تأريخ القرآن الكريم

من وجهة نظر الشيخ معرفت

ـ القسم الأوّل ـ

د. جعفر نكونام(*)

ترجمة: حسن مطر

1ـ المقدّمة

إن فهم المستشرقين لتأريخ القرآن عبارة عن أنه علمٌ يبحث في تكوين القرآن منذ بداية نزوله إلى تثبيت قراءته بشكل نهائي. ويشتمل على مسائل متعدّدة، من قبيل: مفهوم الزمان والتاريخ في القرآن، والتقريرات التاريخية للقرآن بشأن السابقين، وإشارات القرآن إلى حياة النبي الأكرم‘، وأول وآخر ما نزل من الوحي القرآني، وظاهرة المكي والمدني، والناسخ والمنسوخ، وترتيب النزول، وأسباب النزول، وطريقة تطوّر أسلوب القرآن ومضامينه وألفاظه بالنظر إلى الفاصلة الزمنية من بداية نزوله، وطريقة ترتيب الآيات والسور، وكيفية ترتيب وتدوين النسخة الأولى من القرآن، وتوحيد المصاحف، وتوحيد القراءات([1]).

إن هذا الفهم لتأريخ القرآن فهمٌ أعمّ لتأريخ نزول القرآن. بَيْدَ أننا في هذا المقال نسعى إلى الاقتصار على بحث خصوص هذه المسألة. وعلى هذا الأساس سنقصر البحث على خصوص كيفية تكوين وحي القرآن طوال ثلاثة وعشرين سنة من رسالة النبي الأكرم‘، وطريقة معرفة ترتيب وتوالي أنواع الوحي القرآني.

ومن الجدير بالذكر أن الشيخ معرفت لم يستعمل مصطلح تأريخ القرآن في مؤلَّفاته أبداً، بَيْدَ أنه تعرّض إلى مسائله بشكلٍ وآخر. كما أنه لم يتعرّض لآراء المستشرقين ومواقفهم في هذا الشأن، غير أن باستطاعتنا أن نستجلي موقفه منهم من خلال عرض آرائهم على رأيه. وقد ذكر سماحته رأيه وموقفه في هذا الشأن بشكل رئيس في الجزء الأول والثاني من كتابَيْه: «التمهيد في علوم القرآن»؛ و«تاريخ القرآن».

 

2ـ سبب الإقبال على تأريخ القرآن الكريم

لا يخفى أن القرآن ـ خلافاً لسائر الكتب السماوية ـ لم ينزل دفعة واحدة([2])، بل تدرّج في نزوله على مدى ثلاثة وعشرين سنة، وهي الفترة التي أمضاها النبي الأكرم‘ بعد بعثه بالرسالة. وقد نزلت ستٌّ وثمانون سورة من سور القرآن الكريم طوال ثلاث عشرة سنة من وجود النبي في مكة المكرمة، كما نزلت ثمانٍ وعشرون سورة من سور القرآن على مدى عشر سنين، وهي مدة إقامته في المدينة المنوّرة بعد هجرته إليها([3]).

إن إشراف مضامين سور القرآن على المقتضيات المستمرة أو المرحلية لعصر رسالة النبي الأكرم‘ يُثبت أن فلسفة نزوله التدريجي إنما تأتي استجابة لحاجة ومقتضيات عصر رسالة النبي الأكرم‘. هذا وقد أشار الله تعالى إلى هذه الحقيقة في معرض الإجابة عن سؤال المشركين في مكة المكرمة عندما تساءلوا عن سبب عدم نزول القرآن على رسول الله‘ دفعة واحدة؛ فأجابهم قائلاً: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً * وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ (الفرقان: 32 ـ 33).

قال الشيخ معرفت في إشارة منه إلى هذه الآية: إن اختلاف مناسبات آيات القرآن بحسب الشرائط والمقتضيات أكبر دليل على أنها قد نزلت في مواضع وأزمنة مختلفة، ولم تنزل دفعة واحدة([4]). كما عمد سماحته إلى بيان نماذج في هذا الشأن نقلاً عن الشيخ المفيد، ومن ذلك قوله: إن القرآن كان ينزل لأسباب كانت تحدث بالتدريج، وقد عمد القرآن إلى شرح مسارها أحياناً. ومن ذلك ما نجده في آية الظهار؛ حيث نزلت بشأن خولة بنت خويلد، التي شكَتْ زوجها أوس بن الصامت إلى رسول الله‘، حيث كان قد ظاهرها، وكان الظهار يُعَدّ في الجاهلية نوعاً من أنواع الطلاق([5]).

هذا ويستشفّ الشيخ معرفت التدرّج في نزول القرآن الكريم من قرائن أخرى؛ ومن بينها حديث القرآن عن أحداث فترة بعثة النبي الأكرم‘ بصيغة الماضي؛ ومن القرائن الأخرى على ذلك وجود الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم([6]).

إن هذه الخاصّة التي تميّز القرآن بالتدرج والنزول بحسب المناسبات، ومواكبة تطور المراحل الزمنية لنبوة النبي الأكرم‘، دفعت الباحثين في الشأن القرآني ـ من المسلمين والمستشرقين ـ إلى معرفة هذه المناسبات التاريخية لأنواع الوحي القرآني، وزمن نزول الآيات والسور، وبذلك تمّ التأسيس لعلم تأريخ القرآن.

 

3ـ أهمِّية تأريخ القرآن الكريم

ليس هناك من شكٍّ في أن الغرض النهائي من تأريخ القرآن هو الوصول إلى التاريخ الدقيق أو التقريبي لأنواع وحي القرآن الكريم، بَيْدَ أن الوصول إلى هذه الغاية يستدعي دراسة جميع الآيات والروايات التي تبين الحاضنة التاريخية لنزول وحي القرآن الكريم. من هنا فإن الاهتمام بتأريخ القرآن ينطوي على الكثير من الفوائد القيِّمة.

ومن أهم الفوائد المترتبة على تأريخ القرآن هو التفسير الصحيح والواضح لآيات القرآن؛ وذلك لأن شرائط ومقتضيات عصر رسالة النبي الأكرم‘ تُعَدّ من القرائن الحالية والمقامية لآيات القرآن، ولا يمكن فهم أيّ كلام إذا تمّ تجريده من قرائنه. ورغم علمنا بخلود القرآن الكريم، فإننا في الوقت نفسه لا نستطيع أن ننكر إشراف الوحي القرآني على شرائط وأحداث عصر رسالة النبي الأكرم‘، ونزول الآيات والسور طبقاً لمقتضيات تلك الشرائط والأحداث أيضاً. من هنا فإن من بين شروط الفهم والتفسير الصحيح والواضح للقرآن دراسة الشرائط والأحداث التي نزل الوحي القرآني طبقاً لمقتضياتها. فإذا قامت الدراسة على ترتيب ظهور وتطوّر الشرائط والأحداث فإن الفوائد المترتِّبة عليه سوف تتضاعف. والذي يسعى إليه تأريخ القرآن هو الاهتمام بمثل هذا الأسلوب من دراسة القرآن الكريم.

وقد ذهب الشيخ معرفت ـ ضمن الإشارة إلى أن شرائط ومقتضيات نزول الآيات تسمّى «أسباب النزول» ـ إلى بيان الفائدة المترتبة على معرفة أسباب النزول، قائلاً: «لمعرفة شأن النزول دورها الخطير في فهم معاني القرآن الكريم، وحلّ معضلات التفسير في كلا مجالي الأصول والفروع… إنها ترفع النقاب عن وجوه كثير من الآيات، نزلت لتعالج مشكلة في وقتها، لكنها في نفس الوقت ذات وجه عام تعالج مشاكل الأمّة عبر الحياة… وربما كان الوقوف على الحادثة الأولى والمناسبة الأولى التي استدعت نزولها من خير الوسائل لكشف الإبهام عن وجه الآية؛ إذ فيها الإشارة لا محالة إلى تلك الواقعة بالذات…»([7]).

وقد ذكر سماحته مثالاً لذلك، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (البقرة: 158)، حيث ذهب بعض المفسرين إلى القول بأن التعبير بـ «فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ» يدل على عدم وجود إثم في الطواف بين الصفا والمروة، وهذا التعبير لا يرقى إلى مستوى الوجوب، في حين أن وجوب الطواف بين هذين الجبلين واجبٌ بإجماع المسلمين. بَيْدَ أننا عندما نعلم سبب نزول هذه الآية، لا يبقى هناك مجال لطرح هذا الإشكال. فقد كانت مناسك الحج والعمرة تقام منذ عصر الجاهلية، بَيْدَ أن الجاهليين شوَّهوا هذه المناسب من خلال إضافة بعض البِدَع إليها، ومن تلك البِدَع أنهم وضعوا على رأس «الصفا» صنماً لرجل اسمه «أساف»، وعلى رأس «المروة» صنما لامرأة اسمها «نائلة». وتقول الأسطورة التي ساقوها أن أساف ونائلة ارتكبا موبقة الزنا في الكعبة، فمسخهما الله حجرين، فوضعهما الناس على رأس هذين الجبلين ليكونا عبرةً للناس. وبعد تقادم الزمن بدأ الأعراب يعبدونهما من دون الله؛ جهلاً، فكانوا أثناء طوافهم وسعيهم بين هذين الجبلين يمسحون أيديهم بهذين الصنمين؛ طلباً للبركة والتيمُّن. وعندما جاء الإسلام وحطّم الأصنام أخذ المسلمون يتأثَّمون من السعي بين الصفا والمروة؛ ظنّاً منهم أن هذا السعي من بدع الجاهلية، وأن الناس إنما كانوا يسعون بين هذين الجبلين تقرُّباً لذينك الصنمين؛ فنزلت هذه الآية في نفي هذا التأثُّم، ورفعاً لهذه الشبهة العالقة في أذهان بعض المسلمين([8]).

