المعرفة

7 يوليو 2019
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
151 زيارة

المعرفة

قراءة وتأملات

إيمان شمس الدين

مع التطور التكنولوجي، وظهور شبكات التواصل الاجتماعي وتحولها لمنصات رأي حر فردية أو مؤسساتية، ظهرت مجددا تساؤلات حول المعرفة وقيمتها ومعياريتها، وضوابطها، وكيفية تحديد صدقها من عدمه، حيث باتت المعلومات متوافرة وكثيرة، وأتيحت الفرصة للجميع للتعبير عن آرائهم، دون وجود ضابط محدد يشخص مدى أهلية الفرد ومكنته العلمية والمنهجية في التصدي والتعبير عن الرأي وتقديم المعارف.

وظهر تحديا جديدا على السطح طرح كثير من الشبهات، وأثار كثير من التشكيكات، وطرح كثير من التساؤلات، وأثار كثيرا من رياح الفتن العابرة للجغرافيا، وهو ما يجب الوقوف عند هذه الظواهر الجديدة، كحاجة ملحة تتجدد عبر التاريخ وتطرح تساؤلاتها المعهودة حول المعرفة ومصدرها وقيمتها ومعيارها وضوابطها، لإعادة تنظيم المعطيات المعرفية الواردة إلي الذهن والتي تشكل بينة الفكر، وهو بدوره يبني منظومة الاعتقادات ويوجه السلوك البشري. فالمعرفة إذا لها مدخلية محورية في تنظيم السلوك الإنساني وبناء رؤيته الكونية و شبكة علاقاته على أسس سليمة غير عبثية ولا فوضوية.

المعرفة:

لعملية اكتساب المعرفة جهتان: العلم والمعلوم، والبحث عن العلم والمعرفة هو من فروع العلم الذي موضوعه العلم نفسه، وهو المعبر عنه بعلم المعرفة.

وغاية علم المعرفة هو البحث حول المعارف الإنسانية الصحيحة التي يمكن الاعتماد عليها وطرح الحقائق في ضوئها.

ونظرية المعرفة هي: العلم الباحث حول معارف الإنسان وأنواعها، وتحديد صحتها وسقمها بيان المعيار في ذلك“.[1]

إن المعرفة كنظرية نشأن وتطورت نتيجة الجدليات الفكرية والفلسفية حول المعرفة وحدودها وإمكانيتها ومدى يقينيتها من عدمه، وكان تطورها تدريجيا مع تطور الفكر والعقل البشري، ولعل أول كتاب في نظرية المعرفة في الغرب كان هو ” بحث حول فهم الإنسان ؛ للفيلسوف جان لوك (١٦٢٣ ـ ١٧٠٤ ) التجريبي البريطاني الذي عاش في القرن السابع عشر الميلادي.

وقد اشتد ظهور الاهتمام بنظرية المعرفة في الغرب كنتيجة التحولات الفلسفية التي وقعت بعد عصر النهضة، أي منذ ثلاثة قرون تقريبا، فظهرت كنظرية وكفرع من فروع العلوم.

أما على الصعيد الإسلامي فكان أول من بادر إلي تنظيم مباحث في نظرية المعرفة هو العلامة محمد حسين الطباطبائي رحمه الله في كتابه ” أصول الفلسفة والمذهب الواقعي“ كخطوة أولى في تخصيص مباحث ذات طابع مستقل لنظرية المعرفة.

فنظرية المعرفة تكمن أهيمتها في كونها تتناول كعلم معارف الإنسان، وتبين أقسامها، وتميز بين صحيحها وغيره، وتطرح معاييرا تشخص صحة هذه المعارف من عدمه، أي تشخص قيمة المعارف، لأهيمتها في الإيمان والسلوك وبناء العلاقات. وتعتبر نظرية المعرفة من المعارف من الدرجة الثانية بمعني؛ أن كليهما يبحثان عن معارفنا وأحكامها وقوانينها“[2]. لأن موضوع المعرفة هنا هو المعرفة ذاتها.

وتنقسم المعرفة إلى:

١. معرفة مطلقة تبحث في مطلق المعرفة الإنسانية؛

٢. معرفة مقيدة تتناول المعارف الإنسانية في نطاق خاص.

وتعتبر نظرية المعرفة مقدمة في الترتيب المنهجي على المنطق، لأنها معنية بتحديد وتشخيص قيمة المعلومات، ومن ثم يستفيد المنطق من هذه المعلومات اليقينية والصحيحة بعد تشخيصها من قبل نظرية المعرفة لتنظيمها في إطار عملية التفكير. فنظرية المعرفة تشخيصية تحدد مدى صلاحية المعلومات من عدمه، قبل أن يستخدمها المنطق في الانتقال بها من المجهول إلي المعلوم لتشكيل بنية فكرية متكاملة منهجية.

