بين تراث دعاء السَّمات والتلمود البابلي

26 يوليو 2018
التصنيف: بحوث و دراسات
عدد التعليقات: ٠
242 زيارة

بين تراث دعاء السَّمات والتلمود البابلي

د. محمد هادي گرامي(*)

ترجمة وتنسيق وتعليق: عماد الهلالي

مقدّمة

في هذا المقال نسعى للبحث عن مصادر تراث دعاء السَّمات ـ وليس السِّمات ـ في التراث الشيعي، وجذوره في التلمود البابلي. ومضافاً إلى ذلك سعينا في هذا التحقيق أن نتناول هذا الدعاء في التراث الشيعي الإمامي.

أهمّية مقدّمة الدعاء

في خصوص دعاء السَّمات هناك الكثير من الكتب والبحوث والرسائل الجامعيّة التي دوِّنت باللغتين العربيّة والفارسيّة. ولكنْ بحَسَب علمي كل هذه الدراسات والبحوث لن تبحث ما أصبو إليه من التحقيق في جذور مقدّمة الدعاء، حيث فيها الكثير من المعلومات المهمّة. بحَسَب ما جاء في مقدّمة الدعاء، الذي ينقل في بعض الأحيان عن المفضَّل بن عمر الجعفي(في حدود 180هـ)، والنقل الثاني والأشهر عن محمد بن عثمان العمريّ(304هـ)، نائب الإمام المهديّ×، الإمام الغائب الثاني عشر لدى الشيعة الإماميّة. وبحَسَب ما جاء في المقدّمة فإنّ هذا الدعاء كان متداولاً لدى اليهود، وكان لتلاوة هذا الدعاء دورٌ واسع في انتصار يوشع بن نون في حربه على العَمَالقة. وبحَسَب التصحيح والتحقيق والتقديم للدعاء الذي قمْتُ به مؤخَّراً شاهدْتُ أنّ هذه العلاقة الوثيقة بدأت من المقطع الثاني إلى الثامن من هذا الدعاء. وإليكم هذا النصّ: «قَالَ: حَضَرْتُ مَجْلِسَ الشَّيْخِ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ الْعَمْرِيِّ قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ، فَقَالَ بَعْضُنَا لَهُ‏: يَا سَيِّدِي، مَا بَالُنَا نَرَى كَثِيراً مِنَ النَّاسِ يَصَّدَّقُونَ شَبُّورَ الْيَهُودِ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْهُمْ وَهُمْ مَلْعُونُونَ عَلَى لِسَانِ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ وَمُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ؟ فَقَالَ: لِهَذَا عِلَّتَانِ: ظَاهِرَةٌ؛ وَبَاطِنَةٌ. فَأَمَّا الظَّاهِرَةُ فَإِنَّهَا أَسْمَاءُ اللهِ وَمَدَائِحُهُ، إِلاَّ أَنَّهَا عِنْدَهُمْ مَبْتُورَةٌ، وَعِنْدَنَا صَحِيحَةٌ مَوْفُورَةٌ عَنْ سَادَتِنَا أَهْلِ الذِّكْرِ، نَقَلَهَا لَنَا خَلَفٌ عَنْ سَلَفٍ حَتَّى وَصَلَتْ إِلَيْنَا. وَأَمَّا الْبَاطِنَةُ فَإِنَّا رُوِّينَا عَنِ الْعَالِمِ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا دَعَا الْمُؤْمِنُ يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: صَوْتٌ أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ، اقْضُوا حَاجَتَهُ، وَاجْعَلُوهَا مُعَلَّقَةً بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ حَتَّى يُكْثِرَ دُعَاءَهُ شَوْقاً مِنِّي إِلَيْهِ، وَإِذَا دَعَا الْكَافِرُ يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: صَوْتٌ أَكْرَهُ سَمَاعَهُ، اقْضُوا حَاجَتَهُ، وَعَجِّلُوهَا لَهُ، حَتَّى لا أَسْمَعَ صَوْتَهُ، وَيَشْتَغِلَ بِمَا طَلَبَهُ عَنْ خُشُوعِهِ. قَالُوا: فَنَحْنُ نُحِبُّ أَنْ تُمْلِيَ عَلَيْنَا دُعَاءَ السَّمَاتِ، الَّذِي هُوَ لِلشَّبُّورِ حَتَّى نَدْعُوَ بِهِ عَلَى ظَالِمِنَا وَمُضْطَهِدِنَا وَالْمُخَاتِلِينَ لَنَا وَالْمُتَعَزِّزِينَ عَلَيْنَا….