ومن الفوائد المترتبة على تأريخ القرآن معرفة صحّة وسقم الروايات التفسيرية، ومنها: روايات أسباب النزول، والمكي والمدني، والناسخ والمنسوخ. إن الاهتمام بتاريخ نزول آيات وسور القرآن الكريم يثبت بوضوح أن بعض الروايات التفسيرية قد ذكرت عن طريق الخطأ في ذيل آيات القرآن، وتمّ تطبيقها عليها([9]). وقد ذكر الشيخ معرفت الآية التالية كمثالٍ في هذا الشأن: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (النحل: 126).

وقد قال سماحته في ذيل هذه الآية: «عن أبي هريرة: إن النبي‘ وقف على حمزة حين استشهد بأحد، وقد مُثِّل به؛ فقال: لأمثِّلن بسبعين منهم مكانك؛ فنزل جبرائيل بهذه الآيات… هذا مع العلم أن سورة النحل مكّية، نزلت آياتها كلّها بمكة قبل الهجرة»([10]).

أما الفائدة الأخرى المترتبة على معرفة تأريخ القرآن الكريم، والتي لم يذكرها الشيخ معرفت، فهي التعرُّف على التاريخ والسيرة النبوية من خلال التعرُّف على تأريخ القرآن الكريم. فمن الواضح أن أكثر سور القرآن تعمل بشكلٍ وآخر على بيان مسار دعوة النبي الأكرم‘ بنحو عام أو خاص، بحيث لو تمّ الاكتفاء بترتيب سور القرآن على ترتيب النزول لكان ذلك وحده كافياً في بيان مسار الدعوة وسيرة النبيّ الأكرم‘ ([11]).

 

المسلمون وتأريخ القرآن

يبدو أن عملية تأريخ القرآن الكريم قد حدثت للمرة الأولى على يد المسلمين الأوائل من الصحابة والتابعين، حيث عمدوا؛ انطلاقاً من علمهم بأسباب وترتيب نزول القرآن، إلى تحديد المكي والمدني من آيات القرآن، وبذلك قاموا بتأريخ القرآن وتقسيمه إلى حقبتين وقسمين، تمثّلا في: السور والآيات القرآنية المكية؛ والآيات والسور المدنية. ومن الجدير ذكره أنه ليس بأيدينا ـ بطبيعة الحال ـ ما يحمل عنوان المكي والمدني سوى روايتين، وهما غير ناظرتين إلى المعيار الزمني الذي يتحدّد بهجرة النبي الأكرم‘ إلى المدينة المنوّرة. وكما ذكر الشيخ معرفت فإن ما يقرب من جميع المكي والمدني من القرآن مقتبس من روايات أسباب النزول وترتيب النزول([12]).

وقد كان يتمّ تناقل هذه الروايات في الكتب التاريخية والتفسيرية والعلوم القرآنية عبر القرون، دون إخضاعها للنقد والمناقشة والتحليل، حتّى كان منتصف القرن الثالث عشر الهجري، حيث حظيت هذه الروايات ـ ولا سيَّما روايات ترتيب النزول ـ باهتمام العلماء المسلمين. وقد كانت بداية هذا الاهتمام تعود إلى عام 1337هـ، حيث أرادوا طباعة مصحف القرآن الكريم في مصر، وعقدوا العزم على بيان ترتيب النزول والمكي والمدني في مستهل كل سورة من القرآن. وبعد طباعة هذا المصحف عمد بعض علماء أهل السنة إلى كتابة السيرة أو التفسير على أساس ترتيب النزول.

ويبدو أن (العلاّمة عبد القادر ملا حويش) هو أول مَنْ أبدى اهتماماً خاصاً بهذا المصحف والمعلومات الواردة في بدايات سوره؛ إذ بادر إلى تأليف تفسير تحت عنوان «بيان المعاني على حسب تفسير النزول»، وذلك في سنة 1355هـ، ولكنّ طباعته تأخرت سبعة عشر عاماً لأسباب مجهولة.

ثم تلاه (الأستاذ محمد عزّة دروزة)، ليؤلِّف كتابه تحت عنوان «التفسير الحديث على حسب ترتيب النزول». ورغم تأخُّر تأليف هذا الكتاب عن الكتاب الأول، فإنّه طُبع قبله بعامين؛ إذ طبع سنة 1380هـ، ويُعَدّ هذا التفسير أهم وأفضل تفسير تمّ تأليفه حتّى الآن بحسب ترتيب النزول.

لم يقُمْ (العلامة عبد القادر ملا حويش) بأي تغيير في ترتيب السور الواردة في الروايات أبداً. أما (الأستاذ محمد عزّة دروزة) فقد عمد إلى تغيير ترتيب الكثير من السور المدنية، فقد وضع سور الرعد والحجّ والرحمن والإنسان والزلزلة ـ بسبب الشبه الموجود بين مضامينها ومضامين السور المكية ـ في أواخر سور الحقبة المكية، أي قبل سورة البقرة. كما وضع سورتي الحشر والجمعة ـ استناداً إلى روايات أسباب النزول ـ قبل سورة الأحزاب، كما وضع سورتي الممتحنة والحديد ـ للسبب ذاته ـ قبل سورة التوبة.

كما ألف (الأستاذ محمد عزّة دروزة) كتاباً آخر في السيرة النبوية، تحت عنوان: «سيرة الرسول، صور مقتبسة من القرآن الكريم»، على أساس روايات ترتيب النزول أيضاً. حيث عمد في هذا الكتاب إلى دراسة مسائل السيرة النبوية بحسب ترتيب النزول، وأعدّ من خلال ذلك تفسيراً موضوعياً ـ تاريخياً في موضوع السيرة النبوية ومسار دعوة النبي الأكرم‘.

كما قام (الأستاذ جلال الدين الفارسي) بتأليف ثلاثة كتب في السيرة النبوية على أساس ترتيب النزول، تحت العناوين التالية: «پيامبر وانقلاب»، و«پيامبري وجهاد»، و«پيامبر وحكومت». وهو ـ مثل الأستاذ دروزة ـ لم يقدِّم في كتبه تفسيراً موضوعياً ـ تاريخياً عن موضوعات السيرة النبوية، وإنما عمد إلى ترجمة السور القرآنية على ترتيب النزول، وأضاف إليها روايات أسباب النزول والسيرة النبوية، وبذلك أعدّ تفسيراً ترتيبياً ـ تاريخياً. كما قام ـ مثل الأستاذ دروزة ـ بتغيير ترتيب السور المدنية، فقدَّم سور الحشر والمنافقون والنور على سورة الأحزاب، ووضع سور النساء والممتحنة والفتح والزلزلة على التوالي بعدها، ووضع سورتي الحجّ والمجادلة على التوالي بعد سورة البيّنة. ولكنه ـ خلافاً للأستاذ دروزة، الذي وضع سورة الفاتحة في بداية السورة المكية ـ عمد إلى وضع سورة الفاتحة في بداية السور المدنية.

والإشكال الهامّ الذي يرد على هؤلاء العلماء الثلاثة هو إيلاؤهم الأهمية المفرطة لروايات أسباب النزول. فقد استند الأستاذ دروزة شيئاً ما إلى هذه الروايات، أما الأستاذ عبد القادر وجلال الدين الفارسي فقد ذهبا أكثر منه في الاستناد إلى هذه الروايات، وعلى أساسها قاما بشرذمة الكثير من الآيات المتصلة في السور، ونسباها إلى تواريخ متنوّعة ومتباعدة.