فالعلم في اللغة العربية يطلق على معنى واسع يشمل جميع أقسام المعرفة مضافا إليها الفنون والمهارات المختلفة، أما العلم في موضوع نظرية المعرفة فمن معانيه الاصطلاحية:

١.مطلق الفهم والوعي؛

٢.العلم الحصولي؛

٣.التصديق؛

٤.التصديق الجزمي؛

٥.الجزم المطابق للواقع؛

٦.الجزم المطابق للواقع مع استحالة الزوال؛

٧.التصورات الكلية؛

٨.القضية التركيبية؛

٩.مجموع القضايا المتناسبة؛

١٠.مجموع القضايا الكلية المتناسبة؛

١١.العلوم الحقيقية؛

١٢.العلوم التجريبية.

نظرية المعرفة بين المفكرين الإسلاميين والغربيين:

هناك تفسيران لموضوع المعرفة في نظرية المعرفة، تفسير للمفكرين الإسلاميين، وآخر للغربيين.

 وقد ذهب المفكرين والفلاسفة المسلمون إلى أن المراد من العلم أو المعرفة في موضوع نظرية المعرفة، هو مطلق العلم والفهم الشامل لكل أقسام العلم من الحضوري والحصولي وأنواع كل واحد منهما، والغاية من البحث هنا هو معرفة القيمة المعرفية لأقسام العلم والمعرفة. وقد عرفها الدكتور أيمن المصري بأنها:“ مطلق حصول المعلوم لدى العالم، أعم من كونه حصوليا أو حضوريا، كليا أو جزئيا، بديهيا أو كسبيا، نظريا أو عمليا“[3].

أما الفلاسفة  والمفكرين الغربيين، اعتقدوا أن العلم عبارة  عن الاعتقاد الصادق المبرهن الشامل لبعض أقسام العلم الحصولي المتوافر على ثلاثة عناصر هي:

 الاعتقاد ( = التصديق المنطقي الجازم) والصادق ( = المطابق للواقع) والمبرر أو السبب ( = الدليل).

ويلاحظ هنا الفرق بين كلا التفسيرين، فالأول شامل وعام لا يستثني حتى الظن مع تراكم احتمالات صحته، والثاني ضيق دائرة العلم والمعرفة وحددها بمحددات أخرجت العلم الحضوري، والتصورات والتصديقات غير الجزمية (الظن والاطمئنان) عن دائرة المعرفة بخلاف التصديقات الجزمية؛ إذ تندرج أيضا في نطاق المعرفة، كالجهل المركب والتقليد واليقين بالمعنى الأخص[4] .

أقسام المعرفة:

معارف البشر منحصرة بين مصدرين لا ثالث لهما:

١.العلم الحضوري: وهو العلم بالأشياء دون واسطة أو حكاية.

٢.العلم الحصولي: هو العلم بالأشياء عن طريق الصور الحاكية أي بتوسط أمر آخر.

وهناك ثلاث مراتب للعلم بالموجود في العلم الحصولي والحضوري:

١.العلم بموجودية ذلك الموجود.

٢.معرفة خصائص هذا الموجود سواء كانت معرفة لكل الخصائص أو لبعضها.وسواء كانت مرحلية أو دفعية.

٣.معرفة حقيقة الشيء وذاته: سواء كانت معرفة حقيقة الشيء بتمامه أو جزء من تلك الحقيقة. وهذا خاضع لاعتبارات البيئة والمعطيات العلمية وتوفر كثير من اللوازم الخاصة بهذه المعرفة. لذا غالبا معرفة حقيقة الأشياء كما هي غير تامة دائما.

والعلم الحضوري والحضولي مشتركان في مراتب كاشفية العلم بحيث ينقسم كل منهما إلى:

١.ملتفت إليه؛

٢.وشبه ملتفت إليه؛

٣.مغفول عنه.

كما أن كليهما ( العلم الحصولي والحضوري) قابلا للزوال، مع الالتفات إلي أن العلم بذاته هو أمر وجودي ينقسم إلي علم إمكاني وعلم ضروري، والزوال المقصود ينطبق على العلم الإمكاني كونه قابل للزوال ذاتا، فليس كل علم قابل للزوال فاقتضى التنويه، فإدراكنا ومعرفتنا بالحقيقة كما هي ومطابقتها لواقع الأمر، سواء كانت علما حصوليا أو حضوريا هي معرفة غير قابلة للزوال.