ثمّ قال×: إنَّ يوشَعَ بن نون وَصيُّ موُسي× لمـّا حارَب العَمالِقَة، وكانُوا في صُوَرٍ هائِلَة، ضَعُفَت نُفُوس بني إسرائيل عَنهُم، فَشَكوا إلى الله تعالى، فأَمَرَ اللهُ تَعالَى يوشَعَ× أن يأمُرَ الخَواصَّ مِن بني إسرائيل أن يأخُذَ كلُّ واحدٍ مِنهُم جَرَّةً مِن خَزَفٍ ـ فارِغَةً ـ عَلَى كتِفِه الأيسَرِ بِاسمَ عَملِيقٍ، ويأخُذَ بِيمِينِه قَرْناً مَثقُوباً مِنْ قُرُون الغَنَمِ، ويقرَأَ كلُّ واحِدٍ مِنهُم في قَرنٍ‌ هذا الدُّعاءَ سِرّاً؛ لِئَلاّ يستَرِقَ السَّمعَ بَعضُ شَياطِينِ الجِنِّ والإنسِ فَيتَعَلَّمُونَه. ثمَّ يأتُونَ [بـِ] الجِرارِ في عَسكرِ العَمَالِيقِ آخِرَ الليلِ ويكسِرُونَها، فَفَعَلُوا ذلك فَأَصبَحَ العَمالِيقُ كأنَّهُم أعجازُ نَخلٍ خاوِيةٍ، مُنتَفِخِي الأجوافِ، مَوتى. فَاتَّخِذُوه على مَنْ اضطَهَدَكم مِنْ سائِرِ النّاسِ‏. ثُمَّ قَالَ: هَذَا هُوَ مِنْ (عميق) مَكْنُونِ الْعِلْمِ وَمَخْزُونِ الْمَسَائِلِ الْمُجَابَةِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى (فَادعُوا به لِلحاجَةِ عِندَ اللهِ، وَلا تَبذُلُوه لِلنِّساءِ والسُّفَهاءِ والصِّبيانِ والظالمينَ والمُنافِقِينَ)».

الدراسات القديمة والحديثة للدعاء

مع الأسف لم نلحَظْ أو لم نجِدْ في اللغة العربيّة أو الفارسيّة بحثاً أو دراسةً جادّة في النقد الداخلي([1]) للجذور اليهوديّة التي تنسب لهذا الدعاء. وأغلب الكتابات والبحوث، وحتّى بعض الرسائل الجامعيّة، تدور في فلك التحقيقات الكلاسيكيّة الرائجة، أو اللجان التي تقوم بتحقيق النصوص من منظارٍ داخل ـ إسلامي. وكلّ ما تفعله أن تجمع وتبوّب المعلومات القرآنيّة والحديثيّة، ومن ثمّ صبّها على النصّ.

الشرارة الأولى

لا شَكَّ أنّ أوّل مَنْ قام بإعطائنا معلومات عن هذه الجذور الخارج ـ دينيّة لهذا الدعاء هو الأستاذ الفاضل الدكتور حسين المدرّسي الطباطبائي، الذي ندين له بالفضل على هذه المعلومة الثمينة والقيِّمة.

 ذكر الأستاذ المدرّسي في كتابه:

Tradition and Survival: a Bibliographical Survey of Early Shi‘ite Literature

في أثناء حديثه عن التراث المخطوط المنسوب للمفضَّل بن عمر الجعفي، أحد أبرز تلامذة الإمام الصادق×: ومن هذا التراث المنسوب للمفضّل هو نصّ دعاء السمات، الذي وصل إلينا. وأشار الأستاذ المدرّسي في الهامش على الشبه الموجود بين هذا الدعاء وقسم «موعد كتان» من التلمود البابلي. الهامش المختصر للأستاذ المدرّسي في الحقيقة يتّكئ على التحليل اللغوي، ويستند على علم فقه اللغة المقارن للكلمة العبريّة «שמתא»، التي ترجمت في أغلب الأماكن إلى الإنجليزيّة بـ «Shammetha». ومع الأسف في الترجمة العربيّة للتلمود التي نشرت في الأردن مؤخّراً حذف قسم «موعد كتان» من هذه الترجمة([2]).