ومن المناسب هنا التعريف بمجهود المهندس مهدي بازرگان حول تأريخ القرآن في كتابٍ له تحت عنوان «سير تحوّل قرآن»، ونقده. فقد عمد في كتابه هذا إلى تجاهل روايات ترتيب النزول، وأسباب النزول، والسيرة، بل وتجاهل حتّى المعايير القرآنية المعتبر والمصادر المعتمدة جدّاً في تأريخ القرآن. وقد كانت حجته في ذلك أن الروايات ليست إجماعية، ولا يركن إليها كثيراً، ثم إنها لم تستوعب جميع آيات القرآن. من هنا فقد اعتمد معياراً واحداً فقط، وقد اصطلح عليه «الطول المتوسّط للآيات»، بوصفه المعيار الأساس في الوصول إلى تأريخ القرآن. وقد ذهب في فهمه إلى القول بأن الطول المتوسط للآيات اتّخذ بالتزامن مع تطور رسالة النبي الأكرم‘ مساراً تصاعدياً([13]). وبطبيعة الحال فإن هذا الفهم تؤيده الروايات من الناحية العامة، ويمكن القول: إن الطول المتوسط لآيات السور الأولى أطول من السور اللاحقة تقريباً، وأما القول بأن الطول المتوسط لآيات السور قد تطوّر على نحو المليمتر فلا دليل عليه؛ إذ لا العقل يحكم به، ولا الروايات والآيات تساعد عليه. ولا يخفى أن مبنى العلماء من المسلمين في ما يتعلق بزيادة طول الآيات في السور هو ملاحظة مضامين الآيات بضمّ روايات النزول وأسباب النزول. ولا شَكَّ في أنه لولا هذه المستندات لما تمّ اختيار مثل هذا المبنى من قبل المفكّرين المسلمين. إن هذه المستندات ـ ولا سيَّما روايات ترتيب النزول ـ لا تساعد على هذا المعنى، ولا تؤيِّد القول بأن الطول المتوسّط للآيات كان يسلك مساراً صعودياً على وتيرةٍ واحدة، وعلى نحو المليمتر، منذ بداية البعثة إلى آخر القرآن نزولاً.

كما أن النتائج التي توصل لها بازرگان لا تنسجم مع الأدلة العقلية والنقلية المعتبرة. فعلى سبيل المثال: نجده يذهب ـ خلافاً للمشهور ـ إلى اعتبار الآيات الخمسة الأولى من سورة العلق عشر آيات، ويعتبر سورة النصر بأجمعها، بآياتها الثلاث، آية واحدة. كما أنه لم يهتمّ بتعيين حدود أنحاء الوحي القرآني النازل على النبي الأكرم‘ باتصال آيات القرآن. فعلى سبيل المثال: إنه ـ وخلافاً لجميع القواعد اللغوية والخصائص النحوية في اللغة العربية ـ يعتبر الآيات 8 ـ 10 من سورة المدثر التي تبدأ بحرف الفاء، والآيات 31 ـ 34 التي تبدأ بحرف العطف «الواو»، والتي تحكي عن اتصال تلك الآيات بما قبلها، وحياً مستقلاًّ([14]).

 

المستشرقون وتأريخ القرآن

لقد سبق المستشرقون كلاًّ من: العلامة عبد القادر ملا حويش والأستاذ محمد عزة دروزة بحوالي قرنٍ من الزمن في الاهتمام بترتيب نزول سور القرآن وتأريخه. وقد كان هدفهم من وراء ذلك هو تعريف المخاطب الغربي بالقرآن ونبيّ الإسلام‘، من خلال الكتب التي ألفوها في مجال القرآن أو النبي الأكرم. ومن هنا نلاحظ أنهم كتبوا بحوثهم في كتب تحمل عنوان: «حياة محمد»؛ و«تاريخ القرآن»، أو مقدمات لتراجم القرآن.

لم يستند المستشرقون إلى روايات ترتيب النزول وأسباب النزول والسيرة كثيراً، فقد كان منهجهم في تأريخ القرآن يعتمد في الغالب على أساس أسلوب ومضمون سور القرآن، مع الاعتماد إلى حدٍّ ما على روايات السيرة وأسباب النزول، وشيء من روايات ترتيب النزول([15]). وقد أدّى بهم الإعراض عن روايات ترتيب النزول، والاستناد إلى أساليب ومضامين السور، إلى غضّ الطرف عن تعيين ترتيب آحاد السور، والاكتفاء بمجرد تصنيف وتبويب سور القرآن ضمن أربع أو خمس أو ست مراحل فقط.

وقد ذهب أكثر المستشرقين إلى اختيار تصنيف سور القرآن وتبويبها ضمن أربع مراحل. وقد كان أول مَنْ قام بهذه العملية كلٌّ من: جوستاف فايل([16])، ثم تلاه ثيودور نولدكه([17])، وفريدريش شيفالي([18])، ورودفيل([19])، ودرنبورغ([20])، وبلاشير([21])([22]).

لقد ألف المستشرق الألماني (جوستاف فايل) كتاباً بعنوان «مقدمة تاريخية ـ نقدية على القرآن»([23])، عرض فيه آراءه، وقسّم فيه سور الحقبة المكية إلى ثلاثة أقسام، وأبقى سور الحقبة المدنية ضمن مجموعة واحدة. وذلك حيث قسم الحقبة المكية إلى الفترات التالية:

1ـ من بداية البعثة إلى هجرة بعض المسلمين إلى الحبشة (1 ـ 5 من البعثة).

2ـ من بداية الهجرة للحبشة إلى حين عودة النبيّ الأكرم من الطائف (5 ـ 10 من البعثة).

3ـ من بداية عودة النبي من الطائف إلى هجرته منها إلى المدينة المنورة (10 ـ 13 من البعثة).

وبذلك ننتقل إلى الحقبة المدنية، والتي تبدأ من هجرة النبي الأكرم إلى يثرب إلى اللحظة الأخيرة من حياته الشريفة (من السنة الأولى للهجرة وحتّى السنة العاشرة منها).

وقد حدَّد (جوستاف فايل) لمراحله الأربعة هذه الخصائص التالية:

ـ أغلب سور المرحلة الأولى ذات آيات قصيرة ومسجّعة وذات طابع شعري، يشتمل على التشبيه والتمثيل المقرون بالتهديد، وأغبلها يبدأ بالقَسَم.

ـ سور المرحلة الثانية تمتاز بالطول، وقلة السجع، مع الإبقاء على الصورة الشعرية المقرونة بالتهديد، مع ذكرها لصفات الله في الطبيعة، واسم «الرحمن»، مع بيان صفات الجنة والجحيم.

ـ سور المرحلة الثالثة تشتمل على آيات أطول من آيات المرحلة الثانية، وأقلّ منها اشتمالاً على السجع، بَيْدَ أنها تخلَّت عن تلك الصورة الشعرية المفعمة بالتهديد، ولكنها حافظت على بيان أوصاف الجنة والنار، مع إضافة أخبار الأنبياء السابقين بتفصيلٍ أكبر.

ـ سور المرحلة الرابعة (الحقبة المدنية) تمتاز في تأكيدها على أحداث ما بعد الهجرة، والسلطة السياسية المتزايدة بزعامة النبيّ‘. كما تمتاز آيات هذه المرحلة بأنها هي الأطول على الإطلاق.

لم يعوّل (جوستاف فايل) في تبويبه لهذه المراحل على الروايات، فإننا ـ على سبيل المثال ـ إذا استثنينا سور المرحلة المكية الأولى ـ حيث عمد إلى توظيف روايات ترتيب النزول إلى حدٍّ ما ـ نجده لا يهتمّ بما تقوله الروايات بالنسبة إلى سائر المراحل الأخرى.

وإن المعايير التي اتبعها (جوستاف فايل) بشكلٍ رئيس ثلاثة:

أـ أسلوب السور، من قبيل: قصر وطول الآيات، واعتمادها على السجع والنثر، وكذلك مقدار ما تلجأ إليه من أنواع التشبيه والتمثيل والاستعارة، والشدّة واللين.

ب ـ مضامين السور، من قبيل: أوصاف الجنة والنار، وآيات الله في الطبيعة، وقصص الأنبياء، وأحداث ما بعد الهجرة.

ج ـ إشارات القرآن الكريم إلى الأحداث التاريخية، حيث نجد السور المكية نادراً ما تشتمل على بيان هذه الأحداث التاريخية، وإنما نجد لها حضوراً صارخاً في سور الحقبة المدنية.

وعليه يجب القول: إن معياره في تبويب وتقسيم السور يعتمد بشكلٍ رئيس على أساليب ومضامين سور القرآن([24]).

وقد تركت جهود (جوستاف فايل) تأثيرها على مستشرقين آخرين، من أمثال: ثيودور نولدكه، وفريدريش شيفاللي، ورودفيل، ودرنبورغ، وريجيس بلاشير، حيث أقرّوا معاييره الثلاثة، وتقسيمه الرباعي لمراحل القرآن، ولكنّهم خالفوه في ترتيب السور ضمن هذه المراحل في الكثير من الموارد.

وقد عمد ثيودور نولدكه ـ وهو ألماني، مثل: جوستاف فايل ـ إلى بيان تبويبه لمراحل القرآن في كتابٍ له بعنوان: «تاريخ القرآن»([25]).

أما المستشرق الإنجليزي رودفيل فقد ذكر تبويبه الخاص في ترجمته للقرآن الكريم([26])، حيث شرح هذا التبويب ضمن مقدمته على هذه الترجمة.

وأما المستشرق السويدي ديرنبورغ فقد ذكر تبويبه في كتاب له بعنوان: «العلوم الدينية والإسلام»([27]). وقد عمد إلى وضع السور التي تتحدّث عن احتجاج النبي الأكرم‘ مع مشركي مكّة ضمن المرحلة الثانية.

هذا وقد ذكر المستشرق الفرنسي ريجيس بلاشير تبويبه في ترجمته للقرآن الكريم، حيث شرح هذا التبويب ضمن مقدّمته على هذه الترجمة([28]).

