛ ومنتهى الأصول 2: 91، 154، 619؛ والمجتهد التبريزي، الأصول المهذبة: 92.