فمثلا إدراكنا بوجود الشمس هو إدراك ومعرفة مطابقة للواقع، وهذه المعرفة لا تزول فالشمس وجود حقيقي خارجي، وإدراكنا لهذا الوجود هو إدراك مطابق للواقع، وزوال هذا الإدراك والمعرفة هو زوال لوجود الشمس الخارجي الحقيقي، وهذا من مصاديق اجتماع النقيضين وهو الوجود والعدم، وهو محال، إذ كيف يجتمع حقيقة وجود الشمس خارجيا مع زوال إدراكي بهذه الحقيقة؟ فهو محال.

إن المعرفة سواء كانت حصولية أو حضورية حينما تكون معرفية حقيقية مطابقة للواقع، لا يمكن أن تكون لها حقائق متعددة متناقضة أو متضادة، فالفهم الحصولي والحضوري، إذا كان صحيحا وحقا مطابقا للواقع لا يمكن افتراض فهم اخر صحيح متناقض أو مضاد له، فالواقع واحد لا يتعدد، نعم درجة إدراك الواقع ومرتبته تختلف وتتعدد، نتيجة اختلاف القابليات والإدراكات ومستوياتها، لكنه يبقى واقعا واحدا وفهما واحدا له بمراتب مشككة. وهذا لا يعني نسبية الحقيقة والواقع، بل نعني تشكك فهم الواقع والحقيقة. فمثلا حينما نقول أن الشمس اليوم مشرقة، فإدراك ومعرفة شروق الشمس هو إدراك وفهم حقيقي واقعي، فلايمكن أن يكون النهار ويقول شخص أن الشمس مشرقة اليوم ويأتي شخص آخر ويقول في ذات الوقت وذات النهار أن الشمس غير مشرقة، نعم درجة إشراق الشمس وتشخيص هذه الدرجة قد تختلف من شخص لآخر، وهذا الاختلاف خاضع لاعتبارات عديدة ليس محلها هنا.

فشروق الشمس في النهار وفق الظروف الاعتيادية هو حقيقة ثابتة مطابقة للواقع، لكن درجة إشراق الشمس في هذا النهار هي التي يمكن أن تكون لها قراءات متعددة، تختلف في تشخيص نسبة شروقها ودرجته، وهي هنا ذات مراتب مشككة.

وقد يقع كثيرا تعدد الآراء حو لحقيقة واحدة نتيجة للتالي:

١.النزاع اللفظي: بمعنى أن يكون هناك عدم إدراك بمقصود الرأي المطروح، فقط يكون اللفظ المقصود له نفس المعنى لكنه كلفظ متعدد، وهو ما يسمى تعدد الألفاظ لمعنى واحد، وعدم إدراك الباحثين لهذا اللفظ أدى لهذا الاختلاف، وهنا يبحث إمكانية جمع الآراء المتعددة من عدمه. فمثلا قد يقول شخص إن في الغابة ضرغاما، ويأتي آخر من الغابة ليقول رأيت أسدا في الغابة، ويشتد النزاع بين الطرفين ويكون كلاهما على حق، وحينما يتم تبيان الأمر، نجد أن الأول عنى بالضرغام الأسد، بينما  الثاني قال بوجود أسد، ولو تم استيضاح المعنى من البداية لعلم كليهما أن ما شاهداه حقيقة واحدة هي لحيوان واحد قد يطلق عليه في اللغة لفظ الأسد وقد يطلق عليه لفظ الضرغام، وهنا أمكن الجمع بين الآراء المختلفة كون النزاع كان حول حقيقة واحدة ومعنى واحد لكن ألفاظه متعددة.

٢.النزاع المعنوي: هنا يكون النزاع حول المعنى وليس اللفظ، أي أن كل رأي مطروح يختلف في معناه عن الرأي الآخر، وهنا لا يمكن الجمع بين الآراء حتى لو تشابهت ظاهريا الألفاظ، فقد يكون لفظا واحدا لمعان متعددة، كأن يقول الأول رأيت في الغابة ضرغاما شجاعا، ويأت الثاني يقول رأيت ضرغاما متوحشا ، ويقع النزاع حول معنى ومقصد كل منهما حول حقيقة  ومعنى ما شاهداه في الغابة، وحينما يتم استضياح المعنى من الأول يقول رأيت الرجل الشجاع المعروف في القرية هناك في الغابة، بينما الثاني يقول عنيت بالضرغام المتوحش هنا الأسد، ويتضح هنا عدم إمكانية الجمع ين الرأيين كون الأول عني الرجل الشجاع والثاني عني الأسد، ووفق كل معنى سيترتب عليه سلوك ورد فعل مختلف، لأن رد الفعل على وجود الرجل الشجاع هو اطمئنان أهل القرية، ورد الفعل على وجود الأسد المفترس في القرية هو استنفارهم وخوفهم.