وأما المستشرق الإنجليزي وليم مويير، الذي سبق جميع هؤلاء المستشرقين، فقد عمد ـ خلافاً لهؤلاء ـ إلى تقسيم سور الحقبة المكية إلى خمس مراحل، وعمل على تبويب سور القرآن الكريم ضمن ستّ طبقات. وعلى الرغم من أنه لم يعتمد على روايات ترتيب النزول، إلا أنه قد استعان إلى حدٍّ ما بروايات السيرة، حيث عرض جهوده ضمن كتابين له بعنوان: «حياة محمد‘»([29])؛ و«القرآن، التأليف والتعليم»([30]).

كما عمد هيرشفيلد([31]) ـ وهو مستشرق إنجليزي أيضاً ـ إلى تقسيم سور الحقبة المكية إلى ستّ مراحل أيضاً، كما صنع مواطنه «وليم مويير»، حيث قسّم سور القرآن على أساس مضامينها، فخرج بخمس مراحل للحقبة المكية، ومرحلة واحدة للحقبة المدنية، وذلك على الترتيب والعناوين التالية:

1ـ السور الإثباتية (إثبات الربوبية لله، وإثبات النبوّة لرسول الله)، من قبيل: سورة الأعلى.

2ـ سور الوعظ والإرشاد (الإنذار والتبشير والحديث عن يوم القيامة والجنة والنار)، من قبيل: سورة التكوير.

3ـ سور القصص (قصص الأنبياء^، والأمم السابقة)، من قبيل: سورة الذاريات.

4ـ السور التوصيفية (وصف الآيات الإلهية في الطبيعة ونعمها)، من قبيل: سورة الرحمن.

5ـ السور التشريعية (تشريع الأحكام العبادية والقضائية والحقوقية)، من قبيل: سورة الأنعام.

وقد استعرض تبويبه لسور القرآن ضمن كتابٍ له بعنوان: «تحقيق جديد حول تأليف وتفسير القرآن»([32])([33]).

أما المستشرق الألماني جريميه([34]) فقد ذهب ـ خلافاً لـ (وليم مويير) ـ إلى تقسيم الحقبة المكية وسورها إلى مرحلتين. وقد عمد إلى تنظيم تبويبه على نحوٍ مشابه تقريباً لمعايير تقسيم (جوستاف) فايل وأتباعه في تقسيمهم الثلاثي للحقبة المكية؛ فأدرج السور المسجّعة ذات المضامين التوحيدية والأخروية ضمن الطبقة الأولى؛ وأدرج السور التي تخلو من السجع، والتي تحتوي على مضامين بشأن العلامات والآيات الإلهية في الطبيعة، وقصص الأنبياء، ضمن الطبقة الثانية. وقد استعرض جهوده ضمن كتابٍ له بعنوان: «محمد»([35])([36]).

وأما المستشرق الإنجليزي ريتشارد بيل([37]) فقد استند من بين المعايير الثلاثة إلى مضامين السور فقط، إلا أنه لم يقدّم تبويباً خاصاً عن سور القرآن، وإنما اكتفى ببيان تبلور القرآن عبر ثلاث مراحل، وأطلق عليها على التوالي تسمية: «الآية»، و«القرآن»، و«الكتاب».

أما مرحلة الآية فترتبط بالمرحلة المكية، من بداية البعثة إلى ما يقرب من نهايتها، وهي تشتمل ـ من وجهة نظره ـ على النصوص الخاصة بالتوصية في مجال العبودية لله.

وأما مرحلة القرآن فقال: إنها تعود إلى نهاية الحقبة المكية إلى نهاية السنة الثانية من الهجرة، وهي من وجهة نظره تشتمل على النصوص الخاصّة بالعبادات.

وأما مرحلة الكتاب فتبدأ ـ عنده ـ من السنة الثالثة للهجرة إلى نهاية الحقبة المدنية، حيث ذهب به الوَهْم إلى أن النبي قد ألَّف القرآن بعد معركة بدر، وأنه في هذه المرحلة عمد إلى تغيير موضع الكثير من آيات القرآن، وأعاد النظر فيها. وقد ذكر هذه الآراء في ترجمته([38]) الإنجليزية للقرآن([39]).

وعليه كما نلاحظ فإن المستشرقين لم يعتمدوا على الروايات في بيان تأريخ القرآن، وإنما اكتفوا في ذلك بتوظيف أساليب ومضامين القرآن نفسه. وقد كان سبب إعراضهم عن الروايات هو اشتمال الروايات على الكثير من المشاكل، ومن أبرزها: عدم انسجام الكثير منها؛ وتعارضها فيما بينها؛ مضافاً إلى عدم تصريح أكثرها بالتاريخ الدقيق لنزول الوحي القرآني.

بَيْدَ أن المعايير التي اختاروها لأنفسهم، والتي تتمثل بأساليب ومضامين القرآن نفسه، لم تسعفهم كثيراً في بيان تاريخ القرآن. ومن هنا فقد عمد كلُّ واحد من هؤلاء المستشرقين إلى تقديم تبويب مختلف عن تبويبات الآخرين. يضاف إلى ذلك أن الخصائص التي ذكرها كل واحد منهم في تمييز الطبقات والمراحل من غيرها تقوم في الغالب على أساس المسائل والأمور الذوقية، التي لا تستند إلى دليلٍ نقلي. وعليه نقول: ما هو السبب الذي يدعو إلى تغيُّر سور القرآن كلما ابتعدنا عن بداية البعثة، لتغدو آياتها أكثر طولاً، وأهدأ لحناً، وأقل سجعاً؟ ولماذا يجب اشتمال بدايات أكثر السور في المرحلة المكية الأولى على الأقسام؟ وأن تشتمل سور المرحلة المكية الثانية على آيات الله في الطبيعة واسم «الرحمن»، وأوصاف الجنة والنار؟ وأن يتم بيان أوصاف الجنة والجحيم، وكذلك أخبار الأنبياء في المرحلة المكية الثالثة بتفصيلٍ أكبر؟ فليس هناك حديثٌ مأثور عن النبي الأكرم‘ في هذا الشأن، ولا توجد آية من القرآن تدلّ على ذلك، بل ليس هناك من العقل ما يؤيّده أيضاً.

إن الشيخ معرفت ـ كما سيتّضح ـ لم يُبْدِ اعتماداً كبيراً على روايات أسباب النزول، ولكنه أبدى اهتماماً كبيراً بروايات ترتيب النزول. وعمد لذلك إلى تقديم روايات ترتيب النزول على روايات أسباب النزول في جميع الموارد التي حصل التعارض فيها بينهما.

كما اهتمّ كثيراً بسياق الآيات، فكان إذا وقع التعارض في بعض الموارد بين سياق الآيات وبين روايةٍ في سبب النزول أو المكي والمدني قدَّم السياق على تلك الرواية.

إن الأستاذ معرفت لا يعتبر الخصائص الأسلوبية والمضمونية للقرآن، من قبيل: اللحن والنبرة والمفاهيم، معياراً حاسماً وقاطعاً لتحديد تاريخ الآية أو السورة، إلا في بعض الموارد التي تكون فيه تلك الخصوصية مرتبطة بمرحلة زمنية خاصة.

والنتيجة أن الاستفادة من الروايات في بيان تأريخ القرآن وإنْ كانت تنطوي على بعض المشاكل، إلا أنها تبقى ـ بعد تنقيحها وضمّها إلى آيات القرآن ـ من أكثر أساليب عملية التأريخ علميّةً واعتباراً. ومن المناسب في عملية تأريخ القرآن العمل على اعتماد الترتيب الذي تثبته روايات ترتيب النزول لسور القرآن، وجعل ذلك هو الأساس في إثبات تأريخ القرآن، ما دام ذلك لا يتعارض مع القطعيات النقلية، والعمل على تقييم سائر الروايات الأخرى على أساسها، والعمل على توظيفها في تأريخ القرآن. وهذه الطريقة هي التي اتَّبعها الشيخ معرفت تقريباً في مبحث المكي والمدني، وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ أيضاً.

 

خصائص الوحي القرآني المستقلّ

من الواضح أن القرآن الكريم قد نزل باللغة العربية، وهذا يقتضي منه ـ بطبيعة الحال ـ أن يراعي قواعد هذه اللغة، ولا يصحّ أبداً أن نحمل على القرآن آراء من عندنا نتجاهل من خلالها جميع قواعد اللغة العربية.

ويبدو أن كلّ وحي يجب أن يشتمل من الناحية اللغوية على ميزتين في الحدّ الأدنى؛ كي نؤمن بنزوله المستقلّ:

الأولى: أن يبدأ بحروف أو كلمات يبدأ فصحاء العرب كلامهم المستقلّ بها. وعليه فإن الآيات التي لا تبدأ بهذه الحروف والكلمات لا يمكن أن تكون وحياً مستقلاًّ. فعلى سبيل المثال: لا يمكن لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ (البقرة: 281) أن يكون وحياً مستقلاًّ([40])؛ وذلك لكونه يبدأ بـ «واو العطف»، وليس بأيدينا من بين جميع النصوص المأثورة عن فصحاء العرب ـ الأعمّ من الشعر والنثر ـ كلامٌ مستقلّ يبدأ بحرف العطف أبداً. كما أن افتراض كون الواو في بداية هذه الآية استئنافية ـ لتبرير اعتبارها كلاماً مستقلاًّ ـ لا يصحّ أيضاً؛ لعدم وجود نصٍّ عربي مستقلّ يبدأ بـ «واو الاستئناف» أيضاً.