على العموم يؤمن الأستاذ المدرّسي أن كلمة «سمات» عُرِّبت من كلمة «شاماتا» العبريّة. ومضافاً إلى الأستاذ المدرّسي هناك البروفسور استيفن لمبدن، الذي نشر في موقعه المسمّى (هورقليا) مقالين عن دعاء السَّمات، ومقالاً لأحد شروح دعاء السمات للسيّد كاظم الرشتي(1259هـ). ومع أنّ السيّد لمبدن سعى لترجمة أكثر نصوص الدعاء إلى اللغة الإنجليزيّة، وكذلك جهد في السعي المحمود والجادّ أثناء رجوعه لبعض المصطلحات مثل: «بئر شيع»، «جبل فاران»، وغيرها، إلى الكتاب المقدَّس، ولكنْ لم يوفَّق في (الرد) أو (إثبات) ما جاء في مقدّمة الدعاء، التي تشير إلى الصلة بينه وبين التراث اليهودي. وما عدا هذين البحثين لم نجد أيّ بحثٍ أكاديمي آخر تطرَّق للنقد الخارج ـ ديني لهذا الدعاء.

جذور الدعاء في التلمود

مع كلّ ذلك سأسعى في هذا المقال أن أبحث عن جذور دعاء السَّمات في التلمود البابلي، طبقاً لنظريّة فقه اللغة أو علم اللغة المقارن وتاريخانيّته([3]). وإنّ أيّ شخص لديه ولو خبرة بسيطة باللغة العبريّة سيجد نظريّة المدرّسي في العلاقة الظاهراتيّة بين كلمة «سَمات» و«شاماتا» أقرب إلى الواقع، ولكنّ ليست الحقيقة كلّها. وبعد البحث والتحقيق في قسم «موعد كتان» للتلمود البابلي، والتوضيحات التاريخيّة لبعض الشرّاح عن كلمة «شاماتا» العبريّة، سنتوقَّف عند نقطتين أساسيّتين:

الأولى: مع وجود العلقة القويّة بين مفهوم «شاماتا» أو «ساماتا» ومفهوم «سمات» فإنّ هذا النصّ يعتبر من النصوص الدعائيّة في التراث الشيعي. في حين لم نجِدْ في التلمود البابلي نصّاً دعائيّاً بهذا الشكل، لكنّ سنجد في التلمود مفهوماً باسم «شاماتا».

الثانية: طبقاً لبعض التوضيحات التي أشار إليها شارحي الكتاب المقدّس فإنّ كلمة أو مصطلح «شاماتا» هي سنّة اجتماعيّة يهوديّة جاءت لطرد الأفراد وتأديبهم، ولفترة محدّدة (محصورة) من الزمن، مثلاً: يومين أو ثلاثة أيّام فقط.

إذن لو نظرنا نظرةً خاطفة وسريعة إلى بعض الشروح والتفاسير للكتاب المقدّس (البايبليّة)، وشرح جاسترو على التلمود، سنصل إلى نتيجةٍ سريعة أنّ مصطلح «شاماتا» يتعلّق بالتراث اليهودي الاجتماعي، وليس نصّ دعائيّاً. هذه إذن من أهمّ الأمور التي بحثتُها. وبعد التدقيق توصّلت إلى هذه النتائج الأوّليّة. علماً أنّ البحث والتحليل الدقيق للنصّ التلمودي، وإحصاء جميع استعمالات «شاماتا»، ومطابقة بعضها مع البعض الآخر، تتطلّب بحثاً أكاديميّاً دقيقاً لهذه الظاهرة التلموديّة.