ولكن قد يختلف المعنى، كما هو حال من ينكر وجود حقيقة خارج عالم المادة، ومن يثبت وجود حقائق غيبية. فلا يمكن هنا الجمع بين الرأيين، لاستحالة اجتماع النقيضين، فأحدهما مطابق للواقع بوجود الله وهو خارج الوجود المادي، والآخر مخالف للواقع وهو نفي وجود حقيقة خارج عالم المادة المحسوس.

قيمة المعرفة:

المعرفة تقع بين أمرين إما ما هو كائن أو ما ينبغي أن يكون، لذلك تكمن قيمتها في التساؤل المحوري معرفيا حول ماهية هذه المعرفة وقيمتها، من حيث كاشفيتها عن الواقع، أو كونها مجموعة من التصورات والأوهام؟

فكاشفيتها عن الواقع تكسبها قيمة ذات بعد إيجابي تصديقي، يستطيع الباحث عن الحقيقة من خلال هذه الكاشفية، البناء على هذه المعارف الكاشفة بناء فكريا منهجيا صحيحا، وهذا البناء المنهجي لمنظومة الأفكار تكمن أهميته كما أسلفنا في بعدينن:

  1. البعد الفردي في بناه العقلية والسلوكية؛
  2. البعد الاجتماعي، والذي يتعلق بالفرد ومنظومة علاقاته المحيطة التي تربطه بالحق الواجب ومنظومة القيم والأخلاق والمعايير، سواء على مستواه الأسري أو الاجتماعي.

أما لو كانت هذه المعارف مجموعة تصورات وأوهام، فإنها ذات قيمة سلبية لا يمكن اعتبارها ولا الأخذ بها، بل هي كم مهمل عن الاعتبار، ولا يمكن بناء أي منظومة فكرية منهجية عليها، وفي حال عدم فهم كونها أوهام وتصورات نتيجة تقصير أو قصور لدي الفرد، فإن ذلك كفيلا بأن يحرف مساره باتجاهات مغايرة للواقع، وهنا يقع الفساد.

”فالبناء الحقيقي ـ كما يقول الشيخ أيمن المصري ـ المحكم للصرح العلمي لا يتم إلا من خلال تأسيس الكيان المعرفي لعقولنا، ولا تقتصر دائرة هذا الأمر على الطالبين والدارسين للحكمة أو الفلسفة، بل الأمر يشمل سائر العلوم الأخرى، فالترتيب السلمي للبناء يقتضي ذلك، والتعاقب المرحلي لا يقوم بدون هذا الشيء، والإحكام والدقة قائمتان على الصلابة الارتكازية للمباني المعرفية، وفي حالة عدم الوصول إلى الإثبات المبنائي للنظرية المعرفية فستكون النتائج حينئذ وخيمة للغاية.[5]

فقيمة المعرفة تكمن في البحث عن اعتبارها أو عدم اعتبارها سواء نظريا كان أو عمليا.

فنظريا نبحث عن مدى كاشفيتها عن الواقع من عدمه، وكونها ليست خيالات وأوهام، فيصح الاعتقاد بها والتعويل عليها، وعمليا بمعنى كشفها عن الحسن والقبيح لترتيب الأثر عليه من حيث لزوم الترك والفعل، بحيث يمكننا بناء على ذلك تشييد المنظومة الأخلاقية والحقوقية والاجتماعية ،السياسية بناء عليها في المجتمع البشري.

وهنا يتضح سبب الاختلاف الجوهري بين النظريات الغربية والإسلامية في موضوع القيم والأخلاق والحقوق، والتي غالبا ما تختلف البناءات وأدوات المعرفة، وتختلف على ضوئها النتائج والمنظومات والسلوكيات في تشخيص الوهم من الواقع والقبيح من الحسن. وهذا لا يعني عدم وجود مشتركات، بل هناك مشتركات خاصة فيما يتعلق بالمنطق القائم على العقل البرهاني والذي يملكه البشر جميعا، وبالتالي قدرته على كشف الواقع أيضا.

ولكن ما هي أدوات المعرفة التي من خلالها نكشف المعارف الكاشفة عن الواقع؟

انقسم العلماء أو الباحثين المعنيين في موضوع المعرفة إلي عدة مدارس بناء على انقسام أدوات المعرفة التي اعتمدوها كأداة رئيسية لكشف الواقع:

أولا: العقل

حيث اعتمدوا هنا على العقل البرهاني كأداة رئيسية، تعمل سائر المناهج المعرفية تحت إشرافه وتستمد مشروعيتها منه، وأطلق عليهم ”العقليون“.

ثانيا: التجربة

وهنا يعتبر الحس والتجربة  الأداة الوحيدة في كشف الواقع معرفيا، ونفي أي قيمة معرفية لأي معرفة خارج حريم التجربة، وأطلق عليهم ”التجريبيون“.