الثانية: أن يكون الكلام مستوفياً معناه بشكل كامل، بحيث لا يبقى السامع بعد سماعه لهذا النص حائراً في فهم المعنى الذي يريده المتكلم منه. وعلى هذا الأساس لا يمكن ـ مثلاً ـ القبول بأن تكون الآيات الخمسة الأولى من سورة العلق وحياً مستقلاًّ؛ إذ لا نلاحظ فيها المعنى والمفهوم الكامل الذي يقنع السامع ولا يرتبك في فهم المراد منه. ففي هذه الآيات لا نرى سوى الأمر بالقراءة باسم الربّ وأوصاف الربّ، وهذا لوحده لا يوصل إلى السامع معنى كاملاً؛ إذ لا يفهم السامع منه ما هو المعنى الذي يريد المتكلم إيصاله إليه، ولا يدرك ما الذي يتعيّن عليه أن يفهمه. لا يخفى أن الأمر بالقراءة إنما يكون مفهوماً إذا كان المخاطب محتفظاً بنصٍّ مكتوب يطلب منه قراءته، وعليه مع افتراض نزول الآيات الخمسة الأولى من سورة العلق مشافهةً إذا افترضنا عدم نزول نصّ على النبي الأكرم‘ قبل ذلك فلن يكون هناك معنىً واضح للأمر بالقراءة، وإن تكرار هذا الطلب لن يقنع أي مخاطب باستقلال هذه الآيات الخمس؛ فإنه حتّى في مثل هذه الحالة لا يستطيع أن يدرك المغزى الواضح المطلوب منه فهمه واستيعابه بعد سماعه لها بشكلٍ كامل. ولا يبدو من المنطقي ـ بالنسبة إلى مَنْ بُعث إلى قوم بالنبوّة والرسالة، والذي ينبغي له أن يحمل لهم خطاباً واضحاً وهادياً ـ أن ينزل عليه مثل هذا النصّ المبتور وغير المكتمل.

لقد اهتمّ الشيخ معرفت بقواعد اللغة العربية، ومن بينها: وحدة السياق، والانسجام والتناغم بين آيات السور إلى حدٍّ كبير. وقد اعتمد على هذه القاعدة في ردّ الكثير من روايات أسباب النزول ذات المضمون المخالف للسياق، وهو ما سنأتي على ذكر بعض نماذجه لاحقاً. إلاّ أنه في بعض الموارد وقع أيضاً تحت تأثير روايات أسباب النزول، فتجاهل لذلك وحدة سياق الآيات وانسجامها. ومن ذلك الموردين المتقدّمين، حيث اعتبر الآيات الخمسة الأولى من سورة العلق قد نزلت أوّلاً، ثم اكتملت آياتها بعد ذلك بنزول سائر آياتها الأخرى([41])؛ كما قبل بأن يكون قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ (البقرة: 281) آخر ما نزل من الآيات على رسول الله‘ ([42]).

إن دراسة أبحاثه في مجال السياق تثبت أن مراده من وحدة السياق هو الآيات التي تتحدّث عن موضوعٍ ومضمون واحد. ولكنه يرى في الوقت نفسه أن السورة أو النزول الواحد قد لا يشتمل على سياقٍ واحد بالضرورة. ومن هنا لا يمكن اعتبار سورة القيامة ذات سياق واحد؛ لأنها تتحدّث عن موضوعين مختلفين، وهما: موضوع القيامة، وموضوع تعجُّل النبيّ‘ في قراءة القرآن([43]).

وقد ذهب سماحته إلى اعتبار الآيات التي تتحدّث عن تعجّل النبي‘ في قراءة القرآن في سورة القيامة أمراً استطرادياً([44]).

كما أنه يؤمن بوحدة موضوع السور، بَيْدَ أن الوحدة الموضوعية للسور لا تكون بالضرورة دليلاً على وحدة نزول السورة؛ وذلك لاعتقاده أن الآيات في السور التي نزولت تدريجاً تنتمي إلى أزمنة مختلفة، وإن النبي الأكرم‘ إنما يُلحقها بتلك السورة بملاحظة مناسبةٍ ما([45]).

كما أنه ـ مثل سائر المفسِّرين ـ يرى السياق وسيلةً إلى تفسير القرآن بالقرآن، ومن هنا كان يهتمّ بمضمون الآيات كثيراً([46]).

إن سماحته ـ وسائر المفسِّرين ـ لم يلتفتوا إلى هذه المسألة، وهي: هل يمكن للآيات التي لا تحمل مضموناً كاملاً، أو التي لا ترتبط بالآيات الأخرى من الناحية اللفظية، أن يكون لها نزولٌ مستقلّ؟ وربما لو أنهم التفتوا إلى هذه الناحية لما قالوا بالنزول المستقلّ لهذه الآيات.

 

التقويم الجاهلي وتأثيره في تأريخ القرآن الكريم

لقد كان التقويم المتّبع في العصر الجاهلي هو التقويم القمري، بَيْدَ أن تغير الأشهر القمرية بحسب الفصول قد دعا البعض إلى الإقبال على التقويم الشمسي أيضاً. لا شَكَّ في أن هذين النوعين من التقويم قد أدّيا إلى حدوث تواريخ مختلفة. ومن هنا يتعيّن علينا أن ندرس حقيقة ظاهرة الإنساء في العصر الجاهلي وماهيته، فهل كان الأمر ـ كما يقول المؤرِّخون ـ أن مشركي مكة كانوا يقومون بعملية الإنساء التي كانوا يمارسونها في أيام الحجّ؛ بغية خلق البيئة والظروف الزمنية المناسبة للتجارة، فيجعلون شهر ذي الحجة يوافق فصل الخريف، وذلك بأن يقوموا بعد كل ثلاث سنوات بإضافة شهر، بمعنى أن يزيدوا شهراً إلى آخر السنة القمرية الثالثة([47])، أم كان الأمر ـ كما يقول المفسِّرون ـ أن المشركين في مكّة كانوا يبحثون عن مسوِّغ يبيح لهم القتل والغارة بعد الفراغ من مناسك الحجّ، دون أن يضيفوا شيئاً إلى الأشهر القمرية، فكانوا يعتبرون شهر المحرم في سنةٍ من غير الأشهر الحرم، ويعوِّضون عن ذلك بتحريم شهر صفر؛ ليتداركوا بذلك انتهاكهم لحرمة شهر المحرم في السنة الماضية([48]).

وقد أشار الشيخ معرفت إلى كلا القولين، نقلاً عن مجمع البيان، دون أن يرجِّح أحد المعنيين على الآخر([49]).

والذي تثبته دراسة الآيات([50]) والروايات([51]) أن المعنى الأخير هو المقصود، بمعنى أن المشركين يعتبرون السنة هي الأشهر القمرية الاثني عشر، دون أن يضيفوا عليها شيئاً، وإنهم إنما كانوا في كلّ سنتين يستحلّون حرمة شهر المحرَّم، ويؤخِّرون التحريم إلى شهر صفر في السنة التالية، وبذلك يبدلون وظائف هذين الشهرين.

 

مدّة نزول القرآن الكريم

إن للعلم بالفترة الزمنية التي بدأ فيها نزول القرآن، وتلك التي انقطع فيها الوحي، أهمية في تأريخ القرآن الكريم. وإن هناك العديد من الموضوعات التي تساعد دراستها على تحديد مدّة نزول القرآن. وفي ما يلي نخوض في بحثها.

إن من بين الموضوعات التي تستحق البحث والدراسة هي مدّة نزول القرآن في المرحلة المكية. فقد أجمعت الروايات على تحديد مدّة نزول القرآن في الحقبة المدنية بعشر سنوات، إلا أنها اختلفت في تحديد هذه المدة بالنسبة إلى الحقبة المكية؛ فذهب البعض منها إلى تحديدها بثمان سنوات؛ وبعضها بعشر سنوات؛ وبعضها الآخر بثلاث عشرة سنة.

وقد ذهب الشيخ الأستاذ معرفت إلى ترجيح القول بتحديد مدّة الحقبة المكية بعشر سنوات، وبذلك ذهب إلى الاعتقاد بأن مدّة نزول القرآن استغرقت في المجموع عشرين سنة، توزَّعت مناصفة بين الحقبتين، فكانت عشر سنوات للحقبة المكية، وعشر سنوات مثلها للحقبة المدنية، حيث ذهب إلى القول بأن نزول القرآن قد بدأ بعد ثلاث سنوات من البعثة، وصادف ذلك بداية المرحلة العلنية والجهر بالدعوة من قبل النبي الأكرم‘ ([52]).