أهمّية الشاماتا في التراث اليهودي

وهذه الظاهرة تدلّ على أنّ ماهيّة «شاماتا» تستخدم في التراث اليهودي لنوعٍ من العقاب الاجتماعي، ومضافاً إلى ذلك لها أبعادٌ غنوصيّة مع مزيج من العلوم الغريبة اليهوديّة. وبعبارةٍ أخرى: التعابير التلموديّة التي تحدّّثت عن الـ «شاماتا»، مثل: «قراءة الشاماتا»، و«رمي الشاماتا على بعض الأشياء»، و«كتابة الشاماتا على الورق»، وغيرها، كلّ هذه الأمور تجعلنا نميل إلى أنّ للشاماتا ماهيّة تستخدم في الأوراد أو الطلاسم أو ما شابه ذلك. ومع كلّ ذلك، وطبقاً للمعلومات التي حصلنا عليها والاستنتاجات التي وصلنا لها، والإشكالين السابقين، من الصعب ملاحظة علقة أو ارتباط بين كلمة «شاماتا» وكلمة «سَمات».

الشبّور بين التراث اليهودي والإسلامي

 ولكنّ أهمّ وأفضل شاهد يتعلَّق بفقه اللغة ويبعث الاطمئنان لنا بهذه العلاقة ـ التي لم يُشِرْ إليها السيّد المدرسي ـ هو أهمّية مصطلح «شبّور» في التلمود البابلي، الذي استخدم بعد كلمة «شاماتا» بمسافةٍ قليلة جدّاً.

النصّ الإنجليزي للترجمة الشهير للتلمود هو:

«There was a domineering fellow who bullied a certain Collegiate. The latter came before R. Joseph [for advice]. Said he to him: ‘Go and put the shammetha on him’. ‘I am afraid of him’, he replied. Said he to him, ‘Then go and take [out] a Writ against him’. – ‘I am all the more afraid to do that!’ Said R. Joseph to him: ‘Take that Writ, put it into a jar, take it to a graveyard and hoot into it a thousand Shipur [horn ـ blasts] on forty days’. He went and did so. The jar burst and the domineering bully died» (Talmud, Mo’ed Katan, 17 a – 17 b).

وطبقاً لأكثر الكتب اللغويّة، وما ذكره الدكتور محمد جواد مشكور(1995م) في معجمه التطبيقي([4])، فإنّ كلمة «شبّور» هي معرَّبة من كلمة «شيپور» الفارسيّة. وفي نصّ التلمود ذكرت كلمة «شيپور»، ومفهومها هو نفس المفهوم والمعنى المتداول في اللغة الفارسيّة. وفي نفس الوقت علينا أن نبحث وأن نتساءل طبقاً لعلم اللغة أو فقه اللغة المقارن: هل هذه الكلمة الفارسيّة من الناحية اللغويّة والتاريخيّة هي التي دخلت إلى النصّ التلمودي أم كان لها مسيرٌ معاكس؟ وعلى أيّ حال طبقاً للشواهد التأريخيّة الموجودة بين أيدينا كان هناك تفاعلٌ بين الثقافة الفارسيّة والثقافة اليهوديّة في بابل، ومن المحتمل أنّ هذا المصطلح الفارسي دخل إلى اللغة العبريّة، كما أنّ هناك الكثير من المصطلحات دخلت إلى العبريّة.

في مقدّمة دعاء السَّمات سُمّي هذا الدعاء بـدعاء «شبّور» أيضاً. ومن خلال المسير التاريخي الذي نقل إلينا هذا الدعاء كان اسم «شبّور» قريناً لـ «السّمات».

والنقطة الثانية المتمّمة التي نستدلّ بها تاريخيّاً هي موارد استعمال لفظ «شبّور» في نصوص الكتاب المقدّس والنصوص التلموديّة. من المحتمل أنّ بعض القرّاء لا يعلم ما مدى أهمّية «الشبّور» في التراث الديني اليهودي؛ حيث تقترن أهمّيته بأهمّية «الناقوس» في الفكر والتراث المسيحي. وفي الواقع كما أن للناقوس مظهراً ودوراً مهمّاً في الإعلان عن أوقات الصلاة والمراسيم الدينيّة كذلك للشبّور أهمّيته في التراث اليهودي، حيث يعتبر مظهراً من مظاهر أعلان الحرب على العدوّ، أو للتذكير عن أوقات الصلاة، أو أمور أخرى.