الثالثة: الإخبار

وهم من اعتمد النص الديني منفردا كأداة معرفية مهيمنة في المعرفة وكشف الواقع، لذلك أطلق عليهم الإخباريون.

الرابعة: الإشراق

وهنا كان الاعتماد على المكاشفات القلبية في معرفة حقائق الأشياء، لذلك زطلق عليهم ” الإشراقيون“[6].

فالأدوات إذا نعني بها الطرق والقنوات المعرفية التي يمكن أن يعتمد عليها الإنسان في كشف الواقع المحيط به[7]

وبذلك تكون أدوات المعرفة هي :

  1. الحس
  2. التجربة
  3. العقل
  4. الوحي
  5. الإشراق

إن اختلاف أدوات المعرفة والاعتماد على بعضها دون غيرها، يؤدي إلى اختلاف الرؤى الكونية وبالتالي اختلاف سلوك المدارس، والمنظومات المعرفية التي تشكل له منظومته الفكرية والحقوقية والقيمية والمعيارية، كون هذه الأدوات تلعب دورا هاما في الكشف عن الواقع، فاعتماد إحداها دون غيرها كما ذكرنا، له أثر في بناء الرؤية الكونية، وتعددها تتعدد الرؤى الفلسفية للوجود، وباتالي على عقيدته وأفكاره وسلوكه ومصيره في الدنيا وما بعدها.

مصادر (أدوات) المعرفة وتداخل المناهج:

التداخل في تطبيق المناهج واستخدام أدوات المعرفة في العلوم والتداخل في أخذ النتائج بين العلوم أحدث فوضى معرفية، فمنهج دراسة العقائد على سبيل المثال وبالتالي نتائجه، يختلف عن منهج دراسة العلوم الطبيعية ونتائجها، قد يكون هناك تداخل في البين لكن هذا لا يعني أبدا تطابقا في المناهج والنتائج.

فالعقل في فهم العقائد ومدعوما بالنص الديني هو الطريق الأداتي والمصدري في تشكيل منظومة الإنسان العقدية، فيكون العقل هو المهيمن والذي يعطي شرعية المعارف التي تكشف عن الواقع، بينما المنهج في العلوم الطبيعية قائم على الحس والتجربة والملاحظة ومن ثم تسجيل النتائج، وغالبا نتائجها تكون غير قطعية، أو قطعية أحيانا، لكنها تعتمد الحس والتجربة أي الملاحظة المتكررة ومن ثم الاستنتاج، بالتالي لا مدخلية للنص الديني هنا فيها.

فمنهج دراسة العقيدة يعتمد في مصادره المعرفية الأساسية على النص القطعي الصدور والعقل، وهما أساسان لجميع من يؤمن بالنص، أما الوجدان والتجربة الروحية فهما خاصان بكل شخص، ومنهج الدراسات الطبيعية يعتمد على الحس والتجربة والعقل.

وبالنسبة لمصدرية النص المعرفية، فمن الانصاف العلمي ومن باب عدم إقصاء مصدرا للحقيقة، يفترض أن لا يتم إبعاده كمصدر معرفي.

كما لا يجوز استبعاد أي مصدر وأداة للمعرفة يمكنها كشف الواقع، لكن نحتاج أن لا نقع في فخ تداخل الأدوات والمناهج، بمعنى استخدام أدوات ومصادر للمعرفة في علوم وبحوث تتطلب مصادر وأدوات مغايرة، بحيث يصبح هناك خلط بين الأدوات وتطبيقاتها المعرفية، وهو ما يؤدي لنتائج لا تكشف عن الواقع ولا تعطينا قيمة معرفية إيجابية، وهذا لايعني إقصاء لأداة معرفية في الككشف عن الواقع، بل يعني معرفة الأدوات الأساسية الخاصة في هذا البحث والتي تشكل الأدوات المهيمنة والمشرعنة للمخرجات المعرفية، والأدوات الفرعية التابعة لها.

قد يقول البعض هناك تعدد في النصوص المعتبرة بين الأديان والمذاهب، لكن أصل الفكرة هو اعتبار النص مصدرا معرفيا، وكل دين ومذهب لديه أدواته في التنقيب العلمي عن وثاقة الصدور.

شريطة اتباع مبدأ كشف الواقع وليس تثبيت ما أعتقده واقع. وهناك اليوم أدوات حديثة للتنقيب عن النص، يمكن إضافتها لما هو موجود من أدوات ومناهج للتنقيب والحفر بشكل أعمق في النص ودلالاته ووثاقة صدوره من قبل المختص، والأساس هو اعتباره مصدرا معرفيا وعدم إقصاء أي مصدر معرفي يفيد كشف الواقع.