إلا أن هذا الرأي غير مقبول؛ إذ إنه أوّلاً: يتعارض مع القول المشهور بأن مدّة نزول القرآن في مكة استمرّت لثلاث عشرة سنة. وثانياً: إن عدم نزول القرآن في السنوات الثلاثة الأولى من البعثة ـ مع أخذ الضغوط الكبيرة التي كان يمارسها المشركون ضد النبيّ وأصحابه في بداية البعثة ـ يتنافى مع ظاهر آية الفرقان التي تؤكِّد أن الفلسفة من النزول التدريجي للقرآن هي تثبيت قلب النبيّ الأكرم‘. يضاف إلى ذلك أن هذا الرأي تترتَّب عليه إشكالات أخرى، سنأتي عليها في طيات الأبحاث القادمة. والرأي الصحيح هو القول بأن الوحي القرآني قد بدأ نزوله منذ بداية البعثة، وبذلك يكون مجموع مدّة نزول القرآن ثلاثاً وعشرين سنةً تقريباً.

ومن بين المسائل التي تستحق البحث هو تحديد عمر النبي الأكرم‘ عند البعثة، وكذلك عند رحيله عن هذه الدنيا؛ إذ من خلال ذلك يمكن تحديد المدة التي نزل فيها الوحي على قلبه الشريف.

وفي ما يتعلق بتحديد عمره الشريف عند البعثة هناك قولان: الأول: يحدّد عمر النبي حينها بأربعين سنة؛ والآخر: يحدّده بثلاث وأربعين سنة([53]).

وفي ما يتعلق بعمر النبيّ عند رحيله عن هذه الدنيا هناك ثلاثة أقوال، وهي: ستون سنة؛ وثلاث وستون سنة؛ وخمس وستون سنة([54]).

والغالب هو تحديد عمره عند نزول الوحي عليه بأربعين سنة، والقول بتحديد عمره عند رحيله عن هذه الدنيا بثلاث وستين سنة.

وقد ذهب الشيخ معرفت إلى القول بتحديد عمر النبي الأكرم‘ عند البعثة بأربعين سنة([55]).

المسألة الأخرى التي تستحقّ الدراسة هي تحديد الشهر الذي بُعث النبي الأكرم فيه بالرسالة. وهناك ثلاثة أقوال في هذا الشأن، وهي: ربيع الأول؛ ورمضان؛ ورجب. بَيْدَ أن أغلب الأقوال تذهب إلى أنه‘ قد بُعث بالرسالة في شهر رجب([56]). وهذا القول هو الذي ذهب إليه الشيخ معرفت أيضاً([57]).

هل كان نزل الوحي والقرآن على رسول الله منذ بداية البعثة أم كانت هناك فترة زمنية تفصل بين بعثة النبي وبين نزول القرآن عليه؟ اختلفت الأقوال في هذا الشأن. والمشهور أن البعثة قد اقترنت بنزول القرآن، وبعبارةٍ أخرى: إن نزول القرآن هو الذي دلّ على البعثة. وفي الحقيقة إن النبي الأكرم‘ بعث بالنبوّة من خلال نزول الوحي عليه بالآيات الأولى من سورة العلق.

بَيْدَ أن الشيخ معرفت لم يرتَضِ هذا القول، وذهب في المقابل إلى الاعتقاد بأن مبدأ نزول القرآن ـ بوصفه كتاباً سماوياً ـ قد حدث في فترةٍ متأخّرة عن بداية البعثة. ومن هنا فقد ذهب به الاعتقاد إلى أنه قد بُعث بالرسالة في السابع والعشرين من شهر رجب، بينما نزل عليه القرآن بعد ذلك بثلاث سنوات في ليلة القدر من شهر رمضان المبارك([58]).

وقد قال سماحته في هذا الشأن: «إن أكثرية القائلين ببعثته‘ في شهر رمضان لعله قد اشتبه عليهم مبدأ حادث النبوّة بمبدأ حادث نزول القرآن كتاباً فيه تبيان كلّ شيء. وهذا الاشتباه يبدو من استدلالهم على تعيين يوم البعثة بما دلّ على أن القرآن نزل في ليلة القدر. وسنتحقّق أن لا صلة بين الحادثين؛ فقد بعث‘ في السابع والعشرين رجب، ولكنّ القرآن بسمته كتاباً مفصلاً بدأ نزوله على النبي‘ في شهر رمضان وفي ليلة القدر، بعد ثلاث سنين من نبوّته، فكانت مدّة نبوّته‘ ثلاثاً وعشرين سنة. ولكنّ فترة نزول القرآن مفرّقاً استغرقت عشرين عاماً، بدأت بدخول السنة الرابعة من البعثة، وختمت في عاشر الهجرة بوفاته‘»([59]).

وقد استنبط سماحته وجود فترة تفصل بين البعثة وبين بداية نزول القرآن الكريم بشكلٍ رئيس من خلال جمعه بين الروايات التي تحدِّد بداية البعثة بالسابع والعشرين من شهر رجب، والآيات والروايات التي تحدِّد زمن نزول القرآن بليلة القدر من شهر رمضان([60])، فتوصَّل بذلك إلى النتيجة المتقدِّمة([61]).

بَيْدَ أنه من المستبعد جدّاً أن تستمر هذه الفاصلة لأكثر من شهرين، ناهيك عن استمرارها لثلاث سنوات؛ وذلك أوّلاً: لأن سورة الحجر المشتملة على قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الحجر: 94) قد نزلت طبقاً لروايات أسباب النزول بعد ثلاث سنوات من الدعوة السرّية، أي في بداية السنة الرابعة من البعثة. وإن هذه السورة، طبقاً لروايات ترتيب النزول، تحمل التسلسل الرابع والخمسين من مجموع السور الستّ والثمانين النازلة في الحقبة المكية، ويبعد أن يكون هذا الكمّ الكبير من السور، والبالغ عددها أربعاً وخمسين سورة، قد نزلت بأجمعها في سنة واحدة أو سنتين، وأن تكون السور الباقيات، وعددها اثنتان وثلاثون، قد توزّعت على إحدى عشرة أو اثنتي عشرة سنة أخرى. فما ظنك بما يقوله الشيخ معرفت من القول بأن جميع السورة قد نزلت في بضعة أيام أو بضعة أشهر؟!

وثانياً: كما سبق أن ذكرنا، فإن سبب النزول التدريجي للقرآن ـ طبقاً لصريح القرآن ـ هو تثبيت قلب النبي الأكرم‘ طوال فترة نبوّته، وكان نزول الآيات يأتي بالتدريج بما يتناسب وأسئلة المشركين، لتقدّم الجواب الشافي والواضح([62]). وعليه كيف يمكن توجيه عدم حاجة النبي الأكرم‘ طوال السنوات الثلاثة الأولى من بداية دعوته إلى تثبيت قلبه، وأن المشركين في مكة طوال هذه المدّة لم يتقدموا له بأيّ أسئلة؟ إن ملاحظة مضامين السور الأولى النازلة على النبي، وهي: العلق والقلم والمزمل والمدّثر، تفيد أن النبيّ الأكرم‘ كان في أوائل دعوته يتعرّض بشدّة إلى تكذيب المشركين في مكة له، وكانوا ينسبون إليه التُّهَم العظيمة، من قبيل: الجنون والافتراء، بحيث كان يلازم سرير المرض ويتزمَّل، وكان الأمر عليه من المشقّة بحيث كان يودّ الفرار من قومه، كما صنع نبي الله يونس×([63]). من هنا لا يمكن القبول بأن النبي طوال هذه الفترة ـ من بداية دعوته التي كانت المشاكل والضغوط فيها أشدّ ـ لم يكن بحاجةٍ إلى تثبيت قلبه، وأن الناس لم يوجِّهوا له أيّ سؤال بشأن نبوّته ودعوته. وبذلك يثبت ضعف احتمال أن تمتدّ هذه الفترة لمدة طويلة تستغرق عدّة سنوات.

وعليه لا بُدَّ ـ بالالتفات إلى ما تقدَّم ـ من القول: إن النبيّ الأكرم‘ قد بُعث بالنبوّة في السابع والعشرين من شهر رجب، ثم نزل عليه القرآن في ليلة القدر من شهر رمضان (في واحدةٍ من الليالي العشر الأخيرة من شهر رمضان) من تلك السنة نفسها.

 

أوّل ما نزل من الوحي القرآني

هناك اختلافٌ في بيان أول ما نزل من القرآن الكريم وحياً على رسول الله‘.

فقد ذهب المشهور إلى القول بأن الآيات الخمسة الأولى من سورة العلق هي أول ما نزل من القرآن الكريم. وقد عمد الشيخ معرفت إلى إسناد هذا الرأي إلى الإمامين الصادق والعسكري’([64]). حيث ذكر في رواية عن الإمام العسكري أن الآيات الأولى من هذه السورة قد نزلت على رسول الله في غار حراء([65]).

والقول الثاني يذهب إلى أن سورة المدّثر هي أوّل الوحي نزولاً. ومنشأ هذا القول رواية عن جابر بن عبد الله الأنصاري، حيث أنكر كون سورة العلق أول ما نزل من الوحي، وتحدّث عن نزول سورة المدّثر على رسول الله عند نزوله من غار حراء، حيث بلغ بطن الوادي في طريقه إلى بيته([66]).