في الروايات التأريخيّة الإسلاميّة

 وفي الكتب التأريخيّة في الصدر الأوّل للإسلام هناك تقارير تحكي وتشير لأهمّية الشبّور في الثقافة اليهوديّة، وإقبال بعض المسلمين عليه. وفي بعض الأحيان قلّد المسلمين الشبّور في بعض المراسيم الإسلاميّة. من أهم هذه الكتب التي تروي لنا تقريراً عن هذا التراث اليهودي «الشبّور» في التاريخ الإسلامي كتاب التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، للحافظ ابن عبد البرّ(463هـ)، قال: «حدَّثنا عبد الله بن محمد قال: حدَّثنا محمد بن بكر قال: حدَّثنا أبو داوود قال: حدَّثنا عباد بن موسى وزياد بن أيوب، وحديث عباد أتمّ، قالا: حدَّثنا هشيم، عن أبي بشر، قال زياد: أخبرنا أبو بشر، عن أبي عمير بن أنس، عن عمومةٍ له من الأنصار قالوا: اهتمّ النبيّﷺ للصلاة كيف يجمع الناس لها؟! فقيل له: انصب رايةً عند حضور الصلاة، فإذا رأَوْها أذن بعضهم بعضاً، فلم يعجبه ذلك، قال: فذكر له القنع، يعني الشبّور، وقال زياد: شبّور اليهود، فلم يعجبه ذلك، قال: هو من أمر اليهود، فذكر له الناقوس: فقال هو من أمر النصارى، فانصرف عبد الله بن زيد وهو مهتمّ بهمّ النبيّ، فأُري الأذان في منامه، قال: فغدا على رسول الله، فأخبره، فقال: يا رسول الله، إني ليس بنائم ولا يقظان إذ أتاني آتٍ فأراني الأذان[…] فقال رسول الله: يا بلال، قُمْ فانظر ما يأمرك به عبد الله بن زيد فافعله، قال: فأذَّن بلال»([5]).

هذه الرواية التأريخيّة هي نموذجٌ من روايات عدّة في هذا الموضوع، والتي تدلّ على أنّ مفهوم «الشبّور اليهوديّ» كان معروفاً في عصر النبيّ|. والنكتة هنا أنّ أشهر لفظ لـ «شبّور» هو «شوفار»، أو ألفاظ أخرى، مثل: «قِرِن»، المشهور في اللغة العربيّة، والذي يستخدم للإنذار. استُعمل هذا المفهوم بحدود 72 مرّة في الكتاب المقدّس، ولكنْ في كل هذه المفاهيم لم يستخدم لفظ «شبّور» بشكلٍ مباشر. وكذلك استعمل كثيراً هذا المفهوم في التلمود البابلي. في حين يتوجَّه القارئ أنّ كلمة (Shipur/שפורי) استعملت مرّتين فقط في كلّ التلمود والكتاب المقدّس، وفي هاتين المرّتين استخدمت في سياق «شامتا». وهذه الظاهرة لا يمكن أن نعتبر أنها جاءت من باب الصدفة أو ما شابه ذلك.

نفائس الفنون، للآملي، مصدرٌ مهمول للتعرُّف على دعاء السَّمات وتداوله التاريخي

بغضّ النظر عن البحوث النصّية والنقود الداخليّة والخارجيّة لنصّ دعاء السَّمات التي تطرَّقنا إليها، حيث حاولنا الكشف عن بعض الجذور التلموديّة لهذا الدعاء المتداول والمشهور لدى الشيعة الاثني عشريّة، وبمعنى آخر: من الأمور المهمّة والأساسيّة في المواجهة بين تاريخانيّة النصّ والكتابة التاريخيّة هناك بحثٌ عن جذور تداول هذا النصّ في تراثٍ مّا، أو مجتمعٍ خاصّ، وفي وقتٍ محدّد. وهذا النوع من القراءة هو من أهمّ الدراسات التأريخيّة للأديان في الغرب. وما ذكرناه بعنوان «تاريخ التداول» أو «التداول التأريخي» بإمكاننا أن نصطلح عليه بـ «reception history». في حين أنّنا نشاهد عمليّاً أنّ هذا المصطلح يستخدم في البحوث التي تتعلّق بتاريخ تداول النصوص.