فمثلا عقيدة التوحيد في إثبات وجود الخالق كشفها في الأساس يعتمد على العقل والنص، وقد يعضد هذا الكشف مناهج البحث العلمي في الطبيعيات التي تعتمد الحس والتجربة كالاستقراء المنطقي، فتجتمع هنا كل المصادر المعرفية التي تعضد ما أثبته النص والعقل، فالأصل هنا معرفيا للعقل والنص كمهيمن معرفي ومرشد وكاشف، بل ومشرعن لما ينتج من معرفة وليس للحس والتجربة. المعرفة هنا حتمية في أصلها وتشكيكية في عمقها، بمعنى إثبات وجود الخالق يصبح حتمي في نتيجته ، ولكن التعرف على هذا الخالق هو تشكيكي ) ذو مراتب مختلفة(يعتمد على قابلية الباحث المعرفية وعمقها، وهنا يصبح الوجدان والتجربة الروحية مصادر معرفة مشتركة لكن كاشفيتها ليست عامة بل فردية، وعمقها ونتائجها تختلف من شخص إلى آخر لاختلاف القابليات المعرفية.

وحتى في المعتقدات قد يخطئ العقل أو يكون هناك قصورا في الإدراك، ومن يحافظ على بقاء العقل في طريق علمي رصين هو النص. فالنص يشكل السياج الحامي من انحراف العقل، وتداخل الميول والرغبات والأهواء في فهم الحقيقة.

بينما عندما أقوم بعمل تجربة علمية للكشف عن قانون علمي في الطبيعيات، فاعتمادي سيكون على الحس والتجربة والعقل الذي ينتزع النتيجة، و التي تعتمد على : التجربة، الملاحظة، ومن ثم تسجيل النتيجة، التي قد لا تكون حتمية ونهائية، ومع تراكم الخبرات والاكتشافات قد تتغير هذه النتيجة إما بتطويرها أو باكتشاف خطأ في الكشف أو التطبيق، أو قصور في إدراك العقل نتيجة خطأ في الحواس.

بالتالي العلوم التجريبية ليست دائما حتمية في نتائجها، وقد أثبت الواقع العلمي خطأ بعض النتائج العلمية نتيجة عدم معصومية حواس الإنسان وعقله، أو نتيجة خطأ في خطوات التجربة، كما أثبت صحة بعض النتائج وتطويرها خاصة أداتيا، بينما الاعتقادات غالبا حتمية في نتائجها ذات مراتب مشككة في عمقها وتفاصيلها، شريطة اعتماد منهجا صحيحا ومنطقيا في الأدوات الكشفية للواقع، وعدم سقوط العقل في وحل الصناديق المغلقة مذهبيا ودينيا، ومع بعدنا عن عصر التشريع يمكن اعتماد الاستقراء المنطقي كوسيلة مساندة تعضد النتائج، ولكنها ليست وسيلة أصيلة بل مساندة، حيث ذكرت سابقا بأن التجربة يمكنها أن تعتبر وسيلة مساندة في ذلك والتجربة تعتمد على الاستقراء.

وقد يقول البعض أن النص له بعض الإضاءات المعرفية مصدريا في العلوم التجريبية، نعم قد يكون هناك إضاءات نصية دينية في العلوم الطبيعية، لكنها مجرد إضاءات عامة مرشدة للعقل، إلا أنها ليست منهجا أساسيا في علوم الطبيعيات، بل هي قد تشكل إضاءة مساندة للتجربة والحس والعقل، فالمنهج الأصيل في الطبيعيات يعتمد على الحس والتجربة وقدرة العقل في انتزاع النتيجة.

فكما ان في العقيدة المنهج الأصيل معرفيا يعتمد على العقل والنص، ويعضده ويسانده أحيانا التجربة والحس، كذلك في الطبيعيات المنهج الأصيل معرفيا يعتمد منهجيا على الحس والتجربة وقدرة العقل الانتزاعية للنتيجة، وقد يعضده أحيانا كمساند إضاءات بعض النصوص الإرشادية.

العناوين الكبرى والقلق المعرفي:

في العناوين الكبرى التي لا يختلف عليها عاقل، تكمن تحتها تفاصيل لا يمكن أيضا لعاقل أن يطلق أحكامه عليها اطلاقيا وتعميميا، بل يحتاج دراسة كل حالة تفصيلية تحت العنوان الكبير حتى يشخص الحالة وفق معطياتها الخاصة.

بحيث تشخيص أدوات المعرفة ومصادرها في البحث هي الخطوة الأولى مرحليا، ويضاف إلى هذه الخطوة منهجيا دراسة الحيثيات والظروف والمناخات المعرفية المحيطة بموضوع البحث، لفهم واقعه وامتلاك المكنة والقدرة على التشخيص السليم، في وصف الظاهرة أو تقييم العنوان، أو تشخيص دقة الدراسة وقيمتها المعرفية، كون سلامة المصادر والأدوات  المعرفية منفردة لا تكفي، بل يضاف إليها سلامة التشخيص وفهم الملابسات وظروف الزمان والمكان.