بَيْدَ أن الشيخ الأستاذ معرفت قال بعد نقله لهذه الرواية: يبدو أن هذا إنما كان اجتهاداً من جابر بن عبد الله؛ إذ لا دلالة لما رواه عن النبي الأكرم‘ على هذا المعنى. والأرجح أن جابراً كان ناظراً في هذه الرواية إلى ما بعد الفترة [فترة انقطاع الوحي]، فتصوّر أن ما نزل كان بداية الوحي.

وقد أيّد الشيخ معرفت هذا الرأي بروايةٍ أخرى عن جابر بن عبد الله الأنصاري بشأن الفترة، وهي قوله: «سمعت رسول الله‘ يحدّث عن فترة الوحي، قال: فبينما أنا أمشي إذ سمعت هاتفاً… فرجعت فقلت: زملوني، زملوني؛ فدثّروني» وجاء في نهايتها: ثم نزل الوحي بعد ذلك تباعاً([67]).

أما القول الثالث فيذهب إلى اعتبار سورة الحمد أول ما نزل من الوحي. وقد نسب الشيخ معرفت هذا القول ـ نقلاً عن الزمخشري ـ إلى أكثر المفسِّرين([68])، ويسنده إلى رواية في ترتيب نزول السور عن عليّ×([69])، وكذلك رواية أبي ميسرة عن رسول الله‘ ([70]). ثم قال: لا شَكَّ في أن النبي الأكرم‘ كان يصلي منذ بداية بعثته، وكان يصلي معه الإمام علي× وجعفر وزيد بن حارثة وخديجة بنت خويلد([71])، ولا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب([72]). وقد رُوي أن جبرئيل أول ما علّم رسول الله الوضوء والصلاة([73]). وعليه يجب أن تكون سورة الحمد أول ما نزل من القرآن بالتزامن مع بداية البعثة. وقال جلال الدين السيوطي: «لم يُحفظ أنه كان في الإسلام صلاةٌ بغير الفاتحة»([74]).

لا يرى الشيخ معرفت أيّ تعارض بين هذه الأقوال؛ حيث يذهب إلى إمكان الجمع بينها، حيث قال: إن الآيات الأولى من سورة العلق ـ طبقاً لإجماع المسلمين ـ قد نزلت لغرض بشارة رسول الله‘ بالنبوّة. وبعد مضيّ فترةٍ نزلت الآيات الأولى من سورة المدّثر، كما ورد في الرواية الثانية لجابر بن عبد الله الأنصاري. وأما سورة الحمد فهي أوّل سورة نزلت كاملة بوصفها قرآناً. وأضاف الشيخ معرفت قائلاً: وبطبيعة الحال إذا أخذنا السور بحسب ترتيب نزولها ستكون سورة الحمد هي السورة الخامسة في ترتيب النزول، كما هو الوارد في رواية جابر بن زيد([75])([76]).

وعليه فإن الشيخ معرفت يذهب إلى الاعتقاد بأن الآيات الأولى من سورة العلق قد نزلت بشارة للنبي الأكرم‘ بالنبوة، ولم تنزل بوصفها كتاباً سماوياً. وأما آيات سورة القلم والمزمّل والمدّثر ـ التي نزلت بدورها قبل سورة الحمد أيضاً ـ فلم تنزل بوصفها كتاباً سماوياً. أما سورة الحمد فقد نزلت بوصفها كتاباً سماوياً. كما يذهب سماحته إلى الاعتقاد بأن سورة الحمد قد نزلت بعد ثلاث سنوات من الدعوة السرية، أي في بداية السنة الرابعة من البعثة، وأن الآيات الثلاث التالية ناظرةٌ إلى نزول سورة الحمد في هذه السنة([77]):

ـ ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (القدر: 1).

ـ ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ (الدخان: 3).

ـ ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (البقرة: 185).

بَيْدَ أن هذا الرأي الذي ذهب إليه الشيخ معرفت يحتوي على العديد من الإشكالات، التي يمكن إجمالها كما يلي:

أولاً: إن الآيات [الخمسة] الأولى من سورة العلق لا تحمل مضموناً محدّداً. ولا نعلم كيف استفاد الشيخ معرفت منها أنها تحمل بشارة للنبي الأكرم‘ بالنبوة!

وثانياً: ليس هناك دليلٌ واضح على القول بأن نزول سورة الحمد كان بوصفها كتاباً سماوياً، وأن نزول السور السابقة كان لدواعٍ أخرى. فلم يوضِّح سماحته كيفية نزول سورة الحمد بوصفها كتاباً سماوياً، وعدم نزول سائر السور الأخرى بهذا الوصف!

ويبدو أننا إذا أردنا أن نميّز بين سورة الحمد وسائر السور الأخرى فإن ذلك سيكمن في الأسلوب المختلف لسورة الحمد عن سائر السور الأخرى؛ حيث إن سورة الحمد نزلت بصيغة توجيه الخطاب والكلام من الإنسان إلى الله، وأما سائر السور الأخرى فهي بصيغة خطاب من الله إلى الإنسان. وعلى هذا الأساس إذا اعتبرنا القرآن بمعنى إلقاء الوحي من قبل الله على البشر وجب القول: إن سورة الحمد ـ بهذا المعنى الخاص ـ ليس قرآناً، وأما سائر السور الأخرى فهي من القرآن. إن سورة الحمد دعاء قد تمّ تعليمه لرسول الله منذ بداية البعثة، ليقرأه في الصلاة، التي هي بدورها نوع من الدعاء. وأما سائر السور الأخرى فلم تنزل لهذا الغرض، وإنما نزلت بالتدريج بما يتناسب مع الظروف والمقتضيات والجواب عن أسئلة الناس وهدايتهم، وتثبيت قلب النبي الأكرم‘. وعليه لن تكون هناك منافاة بين القول بأن سورة الحمد قد نزلت في السابع والعشرين من شهر رجب في السنة الأولى من البعثة، بوصفها دعاء يتعلمه النبي ليقرأه في الصلاة. وقد استمر النبي الأكرم يصلّي، حتّى منعه أبو جهل من أداء الصلاة، فأدّى ذلك إلى نزول سورة العلق بعد ذلك بشهرين تقريباً ـ أي في ليلة القدر من شهر رمضان من تلك السنة ـ، بوصفها أول الوحي القرآني نزولاً على رسول الله‘، وذلك بداعي الهداية وتثبيت قلب رسول الله.

وثالثاً: إن سائر آيات سورة العلق المبدوءة بلفظ «كلا» تحكي عن تبعيتها للآيات الأولى منها؛ إذ لم يرِدْ في أيّ نص أدبي عربي معروف ـ ممّا يشكل كلاماً مستقلاًّ أعم من أن يكون شعراً أو نثراً ـ يبدأ بلفظ «كلا». من هنا يجب القول بأن سورة العلق قد نزلت دفعة واحدة، وبذلك لا يمكن أن تكون سورة العلق قد نزلت قبل سورة الحمد؛ وذلك لاشتمالها على صلاة رسول الله‘. ومع الالتفات إلى أنه لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب يجب القول بأن سورة الحمد قد سبقت في نزولها سورة العلق. والملفت أن الشيخ معرفت يذعن بأن النبيّ قد صلى في بداية البعثة، وصلّى معه الإمام علي× والسيدة خديجة، وأنه لا صلاة بغير فاتحة الكتاب، ولكنّه في الوقت نفسه يتحدّث عن نزول سورة الحمد بعد ثلاث سنوات من الدعوة السرّية.

ورابعاً: لقد اقترنت بداية الدعوة العلنية من قبل النبي الأكرم‘ بنزول سورة الحجر المشتملة على قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الحجر: 94)، حيث يُطلب منه‘ الجهر بالدعوة([78]). وطبقاً لروايات ترتيب النزول تحتل سورة الحجر التسلسل الرابع والخمسين. وعليه يكون اللازم من كلام الشيخ الأستاذ معرفت القائل بنزول سورة الحمد في بداية الدعوة العلنية أن هناك ما يقرب من خمسين سورة من السور التي نزلت قبل سورة الحجر قد نزلت في كثافةٍ مذهلة في بداية الدعوة العلنية، وأما سائر السور المكية الأخرى ـ البالغ عددها اثنتين وثلاثين سورة ـ قد نزلت طوال السنوات التسع أو العشر التالية.

وخامساً: لقد استند الأستاذ معرفت إلى رواية ترتيب النزول المأثورة عن الإمام عليّ×، وقال باعتبارها، في حين إن هذه الرواية تدلّ عى نزول سورة الحمد قبل سورة العلق. وإذا كان المناط على طبق فرضيته من اعتبار الآيات الأولى ملاكاً في تسلسل السور وجب أن تكون سورة العلق هي أوّل السور نزولاً، وليس سورة الحمد.