ومضافاً إلى ذلك، بإمكاننا البحث عن تاريخ تداول دعاء السَّمات من منظار معرفي في قالب أو إطار علم الأنسنة أو الأنثروبولوجيا. في الحقيقة إحدى هموم باحثي الأنثروبولوجيا الثقافيّة مشاهدة الرؤية التداوليّة للنصّ وتتبُّعها، وتحليل الآداب والرسوم للظواهر الثقافيّة، مع التأكيد على آليات البحث الأنثروبولوجي. ومنذ القديم شاهدنا في تراث المستشرقين الذين يعتنون بالأنثروبولوجيا أو علم الإنسان أنهم يبحثون عن الجذور التداوليّة للأبعاد الثقافيّة والشعائريّة للمجتمع الشيعي. وإحدى الظواهر المهمّة في الثقافة الشيعيّة هي ثقافة قراءة الدعاء، والمجالس التي تعقد حوله. إذن طبقاً لهذا التراث الشيعي فإنّ ثقافة قراءة دعاء السَّمات، والمجالس المتعلّقة به، هي إحدى الظواهر الثقافيّة الشيعيّة، وبإمكاننا أن ندرسها من حيث البُعْد الأنثروبولوجي الثقافي في التداول التاريخي في العصر الحاضر. وحتّى الآن صدرت بعض الدراسات عن الظواهر الثقافيّة عن بعض الأدعية وتداولها في الثقافة الشيعيّة، كدعاء كميل، ولكنْ دعاء السّمات ومجالسه ـ بوصفه ظاهرةً ثقافيّة في التراث الشيعي ـ لم يبحث عنه، ولم تصدر أيّ دراسةٍ في الشرق، بل حتّى لم أشاهد أيّ بحث حول هذا الموضوع في الغرب.

وبعد كلّ هذه المقدّمات التي ذكرتُها أردت الإشارة إلى كتاب «نفائس الفنون في عرائس العيون»، وأهمّيته في البحوث التأريخيّة المتعلّقة بتداول هذا الدعاء في التراث الشيعي. وبحَسَب المعلومات المتوفّرة لدينا من خلال الطبعة المتداولة للكتاب، بتصحيح: الميرزا أبو الحسن الشعراني(1974م)، وتقديم: السيد هدايت الله المسترحمي، والمدخل الذي كتبه الدكتور آذرتاش آذرنوش في دائرة المعارف الإسلاميّة الكبرى([6])، فإنّ مؤلِّف الكتاب هو شمس الدين محمد بن محمود الآملي، من علماء القرن الثامن للهجرة. ولا توجد لدينا معلومات عنه في كتب التراجم، ولكنْ من الواضح أنّ المؤلّف بدأ بتدوين كتابه قبل سنة 736هـ، وأتمّه بحدود سنة 742هـ، وقدَّمه لأبي إسحاق بن محمود شاه في مدينة شيراز ـ جنوب إيران. يمتاز أسلوب الآملي ببساطته الشديدة ووضوحه ودقّته المتناهية. وينتهج فيه نهج علماء القرنين السابع والثامن الهجريين، ويشبه إلى حدٍّ كبير أسلوب كلٍّ من: الخواجة نصير الدين الطوسي(672هـ) وقطب الدين الشيرازي(710هـ). وكان المؤلِّف في أغلب مواضع الكتاب يوضِّح قصده، ولا سيَّما في المسائل العلميّة، بلغةٍ بسيطة ومفهومة، وحاول شرح العبارات الصعبة والغامضة من دون أيّ تكلّف. إذن هذا الكتاب هو بمثابة دائرة معارف مهمّة في قسمين(علوم الأوائل، وعلوم الأواخر) باللغة الفارسيّة، وكان إلى حدودٍ ما بعيداً عن الأنظار.

من جهات متعدّدة يعتبر كتاب «نفائس الفنون في عرائس العيون» من المصادر المهمّة للتحقيق والبحث عن أهمّية دعاء السَّمات.