فالنسوية على سبيل المثال عنوان كبير، لكن تكمن تحته تفاصيل كثيرة، فنجد من تصنف نفسها كنسوية متشددة  مثلا، عندما نذهب للظروف التي تعانيها في محيطها، من قمع واضطهاد وعنصرية وذكورية سواء على مستوى قوانين الدولة، أو على مستوى النظام الأسري السائد، أو على مستوى عادات وتقاليد المجتمع ومعتقداته حول المرأة وشخصيتها، فعندها يمكننا أن ندرك  وصفها لنفسها بالتشدد، لأن محيطها الضاغط أوجد لها ظروفا شديدة التعنصر، فولد عندها ردود أفعال عكسية شدتها أقوى من شدة الفعل الممارس عليها، هذا الجو المتطرف عنصريا يفقد الإنسان تحت الضغط العنصري قدرته على التشخيص السليم لمصادر المعرفة، وبالتالي للمنهج الذي يبنى عليه معارفه، ولطبيعة النتائج التي تتوالد عنده معرفيا شدة وضعفا. لكن لو خرجت هذه من ظروفها الضاغطة عنصريا إلى بيئة معتدلة، لانكشف لها واقعا آخرا أعاد لها اتزانها فكريا وسلوكيا وباتت انفعالاتها أكثر اتزانا وردود أفعالها المعرفية أكثر تعقلا.

إذا أدوات المعرفة ومصادرها هي الخطوة الأولى في كشف الواقع، ولكن تحتاج إلى خطوات تابعة ومهمة على الباحث التحلي بها وأهمها:

١.الخروج من البيئة وظروفها وملابساتها خروجا عاطفيا وانفعاليا، ومحاولة إدراك الواقع بتعقل واعتدال واتزان.

٢.عدم التبني السريع للمنتجات المعرفية التي تقتحم مجالنا الإدراكي بشكل سريع نتيجة هبوب ريح متطرفة عاصفة في المجتمع، واستغلال هذه الثغرة وهبوب ريح مضادة تقدم نفسها كعلاج لهذه الأزمة المعرفية، فالمعارف تتطلب بيئة متزنة غير انفعالية ولا عاصفة، تحاول أن تتطلع على الآراء بإنصاف كي تستطيع فهم طبيعة المعطيات المعرفية لكل ريح معرفية عاصفة ومصدريتها المعرفية وأدواتها، ومن ثم تفنيدها معرفيا وبناء معرفة حول موضوع البحث قائمة على التعقل والاتزان النفسي، والإنصاف العلمي، والاعتدال.

٣. معالجة التشدد المعرفي، سواء كانت قيمة المعرفة الناتجة إيجابية أو سلبية لا يتم بالتشدد، بل يكون بفهم واقع هذه المعارف وإدراك قيمتها ومن ثم معالجتها بالحكمة وليس بالصدام المعرفي، لأن من لوازم الصدامات المعرفية الجدلية الانحراف عن كشف الواقع، و الدخول في المناكفات الشخصية على حساب الحقيقة.

وهذا يقاس أيضا على غيرها من العناوين الكبرى، التي تتفق عليها البشرية، كالعدالة والحرية، و غيرها من العناوين الكبرى القلقة التي تؤرق الفكر الإنساني عبر التاريخ.

فحقوق الإنسان، والمطالبات بالعدالة والحرية، وحقوق المرأة، وحرية الاختيار والتعبير والاعتقاد، والتعددية الدينية والفكرية، وغيرها من الهموم المعرفية القلقة والعناوين الكبرى، لا يمكن أن تتم معالجتها بطريقة الرياح المعرفية العاصفة، تحت ضربات العولمة الفكرية، ولا يمكن بناءها وكشف واقعيتها ومصدريتها المعرفية، إلا بعد تأسيس رؤية كونية في ظروف معرفية متزنة لا على شكل ردود أفعال معرفية يتمترس فيها كل رأي خلف ترسانته المعرفية المغلقة،  فتبنيها كما هي تحت ضغط العولمة الشعبوية التي تستخدم وسائل الضغط الإعلامي والسياسي لأجل فرض رؤيتها المعرفية في هذه المعناوين، هو انفعال شعبوي قطيعي غير قائم على أسس سليمة في تشخيص قيمة هذه المعارف الواردة إلينا تحت هذه العناوين الكبرى المهمة.