وسادساً: لقد استند سماحته بشأن نزول سورة الحمد في بداية الدعوة إلى رواية أبي ميسرة، حيث يبدو من ظاهر هذه الرواية أن سورة الحمد قد نزلت على رسول الله‘ في مستهلّ دعوته ورسالته. وقد ورد فيها أن النبي عندما كان يختلي لوحده يسمع نداءً، وتستولي عليه الرعدة. والمرة الأخيرة التي ناداه فيها الملك علمه سورة الحمد([79]).

وعليه فالصحيحُ هو القول بأن سورة الحمد قد نزلت على رسول الله‘ في مستهلّ الدعوة، وأن سورة العلق ـ كما ورد في رواية ترتيب النزول المرويّة عن الإمام عليّ× ـ قد نزلت بعدها.

ـ يتبع ـ

الهوامش

(*) أستاذٌ مساعد في جامعة قم.

([1]) Bowering Chronology and the Quran. Encyclopedia of Quran.

([2]) انظر: جلال الدين السيوطي، الإتقان في علوم القرآن 1: 94.

([3]) انظر: روايات ترتيب النـزول في كتب من قبيل: ابن العربي، الناسخ والمنسوخ 2: 9؛ ابن النديم، الفهرست: 51، 57؛ الزهري، تنـزيل القرآن؛ تاريخ اليعقوبي 2: 33، 43؛ الحسكاني، شواهد التنـزيل 2: 411، وغير ذلك.

([4]) انظر: محمد هادي معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 113.

([5]) انظر: المصدر السابق: 121.

([6]) انظر: المصدر نفسه.

([7]) انظر، المصدر السابق 1: 241 ـ 242.

([8]) انظر: المصدر السابق 1: 242، 243.

([9]) انظر: جلال الدين الفارسي، پيامبري وانقلاب: 18.

([10]) انظر: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 247، 248.

([11]) انظر: محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن 13: 235؛ الفارسي، پيامبري وانقلاب: 18.

([12]) انظر: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 132 فما بعد.

([13]) انظر: مهدي بازرگان، سير تحول قرآن 1: 15.

([14]) انظر: المصدر السابق: 116 ـ 127.

([15]) انظر: بلاشير، در آستانه قرآن: 277 ـ 278.

([16]) Weill.

([17]) Noldeke.

([18]) Schwally.

([19]) Rodwell.

([20]) Derenbeurg.

([21]) Blachere.

([22]) انظر: صبحي صالح، مباحث في علوم القرآن: 175 ـ 178؛ راميار، تاريخ قرآن: 619 ـ 524، 665 ـ 667؛ بلاشير، در آستانه قرآن: 273 ـ 287؛ محمد خليفة، الاستشراق والقرآن الكريم: 371 ـ 374، 107 ـ 110؛ نكونام، درآمدي بر تاريخ گذاري قرآن: 12 ـ 23.

([23]) Historisch – Kritische Einleitung in der Koran, Bielefeld, 1844.

([24]) A. T. Weich; Al-Kuran, The Encyclopaedia of Islam, v; Gerhard Bowering, Chronology and the Quran, encyclopaedia of Quran.

بلاشير، در آستانه قرآن: 277 ـ 281.

([25]) Geschichtedes Qorans, 1860.

([26]) 1861.

([27]) 1870 – 7.

([28]) A. T. Weich; Al-Kuran, The Encyclopaedia of Islam, v; Gerhard Bowering, Chronology and the Quran, encyclopaedia of Quran.

بلاشير، در آستانه قرآن: 277 ـ 281.

([29]) Life of Mahomet, London, 1858 – 61.

([30]) The Qoran, Its composition and Teaching, London, 1878.

([31]) Hirschfeld.

([32]) New Research into Composition and Exegsis of Qoran, London, 1902.

([33]) A. T. Weich; Al-Kuran, The Encyclopaedia of Islam, v; Gerhard Bowering, Chronology and the Quran, encyclopaedia of Quran.

بلاشير، در آستانه قرآن: 277 ـ 281.

([34]) Grimme.

([35]) 1892 – 2.

([36]) A. T. Weich; Al-Kuran, The Encyclopaedia of Islam, v; Gerhard Bowering, Chronology and the Quran, encyclopaedia of Quran.

بلاشير، در آستانه قرآن: 277 ـ 281.

([37]) Bell.

([38]) 1937.

([39]) A. T. Weich; Al-Kuran, The Encyclopaedia of Islam, v; Gerhard Bowering, Chronology and the Quran, encyclopaedia of Quran.

بلاشير، در آستانه قرآن: 277 ـ 281.

([40]) انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن 1: 57؛ بدر الدين الزركشي، البرهان في علوم القرآن 1: 266 ـ 268؛ محمد عبد العظيم الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن 1: 96 ـ 100.

([41]) انظر: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 110.

([42]) انظر: المصدر السابق 1: 128.

([43]) انظر: المصدر السابق 1: 63، 84؛ محمد هادي معرفت، التفسير الأثري الجامع 1: 66.

([44]) انظر: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 5: 241.

([45]) انظر: معرفت، التفسير الأثري الجامع 1: 59.

([46]) انظر: المصدر السابق 1: 57 ـ 67.

([47]) انظر: المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر 2: 204؛ أبو ريحان البيروني، الآثار الباقية: 93 ـ 94.

([48]) انظر: ابن جرير الطبري، جامع البيان 6: 364، 369 ـ 370.

([49]) انظر: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 244.

([50]) انظر: التوبة: 35 ـ 36.

([51]) انظر: الفضل بن الحسن الطبرسي، مجمع البيان 5: 45؛ محمد باقر المجلسي، بحارالأنوار 21: 382؛ الطبري، جامع البيان 6: 364؛ السيوطي، الدر المنثور 3: 422.

([52]) انظر: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 111 ـ 112.

([53]) انظر: المجلسي، بحار الأنوار 17: 239؛ 18: 204؛ ابن حجر، فتح الباري 2: 26؛ محمد بن جرير الطبري، تاريخ الطبري 2: 41، 44، 55، 57، 107، 110.

([54]) انظر: البلاذري، أنساب الأشراف 1: 114؛ تاريخ الطبري 1: 572.

([55]) انظر: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 104.

([56]) انظر: المجلسي، بحار الأنوار 18: 189، 204؛ 94: 35، 37، 51؛ حسين النوري، مستدرك الوسائل 6: 289؛ 7: 518 ـ 519، 291؛ الحر العاملي، وسائل الشيعة 7: 329؛ 5: 242؛ الحسكاني، شواهد التنـزيل 2: 500.

([57]) انظر: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 106.

([58]) انظر: المصدر السابق 1: 105.

([59]) المصدر السابق: 108.

([60]) انظر: السهيلي، الروض الأنف 2: 415؛ الواحدي، أسباب النـزول: 9؛ ابن جرير الطبري، جامع البيان 1: 150؛ 12: 651؛ الحويزي، نور الثقلين 1: 167؛ 4: 624؛ 5: 625؛ الحر العاملي، وسائل الشيعة 7: 256، 259؛ السيوطي، الدر المنثور 1: 343؛ ابن عساكر، ترجمة الإمام عليّ من تاريخ مدينة دمشق 3: 403؛ تفسير العياشي 1: 80؛ المجلسي، بحار الأنوار 94: 25؛ تاريخ الطبري 1: 528.

([61]) انظر: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 116 ـ 124.

([62]) انظر: الفرقان: 33 ـ 34.

([63]) انظر: القلم: 48.

([64]) انظر: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 124.

([65]) انظر: المصدر نفسه.

([66]) انظر: صحيح مسلم 1: 99، نقلاً عن: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 125.

([67]) انظر: صحيح مسلم 1: 98؛ صحيح البخاري 1: 4، نقلاً عن: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 125.

([68]) انظر: الزمخشري، الكشاف في تفسير القرآن 4: 77، نقلاً عن: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 126.

([69]) انظر: الفضل بن الحسن الطبرسي، مجمع البيان 10: 405، نقلاً عن: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 126.

([70]) انظر: الواحدي، أسباب النـزول: 11، نقلاً عن: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 126.

([71]) انظر: تفسير القمي: 353، نقلاً عن: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 126.

([72]) انظر: الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين 1: 238 ـ 239؛ صحيح مسلم 2: 9، نقلاً عن: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 126.

([73]) انظر: ابن هشام، السيرة النبوية 1: 260 ـ 261؛ بحار الأنوار 18: 184، 194، نقلاً عن: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 126.

([74]) السيوطي، الإتقان في علوم القرآن 1: 12، نقلاً عن: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 126.

([75]) انظر: المصدر السابق: 25، نقلاً عن: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 127.

([76]) انظر: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 125 ـ 127.

([77]) انظر: المصدر السابق: 108.

([78]) انظر: تاريخ اليعقوبي 2: 19؛ ابن هشام، السيرة النبوية 1: 280؛ ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب 1: 40؛ بحار الأنوار 18: 193، نقلاً عن: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 111.

([79]) انظر: الواحدي، أسباب النـزول: 11، نقلاً عن: معرفت، التمهيد في علوم القرآن 1: 126.

الكاتب د. جعفر نكو نام

د. جعفر نكو نام

مواضيع متعلقة

اترك رداً