أوّلاً: ما عدا البحوث السالفة التي ذكرناها، بإمكاننا أن نصنِّف هذا الكتاب في مصافّ المصادر غير المعروفة والمهملة لدعاء السَّمات. قبل ذلك عندما كانت تذكر المصادر المتعلّقة بدعاء السَّمات وشروحاته في الغالب كانوا يذكرون كتب مثل: مصباح المتهجِّد، للشيخ الطوسي(460هـ)، وجمال الأسبوع، لابن طاووس الحلّي(664هـ)، والبعض الآخر من تراثه، وتراث إبراهيم بن عليّ الكفعمي(905هـ)، واختيار مصباح المتهجّد، للسيد مجد الدين بن باقي الحلّي(كان حيّاً 653هـ)، وعدّة الداعي، لأحمد بن فهد الحلّي(841هـ)، و… كل هذه كانت تعتبر من أقدم المصادر لدعاء السَّمات وشروحاته. في حين أنّ كتاب نفائس الفنون يعتبر من المصادر المهمّة في القرن الثامن الهجري، التي غُفِل عنها إلى الآن. وإذا أردنا البحث العلمي والأكاديمي، والنهج النقدي لدراسة النصّ، سيكون كتاب نفائس الفنون من المصادر المهمّة التي ستفتح لنا بعض الأمور في ثنايا البحث والتحقيق.

ثانياً: هذا الكتاب هو المصدر الفارسي الوحيد الذي ذكر فيه النصّ الكامل لدعاء السَّمات، قبل كتاب زاد المعاد، لمحمد باقر المجلسي(1111هـ)([7]).

ثالثاً: طبقاً للمدخل الذي كتبه الأستاذ آذرتاش آذرنوش عن نسخ الكتاب المتعدّدة والمتواجدة في مختلف المكتبات، وتداول الدعاء في القرون التي تلَتْ تأليف الكتاب في إيران، فإنّها تدلّ على أهمّية الكتاب والاعتناء به من خلال الثقافة والتراث الشيعيين.

وإذا أخذنا النقطتين الأخيرتين بعين الاعتبار، والمقدّمة القصيرة التي كتبها المؤلّف لدعاء السَّمات، فإنّ كل هذه الأمور ستعيننا في البحث والتحقيق عن كيفيّة التداول التاريخي لهذا الدعاء باعتباره نصّاً شيعيّاً، وظاهرة ثقافيّة في إيران، قبل الفترة الصفويّة.

 جاء في مقدّمة المؤلّف لدعاء السَّمات ما يلي: «وكذلك من أفضل الأوقات لقراءة هذا الدعاء هو يوم الجمعة. والعلماء قد اختلفوا في تحديد الوقت المفضَّل له. البعض قال ـ نقلاً عن الإمام× ـ: إن الوقت المفضَّل هو ما بين أن يجلس الإمام إلى أن يقضي الصلاة([8])؛ والبعض الآخر قال: إنّ الوقت المفضَّل لقراءة هذا الدعاء هو قبل الزوال عندما ينشغل الناس بالصلاة؛ وقال البعض الآخر: إن الوقت المفضَّل هو أن يكون ما بين الخطبتين؛ وذكر البعض عندما يستقبل الإمام القبلة، ويتوجّه إلى المحراب؛ وقال جمعٌ آخر: إنّ الوقت المفضَّل هو وقت الركوع الأولى؛ وذكر آخرون أنّه لا يوجد وقتٌ مفضَّل ليوم الجمعة، ومَنْ أراد أن يدرك هذا الوقت فعليه أن ينشغل بالدعاء والعبادة في هذا اليوم كلّه؛ لكي يدرك هذا الوقت المفضّل؛ وقال البعض: إنّ هذا الوقت هو أثناء غروب الشمس من يوم الجمعة. وهذا العبد الضعيف سمع عن الكثير من علماء الشريعة وأهل التقوى بأنّهم يرجِّحون هذا القول على الأقوال الأخرى([9]). وذكر لي أحد هؤلاء العلماء أنه قد أصيب في أيّام شبابه بأمراض كثيرة، وعندما سمعتُ هذا القول بدأتُ أقرأ الدعاء المنقول، والذي يشتهر بدعاء السَّمات، في كل يوم جمعة في وقت الغروب، وعندما انتهي من هذا الدعاء حيث غابت الشمس أدعو الله أن ينعم لي ببدنٍ سالم؛ لأنّ جسمي لا يستطيع تحمُّل الأمراض. ومنذ ذلك الوقت وإلى يومنا الحاضر، الذي مرّ عليه بحدود ستّين عاماً، لم أدرك المرض. ورغم طول الدعاء سأذكره في نهاية هذا القسم من الكتاب إنْ شاء الله تعالى… يقرأ دعاء السَّمات في كل يوم جمعةٍ، أثناء الغروب. وإنّ للدعاء فوائد كثيرة، منها: الوقاية من الأمراض، كما ذكرنا سالفاً»([10]).