كما أن رفضها مطلقا كنوع من التمترس المضاد معرفيا، هو انفعال شعبوي مضاد غير قائم على أسس سليمة في تشخيص قيمتها، وحتى في فهم ملابساتها ومحاولة بناء منظومة معرفية تحت هذه الهذه العناوين الكبرى تتجاوز الإنفعال ورد الفعل، إلى الفعل المعرفي المعتدل المتزن في بناء مشروع متزن معوفيا لهذه العناوين الكبرى. فهي من مصاديق النزاعات المعنوية التي تتفق فيها الألفاظ وتختلف فيها المعاني بطريقة لا يمكن فيها التوليف بين الآراء، لأن الأصل الذي تنطلق منه تلك الدعوات صاحبة هذه العناوين الكبرى، الأصل المصدري والأداتي للمعرفة يختلف عن منطلقاتنا كمسليمن المصدرية والأداتية المعرفية، مما يؤدي لاختلاف حتمي في المعطيات والنتائج وفي المنظمومات المعيارية والمرجعية في تشخيص مفاهيم كالحريات والحقوق والعدالة وغيرها. نعم قد نتفق في عناوين فرعية وهذا وارد كون العقل قادر على تشخيص القبيح والحسن على مستوى الماينبغيات، ما ينبغي أن يكون وهو المستوي العملي.

فغالبا هي عناوين موجودة عبر التاريخ، لكن قد يكون بروز عنوان في بيئة وحقبة زمنية، وضمور  آخر في ذات البيية والحقبة، هو بسبب الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية المحيطة، هذه الأحداث صانعة للأفكار القلقة والهموم المعرفية، وعادة تخلق حالة من اللاتوازن المعرفي، بين إفراط وتفريط، وقليل من الأشخاص الذين يمتلكون مكنة الخروج من الحدث وضغوطه المعرفية، لمحاولة رؤية الواقع ومعالجة الإشكاليات المعرفية وفق الواقع ومعطياته، لا وفق الانفعالات وردود الأفعال النفسية على تلك الجدليات المعرفية القلقة والمتمظهرة نتيجة الأحداث.

إذا نحن هنا بصدد الحديث عن الجودة والضوابط والمصادر والمعايير، فهناك ضوابط لوصف ما لدينا بأنها معرفة، وأهم هذه الضوابط هي انطباق معايير المعرفة على ما لدينا وأهم معيار هو معيارية المصدرية بمعنى مصدر هذه المعرفة، كون المصدر  يحدد مدى صدقها وقيمتها وحقيقتها وأثرها على الواقع الخارجي بل قبله على واقعنا الداخلي أيضا، هذا فضلا عن دراسة الظروف المحيطة بهذه المعارف وأسباب تولدها، وكيفية تولدها في الإدراك العام الشعبوي أو النخبوي، لفهم ملابساتها وتفكيك بنيتها وإعادة التوازن لعناوينها لإعادة توليدها من جديد بطريقة كاشفة عن الواقع والحقيقة، الذي نعيش ملابساته في زماننا ومكاننا، وليس في زمان ومكان تحكمهما ظروف معرفية مغايرة ومؤثرة على النتائج وما يترتب عليها.

فليست الفوضى التي نعيشها اليوم باسم المعرفة إلا نتاج الخلط بين التصورات والأوهام وبين المعارف الكاشفة عن الواقع، هذا الخلط هو بسبب الخلط في أدوات المعرفة والمناهج، وفي عدم فهم ملابسات المنتجات المعرفية وظروفها المحيطة التي نتجت فيها، هذا فضلا عن الطريقة الشعبوية القطيعية التي باتت تهيمن على طريقة تبني الآراء دون فهم لمدى كشفها عن الواقع من عدمه، ومدى مصداقيتها من عدمه، بل عدم فهم غايات انتشارها و تبنيها بطريقة غير علمية ولا منهجية.

____________________

[1] المدخل إلى نظرية المعرفية /دروس تمهيدية/ الشيخ غلام رضا الفياضي / تعريب أيوب الفاضلي/ مركز السراج للتأليف والتحقيق/ ط ٢٠١٣م ـ ١٤٣٤ هـ/  ط١ ـ ص ٢٠ ـ ٢١

[2] المصدر السابق ص ٣٥

[3] أصول المعرفة والمنهج العقلي ص ٢٩

[4] ص ٦١-٦٢لمدخل إلى نظرية المعرفية /دروس تمهيدية/ الشيخ غلام رضا الفياضي / تعريب أيوب الفاضلي/ مركز السراج للتأليف والتحقيق/ ط ٢٠١٣م ـ ١٤٣٤ هـ/  ط١

[5] أصول المعرفة والمنهج العقلي/ ص ١٩

[6] المصدر السابق ص ١٩

[7] المصدر السابق ص٥١