من خلال هذا البحث نستكشف أنّ دعاء السَّمات كان رائجاً ومتداولاً في إيران في القرن الثامن الهجري، بل كان متداولاً قبل شمس الدين الآملي، أي بسنواتٍ قبل قيام الدولة الصفويّة. وهذا الدعاء يعتبر من الأدعية المتداولة والمعمول بها. وشهرة الدعاء الأساسيّة كانت آنذاك تستخدم للشفاء والوقاية من الأمراض، مع أنّ هذه الأمور لم نجِدْها اليوم عندما يذكر هذا الدعاء؛ حيث يشتهر هذا الدعاء اليوم بأنّه وسيلةٌ للغلبة على الأعداء، والانتقام منهم([11]).

الهوامش

(*) أستاذٌ جامعيّ، متخصِّصٌ في مجال الحديث والتراث.

([1]) Higher Criticism.

([2]) صدرت الترجمة العربيّة الأولى للتلمود البابلي في عشرين مجلّداً في عمّان، عن مركز دراسات الشرق الأوسط، سنة 2011م.

([3]) Philology.

 علم اللغة المقارن، وهو في الأساس فقه اللغة المقارن، هو أحد فروع علم اللغة التاريخي، الذي يركز على مقارنة اللغات؛ لتحديد الصلة التاريخية بينها.

([4]) المعجم المقارن بين العربيّة والفارسيّة واللغات الساميّة 1: 427، طهران، منشورات بنياد فرهنگ إيران، 1978م.

([5]) ابن عبد البرّ، التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد 24: 20 ـ 21.

([6]) دائرة المعارف الإسلاميّة الكبرى 1: 701 ـ 702، إشراف: كاظم الموسوي البجنوردي، (الطبعة العربيّة)؛ 2: 215 ـ 217، (الطبعة الفارسيّة).

([7]) يقول المجلسي في كتابه بحار الأنوار 90، البابان 101 و102، ذيل الحديث رقم 12: دعاء السّمات، وهو المعروف بدعاء الشبّور: ويستحبّ الدعاء به في آخر ساعة من نهار الجمعة.

([8]) وردت هذه العبارة بالعربيّة في النصّ الفارسي.

([9]) الكثير من علماء الشيعة يميلون إلى هذا الرأي. وهو المشهور، كما جاء في اختيار المصباح الكبير وما أضيف إليه من الأدعية: «يُدْعى به آخر ساعة من نهار الجمعة». (ابن باقي القرشي الحلّي، اختيار المصباح الكبير 1: 475، تحقيق: مهدي دليري الكلبايكاني، ط1، قم، منشورات مكتبة العلامة المجلسي، 2011م).

([10]) شمس الدين الآملي، نفائس الفنون في عرائس العيون 1: 573 ـ 593.

([11]) جاء في مسند المفضّل بن عمر الجعفي، الذي نقل دعاء السَّمات: …قالوا: فنحن نحبّ أن تملي علينا دعاء السّمات، الذي هو للشبّور، حتّى ندعو به على ظالمنا ومضطهدنا، والمختالين لنا والمتعزّزين علينا؟ (رسول كاظم عبد السادة، المفضّل بن عمر، سيرته العلميّة ومسنده عند الإماميّة: 544، ط1، العراق، ديوان الوقف الشيعي، أمانة مسجد الكوفة والمزارات الملحقة به، 2015م).